رأي

السُلطة وحملات المقاطعة: المعركة على الرأي العام

الإثنين 06 شباط 2017
بائع خضار في سوق العبدلي، شتاء 2011. تصوير Sierra West.

بقلم شاكر جرار

شهدت البلاد منذ بداية العام الحالي مجموعة من حملات المقاطعة الشعبية كردة فعل على رفع الحكومة لأسعار بعض السلع والخدمات، أو نيتها رفعها. كان أولها حملة مقاطعة البيض والبطاطا، ثم تلتها حملة «سكر خطك» لمقاطعة شركات الاتصالات، بعد إعلان الحكومة نيتها فرض رسوم إضافية على المستخدمين. هذه الحملات لاقت إقبالًا وتضامنًا شعبيًا واسعًا، تحديدًا بين الفئات الاجتماعية الأشد تضررًا من الوضع الاقتصادي الحالي، القائم على «الجباية من جيوب المواطنين»، كما يقول الكثير من القائمين على هذه الحملات.

هذا التفاعل الشعبي مع حملات المقاطعة بلغ مستويات لا يمكن الاستهانة بها، حيث وصل عدد المشاركين في صفحة حملة البيض والبطاطا إلى أكثر من مليون وثلاثمئة ألف شخص، قبل أن تُغلق ويعاد فتح صفحة جديدة استقطبت حتى الآن أكثر من مئة ألف شخص. وأخذ هذا التفاعل أشكال عدة، منها تعبير الأفراد عن امتعاضهم من رفع الأسعار على هذه الصفحات أو صفحاتهم الخاصة، ودعوة الناس إلى المشاركة في المقاطعة بإرسال رسائل نصية إلى الهواتف الجوالة، أو التوقف عن شراء هاتين السلعتين، مما أدى إلى خفض سعر السلعتين بحوالي 30%.

النجاح الذي حققته حملة مقاطعة البيض والبطاطا شجع الكثيرين على الاقتناع بجدوى هذه الحملات، وضرورة توسيع السلع المشمولة بالمقاطعة. فأعلن ناشطون عن توجههم لمقاطعة المحروقات والعمل على وقف المركبات لمدة زمنية محددة وعدم استخدامها إلا للضرورة القصوى، احتجاجًا على رفع أسعار المشتقات النفطية والمحروقات والمطالبة بتخفيض قيمتها بما يعادل السعر العالمي.

من مقاطعة «اللورباك» إلى مقاطعة البيض

خلال العقود الماضية، شهد المجتمع الأردني العديد من حملات المقاطعة. فمنذ توقيع معاهدة وادي عربة مع الكيان الصهيوني، ظهرت عدة حملات لمقاطعة السلع والمنتجات الإسرائيلية، لكنها بقيت محصورة ولم تأخذ بعدًا شعبيًا واسعًا كالذي نشهده اليوم وذلك بحكم طبيعة المنتج المستهدف من المقاطعة. فالأفوكادو، على سبيل المثال، الذي كان من بين السلع المستهدفة في تلك الحملات يعتبر منتجًا كماليًا، غير أساسي، وباهظ الثمن بالنسبة للكثير من أبناء الطبقات الفقيرة والوسطى، كما كان الأمر بالنسبة لحملة مقاطعة المنتجات الدنماركية ردًا على الرسومات المسيئة للرسول الكريم، التي نشرت عام ٢٠٠٥. أذكر أنني كنت قبل سنوات في زيارة لصديق في مخيم الحصن، حين أتى رجل بسيارته ليوزع ملصقًا يحوي قائمة بالمنتجات الدنماركية التي تجب مقاطعتها، وإذ بصديقي يمزق الملصق ويقول لصاحبه «مجنون إنت؟ جاي تقول للمخيم قاطعوا زبدة لورباك؟ ما احنا طول عمرنا مقاطعينها»، بسبب ارتفاع سعرها.

لم تعد السلطة الجهة الوحيدة القادرة على مخاطبة الناس وإقناعهم، بل أصبح هناك أطراف أخرى تدعو وتؤثر وتحشد أعدادًا كبيرة من الناس، وتخاطبها بأقل التكاليف وبأسرع وقت.

لقد تفاوت حجم تفاعل الناس مع حملات المقاطعة السابقة وفقًا لطبيعة الحدث وطبيعة السلعة المستهدفة بالمقاطعة، لكن تفاعل الناس مع حملات المقاطعة الحالية، باعتقادي، أوسع بكثير من الحملات السابقة لأسباب عديدة، أوّلها أن طبيعة السلع التي ارتفعت أسعارها تعد سلعًا أساسية، سواء البطاطا أو البيض وحتى الهواتف الجوالة. ثانيًا، ترافق ارتفاع أسعار السلع مع تدهور الوضع الاقتصادي، مقارنة بالعقد الماضي، وشعور المواطن بالغبن نتيجة غياب العدالة الاجتماعية، واتساع الفجوة أكثر فأكثر بين الأغنياء والفقراء. وثالثًا، الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الرأي العام من جهة، والشعور العام بأن المساحة التي تتيحها هذه الوسائل هي المساحة الوحيدة الآمنة إلى حد ما للتعبير عن الغضب تجاه السياسات الاقتصادية التي أفقرت المواطن. جاء ذلك في ظل تزايد حالات قمع السلطة السياسية لمعارضيها في الآونة الأخيرة، خاصة مع حملة الاعتقالات الأخيرة التي استهدف الداعين للمقاطعة، باعتقال الناشط عصام الزبن منشئ صفحة حملة مقاطعة البيض والبطاطا، بالإضافة إلى أربعة نشطاء من القائمين على حملة «سكر خطك».

كسر احتكار صناعة الرأي العام

علمنا غرامشي أن الدولة لا تحكم بالقوة فقط، بل بالهيمنة المتمثلة بإنتاج القبول والرضا. لقد استطاعت السلطة السياسية في الأردن ولعقود طويلة الهيمنة على وسائل صنع الرأي العام والتأثير فيه. إذ هيمنت السلطة لوحدها على الراديو والتلفاز والصحيفة والجامع وغيرهم، وأنتجت من خلال هذه الأدوات خطاب «الحقيقة الواحدة» الذي ساهم بشكل مباشر ورئيس في خلق الثقافة السائدة وتشكيلها؛ ثقافة السلطة السياسية الحاكمة.

مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ممكنًا تشكيل خطاب وثقافة بديلين عن ثقافة السلطة وخطابها القائمين، فلم تعد السلطة الجهة الوحيدة القادرة على مخاطبة الناس وإقناعهم، بل أصبح هناك أطراف أخرى تدعو وتؤثر وتحشد أعدادًا كبيرة من الناس، وتخاطبها بأقل التكاليف وبأسرع وقت. ونحن نلاحظ اليوم أكثر من أي وقت مضى فقدان الدولة احتكارها لأدوات الهيمنة، وهذا ما يجعلها تتجه شيئًا فشيئًا إلى أدوات القهر والقوة، وما الاعتقالات الأخيرة إلا دليل على ذلك. وأصدق تعبير على ذلك هو هاشتاغ «سكر ثمك» الذي انتشر إثر اعتقال النشطاء الأربعة من القائمين على حملة مقاطعة شركات الاتصالات «سكر خطك»، على سبيل السخرية من لجوء السلطة للقوة وضيق صدرها من أي شكل من أشكال الاحتجاج، حتى أكثرها سلمية.

في الأيام الماضية، حاولت مراقبة مدى تفاعل الناس مع حملات المقاطعة، حتى لو إلكترونيًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. أحد مؤشرات هذا التفاعل كان ما جرى صفحة الإعلامي الشهير محمد الوكيل، الذي خرجت دعوات لمقاطعته ردًا على ما قيل إنه تحريض منه على حملات المقاطعة. تفاجأت بمدى إقبال العديد من الناس والتزامهم بقرار مقاطعة شخص لا يعد التحريض شيئًا جديد عليه، لكن الجديد هو ردة الفعل الحازمة، إذ تناقص أعداد المعجبين بصفحته بحوالي 7000 معجب منذ الساعة الرابعة فجرًا وحتى الساعة العاشرة من صباح اليوم، أي بمعدل أكثر من ألف ومئة شخص في الساعة.

هذا التفاعل الجديد نوعًا واتساعًا قد يشير إلى أن هناك ثقافة جديدة، نستطيع أن نسميها «ثقافة المقاطعة»، بدأت تطفو على السطح وتأخذ أشكالًا شعبية، ولعل أهم وأول إنجازاتها أنها أثبتت أن أدوات الهيمنة وصنع الرأي العام والتأثير فيه لم تعد حكرًا على السلطة وحدها، وإن كان ثمن ذلك هو عودة السلطة لأدوات القهر التي استخدمتها لعقود.