رأي

«طفي الضو»: قوة المبادرة وأفقها

الأحد 16 تشرين الأول 2016
كاريكاتير للفنان ناصر الجعفري.

لم يعد نشاط #طفي_الضو الذي أُطلق بمبادرة شعبية وتبنته «الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني» وحملة «الأردن تقاطع»، مجرد تجربة عابرة دعمها الناشطون والمواطنون الأردنيون تعبيرًا عن رفضهم للتطبيع عنوةً وإنارة منازلهم من غاز العدو؛ فقد تحول هذا الوسم لنشاط دوري٬ تدعو على أساسه الحملة وغيرها المواطنين إلى إطفاء أضواء منازلهم ومحالهم التجارية ليل كل أحد.

لعل هذه المبادرة ليست مجرد تعبير عن رفضٍ للاتفاقية٬ التي ما إذا تمت بشكل نهائي ستدخل حيز التنفيذ عام 2019 وتستورد الأردن بموجبها 300 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا مقابل 10 مليار دولار أمريكي لمدة 15 عامًا، مما يعني أن الأردن سيظل تحت رحمة احتلال اقتصاديٌ وكلٌ ما يتبعه من مخاطر٬ بل لربما تعبير شعبي عن الموقف من إسرائيل كدولة احتلال، قبل كل شيء.

لم يقف الوسم اليوم عند حدود دعواتٍ على الفيسبوك ينشرها مواطنون ويبثون صورهم أثناء عملية إطفاء أنوار منازلهم فقط٬ سحبت هذه المبادرة مثقفين وفنانين أردنيين، إذ أطلقت الحملة مجموعة من الشهادات المصورة لمثقفين وشخصيات أردنية عامة عبرت عن أسباب رفضها للاتفاقية٬ كما أعلنت عن مجموعة من الفعاليات سيتم بثها بشكل مباشر على وسائل التواصل الاجتماعي مساء كل أحد مع فنان/ة أو شخصية أردنية مؤثرة في الفن والرياضة والثقافة يعبرون فيها عن رفضهم للاتفاقية.

لعلّ ما تقوم به الحملة اليوم من خلال دمج شخصيات عامة، وإن كانت نخبوية، هو أحد الردود على تصريح نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور جواد العناني٬ حين قال أن «إطفاء الأنوار في منازل الأردنيين تعبيرًا لرفضهم على اتفاقية الغاز الموقعة مع «إسرائيل»، لا يؤثر على تكاليف الكهرباء كثيرًا، لأن هناك أمور أخرى مثل ضخ المياه والمصانع تستهلك الكهرباء بشكل أكبر». فإذا كان إطفاء الأنوار لا يؤثر، في رأي العناني، فإن العمل المنظم الجماعي، وعودة المثقف إلى الشارع، وشعور الناس بقدرتهم على نشر فكرة، بالتأكيد لن يذهب هباءً منثورًا.

تصريح العناني هذا، وما ألحقه برفضه وصف الغاز بالإسرائيلي، حين قال أن شركة الكهرباء الأردنية وقعت مع شركة أميركية مستثمرة، ما هو إلا استخفاف بعقل المواطن الأردني وازدراء لمشاعره الوطنية، وأكثر ما يمكن أن يُثقل على جراحنا أن يصدر مثل هذا التصريح بعد أقل من شهر من استشهاد مواطن أردني لم تأخذ حكوماتنا بحقه بعد. لربما هذه التصريحات كانت أفضل ما يُمكن أن يخدم الحملة ويدفع الناس للالتفاف حولها، كونها مستفزة إلى الحد الذي دفع كثيرين للتضامن معها.

ولكن٬ ما هو المطلوب من الحملة اليوم؟ قد يكون المطلوب منها بعد أن أخذت على عاتقها الاشتباك مع شخصيات عامة أن تصل إلى شرائح المجتمع على اختلافها. وحتى تتمكن من ذلك عليها الخروج من الأطر التقليدية والأسماء المكرسة في العمل السياسي والحراكات الشعبية والثقافية النخبوية في الأردن٬ وأن تعقد مصالحة مع شخصيات لم تشتبك يومًا مع الشارع لكن لها قواعد شعبية مختلفة وكبيرة، خاصة خارج عمّان.

يقول غرامشي «إن واحدة من أهم السمات المميزة لكل فئة تسعى إلى الوصول إلى السلطة هي النضال الذي تخوضه لكي تتمثل وتستوعب أيديولوجيا المثقفين التقليديين، وهذا التمثل والاستيعاب يتمّان بسرعة وفعالية أكبر إذا قامت الفئة المُشار إليها بإجراء مزيد من التغيير في صفوف مثقفيها العضويين». فليس المطلوب اليوم من الحملة أن تسمعنا أصوات قاعدتها الجماهيرية فقط، بل عليها أيضًا أن تستقطب أسماءً بقواعد جماهيرية لم تُشارك أو تُساند الحملة من قبل ولم تشتبك أساسًا مع العمل الوطني والسياسي، وعادةً ما تُحسب على النظام.

بدأت المبادرة بشكل غير تقليدي، وعليها أن تستمر بابتكار ما هو جديد ويستقطب الناس ويحفزهم على مواصلة ما بدأت به. وأهم ما في الحملة الحالية، برأيي، هو أن معظها من الشباب وأن جزءًا منها من الفاعلين في الوسط الفني والثقافي، وهذه ميزة لها إذا ما تمَّ استغلالها، لكنها تبقى منقوصة إذا ما ظلّت في الأوساط النخبوية ولم تشتبك بالمجاميع الشعبية.

نحن اليوم لا نتحدث عن مقاطعة منتجاتٍ غذائية واستهلاكية قادمة من «إسرائيل»٬ لا نتحدث عن المانجا الإسرائيلية وستارباكس٬ بل نتحدث عمّا هو أكبر وأخطر من ذلك٬ ويلقى رفضًا شعبيًا واسعًا يمكن توظيفه والعمل عليه لتوسيع قاعدته الجماهيرية بسهولة٬ إذا ما تم الخروج من دائرة النخب المغلقة.