هجوم لاس فيغاس: حين يكون «الإرهاب» أبيض

تصوير: ستيف ماركوس، رويترز.

هجوم لاس فيغاس: حين يكون «الإرهاب» أبيض

الأحد 08 تشرين الأول 2017

حين حجز ستيف بادوك غرفته في فندق مانديليه في مدينة لاس فيغاس، لم يدُرْ في ذهن إدارة الفندق، ربما، أن يكون هذا السّتيني، أبيض البشرة، قد أعد نفسه لارتكاب مجزرة، ستُعدّ أكبر حادث إطلاق نار جماعي في التاريخ الأمريكي الحديث.

لكن، لمَ سيثير رجل بهيئته شكوك إدارة المنتجع أو رجال الأمن على أي حال؟ لون بشرة بادوك وعِرقه ومظهره، جميعها ليست مرتبطة بالإرهاب في ذهنية مجتمع يستقي انطباعاته من الإعلام، ويضع أفراده ضمن أطر نمطيّة تبعا لخلفياتهم الدينية والعرقية ومظهرهم الخارجي، أو لمجرّد انطباعات غير مدروسة عن سلوكهم. مجتمع ترتبط فيه صورة الأميركي من أصول إفريقية بالجريمة، والعربي بالتطرف، والأمريكي اللاتيني بالمهن الرثّة وتدني المستوى الثقافي والاقتصادي، والأبيض بالجهل بالعالم من حوله وانشغاله بالتفاهات… لكن بالتأكيد ليس بالإرهاب.

على أنّ بادوك لم يكن أبيضَ مسالمًا على أيّ حال، فقد قرر الانضمام لمن سبقوه من رجال بيض نفذوا بدورهم عمليات قتل جماعي مشابهة على امتداد العقود الماضية، أكثر من أي مجموعة عرقية أخرى داخل الولايات المتحدة، وفق بيانات جمعها موقع التحقيقات الصحفية الليبرالي «مذر جونز».

لم يُلفت بادوك الأنظار إليه، أو لعل الأنظار لم تكن لتَلتفت إلى رجل مثله، لا تنطبق عليه خصائص المظهر النمطي للإرهابي؛ بلونه البني، وشعره الأجعد، ولكنته الثقيلة. ربما بفضل ذلك، تمكن بادوك من إدخال ٢٥ قطعة سلاح إلى غرفته في الفندق دون أن يثير أي شكوك. في سيارته، داخل ساحة الاصطفاف التابعة للمنتجع، كان قد وضع أيضا أكثر من ٢٠ كيلوغراما من المواد المتفجرة ونحو ١٦٠٠ طلق ناري. حوّل بادوك غرفته إلى ثكنة عسكرية، ومن نافذتها، بدأ بإطلاق الرصاص على رواد أحد المهرجانات الموسيقية، ليقتل أكثر من خمسين شخصا، ويصيب أكثر من خمسمئة، ويثير حالة من الهلع الجماعي وسط أكثر من 22 ألفا حاولوا تجنب رصاصه، قبل أن يقتل هو نفسه.

لكن لون بشرته، على ما يبدو، حالَ دون وضع جريمته في سياق الإرهاب، حتى على سبيل طرح الاحتمالات، كما يحدث عادة عقب جرائم يتورط فيها ذوو البشرة الملونة، بل ربما  إن العكس هو ما حدث.

سارعت بعض الصحف الأمريكية لوصف القاتل بـ«الذئب المنفرد»، رغم أن نتائج التحقيقات حول أسباب الهجوم لم تظهر بعد.

فبعد مرور وقت قصير على وقوع الحادث، سارعت صحيفة «يو أس إيه توديه» ذات الميول الجمهورية المحافظة، لوصف القاتل بـ«الذئب المنفرد» في ما بدا تلميحا لعدم ارتباطه بأي تنظيم سياسي. تعرِف الصحيفة، كما تعرف وسائل الإعلام الأميركية جيدا، أن غياب الغاية السياسية وراء عمليات العنف، يجعلها خارج إطار تعريف الإرهاب على المستوى الرسمي. وتعرف أيضا أن الذئاب المنفردة في حوادث القتل الجماعي، عادة ما تحركها الدوافع النفسية. الملفت أن الصحيفة سارعت لتبني فرضيتها تلك رغم أن نتائج التحقيقات حول أسباب الهجوم لم تظهر حتى لحظة كتابة هذا المقال. بل إن جهات أمنية ستلمّح بعد ساعات من وقوع الحادث إلى شكوكها بفرضية الذئب المنفرد بأكملها، مشيرة إلى احتمال وجود شركاء لمنفذ العملية.

مؤسسات أخرى عملت على تسليط الضوء على الجانب «الخيّر» للقاتل. الواشنطن بوست، مثلا، خصصت قصة صحفية كاملة للحديث عن عشق بادوك للموسيقى الشعبية والقمار وعن حياته الهادئة قبل تنفيذ جريمته. تبعا لذلك، تقزّمت جريمته من مجزرة إلى موجة غضب انتابت إنسانا طبيعيا.

إنه امتياز الرجل الأبيض، كما يخلص إليه موقع «ذا انتيرسيبت»الأميركي المستقل، «الامتياز» الذي دفع، بوعي أو دون وعي، مسؤول الشرطة في المدينة، وفي وقت مبكر من وقوع الحادث، لاعتبار القاتل، أحد السكان المحليين، ريفيّا وذئبًا منفردا. هو ذات «الامتياز» الذي يتجدد الجدل حوله لدى وقوع حوادث مشابهة نفذها رجال بيض بلغ عددها ٤٢ بين عامي ١٩٨٢-٢٠١٢.

حتى على أعلى المستويات السياسية في البيت الأبيض، بدت إدارة الرئيس دونالد ترمب، على غير العادة، أقل اندفاعا نحو  التعليق والتغريد على حادث لاس فيغاس. لم يسارع الرئيس الأميركي مثلا للحديث عن ضرورة تعديل التشريعات التي قد تسمح بوقوع مثل هذه الأعمال، مثلما فعل عندما ربط حوادث أخرى، وقعت في كاليفورنيا ولندن وباريس، بالمهاجرين والإسلام. القاتل، بالنسبة لترمب، ليس سوى «مريض ومختل»، وهو الوصف المعتاد لمعظم منفذي حالات القتل الجماعي من البيض. لم يُشر الرئيس للقوانين التي تسمح للمختلّين، حسب وصفه على الأقل، بامتلاك مختلف أنواع الأسلحة والمتفجرات في الولايات المتحدة، رغم أن أعداد من قُتلوا بحوادث القتل الجماعي يفوق من قتلوا بحوادث الإرهاب، وفق بعض الدراسات. بل إن ترمب تجنب تماما الحديث حول مشكلة التسلح في البلاد عند سؤاله عن الموضوع من قبل أحد المراسلين الصحفيين أثناء زيارته لاس فيغاس عقب الحادث، «لن نناقش هذا الأمر الآن» قال ترمب ردا على السؤال.

لكن السؤال الذي لا يزال موضِع تداول كتاب ومعلقين أميركيين هو: هل كان التعاطي الرسمي والإعلامي ليختلف لو كان منفذ الهجوم ملوّن البشرة؟، تجيب الواشنطن بوست بنعم في مقال بعنوان «معاييرنا المزدوجة المذهلة حين يتعلق الأمر بالعرق والدين»،  ويبدو ما ذهبت إليه الصحيفة صحيحا إذا ما راجعنا ردود الأفعال على حادث القتل الجماعي الذي وقع في ولاية فلوريدا العام الماضي، والذي نفذه الأميركي من أصول أفغانية عمر متين. سارعت حينها وسائل الإعلام لدراسة احتمال أن يكون متين إرهابيا أو مجندا من قبل تنظيم الدولة (داعش)، ذهبت التغطيات فورا باتجاه تحليل سلوكه الديني، وتتبع علاقته بمسجد الحي، وموقفه من التنظيم، ثم حاولت ربط ديانته بدافع الهجوم على نادٍ ليلي غالبية مرتاديه من المثليين. بدا واضحا أن اسم وعرق متين كان في الخلفية الذهنية للمحللين ورجال الصحافة وهم يسهبون في توقع الدوافع «الإرهابية» لهجوم لم تكن دوافعه قد توضّحت بعد، ولم يكن صُنف رسميا بالإرهابي.

بَدا الوعي الأميركي ممانعًا لمجرد تصوّر أن يكون الرجل الأبيض إرهابيا.

في المقابل، وفي مفارقة أخرى معهودة في السياسة والإعلام الأميركيين، بدا الأمر مختلفا بشكل واضح في حالة هجوم لاس فيغاس، بَدا الوعي الأميركي ممانعا  لمجرد تصور أن يكون الرجل الأبيض إرهابيا. حتى أن إعلان تنظيم الدولة تبنّيه للعملية عبر ذراعه الإعلامي، وكالة أعماق، وزَعمه أن ستيف بادوك ليس سوى متحوّل من المسيحية إلى الإسلام، لم يؤخذ على محمل الجد. وسائل الإعلام وخبراء الإرهاب اعتبروا أن أسلوب الهجوم «لا يتفق مع نمط العمليات» التي ينفذها التنظيم، وسرعان ما توقفت مناقشة الأمر.

أعطى الإعلام الأميركي نفسه حيزا كبيرا من الوقت لتحليل دوافع بادوك قبل الاندفاع نحو طرح احتمالات الإرهاب، لكنه في المقابل، سارع إلى تحليل دوافع متين، وسيد رضوان فاروق وزوجته المتّهمين بتنفيذ عملية سان بيرناردينو قبل عامين، أو الأخوين تساربارنايف، الأميركيين من أصول شيشانية، المتهمين بتفجيرات ماراثون بوسطن. لقد كانت أسماؤهم أو أصولهم العرقية، كافية لشرعنة البحث، منذ اللحظات الأولى، في ارتباط أفعالهم بالإرهاب.

يمكن العودة بجذور ثقافة التنميط التي تهيمن على المؤسسات الصحفية الأميركية، حين يتعلق الأمر بمثل تلك الأعمال، لعقدين سابقين على الأقل. والمفارقة أن بعض وسائل الإعلام الليبرالية، التي تحاول محاربتها الآن، هي من أسست لها ابتداءً.  

عقب تفجير أحد المباني الفيدرالية في مدينة أوكلاهوما منتصف التسعينيات، على سبيل المثال، والذي أودى بحياة أكثر من ١٦٠ شخصا، وجرح ما يزيد على ٦٠٠ آخرين، سارعت مؤسسات صحفية مرموقة مثل نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وشيكاغو تريبيون وأي بي سي، إلى ترجيح أن يكون المنفذ إرهابيا من الشرق الأوسط.

يذكر موقع «فير» المختص بنقد التغطيات الإعلامية المنحازة في الولايات المتحدة تفاصيل مثيرة، عن طبيعة ما نشر في الصحافة الأميركية عقب هذا الحادث، ويسرد كيف طالبت صحف كبرى محسوبة على التيار الليبرالي بتقييد قوانين الهجرة ومتابعة المجتمعات المسلمة في أوكلاهوما وبقية المدن الأميركية، في ما يشبه الخطاب الذي تتبناه الإدارة الأمريكية المحافظة الآن.

لم تلبث وكالة التحقيقات الفيدرالية، عقب انتشار مثل تلك الاستنتاجات المتسرعة، أن أعلنت أن المشتبه به في الحادث هو اليمينيّ الأبيض تيموثي ماكفيه، أحد الجنود السابقين في حرب الخليج، ومن المعادين للسلطة الفيدرالية في البلاد.

تبدو بيانات الأف بي آي أكثر دقة وموضوعية في تعاملها مع الحوادث التي ينطبق عليها هذا الوصف، ففي قائمة لمكتب التحقيقات حول الأعمال الإرهابية منذ عام ٢٠٠٢،  يقترن وصف الإرهاب بمختلف أنواع الجرائم، من تلك المتعلقة بقطع الأشجار وتدمير البيئة، إلى أكثر الجرائم دموية.

نسبة كبيرة من العمليات «الوقائية» في مكافحة الإرهاب تستهدفُ ملوّني البشرة، المسلمين تحديدا.

تَوفّر الدافع السياسي هو العنصر الأساسي في اعتبار الجُرم إرهابيا، وفق معظم التعريفات الرسمية، لكن الممارسات الأمنية على الأرض، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١، تشير إلى أن نسبة كبيرة مما يسمى العمليات «الوقائية» في مكافحة الإرهاب والتي ينفذها الأف بي آي، تستهدف ملوّني البشرة، المسلمين تحديدا.

في تلك العمليات، يستدرج عملاءُ مكتب التحقيقات مواطنين مسالمين، غالبا، لكن يُشتبه أن لديهم دوافع إرهابية كامنة، فيُقنعهم بتنفيذ عملية ما، ويقدم لهم المخطّط والأسلحة المزيفة، ثم إذا ما اقتنعوا وباشروا العمل، اعتقلهم بتهمة الإرهاب. أُجريت إحدى هذه العمليات، مثلا، مع الشاب الأردني حسام الصمادي، الذي قُبض عليه بعد وضعه سيارة مفخخة بالقرب من ناطحة سحاب في دالاس، والتي لم تنفجر لأن عملاء الأف بي آي المتخفّين كانوا قد زوّدوه بمتفجرات خاملة، لتُوجّه له لاحقا تهمة محاولة التفجير.

ربما ليس غريبا بعد كل ذلك أن يعيش ملوّنو البشرة مشاعر متناقضة حيال هجوم لاس فيغاس، فهُم من جهة مرتاحون لأن القاتل ليس منهم، لكنهم، من جهة أخرى، محبطون ليقينهم أن التعاطي مع الحادث سيختلف تماما لو كان المنفذ واحدا منهم.

صحيح أن الربط الإعلامي والسياسي والأمني بين الإرهاب والعرب يعدّ مشكلة، حتى لما لها من أثر في «تغريب» هذه الفئة وعزلها وعرقلة أي إسهام يمكن أن تقدمه داخل البلدان التي تتواجد فيها، لكن هل المطلوب هو العدالة في سحب هذا الاصطلاح المُسيّس على جماعات عرقية أخرى، وبالتالي تغريبها وعزلها أسوة بغيرها؟ أيا كان الحال، فإن إضافة أو حذف اللوازم اللغوية لفعل القتل وللقاتل، وجعله إرهابيا في حادثة ما، أو ذئبا منفردا في أخرى، لن تخفف من هلع الناجين أو حزن ذوي المقتولين.