بعد 32 شهرًا من الحبس في الإمارات: مئة ألف دينار قد تؤجل حرية الصحفي النجار

الثلاثاء 18 أيلول 2018
ابن تيسير النجار يرفع صورة والده خلال وقفة سابقة نظمتها عائلته للمطالبة بإطلاق سراحه، أمام السفارة الإماراتية في عمان. تصوير عز الدين الناطور.

عندما أصدرت محكمة إماراتية في آذار من العام الماضي حكمًا بالسجن على الصحفي الأردني تيسير النجار ثلاث سنوات، وبغرامة نصف مليون درهم إماراتي (100 ألف دينار أردني)، على خلفية انتقاد كتبه على فيسبوك لسياسة الدولة تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، تقول زوجته ماجدة الحوراني إنها لم تصدق أن الحكم سيُؤيد في محكمة الاستئناف. لكن الأسوأ حدث، وصدر بعدها بثلاثة أشهر، حكم قطعي بحق الصحفي الذي كان يعمل في مؤسسة إعلامية حكومية في الإمارات.

سينهي النجار، المحتجز منذ 13 كانون الأول 2015، محكوميته بعد أقل من أربعة أشهر. لكن هذا لن يعني خروجه تلقائيًا، لأن عليه أولًا أن يدفع المئة ألف دينار غرامة، وهو مبلغ تقول الحوراني، التي تقيم مع أبنائها الخمسة في شقة مستأجرة في عمان، وكان راتب زوجها هو مصدر الدخل الوحيد للعائلة، إنها لا تملك منه سوى 10 آلاف دينار، تمكنت من جمعها، بصعوبة بالغة، بمساعدة أصدقاء ومتطوعين. وفق القانون الإماراتي، في حالة عدم دفع الغرامة، يسجن المحكوم يومًا إضافيًّا عن كل 100 درهم، بحيث لا تزيد مدّة السجن الإضافية تعويضًا عن الغرامة غير المدفوعة على ستة أشهر.

بعد أكثر من سنتين ونصف على احتجازه، ما زال الغموض يلف ملابسات قضية النجار. فوفق ملفها، الذي أطلعت حبر عليه، فإن الحكم يتعلق بمنشورين على فيسبوك، نشرا في العامين 2012، و2014، وجّه النجار فيهما انتقادًا سياسيًّا لدولة الإمارات.

عند نشره هذين المنشورين، لم يكن النجار قد ذهب إلى الإمارات بعد، بل كان في الأردن، يعمل صحفيًّا في وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، وصحيفة الدستور. تلقى في آذار 2015 دعوة رسمية لتغطية مسابقة أمير الشعراء، التي تنظمها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث الحكومية، فذهب، كما تقول زوجته، وأمضى أسبوعًا هناك، ونشر التغطية التي أعدها في«بترا». بعدها بشهر، تلقى عرضًا للعمل في مؤسسة الجواء للثقافة والإعلام، التابعة أيضًا لحكومة أبو ظبي. وهنا يكمن الغموض في القضية، فهو غادر بدعوة حكومية، وعمل ثمانية أشهر دون أي مشاكل، كما تؤكد زوجته. وعندما أعيد من المطار يوم 3 كانون الأول 2015، كان قادمًا إلى الأردن في إجازة اعتيادية. تقول الحوراني إنه يومها اتصل بعائلته وأخبرهم أن السلطات الإماراتية طلبت منه العودة إلى منزله، من دون أن تقدم له أي تفسير. ثم بعد عشرة أيام، اتصل وقال إنه قادم إلى الأردن، وإن ما حدث كان مجرد «سوء تفاهم» وانتهى.

لكن النجار لم يعد إلى الأردن، بل انقطعت أخباره بعد هذا الاتصال مباشرة لثلاثة أشهر تقريبًا، لم تتلق عائلته خلالها أي معلومة تقود إلى مكان وجوده، أو تفسر اختفاءه، ما دعا منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى وصف الموقف في بيان لها بأنه «اختفاء قسري»، ومطالبة السلطات الإماراتية بالكشف عن مكان احتجازه، والسماح له بالاتصال بعائلته وبمحام.

عندما صدر الحكم القطعي، تقول الحوراني، إنها لم تتخذ أي خطوة عملية لجمع مبلغ الغرامة، لأنها لم تتوقع وقت صدور الحكم أنهم سيطالبون فعلًا بدفعه. بحسبها، كان هناك أمل كبير في أن تتدخل وزارة الخارجية لدى الحكومة الإماراتية وتحصل على إعفاء من الدفع، أو في أسوأ السيناريوهات، ستنفذ نقابة الصحافيين وعدًا كانت قطعته لها بإنشاء صندوق خاص لجمع المبلغ. لكنها قبل شهرين أدركت أن أيّا من الأمرين لن يحدث، وهذا ما جعلها تبدأ بجهود ذاتية، وبمساعدة مجموعة قليلة من المتطوعين، محاولة جمع المبلغ.

تقول وزارة الخارجية إنها لن تستطيع التدخل في هذا الأمر. فبحسب الناطق الإعلامي في الوزارة، محمد الكايد، فالنجار ليس الأردني الوحيد المحكوم بغرامة في دولة الإمارات. وهناك العديد من السوابق لأهالي محكومين تقدموا باسترحامات لدى السلطات الإماراتية من أجل الإعفاء من الغرامات، لكن من دون نجاح. من الواضح أن السلطات الإماراتية ليس لديها مبدأ الإعفاء من الغرامات، وحالة النجار، كما يقول، لن تكون استثناء.

أما نقابة الصحفيين، فإن منسق ملف الحريات فيها، خالد القضاة يقول إن النقابة كانت وعدت فعلًا بإنشاء صندوق لجمع مبلغ الغرامة، لكن اتضح لها لاحقًا أن هناك عائقًا قانونيًا يتمثل في أن قانون النقابة يمنع صرف أكثر من ألفي دينار، إلّا من خلال قرار هيئة عامة، يجب للحصول عليه الدعوة إلى اجتماع غير عادي. [وفق قانون النقابة النصاب القانوني في الاجتماع غير العادي هو الأكثرية المطلقة]. وهذا يعني، كما يقول القضاة، حضور 450 صحفيّ، الأمر الذي تعرف النقابة أنه لن يتحقق. ذلك أنها، كما يقول، تجد أصلًا صعوبة كبيرة في جمع الصحفيين للاجتماعات العادية.

[النجار] تعرض للخذلان من الحكومة والمجتمع، لأن أيًا منهما لم يتحرك لدعمه بشكل حقيقي.

افتراض نقابة الصحفيين أنها لن تستطيع جمع العدد الكافي من أعضاء الهيئة العامة لاتخاذ قرار إنشاء صندوق لجمع مبلغ الغرامة، كان الإشكالية الوحيدة التي طرحها القضاة لتفسير تراجع النقابة عن وعدها، لكن عايش العواملة، مدير الشؤون القانونية في وزارة التنمية الاجتماعية، وهي الجهة المسؤولة عن تنظيم جمع التبرعات داخل المملكة، كشف أن إطلاق حملة عامة لجمع الأموال في هذه القضية مخالف في كل الأحوال لنظام جمع التبرعات الذي يحصر جمع التبرعات بـ«الوجوه الخيرية». ومعناها، كما يقول «أغراض النفع العام»، الأمر الذي لا ينطبق على هذه القضية لأنها متعلقة بفرد محدد. وهذا المنع يشمل أي جمع علني للتبرعات، سواء من الهيئات كالنقابات وغيرها، أو من قبل الأفراد، مثل عائلته وأصدقائه. وتتحقق العلنية، كما يشرح العواملة، عندما تكون هناك دعوة للتبرع من خلال وسائل النشر العام. وبهذا فإن الحل الوحيد في هذه القضية، كما يقول، هو جمع المال من خلال العلاقات الشخصية.

الاعتماد على العلاقات الشخصية هو واحد من العوائق، كما تقول المحامية هالة عاهد، وهي واحدة ممن تطوعوا للمساعدة في هذا القضية، فشبكة علاقات المنخرطين في العملية في النهاية محدودة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يجب أن يكونوا قادرين على دفع مبالغ كبيرة نسبيًّا، للتعويض عن عدم القدرة على التوجه إلى قطاعات أوسع من الناس.

العائق الآخر الأساسي، كما تقول عاهد هو أن الإمارات طرف في القضية. وكثير ممن لديهم استعداد للتبرع إما يعيشون ويعملون فيها، أو لديهم عائلة أو مصالح هناك، ولا يريدون أن يسجل عليهم أنهم تبرعوا للرجل الذي أدين بانتقادها. هذه القضية، كما تقول أصابت الناس بـ«حالة رعب»، لأنهم رأوا ما حدث لشخص بسبب منشور على فيسبوك. لهذا لا يريدون أن يكونوا طرفًا بأي شكل في القضية. ولهذا كانت هناك بعض حالات لأشخاص تبرعوا، لكن شددوا على ألا تذكر أسماؤهم بأي شكل.

تقول لينا شنّك، وهي متطوعة أخرى، إن هذا النوع من الحسابات مفهوم جدًّا. فالناس في النهاية نتاج منظومة تجعلهم يخافون على أنفسهم لأنهم يعرفون أنهم إن تعثروا فإنهم لن يجدوا موقفًا حكوميًّا مساندًا لهم. وتلفت شنّك إلى أن عملية جمع النقود تتم بآلية توسيع الدوائر، حيث يتم التواصل مع أفراد، والطلب منهم التواصل مع معارفهم الذين يتواصلون بدورهم مع آخرين، وتقول إن هذا يسير ببطء شديد، وهو ما لم تتوقعه عندما تطوعت للمساعدة. وترى شنّك أن ما يجب أن يفهمه الناس هنا هو أن النجار ظُلم، وعوقب على «بوست» فيسبوك، كان يمكن لأي شخص أن يكتبه. ثم هو بعدها تعرض للخذلان من الحكومة والمجتمع، لأن أيًا منهما لم يتحرك لدعمه بشكل حقيقي. وفي ظل عدم وجود تحرك حكومي، فإن الفرصة مواتية الآن أمام الأفراد للتكفير عن هذا الخذلان بالمساهمة في دفع الغرامة.