الدور الأردني في المسجد الأقصى: محاولة للفهم

الخميس 24 آب 2017

شهد الأردن في الفترة الماضية موجة عارمةً من الانتقاد للدولة الأردنية ومؤسساتها الرسمية، لدى شريحة واسعة من الشعب الأردني، بُعَيد تسليم موظف أمن السفارة الصهيونية في عمّان، الذي قتل مواطنَيْن أردنيَيْن، وكامل طاقم السفارة، للطرف الصهيوني، دون أي مساءلة قانونية حقيقية حتى اللحظة. وجاء هذا الحدث غير المتوقع شعبيًا، بالتزامن مع ما شهدته القدس من هبة شعبية عارمة ترفض ما يسعى الاحتلال الصهيوني لإحلاله في المسجد الأقصى بعد عملية الجبارين الثلاثة الفدائية في باحات الأقصى، صباح الجمعة 14/7/2017. وزاد من حدة هذا الانتقاد عدم خروج أي تصريح رسمي أردني لمدة ما يُقارب الـ48 ساعة من تسليم طاقم السفارة الصهيونية، مساء الأحد 23/7/2017، لتأتي بعد ذلك الروايتين الرسميتين الأردنية والصهيونية، لتفاصيل السماح للقاتل الصهيوني، وطاقم السفارة الصهيونية بمغادرة الأردن، نافيةً أن يكون التوصل لأي تسوية للأوضاع في محيط الأقصى قد جاء على على حساب تسوية ما أسمته الصحافة الصهيونية بأزمة الرابية.

في كل مرة يتعرض فيها المسجد الأقصى للاعتداءات الصهيونية، تجد الدولة الأردنية نفسها في قلب الحدث، نتيجة للامتداد التاريخي للدور الذي لعبه الأردن تجاه الأقصى، والذي يتم بثه سنويًا لمعظم الأردنيين، عبر مضامين وسائل الإعلام الرسمية، وضمن المناهج الدراسية الرسمية، في مساقاتها المختصة بالعلوم الإنسانية، كالتربية الوطنية والإسلامية، والذي تتراوح تعريفاته أو مصطلحاته بين الوصاية والرعاية والإعمار، مما يفتح لدى المهتمين والمتابعين عدة تساؤلات متعلقة بطبيعة وحجم وتاريخ وتعريف هذا الدور.

من هنا، في ضوء قضية استشهاد مواطنين أردنيين على يد موظف أمن صهيوني في العاصمة الأردنية، ومجموعة الإجراءات الاستعمارية التي استحدثتها سلطات الاحتلال الصهيوني تجاه الأقصى، متذرعةً بعمليةٍ فدائيةٍ وقعت في باحاته، كيف نفهم هذا الدور الأردني في القدس، تحديدًا تجاه الأقصى؟

قبل الولوج في الخلفيات التاريخية لتَشكل الدور الأردني في إدارة المسجد الأقصى، لا بد من الإشارة لمسألة مهمة، وهي أن هذا الدور وثقله مرتبط بشكل أساسي بإدارة الأقصى والأوقاف الإسلامية في القدس؛ من ملكيات وقفية ومدارس بالإضافة للمسجد. ومن هنا ننطلق لفهم يقودنا بأن وزارة الأوقاف الأردنية بدايةً، ورأس الدولة الأردنية، هما المعنيان الأساسيان بالوصاية الأردنية على الأقصى والأوقاف الإسلامية في القدس، فوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة الرسمية المخولة بإدارة الأوقاف الإسلامية والمساجد والأماكن الإسلامية المقدسة، وكذلك الملك عبد الله الثاني الذي يحافظ عبر تمسكه بهذا الدور على إرث تاريخي حافظ عليه أجداده الهاشميين في رعاية الأقصى، وإن تركزت تلك الرعاية على إعمار الأبنية، حيث كان أول إعمار هاشمي للمسجد الأقصى في العام 1924.

وردَ مفهوم الوصاية على المسجد الأقصى بشكل رسمي بتاريخ 31/3/2013 حين وقّع الملك عبد الله الثاني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، اتفاقية الرعاية والوصاية التي اعتبرت الأردن وصيًا على الأقصى، وسمّت الملك عبد الله الثاني خادمَ المسجد الأقصى، في محاكاة للوصف واللقب الذي يتمتع به ملوك الدولة السعودية، كخدم للحرمين الشريفين. مفهوم الوصاية لم يرد في أي اتفاقية أو قرار دولي سابق أو لاحق، فيما تكرر التعبير عن طبيعة العلاقة بين الدولة الأردنية والأقصى بوصفها بالإدارة، أو جرى تعريف الدولة الأردنية بالجهة التي كانت تُدير المسجد الأقصى قبل احتلاله في العام 1967.

تتبع تاريخي لتشكل الدور الأردني في إدارة المسجد الأقصى

يعود تاريخ إنشاء أول دائرة أوقاف مستقلة مختصة بالمسجد الأقصى والوقف الإسلامي في القدس للعام 1843، في نهايات فترة الحكم العثماني لبلاد الشام. وبعد الاحتلال البريطاني لفلسطين وشرق الأردن في العام 1917، استولت سلطات الاحتلال البريطاني على أوقاف القدس، وشكلت لجنة أوقاف تابعة لها في العام 1920 بإشراف مباشر من المندوب السامي البريطاني (هربرت صموئيل). ورغم أن النوايا الصهيونية في محاولة الاستيلاء ولو جزئيًا على أجزاء من الأقصى قد بدأت في مراحل مبكرة من الاحتلال البريطاني لفلسطين، الذي سخّر للحركة الصهيونية كافة الإمكانيات المتاحة لتكوين مشروعها الاستعماري في فلسطين، إلا أن أول ثورة شعبية شاملة في فلسطين بعد الانتداب البريطاني، وهي ثورة البراق في العام 1929 -والتي بلغ امتدادها معظم مدن فلسطين، وشاركت فيه معظم فئات الشعب الفلسطيني- كانت بسبب محاولة الاعتداء على جزء من الأقصى، وهو حائط البراق. وعلى إثر تلك الثورة، صدر أول قانون دولي صادر عن عصبة الأمم بتاريخ 14/1/1930 يُقر بأن المسجد الأقصى بكافة مرافقه حق إسلامي خالص، ومكان مقدس للمسلمين فقط، ليبقى الأقصى طوال فترة الاحتلال البريطاني بمنأى عن أي محاولات لتغيير واقعه الحالي آنذاك، بمعنى أن تلك الثورة أسست لمعادلة الردع، وجعلت المشروع الاستعماري البريطاني الصهيوني يُفكر مليًا قبل محاولة تغيير واقع الأقصى، وهذا لا يعني إغفال حقيقة الرغبة البريطانية في تدويل القدس والصراع عليها.

جاء الدور الأردني في إدارة المسجد الأقصى نتيجة لواقع متراكم، فرضته عدة ثورات وهبات شعبية كان الشعبين الأردني والفلسطيني هما جذوتها.

وبعد حرب عام 1948، خضعت الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس للحكم الأردني. والجدير بالذكر أن الملك عبد الله الأول، ملك المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك، قد سارع إلى ضم القدس إداريًا للمملكة، حيث خضعت القدس بعد انتهاء القتال للإدارة عبر حاكم عسكري؛ هو أحمد حلمي، ثم خضعت لاحقًا للإدارة المدنية، وبعد صدور قرار وحدة الضفتين في 24/4/1950، أصبحت القدس رسميًا جزءًا من المملكة الأردنية الهاشمية، وأكد ذلك دستور عام 1952 في عهد الملك طلال بن عبد الله، وبذلك أصبحت القدس وأوقافها، بما فيها المسجد الأقصى، تابعةً بشكل مباشر لوزارة الأوقاف الأردنية، وشكلت الوزارةُ مديريةً خاصة لأوقاف القدس في العام 1953، وهي التي لا تزال لغاية كتابة هذه السطور الدائرة المخولة بإدارة المسجد، ومن هنا تشكل الدور الأردني الرسمي في إدارة ورعاية الأقصى.

جاء تاريخ 7/6/1967 ليخلق واقعًا جديدًا في القدس، بل في المنطقة بأسرها، ففي عصر هذا اليوم وبعد اشتباكات مع الجيش الأردني استمرت لمدة يوم كامل تمكنت قوات الاحتلال الصهيوني من احتلال مدينة القدس كاملةً، ودخلت القوات الصهيونية بقيادة وزير الدفاع موشيه ديان، إلى ساحات الأقصى، الذي بدأ منذ هذا التاريخ يعيش مرحلة جديدة من تاريخه.

بدأت دولة الاحتلال تمارس سياساتها الاستعمارية تجاه مدينة القدس؛ ففي تاريخ 28/6/1967 أعلنت عن ضم شرق القدس لبلدية غرب القدس الصهيونية، لتتشكل بلدية القدس الصهيونية؛ الذراع الحكومي التنفيذي لغالبية السياسات التهويدية تجاه القدس. وفي تاريخ 3/5/1967 أخضعت الدولة الصهيونية أوقاف مدينة القدس لوزارة الأديان الصهيونية، بخلاف باقي مديريات الأوقاف في الضفة الغربية المحتلة، التي أخضعتها لوزارة الحرب الصهيونية، في خطوة مشابهة لما حدث مع أوقاف ما احتله الصهاينة من فلسطين في العام 1948.

إلا أن الحدث الأبرز في تلك الفترة تجاه المسجد الأقصى كان بدء تدخل وزارة الأديان الصهيونية بشكل مباشر فيه، عندما بدأت بالاطلاع على وثائق أرشيف إدارة أوقاف القدس الأردنية، وفي 14/4/1967 قامت بتعيين لجنة للإشراف على محتوى خطبة الجمعة في المسجد، لتتفجر الأحداث وتتصاعد الهبة الشعبية في الضفة الغربية والقدس. وقد تداعت النخب الدينية والشعبية في الضفة الغربية والقدس، وشكلت جسمًا تنظيميًا شعبيًا يقود هذا الحراك تحت اسم (الهيئة الإسلامية العليا) برئاسة الشيخ عبد الحميد السائح، رئيس محكمة الاستئناف الشرعية، في ذلك الوقت، وعدد من الشخصيات النخبوية كصبحي غوشة، وعارف العارف، والشيخ سعيد صبري، والد الشيخ عكرمة صبري، وخطيب المسجد آنذاك. وبالفعل، نجح هذا الحراك الشعبي، الذي امتد لمعظم مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، في ردع الاحتلال الصهيوني إذ أبلغت سلطات الاحتلال إدارة الأوقاف الإسلامية بتراجعها عن ضم القدس والأقصى لوزارة الأديان الصهيونية، وضمها لوزارة الحرب الصهيونية وذلك بتاريخ 31/7/1967. وبذلك اعترفت الدولة الصهيونية ضمنًا بأن القدس بما فيها المسجد الأقصى هي أراضٍ محتلة من المملكة الأردنية الهاشمية، وسلمت إدارة المسجد للهيئة الإسلامية العليا، التي بقيت مخولةً بضغطً شعبي، وقبول أردني بإدارة الأقصى، حتى استلمت الأوقاف الأردنية الإدارة المباشرة بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ. وعزز من هذه الإدارة قرارا مجلس الأمن الدولي 252 و271 في العامين 1968 و1969، اللذان اعتبرا المسجد الأقصى والقدس، أرضًا محتلة تعتبر كافة الإجراءات الصهيونية فوقها لاغية وغير معترف بها دوليًا. حيث أشار القرار 252 للقدس بشكل عام، في حين أشار القرار 271 للمسجد الأقصى بشكل خاص.

وبذلك شكلت الهبة الشعبية العارمة، وما ترتب عليها من احتفاظ إدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية بحقها في إدارة ورعاية الأقصى، بقرار دولي، طوق حماية مهم وأداة دفاع أساسية عن المسجد، إن أُحسن استعمالها.

طبيعة مهام الأوقاف الأردنية في المسجد الأقصى

وفي الإجابة عن سؤال ما هي مهام أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، وماذا قدمت  للمسجد الأقصى، فالجواب الرئيسي هو أن دور الأوقاف المهم منذ العام 1967 ولغاية الآن هو أنها حافظت، بشكل أو بآخر، على إدارة الـ144 دونمًا التي يتشكل منها الأقصى؛ بمدارسه الشرعية وكافة مرافقه، رغم تسارع الإجراءات الصهيونية التهويدية خلال السنوات الخمس الماضية، مع صعود اليمين الصهيوني، وما يضمه من جماعات المعبد، لدوائر صنع القرار في الدولة الصهيونية.

وعند الحديث عن الأدوار الفرعية للأوقاف الأردنية في القدس، فهي متمحورة حول إبقاء الحيوية داخل الأقصى، عبر تعيين الحراس ومنظفي المسجد وإعمار المسجد، وتجديد مبانيه، مثل المصلى المرواني الذي أشرفت الأوقاف الأردنية على إعادة افتتاحه في شهر 9/2000، وكذلك الدور المختص بالعناية بتراث وثقافة المسجد الأقصى عبر الإشراف على مكتبته ومخطوطاته، التي تشكل إرثًا ثقافيًا، وحضاريًا ليس لمدينة القدس وحسب، بل للمنطقة بأكملها، لما تحويه المكتبة ودار المخطوطات لوثائق تعود للعهود العثمانية والمملوكية، بل وما قبل تلك العهود. كما يلعب الإعمار الهاشمي دورًا مهمًا في الحفاظ على الأنماط العمرانية الأموية والأيوبية والمملوكية، والعثمانية، التي تضفي هذا التنوع العمراني الجمالي، على مباني ومنشآت الأقصى.

خاتمة

لقد جاء الدور الأردني في إدارة المسجد الأقصى نتيجة لواقع متراكم، فرضته عدة ثورات وهبات شعبية كان الشعبين الأردني والفلسطيني هما جذوتها، مما دفع المشروع الصهيوني للتراجع عدة مرات ابتداءً من العام 1929 ومرورًا بالعام 1967، وليس انتهاءً بهبة الأسباط الحالية.

وفي الوقت نفسه، تَشكل الدور الأردني في إدارة المسجد الأقصى نتيجة لإقرار دولي أكده قرارا مجلس الأمن الدولي 252 و271، أي أنّ دوائر صنع القرار في الدولة الأردنية قادرةٌ على التحرك دوليًا لإدانة الدولة الصهيونية أو الضغط عليها في حال تعرض الأقصى لأي محاولة تغيير لواقعه الذي كان عليه قبل 7/6/1967، كما فعل ذلك سابقًا في العامين 1968 و1969، وليس ما كان قبل الهبة الحالية وحسب. وهذا الواقع يضع دوائر صنع القرار في الدولة أمام مسؤولية مباشرة بتفعيل هذه الأدوات لحماية الأقصى، ويضع الجمهور الأردني في نفس الوقت في موقع المساءلة والضغط الشعبي على صانع القرار في الدولة الأردنية للتحرك ضمن حدود مسؤوليته، أو في أقل الأحوال زيادة هامش الحرية، والتقليل من المتابعة والرقابة الأمنية الحثيثة، على الجمهور الشعبي الداعم للمقاومة الفلسطينية ولصمود أهل القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، ما لم يرغب في استعمال ما لديه من أوراق ضغط.

مصادر:

  • موقع Unsipal المختص بقرارات مجلس الأمن المختصة بفلسطين.
  • كتاب «تاريخ فلسطين الحديث» عبد الوهاب الكيالي.
  • «الموسوعة الفلسطينية» فيما يخص ثورة البراق.
  • «دراسات منهجية حول القضية الفلسطينية» محسن صالح.
  • سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في القدس، مايكل ديمبر.
  • الأوقاف الإسلامية في القدس، سامي صلاحات.
  • نص اتفاقية «الوصاية والرعاية بين السلطة الفلسطينية والدولة الأردنية»، مؤسسسة الدراسات الفلسطينية.
  • صحف هآرتس و يدعوت آحرنوت وجروسالم بوست من تاريخ 23-7-2017 ولغاية 27-7-2017.
  • الجمعية الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية-القدس (باسيا)، قضية القدس بين الإرث التاريخي والجغرافية السياسية.
  • الفيلم الوثائقي «اقتلوه بصمت» والمتحدث عن تفاصيل صفقة خالد مشعل في العام 1997 من انتاج الجزيرة.
  • التقارير الإخبارية لقنوات الجزيرة ووكالة اسشيوتد برس و رويتر ليوميات حادثة خالد مشعل.