رأي

وسائل التواصل، والإشاعة والحريات في عرف السلطات الأردنية: العربة أولا ثم الحصان

الثلاثاء 07 آب 2018
الرسم للفنان نضال خيري

لا تجمع الطبقة الحاكمة الأردنية، بمن فيها من مسؤولين حاليين وسابقين وكتاب صحفيين على شيء بقدر ما تجمع على ضرورة تحميل الرأي العام مسؤولية أي انحدار جديد في سلسلة التدهور التي تعيشها البلاد. كان ذلك أوضح ما يكون خلال الأيام الماضية التي عاشت فيها الأردن سلسلة من الأحداث، بدءًا مما قيل رسميًا أنها مصانع لتزوير علامات سجائر دولية تعود ملكيتها لرجل الأعمال المقرب من رموز برلمانية ورسمية، عوني مطيع، مرورًا بالجدال حول غياب الملك عن الأردن وما تناقله الناس على وسائل التواصل الاجتماعي عن مبرراته وأسبابه.

وسائل التواصل تلك هي الكبش الذي باتت طبقة الحكم الأردنية تطالب برأسه فداء لصورة «السيستم» التي لا ينقصها التشويه.

كان رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز قد عبر عن استيائه مما وصفه بالتردي الذي لحق بأخلاق الأردنيين على وسائل التواصل الاجتماعي. ليبرر استنتاجه، شرع الفايز أثناء جلسة له في غرفة تجارة إربد بقراءة سيل من الشتائم والانتقادات الموجهة لشخصه على فيسبوك، حتى قاطعه أحد الحضور محتجًا بالقول إن هذه ليست أخلاق الأردنيين وأن على المسؤول أن يمتنع عن التعميم، ليستدرك الفايز بالقول إنها على الأقل أخلاق أكثر الأردنيين. «إذا بدك بحكيلك أسماء من كل عشائر الأردن»، قال الفايز لمنتقده.

الحل لمعضلة وسائل التواصل الاجتماعي، بتصور الفايز، يكمن في ذات الديباجة التي ينسخها المسؤولون من خطاب لآخر ومن مداخلة لأخرى: تعزيز الانتماء الوطني، دعم الشباب وتوفير فرص العمل. لكن الأهم طبعًا، وهذا مما لن يفوّته مسؤول أردني حين يتعلق الأمر بوسائل التواصل، تغيير القوانين وتغليظ العقوبات بحق من يسيئون استخدام تلك القنوات.

هذه الوصفة المكرورة حول ضرورة قوننة وسائل التواصل الاجتماعي للحد من تأثيراتها «السلبية»، هي ذاتها التي يقدمها لنا مسؤول آخر خرج من رحم الجسم الصحفي. يقول عضو مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخابات فيصل الشبول إن على الأردنيين «الاقتداء بالمجتمعات والدول المتقدمة تكنولوجيًا وديمقراطيًا وحضاريًا في مواجهة سلبيات هذه الثورة [وسائل التواصل]».

يطالب الرئيس الأسبق لكل من وكالة الأنباء الأردنية بترا والتلفزيون الأردني، بالاقتداء بدول متقدمة لتشريع ما يناسب خصوصية الأردن من قوانين للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي. استذكار الدول المتقدمة يأتي فقط حين يتعلق السياق بالمنع والكبت وتقييد الحريات. فيما تغيب تلك الدول المتقدمة تمامًا عن أذهان المسؤولين بمجرّد تعلق الأمر بالإصلاح، والحريات المدنية، والديمقراطية وحق الوصول للمعلومة!.

الإشاعة والوصول للمعلومة: الحصان أولًا أم العربة؟

يبرر المسؤولون ضرورة تقنين وسائل التواصل الاجتماعي بالسعي لمحاربة الإشاعة والحد من الأخبار الكاذبة. على أنه دفاع، وإن بدا محقًا، إلأ أنه الحق الذي يراد به الباطل.

ورغم الإقرار بأن لمثل تلك الشائعات انعكاساتها المحتملة والخطيرة على أي مجتمع وليس فقط الأردني، إلّا أن ما لا يود المسؤولون الالتفات له هو أن السبيل لإنهاء الشائعة لا يجري عبر الأساليب الاستخبارية في مراقبة المحتوى، وإصدار القوانين العرفية، أو إغلاق قنوات الاتصال، وضرب ستار حديدي حول المجتمعات وإعادتها لحقب الأحكام العرفية في الألفية الثالثة وعصر الإنترنت.

ينسى المسؤولون الأردنيون الحاليون والسابقون أن الإشاعة تتغذى بالأساس على غياب المعلومة التي يملكها المسؤولون بشكل حصري. عادة ما تلجأ المجتمعات لما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار غير موثقة حين يتملكها اليأس من الحصول على المعلومة الدقيقة من مصدرها الأولي الرسمي.

وسائل التواصل هي الكبش الذي باتت طبقة الحكم الأردنية تطالب برأسه فداء لصورة «السيستم» التي لا ينقصها التشويه.

تنسى طبقة الحكم الأردنية أيضًا أن الشائعات، حتى وإن كانت عابرة للثقافات والمجتمعات على اختلاف مستويات تطورها، إلا أنها أقل رواجًا في المجتمعات المتقدمة ديمقراطيًا حيث قنوات الاتصال مفتوحة بين السلطات والصحافة وحيث المعلومة حق لا مكرمة. وسائل التواصل الاجتماعي في هذا السياق ليست سوى المرآة التي تعكس طبيعة العلاقة بين السلطات والناس. وهي في حالة الأردن تمثل انعكاسًا لغياب الحكم الرشيد المبني على تلازم السلطة والمسؤولية، وحكم القانون، والحريات المدنية.

في مقال حول مكافحة الأخبار الزائفة والإشاعات على وسائل التواصل الاجتماعي، يرى الباحث في معهد بروكينغز الأميركي، دارل ويست، أن السبيل لمكافحة الإشاعة يتم عبر جهد مشترك للأطراف المعنية من مواطنين وشركات وحكومات. وهو إذ يشير لدور الحكومات، لا يتطرق مطلقًا لما يطالب به أعضاء الطبقة الحاكمة الأردنية من تقييد للحريات. على العكس تمامًا، يرى ويست أن دور الحكومات ينصبّ على تهيئة المناخ لصحافة مستقلة، وحرة ومهنية. فيما تقع على عاتق القطاع الصحفي مهمة بناء محتوى مهني رفيع لجسر هوة الثقة مع الرأي العام.

ويحذر الكاتب الحكومات من التضييق على الحريات الصحفية أو مراقبة المحتوى الصحفي باعتبار الإعلام السبيل الأمثل لمكافحة الإشاعة على وسائل التواصل.

إلا أن ما يحدث في الأردن هو العكس تمامًا.

حتى العام الماضي تراجعت الأردن ثلاث مراتب على مؤشر الحريات الصحفية الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود ليحل في المرتبة 138 على مستوى العالم، فيما تواصل احتجاز الصحفيين بالاستناد لنصوصٍ في قانوني منع الجرائم الإلكترونية والمطبوعات النشر.

أين الصحافة المحلية؟

ربما ما يزيد الأمر سوءًا في الحالة الأردنية هو حالة الضعف والهشاشة المهنية التي تعيشها الصحافة المحلية. الواقع اللاديمقراطي الذي تعيشه البلاد أوصل الصحافة المحلية إلى استبطان «الخطوط الحمراء» وفرض أشكال مختلفة من الرقابة الذاتية على مواضيعها وأساليب تغطياتها للشأن العام على نحو جردها من صلتها بأولويات الرأي العام.

يقول آخر تقارير مركز حماية حرية الصحفيين الأردني أن نحو 94٪ من الصحفيين يمارسون شكلا من أشكال الرقابة الذاتية على عملهم. خلق هذا الواقع فراغًا ملأته وسائل التواصل الاجتماعي، أو للدقة، ملأه المواطنون أنفسهم بوصفهم من ينتجون المحتوى الذي نقرأه على تلك المنصات.

مع هذا الغياب للصحافة المهنية المعبرة عن مصالح الرأي العام، من غير المفهوم كيف يتوقع المحللون والكتاب الصحفيون القريبون من السلطة أن يتوقف الأردنيون عن طلب المعلومة فقط لأن النظام المحتكر لها لا يؤمن بحقهم بالحصول عليها، أو لأنه يريد لهم أن يمتنعوا عن طلبها ومشاركتها حتى على التطبيقات المتاحة مجانًا عبر هواتفهم الشخصية!

معرفة محرمة

من غير المستغرب أن يذهب المحللون والكتاب المقربون من السلطات إلى هذا الحد في هجومهم على وسائل التواصل الاجتماعي وحق الأردنيين في المعرفة عقب اعتبار بعضهم مجرد السؤال عن أسباب سفر الملك الأخير بمثابة خيانة عظمى، مستعيدين خطاب الشرعية الدينية والحق الإلهي في الحكم، لتتحول «تهمة» طلب المعرفة إلى ما يشبه الهرطقة.

صحيفة الرأي الممثلة للدولة نشرت في صدر صفحتها الأولى مقالًا مطولًا للكاتب أحمد سلامة هاجم فيه من «تجرأوا» بالسؤال عن غياب الملك واصفًا إياهم مرة بالعصابة، وأخرى بدعاة الفتنة وبزمرة الأفاقين والمشككين، ثم ليشمل في هجومه حتى المطالبين بتجديد العقد الاجتماعي.

«كل حملة شعار أين الملك ومن جاورهم من دعاة العقد الاجتماعي الذين مرروه لجهالة أو خيانة وجماعة الاعتقاد الذين توهموا أنهم هم من أتوا بحكومة جديدة وهم من عينوا رئيس الوزراء الجديد هؤلاء وأولئك وما بينهما فاسق جاحد بحقوق الوطن عليه».

لا يمكن اعتبار هذا الخطاب إلّا تعبيرًا عن قناعات الدولة، بما هي الجهاز الرسمي المعبر عن النظام السياسي في البلاد. هذا الخطاب الرافض تمامًا لفكرة طلب المعلومة من حيث المبدأ، بل والرافض تمامًا حتى لجوهر فكرة الإصلاح وتجديد العقد الاجتماعي، يجري تبنّيه على الصفحة الأولى لصحيفة الدولة. والحال كذلك، لا يجب أن يكون مستغربًا إقبال المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومة غير الموثقة، في ظل إعلام منحاز بالكامل للسلطة ومتشرب تماما لخطابها العرفي.

الشيطنة وصولًا للتجريد من الحقوق

تشترك طبقة الحكم بمختلف أطيافها في اعتقادها أن للمعرفة حدودًا، وأن تجاوز تلك الحدود ينبغي تجريمه. وفي العمق، ترتكز تلك الخلاصة على مقدمة مفادها أن حالة الفساد العام في البلاد ليست سوى منتج من منتجات المجتمع لا السلطة السياسية الحاكمة، تمامًا كما عبر عن هذا الكاتب في يومية الغد فهد الخيطان. هي «ثقافة شعبية راسخة» يقول الخيطان في حديثه عن التعدي على موارد الدولة، ليخلص إلى أن الإصلاح لا يمكن له أن يتحقق من الأعلى بل «من تحت».

حتى أبرز المطالبات الإصلاحية في البلاد تبدو في إطار هذه الرؤية بلا قيمة، «الإصلاح يبدأ من تحت لا من فوق، حتى لو شكلنا ألف حكومة برلمانية، فلن نبلغ المبتغى».

غني عن القول أن هذه المقاربة تتغاضى عن أن من أسس للفساد و الفكر الغنائمي في التعامل مع الدولة ليس المجتمع بل السلطة نفسها، فالمتهمون في قضايا الفساد الكبرى ابتداء بقضية التسهيلات المالية، مرورًا بالفوسفات والمصفاة وليس انتهاء بالكازينو هم رموز السلطة السياسية في البلاد غير الخاضعين لأي شكل من أشكال الرقابة والمحاسبة المؤسسية.

إلا أن هذا المنطق المنحاز للسلطة، والمشيطن للمجتمع هو الأساس النظري الذي يحكم تعاطي طبقة الحكم مع مفهوم حرية التعبير والنشر، فالمواطن الفاسد ليس من حقه أن يعرف، أو أن يعرف كثيرا.

تفشي الفساد المؤسسي وتنامي حاجة الناس لمعرفة أسباب تدهور الأوضاع في البلاد والتعبير عما يجول في ذهنها في ظل غياب الصحافة المهنية تحت وطأة العقلية الأمنية التي تدير البلاد، كل ذلك سيبقي منصات التواصل الاجتماعي، بمحاسنها ومساوئها، الفضاء الوحيد المتاح للرأي العام لبث وتداول المعلومات.

أما ترسانة التشريعات الموجودة أصلًا أو التي تجري الدعوات لتبنيها لتقييد نشاط الأفراد على تلك المنصات، فلا يبدو أنها ستفلح في إسكات صوت الأجيال الجديدة من الأردنيين ممن لا يمكنهم استيعاب كراسة السلوك المدرسي التي حكمت تعاطي الدولة مع الأجيال التي سبقتهم.

لذا، من الأفضل للطبقة الحاكمة أن تدرك أن التاريخ يواصل سيره للأمام، وان إيقافه أو تغيير اتجاهه للخلف ضرب من الوهم، وأن المعرفة لم تعد قابلة للاحتكار من قبلها، وأن القمع والكبت هو أساس الفساد والجهل والإشاعة، وأن العربة لا يمكنها أن تسبق الحصان.