رأي

المغترب الأردني بعيون وزارة الخارجية: مصدر تحويلات لا صوت له

الإثنين 15 شباط 2016

تأتي الخطة الاستراتيجية للمغتربين تنفيذًا للرؤى الملكية وتوجيهات مولاي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه على أهمية تعزيز التواصل مع أبناء الوطن في بلاد الاغتراب وتوثيق تواصلهم مع وطنهم الأم. واستجابة للرغبة الملكية السامية حرصت الحكومة على إيلاء المغتربين الأردنيين جلّ اهتمامها، وعملت على إضافة مسمى «شؤون المغتربين» إلى وزارة الخارجية.
– ناصر جودة، وزير الخارجية وشؤون المغتربين.

قررت الحكومة الأردنية تغيير مسمى وزارة الخارجية بإضافة كلمة «شؤون المغتربين» في آذار عام 2013، قبل أيام من إطلاق سراح الأردني خالد الناطور الذي فُقد في السعودية لنحو ثلاثة أشهر، وقبل أشهر من فقدان الأردني المغترب فادي مسلم في السعودية كذلك لنحو ثمانية أشهر.

حينها، أثار تغيير المسمى العديد من التساؤلات، أبرزها أثر إضافة شؤون المغتربين على عمل الخارجية، وما قد يعنيه ذلك على نحو مليون مغترب أردني نسبة عالية منهم في دول الخليج، كان منهم 1464 معتقلًا في 39 دولة بحسب إحصائيات الخارجية لآذار 2013، قد لا يكون آخرهم الصحفي تيسير النجار المعتقل في الإمارات منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

كل هذه البرامج وتفصيلاتها تغيب عنها الخطوات الواضحة للتطبيق، حتى في الخطة الاستراتيجية نفسها.

أن تملك الخارجية الأجوبة على تساؤلات الأهالي عن أبنائهم المفقودين والمعتقلين دون أن تعلنها فتلك مصيبة، لكن ألّا تعلم فالمصيبة أعظم، وتفتح باب السؤال عن سياسات الخارجية وأدواتها في حماية مصالح رعاياها في الخارج، والأهم أنها تجعلنا نسأل عن معنى المغترب في عيون وزارة خارجيته.

الناطقة باسم الخارجية صباح الرافعي، التي يُعرف عنها تجاوبها الجيد كمًّا مع الإعلام، غالبًا ما تجيب على أسئلة الصحفيين المتعلقة بالمفقودين الأردنيين في الخارج بأن «الخارجية لا زالت تنتظر إيفادها بالمعلومات». هذا الجواب الذي تحاول به الخارجية تخليص نفسها من الضغط الشعبي يكاد يقول أن عدم امتلاك المعلومات عن أردني في الخارج أمر هيّن، لكنه في الحقيقة قد يكون ذلك مؤشرًا لجوهر المشكلة الأكبر، المتعلق بآليات التعامل مع المغتربين.

في الخطة الاستراتيجية للمغتربين للأعوام 2014-2018 والتي أقرها مجلس الوزراء في نيسان 2014، توضح الوزارة رؤيتها وأهدافها وبرامجها ورسالتها وقيمها، بتعابير فضفاضة. فرغم أن برنامج الوزارة لحماية حقوق ومصالح المغترب الأردني على سبيل المثال يشتمل على عدة مهام منها زيادة قدرة البعثات في الدفاع عن حقوق الموقوفين والمعتقلين في الخارج، إذ لم توضح كيف الوزارة ستزيد قدرة البعثات من النواحي القانونية في الدفاع عن الموقوفين والمعتقلين بالخارج، في الوقت الذي لا تتمكن به هي من معرفة مصير أردني يفقد لأشهر في دولة خليجية مثلًا.

من جهة أخرى، تندرج تحت برنامج مأسسة وتعميق التواصل بين المغترب والوطن عناوين جميلة مثل«الحفاظ على لغتك الأم»، تواصل مع وطنك»،» دعم مشاركة المرأة المغتربة في نشاطات الجمعيات والأندية الأردنية»، «دعم إقامة تجمعات متخصصة لسيدات الأعمال في مجالات التنمية»، «وإقامة مؤتمر المغتربين الأردنيين».

كل هذه البرامج وتفصيلاتها تغيب عنها الخطوات الواضحة للتطبيق، حتى في الخطة الاستراتيجية نفسها. ففهرس الخطة يورد بندًا للخطة التنفيذية، لكن هذا الجزء يغيب عن النص الفعلي. وحاول حبر الحصول على الخطة التنفيذية عبر التواصل المباشر مع الوزارة دون جدوى.

المغترب محفظة مالية

في مادة صحفية نشرتها وكالة الأنباء الأردنية، بعنوان «شؤون المغتربين في الحكومة الجديدة.. تطلعات وآمال» للترحيب بالتغيير الذي طرأ على مسمى الوزارة والدور المأمول منها، أغرقت الوكالة بالحديث عن المنافع الاقتصادية للمغتربين.

يشير التقرير إلى ارتفاع تحويلات المغتربين الأردنيين خلال شهرين بعد الحكومة الجديدة، ودور رجال الأعمال في التنمية الاقتصادية وتشجيع الاستثمار، مع تغييب باقي القضايا الحقوقية بحقهم باستثناء ما أضافه أحد الضيوف بشكل خجول حول أمله بفتح باب الانتخاب أمام الأردنيين في الخارج.

في ذلك الحين، كان الرأي العام لا يزال منشغلًا بالسؤال حول تفاصيل ما حدث مع الأردني الناطور، والذي يقع تحديدًا ضمن اختصاص «شؤون المغتربين»، في وقت كان نحو 150 أردنيًا يخوضون فيه إضرابًا عن الطعام في السجون السعودية، إلى جانب 17 آخرين في سجون الاحتلال احتجاجًا على سوء ظروف الاعتقال وصمت الخارجية عنهم، فضلًا عن الاحتجاجات القديمة الحديثة على  فقدان التواصل مع معتقلين في السجون العراقية انتهت محكومياتهم.

التعامل مع المغتربين بوصفهم مصدرًا للتحويلات المالية بدا كذلك عند إقامة مؤتمر الأردنيين في الخارج لعام 2015، تحت شعار «الأردن يجمعنا». فبعيدًا عن الانتقادات التي نالها المؤتمرحول وصوله للجمهور المستهدف، من قبل العديد من المغتربين الذين لم يعرفوا عنه أو يتم دعوتهم له، كان محتوى المؤتمر نفسه معبرًا عن تعامل الوزارة مع المغتربين على نطاق أوسع.

لم تتناول جلسات المؤتمر أي قضايا تصب نحو تفعيل مواطنة المغترب الأردني في الخارج، كالمشاركة في الانتخابات النيابية أو البلدية

ففي اليوم الأول للمؤتمر بحسب البرنامج المنشور على موقعه، تعرّف الحضور على تاريخ وحاضر ومستقبل الأردن المشرق وقصة نجاحة في أبرز المجالات، وتناقش الحضور على الغداء حول «دور أزواج وزوجات رؤساء البعثات الدبلوماسية في تعزيز التواصل مع الأردنيين في الخارج»، ثم أسهب المشاركون بالحديث عما ينعم به الأردن من أمن واستقرار، مذكّرين في جلسة أخرى بالوجه السياحي الجميل المتميز للأردن، وأهمية تشجيع الاسثمار السياحي.

بعد الدروس التاريخية والسياسية في اليوم الأول، ارتفع الاهتمام بالتنمية الاقتصادية في اليوم الثاني، وانصبّت الجهود نحو تشجيع المغترب على الاستثمار، بجلسة عامة عن «نجاحات الأردن في القطاعات الاقتصادية الاسثمارية، وسياساته المالية والمصرفية الجاذبة المتميزة، والجهود المبذولة لتشجيع الاسثمار على المستويات التشريعية والتنفيذية والترويجية»، ثم حديث مطوّل آخر عن الصناعات الوطنية وتخفيض نسب البطالة. ولم يفلت المغتربون الشباب من التركيز الاستثماري، فقد أُفردت لهم جلسة تتناول قضايا «ريادة الأعمال»، طرحت آفاق الاستفادة الاقتصادية التنموية من المغترب الشاب.

وبعيدًا عن الاستثمار، عقدت جلستان حول «دور الإعلاميين في الخارج» و«تطوير الخدمات للمغتربين»، تناولتا قضايا تنسيق الجهود خارجا وداخليا للوصول إلى «كل ما من شأنه رفعة الوطن وأبناء الوطن»، إلى جانب العديد من الشعارات الأخرى، بحسب الملخصات المنشورة على موقع المؤتمر.

لم تتناول الجلسات أي قضايا تصب نحو تفعيل مواطنة المغترب الأردني في الخارج، والذي قد يكون قدّ تجنس بدولة أخرى تفتح له باب الانتخاب والتعبير عن رأيه وحمايته في حال تعرض للاعتقال، وهي قضايا قد لا توفرها له بلده الأم، ولم تتناولها أصلا في أول مؤتمر يعقد للمغتربين الأردنيين.

فالمغترب الأردني الذي لا يملك حق المشاركة الانتخابية سواء في الانتخابات النيابية أو البلدية، لا يطلب منه سوى أن يفكر كيف يشجع الاستثمار في الأردن. والشاب الذي يخشى التعبير عن رأيه خوفًا من الاعتقال مع غياب جهة تدافع عنه، عليه أن يفكر بآفاق ريادة الأعمال، والإعلامي الذي قد لا يعود من دولة خليجية يعمل بها ولا تملك وزارة المغتربين معلومات عنه، عليه أن يفكر بتنسيق الجهود لرفع شأن الوطن، أما من تجاوب مع الدولة من المتجنسين في الخارج واستثمر في الأردن وسعى لتنمية إقتصادية، عليه ألا يفكر بالعودة للأردن ساعيًا لمنصب ما، وهو ما قد يكون منطقيًا نظرًا لخبرته، فالدستور الجديد بات يمنع مزدوجي الجنسية من تولي المناصب عليا.

كل تلك القضايا التي قدّ يفكر بها المغترب قبل أن يساهم فعلًا في تنمية الوطن، لم تكن حاضرة في مؤتمر يعقد لتشجيع الاستثمار.

ماذا تملك الخارجية؟

في يد وزارة الخارجية اتفاقيات دولية، وأخرى للتعاون القانوني والقضائي موقعة بين الأردن ودولة الإمارات العربية، يُطالَب الأردن باستخدامها للضغط على الإمارات في معرفة مصير تيسير النجار، واتفاقيات التعاون القانوني والقضائي مع المملكة العربية السعودية التي كان من الممكن استخدامها للبحث عن الناطور، والتصعيد الدبلوماسي الذي يمكن اتباعه مع دولة الاحتلال للإفراج عن الأسرى الأردنيين هناك، أو على الأقل تسهيل زيارات عائلاتهم. لكن على الجهة الأخرى، هناك اتفاقيات تجارية واقتصادية قد تجعلها تفكر مرتين قبل اللجوء للأدوات السابقة.

تتناول بيانات الأردن لعام 2014 زيادة التبادل التجاري مع دول منطقة التجارة الحرة العربية بنسبة 3.7%، ناهيك عن المنحة الخليجية للأردن بقيمة 5 مليارات دولار والتي تشارك بها الإمارات والسعودية، إلى جانب العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الأخرى بينهما. تلك المعادلة قد تعني أن تضحي الخارجية بمصير فرد من أجل مصالح الدولة السياسية والاقتصادية.

إذا كانت الخارجية والدولة عمومًا، تتعامل مع المغتربين بمنطق «مصلحة الجماعة» التي قد تغلب حقوق ومصالح هؤلاء المغتربين، فقد يكون من الصعب على المغترب الأردني أن يشعر بالولاء والانتماء كفرد لهذه الجماعة، وأن ينبري في العمل خدمةً لمصلحة الجماعة الاقتصادية.