الطريق إلى قلعة الكرك: مسار الهجوم وخلفيات بعض المتورطين

من جنازة الشهيد العريف محمد إبراهيم البنوي في منطقة المرج في الكرك اليوم الإثنين. تصوير عز الدين الناطور.

الطريق إلى قلعة الكرك: مسار الهجوم وخلفيات بعض المتورطين

الإثنين 19 كانون الأول 2016

تصوير عز الدين الناطور، تصميم معاوية باجس

على بعد نحو ٨٠ كيلو إلى الجنوب من عمان، في شقة في بلدة القطرانة على الطريق الرئيسي الواصل بين عمّان والكرك، بدأت أحداث هجوم أمس الإرهابي، الذي أدى إلى استشهاد عشرة أشخاص.

في حديثه لحبر، يصف محمد عيد الحجايا ما حدث داخل شقة القطرانة التي تملكها عائلته وانطلق منها مسلحون أطلقوا النار على رجال أمن، أمس الأحد.

لا يزال الحجايا غير مصدق كيف خرج حيًا، هو وشقيقه إبراهيم ووالدهما الحاج عيد، من شقة العائلة بعد الأحداث التي جرت فيها. إذ يروي أنه اشتبه بحدوث «أمر غير طبيعي» بعد سماعه وشقيقه صوت انفجار، وانبعاث رائحة البارود من الشقة. اتصل الحجايا بالأمن، ليصل ثلاثة رجال أمن إلى الشقة، ويدخلها اثنان منهم برفقة محمد. فور دخولهم، فاجأهم المسلّحون الثلاثة، بحسب الحجايا، بإطلاق النار، ما أدى إلى استشهاد أحد رجلي الأمن وإصابة الآخر، بينما هرب المسلحون باتجاه الكرك، مستخدمين سيارة «البيك أب» الخاصة بشقيقه إبراهيم.

حتى عصر الإثنين، كانت أغراض المسلحين الشخصية وطعامهم وملابسهم ما تزال متوزعة في الشقة التي دخلتها حبر برفقة أقرباء لعائلة الحجايا، بين الزجاج والأبواب المحطمة في المكان. الهجوم الذي انطلق من تلك الشقة في القطرانة امتد إلى المركز الأمني على مدخل قلعة الكرك، قبل أن يدخلها المسلحون ويواصلوا إطلاق النار باتجاه الأمن لنحو عشر ساعات، بحسب شهود عيان التقتهم حبر اليوم في الكرك. وفي منتصف ليلة الأحد/الاثنين، أعلن الأمن عن نهاية العملية الأمنية المشتركة ما بين قوات الأمن العام والدرك.

وبحسب بيان أمني صدر بعد ظهر اليوم، فقد أسفرت الهجمات عن استشهاد سبعة من عناصر الدرك والأمن العام، ومدنيين، وسائحة كندية، و«مقتل أربعة إرهابيين، ضبطت معهم الأجهزة الأمنية أسلحة أتوماتيكية، بعد أن داهمت المنزل الذي كان بداخله الإرهابيين في منطقة القطرانة، حيث عثروا بداخله على كميات كبيرة من المتفجرات وأحزمة ناسفة وأسلحة».

في شوارع الكرك، شيّع الأهالي جثمان الشهيدين إبراهيم مدّ الله البشابشة وضياء الشمايلة، ووري ثرى الشهداء العريف محمد إبراهيم البنوي في منطقة المرج، والمقدم سائد محمود المعايطة في بلدة أدر شمال غرب الكرك، والوكيل يزن سلمان في الطفيلة، والعريف شافي الشرفات في المفرق، والوكيل صهيب السواعير في ناعور، وسيشيع الشهيد الرقيب علاء النعيمات غدًا الثلاثاء في الكرك، فيما ينقل جثمان السائحة الكندية ليندا فانتشر إلى بلادها اليوم.

من جنازة الشهيد العريف محمد إبراهيم البنوي في منطقة المرج في الكرك اليوم الإثنين. تصوير عز الدين الناطور.

شقة القطرانة: نقطة انطلاق

يقول محمد الحجايا إن شخصين طلبا قبل شهر استئجار شقة في مبنى يملكه والده الحاج عيد، وتوسط لهما شاب من الكرك يدعى حمزة*، تعرف عائلة الحجايا عائلته «من بعيد»، طلب من شقيقه إبراهيم بأن يعتني «بالشيخين»، بحسبه. هذا الوسيط، كان قد صدر بحقه عام ٢٠١٤ حكم من محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة عامين ونصف إثر «محاولة الخروج من المملكة بطريقة غير مشروعة»، باتجاه سوريا، و«القيام بأعمال لم تجزها الحكومة من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية، وتعكير صلاتها بدولة أجنبية»، بحسب ملف قضية ضده تحصلت حبر عليه.

وحسبما قال أحد أقرباء وجيران حمزة لحبر، فهو معتقل في دائرة المخابرات منذ يوم الخميس الماضي، ١٥ كانون الأول.

عرف الحجايا أن الناس تنادي الرجلين المستأجرَيْن حديثًا بالقيسي والخطيب، دون أن يعرف اسميهما الأولين، ويصفهما بأنهما كانا قليلي الاحتكاك بالآخرين، «بس ما حدا توقع يصير اللي صار امبارح»، بحسب قوله.

هذا الوسيط، كان قد صدر بحقه عام ٢٠١٤ حكم من محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة عامين ونصف إثر «محاولة الخروج من المملكة بطريقة غير مشروعة»، باتجاه سوريا، و«القيام بأعمال لم تجزها الحكومة من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية، وتعكير صلاتها بدولة أجنبية»

عائلة الحاج عيد، لكونها لا تؤجر رجالًا غير متزوجين، سألت عن عائلة الرجلين، فأجابهما القيسي بأن زوجته ستنجب طفلًا لذا فهي مقيمة عند عائلتها وستأتي للسكن معه قريبًا، وأعرب عن رغبته باستئجار المخزنين أسفل الشقة من أجل فتح مطعم بعد فترة. دفع المستأجران مائة دينار كدفعة أولى من إيجار الشقة الذي يبلغ مئة وخمسين، بحسب الحجايا.

يصف الحجايا الرجلين بأنهما كانا يرتديان الدشداش القصير بشكل مستمر، وأحدهما «أشقر وملتحي، بينما الآخر حنطي ويبدو أصغر سنًا»، ويقول أنهما كانا يواظبان على الصلاة في مسجد حمزة بن عبد المطلب، القريب من المنزل، وأن القيسي أمّ بالمصلين أكثر من مرة، دون أن يلحظ عليه أي علامات «غير طبيعية».

على بعد أمتار من المنزل استأجر القيسي محلًا صغيرًا يملكه قريب للحجايا، مقابل نحو ٤٠٠ دينار شهريًا لتشغيله كمطعم فلافل، إلا أنه لم يعمل فيه بشكل منتظم. «كان يفتح المحل لساعتين في اليوم، وهناك أيام لا يفتح بها المطعم»، يقول عامل في أحد المقاهي القريبة من المطعم. لم يكن القيسي والخطيب يعملان بشكل دائم بالمطعم. غالبًا ما كانا يؤديان الصلاة بالجامع ويعملان لساعة في بيع الفلافل، ثم يذهبا للنوم في المنزل ساعة العصر، على حد قوله.

يقول عامل آخر في مقهى قريب للمطعم أن القيسي والخطيب قبل أن يسكنا منزل عائلة الحجايا، كانا مقيمين في المنطقة لنحو شهرين ونصف. «كانوا يناموا بمسجد حمزة بن عبد المطلب وكانوا يصلوا فيه كثير من الأحيان، بعدين تضمّنوا محل الفلافل واستأجروا بيت من شهر». يذكر البائع إحدى المرّات التي أمّ بها القيسي بالمصلين لغياب شيخ الجامع، قائلًا «كنا نؤدي الصلاة، فجأة بدأ القيسي بالصراخ أثناء تلاوة أحد الآيات تأثرًا بها».

يوم الهجوم

في الساعة الواحدة إلا ربع من بعد ظهر يوم الأحد، سمع العامل في المقهى في عمارة الحجايا صوت انفجار في الشقة التي يسكنها القيسي والخطيب، فأبلغ محمد الحجايا، الذي صعد ليطمئن على من في الشقة.

يقول محمد الحجايا أن القيسي أخبره أن ما حصل انفجار جرة غاز وأنهم بخير، «ومنعني أدخل بحجة وجود عائلته بالداخل، لكني شممت رائحة البارود تخرج من الشقة، فأبلغت عائلتي». اتصل شقيقه إبراهيم بالأجهزة الأمنية وذهب هو للمركز الأمني الذي يبعد أقل من كيلو عن المنزل، بحسب قوله.

حضر ثلاثة من رجال البحث الجنائي بحسب الحجايا نتيجة البلاغ، وصعدوا للشقة برفقة الحاج عيد وابنيه، محمد وإبراهيم، لكن من في داخل الشقة رفضوا فتح الباب للحجة نفسها؛ أي وجود زوجة أحدهم بالمنزل. «أحد رجال البحث الجنائي قال ‘هذه متفجرات ما في نسوان ولا إشي’ وفتح الباب وإذا بالجماعة متجهزين كل واحد منهم يحمل ‘كلاشين’ وبدأوا إطلاق النار»، يقول محمد الحجايا.

مدخل شقة القطرانة التي بدأ فيها الهجوم. تصوير عز الدين الناطور.

لم يتمكن إبراهيم وأحد رجال الأمن من الخروج من الشقة، فتوجها لشرفتها بحسب ما يصف محمد، الذي نجح بإخراج والده ومعهما رجل أمن آخر، بينما لا يعرف أين ذهب الثالث. ينقل محمد ما أخبره به شقيقه إبراهيم عمّا حصل في الشقة، عندما وجّه أحد المسلحين السلاح لإبراهيم، لكنه لم يطلق النار، «حكاله إنت معفي عنك»، ومباشرة توجّه لرجل الأمن وأطلق نحو سبعة عيارات نارية باتجاهه، ونزل المسلحون الثلاثة من الشقة ليركبوا بسيارة إبراهيم «البيك أب» وانطلقوا باتجاه الكرك.

يصف محمد المشهد لدى صعوده إلى الشقة، حيث وجد شقيقه حيًا وإلى جانبه رجل البحث الجنائي المصاب «بأنفاسه الأخيرة»، لكن حضور الإسعاف والأمن استغرق ما يزيد عن نصف ساعة، يعتقد محمد أن رجل الأمن استشهد خلالها.

وزير الداخلية سلامة حماد أكد في مؤتمر صحفي عصر الإثنين استشهاد شرطي إثر إطلاق النار عليه في القطرانة بعد انكشاف أمر المشتبه بهم.

هذا الحادث في منزل القطرانة استمر عشر دقائق بتقدير محمد، الذي أضاف أن شقيقه إبراهيم استعاد سيارته البيك أب من منطقة قبل محطة اللّجون الأمنية.

حمّاد قال في المؤتمر الصحفي إن «المجرمين تمكنوا من تبديل المركبة بشكل منظّم، عمل على تمويه الأجهزة الأمنية، فقطعوا المسافة بين المنزل والقلعة في نحو ١٧ دقيقة بمركبة من نوع ستروين لم يكن معممًا عليها».

بالقرب من قلعة الكرك في وسط المدينة، يكمل أصحاب المحلات القصة حيث توقف محمد، عندما شاهدوا سيارة سياحية تقف على باب المركز الأمني الساعة ١:٣٠ ظهرًا ويطلق منها مسلحون النار على رجال الأمن على باب المركز، قبل أن يدخلوا القلعة وهم يطلقون النار، فأصيب رجال الأمن والسائحة الكندية، بحسب الشهود.

سيارات الدرك والأمن العام أمام مدخل قلعة الكرك صباح اليوم (فوق ويمين)، ومحلات وسط المدينة مغلقة حدادًا على الشهداء. تصوير عز الدين الناطور.

يقول حمّاد إن «المشتبه بهم أطلقوا عيارات نارية على المركز على النقطة الأمنية على مدخل القلعة، ما أدى لاستشهاد ثلاثة من رجال الأمن العام، وقتل سائحة كندية وهم يدخلون للقلعة».

يختلف انطباع أهالي الكرك حول إذا ما كان المسلحون الذين دخلوا القلعة هم أنفسهم من خرجوا من منزل القطرانه، نظرًا لقصر الوقت بين الحادثين وطول المسافة، والتي تبلغ نحو ٤١ كيلومترًا. وتختلف روايات بعض أصحاب المحال الذين التقتهم حبر حول إذا ما كان المتهمون دخلوا سويًا من باب القلعة أو انقسموا لمجموعتين. لكنهم يجمعون على أن المسلحين أطلقوا النار بكثافة تجاه الأمن قبل أن تصل التعزيزات الأمنية بعد ما يزيد عن نصف ساعة.

يقول أحمد الشمايلة، صاحب بقالة بجانب القلعة، إنه أغلق محله بعد سماع أصوات إطلاق النار، لكنه خرج لمساندة الأمن إلى جانب مئات من أبناء الكرك الذين تفاجأوا بالحادثة وقلة التعزيزات الأمنية، ما جعل بعضهم يزوّد المركز الأمني بالسلاح والرصاص بحسب قوله.

ينفي حمّاد أن يكون هناك تأخير في إسناد القوة المدافعة أو نقص في الذخيرة، ويشير إلى أن المسلحين في «القلعة كانوا في مكان محصن جدًا وكانوا يقنصون كل من يرونه يتحرك في الخارج»، وأضاف إن «قناصة الأجهزة الأمنية تمكنوا من القضاء عليهم».

ورفض حمّاد إعلان أسماء المتورطين المقتولين في القلعة لأسباب أمنية، وقال إن أسماء المسلحين المتداولة عبر الإعلام غير دقيقة.

وسيط مسلحي القطرانة

حمزة، كان حلقة الوصل بين شقة القطرانة والإرهابييْن الذين سكنوها وشاركوا في الهجوم على عناصر الأمن في القطرانة وعلى مركز أمن الكرك وقلعتها، حين توسط قبل شهر لشخصين ليسكنا الشقة، نظرًا لمعرفته البعيدة بعائلة الحجايا الملكة لها.

ورغم أن دور حمزة في الهجوم نفسه لا يزال غير واضح، إلا أن تاريخ محكوميته يظهر ارتباطًا بجماعات إرهابية. فقد صدر بحقه في أيار ٢٠١٤ حكم من محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة عامين ونصف إثر «محاولة الخروج من المملكة بطريقة غير مشروعة»، باتجاه سوريا، و«القيام بأعمال لم تجزها الحكومة من شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية، وتعكير صلاتها بدولة أجنبية»، بحسب ملف القضية الذي تحصلت حبر عليه.

وفي تفاصيل القضية، بحسب ما يسردها حكم محكمة التمييز الذي أيد حكم محكمة أمن الدولة، أن حمزة كان قد «تولدت الرغبة والقناعة لدى المتهم الأول حمزة بالتوجه إلى الأراضي السورية بطريقة غير مشروعة عبر الأراضي الأردنية والانضمام إلى الجماعات المسلحة هناك (جبهة النصرة) للقتال ضد قوات النظام السوري».

على إثر ذلك، تواصل حمزة مع قتيبة، المتهم الثاني في القضية ذاتها، وهو أخو حمزة بالرضاعة. قتيبة كان قد سبق حمزة بمغادرة الأردن إلى سوريا منضمًا إلى جبهة النصرة، وعلى إثر حديثهما، بدأ يرتب لإخراج حمزة إلى سوريا بمساعدة متهم ثالث في القضية، هو عامر. رتب عامر وحمزة للرحلة التي قادت الأخير للوصول إلى الطرة منتويًا قطع الحدود نحو سوريا، قبل أن تلقي كتيبة حرس الحدود التابعة للقوات المسلحة الأردنية القبض عليه هناك.

أدين حمزة بالتهمتين المسنتدين إليه، ليُحكم عليه بالحبس خمس سنوات، لكن أخذ المحكمة بالأسباب المخففة التقديرية خفّض العقوبة إلى سنتين ونصف تحسب منذ تاريخ إلقاء القبض عليه، وذلك «لإتاحة المجال أمامه لتصويب مسار حياته»، حسبما ما جاء في قرار محكمة التمييز.

وفي حال قضى حمزة كامل عقوبته، فإنه سيكون أفرج عنه في خلال عام ٢٠١٦، نظرًا إلى أنه أوقف في ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٤.

المتهم الثاني في القضية، قتيبة، ما يزال في سوريا حتى اليوم بحسب ما أظهرت حساباته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن انضم إلى تنظيم داعش إثر خلاف التنظيم مع جبهة النصرة. وهو ابن عبد المجيد، أو أبو قتيبة الأردني كما يعرف، الذي شارك في القتال في أفغانستان ضد السوفييت، حيث التقى مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وفي العراق ضد القوات الأمريكية، بحسب مقابلة قديمة معه نُشرت في موقع إيلاف السعودي. ووفق المقابلة التي نُشرت عام ٢٠٠٥، فقد كان أبو قتيبة على علاقة وثيقة بأبي مصعب الزرقاوي منذ عام ١٩٨٨، وكان عاملًا في تجنيده في أفغانستان قبل بروزه كقيادي جهادي.

وكان عبد المجيد قد أوقف في كانون الأول عام ٢٠١٤، ليحاكم أمام محكمة أمن الدولة بتهمة تجنيد أشخاص للالتحاق بجماعات مسلّحة وتنظيمات إرهابية وتقديم أموال بقصد تمويل إرهابيين، وهو من مؤيدي تنظيم جبهة النصرة، بحسب لائحة الاتهام التي صدرت بحقه آنذاك.


* تتحفظ حبر على الأسماء الكاملة للمتهمين الواردة في ملفات قضاياهم، حفاظًا على خصوصيات عائلاتهم.