النّظام العربيّ مُنتجًا موته: قراءة تطبيقيّة في «الحداثة السّائلة»

الثلاثاء 31 كانون الثاني 2017
عن غلاف النسخة الإسبانية من كتاب الحداثة السائلة، لزيجمونت باومان.

بقلم هشام البستاني

«الحداثة السّائلة» هو عنوان كتاب زيجمونت باومان الأساسيّ، وهو الاسم الذي يُطلقه على حقبة يُسمّيها آخرون: «ما بعد الحداثة». نحن ما نزال في حقبة «الحداثة» بحسب باومان؛ مجرّد طور جديد منها أدى إليه الطور السّابق الذي يسمّيه «الحداثة الصّلبة».

تتميّز حقبة الحداثة السّائلة باللّايقين المُصاحب لتحوّل جذري في نشاط رأس المال من النّشاط الإنتاجيّ إلى النّشاط الماليّ. في الحقبة الإنتاجيّة كان «الثّبات» مُهمًّا، وكان المستقبل الذي يتجه الجميع إليه واضحًا ومحددًا سلفًا، كان ثمّة «وُجهة» تأخذ شكل المجتمع المتوازن الخالي من الأزمات، وإيمانٌ بأن هذه الصياغة المجتمعيّة قابلةٌ للتّحقيق؛ كان المصنع الذي يُنتِج السّلع يُبنى ليبقى، وكان العمّال المُشتغلون فيه مرتبطين به لأجل طويل: ثمة استقرار في العمل، وعلاقة ديمومة تتشكل بين طرفي عمليّة الإنتاج، فلا العامل يتخيّل نفسه دون المصنع، ولا رأس المال يتخيّل المصنع بلا عمّال، والخلافات الناشئة بينهما (على الرواتب والامتيازات والإجازات وساعات العمل مثلًا) تُحلّ (بالضّغط والتهديد والإضراب والتفاوض وغيرها من الأمور) على قاعدةٍ من بقاء الارتباط المُتبادل إلى أجلٍ غير مسمّى، تحكمه عقود عملٍ غير محدودة المدّة.

انهيار الجماعة وصعود الفرد: من «الـ»سياسة إلى سياسات إدارة الحياة اليوميّة

هذه «الصّلابة»، هذا البحث الدائب عن استقرارٍ كامل، لم يصل مُبتغاه. لم يكن الصّلب أبدًا صلبًا كما يجب، ومع كل أزمة (تعرّف الماركسية الرأسمالية بأنها نظامٌ لا يتوقّف عن توليد الأزمات) كان البحث جاريًا عن نهايةٍ جديدةٍ للتاريخ؛ والحداثة تبحث دومًا عن «التّحديث»، و«التّطوير»، و«التّغيير»، أمورٌ أفقها لا نهائيٌّ، بحيث تحوّل الأمر إلى «هوس» أدّى إلى تفكّك اليقين بإمكانية الوصول إلى نهاية، والتحوّل بالتالي نحو السّيولة، حيث الثّبات يعني الإعاقة، والخسارة، والاستعباد. شكل النّشاط الإنتاجيّ لم يعُد مهمًّا بقدر أهميّة جني الأرباح في عمليّات بيعٍ وشراءٍ سريعةٍ في أسواق الأسهم وأشكال التعاملات الماليّة الأخرى؛ وانفكت العلاقة بين السّياسة والاقتصاد، فلم يعد الأوّل يُنظّم الثّاني، بل صار الثّاني يُدير الأوّل، وانتقل المنظور من الكليّ إلى الجزئي، ووصلنا إلى حال خُصْخِصَت وفُرْدِنَتْ فيه مجالات اشتغال السياسة، إذ تحوّلت من «الـ»سياسة (كآلية للفعل الجماعي في السّلطة، يُسمّيها باومان «Politics with a capital P»، وتهدف إلى العمل من أجل المصالح الجماعيّة الكبرى، وترى أن مصدر إنتاج الاختلالات، وبالتالي المسؤول عنها، ومكان الفعل لتغييرها، هو السّلطة، من حيث موقعها المهيمن على علاقات الإنتاج) إلى سياسات إدارة الحياة اليوميّة (التي تُعنى بالخلاص الفرديّ، والمصلحة الفرديّة، يُسميّها باومان life-policies، وترى أن مصدر إنتاج الاختلالات هو الفرد نفسه، الذي لم يعمل ما فيه الكفاية لتطوير ذاته، وبالتالي فالعمل من أجل التّغيير هو عملٌ فرديّ، والمجال العامّ ليس مكانًا للفعل الجماعيّ، بل مكانٌ للمَشاهِد (spectacles) والمُشاهدة الفرديّة، مكانٌ لتبادل الخبرات الذاتيّة البينيّة التي تُعزّز فكرة الخلاص الفرديّ، وأهميّة تطوير الذات (التي لن تصل أبدًا إلى مستوىً لائق من التطوّر). وتُعتبر برامج الأحاديث (talk shows)، على غرار برنامج «أوبرا»، نموذجًا من نماذج تحوّل مساحات السّياسة (بعد خصخصتها وفَرْدَنَتِها) من القضايا الكبرى (التي تتطلّب بالضّرورة عملًا جماعيًا وأهدافًا كبرى) إلى المآسي الفرديّة الخاصّة كمادةٍ للعرض والاعتبار، وتتحوّل الجماعة المُفكّكة إلى أفرادٍ يتبادلون الخبرات الشّخصية حول مآسيهم الشّخصية، ويلومون أنفسهم، ويسعون إلى تطوير ذواتهم للخلاص، دون أي انتباه للبنية العامة للسّلطة).

المرونة، السّرعة، اللّايقين

مع الحداثة السّائلة، دخلت مفاهيم جديدة مثل «المُرونة»، التي تعني القدرة على الدخول والخروج السّريع، واستغلال العمّال والموارد البيئية دون روادع، أو بروادع قليلة، بالنّسبة لرأس المال؛ والتكيّف مع متطلبات الاستغلال بالنّسبة للموظّف، وقبوله بانعدام الثّبات الوظيفيّ (العقود المؤقّتة)، بل واعتباره ذلك فرصةً له للبحث الدّائم عن فرصةٍ أخرى قد تكون أفضل. في سياق الحداثة السّائلة، صارت المثلبةُ ميزةً، وصار عدم الاستقرار، وعدم اليقين، والقدرة على الانتقال من مكانٍ لآخر، والقدرة على «تسييل» الممتلكات والأصول خلال وقت قد لا يتعدّى زمن الضّغط على زرّ، هي علامات القوّة؛ من يمتلكها يُهيمِن، ومن لا يمتلكها يُهيمَن عليه.

السّرعة علامة قوّة وسيطرة؛ الأسرع أقوى ويستطيع فرض إرادته، فيما لم يعد للمكان (الجغرافيا) أهميّة تُذكر: المكان كلفةٌ وعبء، إن قام عمّال بلدٍ ما بالمطالبة بحقوق، ينتقل رأس المال إلى بلدٍ آخر؛ إن كان ثمّة حاجة لتدخّل عسكريّ، يتولّى القصف الجويّ والبحريّ والصاروخيّ الأمر إلى جانب تدخّلٍ محدود لفرق القوّات الخاصّة؛ انتهى عصر الاستعمار المُقيم (الكلاسيكيّ)، الأنجع أن يتم اللّجوء إلى إنشاء سلطةٍ عميلة/تابعة (يمكن استبادلها بسهولة وسرعة) تنفّذ برامج الهيمنة من الداخل، بأيدي وسواعد وطنيّة (وقليلة الكلفة)، بدلًا من احتلال الأرض، وإنشاء الإدارات، وتأمين حمايتها عسكريًّا بالجيوش، فكل هذا مُكلف جدًا، ولا يمكن تفكيكه ونقله بسرعة.

السّيولة عربيًا: مركزيّة الجغرافيا/المكان لسلطةٍ تنتزع وتقمع

يرتكز النموذج الذي يطرحه باومان على قراءة لواقع البلدان الرأسمالية التي عبرت من خلال الثورة الصناعية، وبعدها الحقبة الرأسمالية الفورديّة، لتصل عبر عدّة مخاضات اجتماعيّة كبرى إلى الحقبة الرأسماليّة (النيو)ليبرالية، أو حقبة الحداثة السّائلة. الأدوات والمفاهيم التي يستخدمها باومان مفيدة جدًا في فهم العالم المعاصر ومآلاته، وتفسير ظواهره، خصوصًا فيما يتعلّق بالتغيّر الكبير في العلاقة بين السياسة والاقتصاد، وتغيّر مفهوم «السياسة» نفسه في سياق الفردانيّة المطلقة، وانحسار أهميّة الجغرافيا/المكان.

في المراكز، لم تعد «الدول القوميّة» (بمعناها الكلاسيكيّ) مُهمّة اقتصاديًا، بعد أن أنجزت تطوّرها الصناعيّ/الاقتصاديّ في حقبة «السّوق القومية» (حماية ودعم المُنتَج المحليّ وفرض الضّرائب على المُستوردات) والاستعمار (تأمين الموادّ الخامّ الرّخيصة والعمّال العبيد) وانتقلت إلى تصدير الفوائض، وفتح الأسواق، وخلق المُستهلكين، والاستحواذ عليهم خارج حدودها القوميّة؛ بل صارت «الأسواق الخارجية» بمُستهلكيها الكثر أهمّ من «السّوق القوميّة». في المراكز، تقتصر أهميّة «الدّول القوميّة» اليوم على دورها الشُرطيّ العسكريّ (لفتح الأسواق، أو الاستحواذ على الموارد، أو حصار غير المندرجين في منظومة السوق العالمي، أو مواجهة الاضطرابات الدّاخليّة)، ويصحّ تمامًا ما يقول به باومان عن تراجع شامل لعامل «المكان»، وتركّز القوة والهيمنة في عامل «الزمان».  

لكن الأمر -رغم العولمة التي لا فكاك منها ولا من آثارها، وفي كل أنحاء العالم- لا ينطبق تمامًا على بلدان الأطراف، ومنها بلدان العالم العربيّ؛ فأغلب هذه البلدان لم يمرّ في «ثورة صناعيّة» تغيّر علاقات الإنتاج وتُنشأ طبقات جديدة، ولا مرّت مجتمعاته بمخاضات اجتماعيّة كبرى كنتيجة لمثل تلك التغيّرات الاقتصاديّة. عربيًا، ما يزال «المكان» أساسيًّا، جاثمًا، يُحدد «الزّمن» أبعاده، هذا صحيح، لكن الزّمن هنا خارجيّ، بيد المراكز التي تحرّرت من «أمكنتها»، وتملك إمكانيّات السّرعة والسّيولة والمرونة التي هي شرط التّحكم بالزمن.

قد تكون الجغرافيا/المكان غير مهمّة، أو ذات أهميّة محدودة، لقوىً قادرةٍ على اختراق جغرافيا/أمكنة الآخرين (فعليًا/عسكريًا، أو اقتصاديًا وسياسيًا)، إلا أنّها تُصبح مسألة حياةٍ أو موت بالنّسبة لأنظمةٍ لا تمتلك شرعيّة أو مشروعيّة شعبيّة، بل تستمدُّ وظيفيّتها بالنسبة للقوى الدولية من خلال قُدرتها على بسط هيمنتها على مساحةٍ بعينها، وتستمدّ تمويلها لأنشطتها ورفاهيّتها مما تنتزعه من هذه سكان هذه الجغرافيا/المكان (على شكل ضرائب ورسوم، أو ببساطة، بالفساد).

بين جغرافيّتين: دولة الإنتاج القوميّة، ودولة الانتزاع ما بعد الاستعماريّة

الجغرافيا/المكان في العالم العربيّ، متمثّلًا بالحدود السياسيّة للدّولة (المُختزلة بالسّلطة)، هي أطر نفوذٍ لطبقاتٍ حاكمةٍ تمثّل شرائح كمبرادورية (وكيلة) لرأس المال في المراكز، وتمثل امتدادًا سياسيًا (فاقدًا للسّيادة الوطنيّة والمشروع الوطنيّ) للقوى الدولية. الاقتصاد في الأطراف تابعٌ، وكيلٌ، عميلٌ (agent)، مرتبطٌ ببُنية اقتصاديّة خارجهُ تُحدّد له مساراته. من هنا يتمُّ اشتقاق وظيفة الأنظمة في الأطراف، باعتبارها وكيلةً لهذه البنية الاقتصاديّة الخارجيّة. تنفّذ الأنظمة برامج تفيد صاحب الولاية الاقتصاديّة الأصيل في الخارج (مثل برامج «التصحيح» الاقتصاديّ المفروضة من قبل صندوق النّقد الدّولي مثلًا)، وتشتق منها الأنظمة شرعيّة وجود خارجيّة (كمنفّذ للبرنامج، قادر على احتواء وتحييد تبعاته الدّاخلية) وداخليّة (كحامية لطبقة الوكلاء المستفيدة، تضع القوانين والتّشريعات التي تضمن استمرار النّمط الكمبرادوري، وتدمير الصناعات المحليّة برفع الحمايات، وتحصيل الضرائب). الجغرافيا/المكان لمثل هذه الطبقات الحاكمة أساسيّة، وتشبه في مركزيّتها ما مثّله السوق القوميّ للدولة القوميّة في أوروبا مباشرة قبل الثّورة الصّناعية وبعدها وصولًا إلى حقبة العولمة.

كان تشكّل السوق القوميّ محوريًّا لنشوء الدّولة القوميّة، إذ فيه تنشأ صناعات الطبقة المُهيمنة وتُحمى بحدود جمركية هي الحدود السياسيّة للدولة، وبالتالي تتطوّر إذ تصمد في مواجهة مُنافسة الخارج دون أن تخرج من السّوق؛ وفيها مجموع المُستهلكين اللّازمين لدعم الصّناعة المحليّة من خلال الاستهلاك المردوع بالضرائب والجمارك عن التوجّه للبضائع من خارج السّوق القوميّ. اضمحلّ هذا النموذج الآن نتيجة لقوّة صناعات واقتصاد الدّول الرأسمالية (النّاتجة بشكل مباشر عن الحمايات التي توفّرت لها خلال تلك الفترة)، ونزوعها إلى الهيمنة على الأسواق الخارجيّة كلّها، ومحاولتها منع الدّول الأخرى (غير الصّناعيّة) من «صعود نفس السلّم» الصناعيّ، الأمر الذي سيشكّل منافسةً واستقلالًا غير مرغوبين.

الحدود السّياسيّة للدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة هي حدود رسمها الاستعمار نفسه، وهي امتداد لمحاولاته بسط الهيمنة عليها، وهي مصممّة سلفًا لتكون مُلحقة، تابعة، غير قادرة على إنجاز تنمية أو سيادة. وبعد فترة من «الرّعاية» المباشرة من قبل المُستعمِر، صارت هذه الجغرافيّات/الأماكن حدود مناطق النفوذ الوظيفيّ-الانتزاعيّ للسّلطة، حيث تنتزع السّلطة الضرائب والرّسوم من السّكان، وتتقاضى العمولات (الحصص) والمساعدات من رأس المال القادم للاستغلال أو تصريف البضائع.

في الأدبيّات الماركسيّة الكلاسيكيّة، تُعتبر السّوق القوميّة سببًا في نشوء الدولة القوميّة، أما في العالم العربيّ، فالأمر معكوس، إذ تُحدّد الجغرافيا السّياسيّة مجال الانتزاع، والحدود هي حدود الانتزاع لا الإنتاج؛ ونظرًا لعدم وجود إنتاج، وبالتالي انعدام إمكانيّة الوصول إلى إشباع للسّوق من المنتَج المحلي، وانعدام إمكانيّات التّطوير ومن ثم التّصدير العابر للجغرافيا، فلا إمكانيّة لسقوط الشّرط الجغرافيّ/المكانيّ في الأطراف. فلنلاحظ معًا أن المعارك الشّرسة التي تُخاض اليوم في الأطراف (بين الأنظمة ومعارضيها، أو بين الأطراف المتصارعة المختلفة، في سوريا واليمن وليبيا)، هي على الجغرافيا/المكان تحديدًا: من سيستحوذ على أرض أكثر، هو من سيتمكن من «انتزاع» ضرائب ومنافع أكثر من الجغرافيا، وهو من سيتمكّن من إقناع «الخارج» بجدوى وجوده، وبالتالي تلقّي الدّعم منه، واكتساب الشرعيّة الوظيفيّة، وميكانزمات البقاء الانتزاعيّة.

الجغرافيا ما بعد الاستعماريّة باعتبارها شريان الحياة الأول، والسّجن النهائيّ، للأنظمة

تصبح الجغرافيا/المكان أكثر مصيريّة في حالة العالم العربيّ، إن عرفنا أن الأنظمة غير قادرةٍ (بسهولة) على توسيع حيّزها الجغرافي، أو الانتقال الاقتصاديّ إلى ما بعده، لأنها بذلك تكون قد تعدّت على جغرافيات/أماكن أخرى خاضعة لأنظمة تتساوى معها في كل شيء، بما فيها أهميّة الحيّز الجغرافيّ بالنسبة لها، فليس ثمّة مجال لهيمنة طرف على آخر؛ أو تكون قد تعدّت على دوائر نفوذ قوى دولية وإقليمية أكبر وأقدر منها، تجعل من مشروع التحرّر من المكان (أو توسيعه) مُكلفًا وخاسرًا؛ يضاف إلى ذلك انعدام الإمكانات لاقتصادات قائمة على الانتزاع، والمساعدات، وتعطيل التنمية الداخليّة لصالح فتح الأسواق للمنتجين الخارجيين؛ وإن توفّرت الإمكانات (مثل تدخّل السّعودية والإمارات في اليمن وليبيا، أو السّعودية وقطر في سوريّة) فليس ثمّة عمق اقتصاديّ/اجتماعيّ لمثل هذه الدول قادر على الإلحاق (على عكس التدخّل الرّوسيّ الأمريكيّ الإيرانيّ التركيّ في سوريا، أو الإيرانيّ في العراق واليمن، فكل الدول المُتدخّلة هنا قادرة اقتصاديًّا/اجتماعيًّا على إلحاق الدّول المُتدخّل فيها)، فتصبح الجغرافيا/المكان هي شريان الحياة الأوّل، والسّجن النهائيّ، للأنظمة.

الدول الوطنيّة هي هياكل وظيفيّة لنشاط السّلطة، وتبرير وشرعنة لوجودها، ومجال حيوي ضروري لتوليد الدّخل.

هكذا نستطيع أن نفهم صعود نجم «الدول الوطنيّة» في العالم العربي لدى أنظمتها الحاكمة، والجهد الكبير الذي تشتغل عليه هذه الأنظمة لتثبيت الدّولة الوطنيّة على الصّعيدين الرّمزي (مثلًا: اللباس، الطعام، «الأخلاق» والمزايا، اللّهجة)  والدّعائي (الأغاني، المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، الأدب، إلخ) عند الجمهور المفترض للدّولة الوطنية. الدول الوطنيّة هي إذًا هياكل وظيفيّة لنشاط السّلطة، وتبرير وشرعنة لوجودها، ومجال حيوي ضروري لتوليد الدّخل (فرض القوانين المُسهّلة للاستيراد والوكالات الخارجية، والمُصفيّة للصّناعات المحليّة، وانتزاع الضرائب من الدّاخل، والعمولات والمساعدات من الخارج)، وهي إذ تسعى إلى تثبيت لا شرعيّتها الداخليّة، واحتكار السّلطة، وفرض الهيمنة على الدّاخل، تقوم بـ«تسييل»/تصفية (liquidate) المجتمع المُسيّس (الأحزاب، النقابات، الجمعيات..)، وتشجيع (أو السكوت عن) تفكّك المجتمع إلى عناصر فسيفسائيّة: الطائفة والعشيرة والإثنيّة، لأن التحكّم بهذه البنى المفكّكة أسهل، أو هكذا كانت تظنّ.

مجتمعات الأمان: تصفية السّلطة لذاتها كعرضٍ لتصفيتها المجتمع المُسيَّس

الإثنيّة والطائفة والعشيرة (كوحدات سياسيّة معاصرة) هي تشكيلات مكانيّة «صلبة»، من حيث أن وجودها في حيّز جغرافيّ مُعيّن ضروريّ لديمومتها (مثلًا: مركزيّة «الأرض» واستيطانها بالنّسبة للمشروع الصهيونيّ، التّطهير الجغرافيّ الذي تُمارسه القوى الطائفيّة والقوميّة في سوريا والعراق)، وهي تشكل ارتدادًا عن «حيّز الانتزاع» والتّفتيت الذي تقوم عليه السّلطة بـ«حداثتها» المزعومة، وهي ناتج عرضيٌّ عن تفتيت هذه الأخيرة للمجتمع السياسيّ الذي نشأ في حقبة الاستعمار (ونتج عنه)، واستمر فترةً بعده.

إن كانت الحداثة السّائلة في المراكز هي استكمالٌ، ونتيجةٌ منطقيّةٌ، للحداثة الصّلبة السابقة عليها، فالأطراف، ومنها العالم العربي، لم تمرّ في تجربة الحداثة الصّلبة، وهي تجربة متعذّرة الآن في ظلّ ظهور الرأسماليّة العابرة للدّول. ليس ثمّة حداثة صلبة، ولا سائلة، في الصّيرورة التطوريّة للدول المابعد استعماريّة، فإن كانت السّيولة في المراكز تعني انفصال السّياسة عن الاقتصاد، وتحوّل السّياسة من الإدارة الكليّة للاقتصاد وتوجيهه، إلى الإدارة اليوميّة للشّؤون الصّغيرة والفرديّة للنّاس، وتفتيت المواطنين (كجسد فاعل سياسيًا) إلى أفراد خائفين يركضون خلف نزواتهم الاستهلاكيّة المتغيّرة أبدًا دون ارتواء؛ فإن السّيولة في الأطراف (أي تصفية المجتمع المسيّس من قبل السّلطة) تُنتج مجتمعات الأمان الصّلبة، فالذّاكرة الإثنيّة والطائفيّة والعشائريّة، وآليات عمل هذه المنظومات، ما تزال حيّة، وبدلًا من إنتاج الأفراد المُنعزلين المُستهلكين، تُنتج محاولات الأنظمة تسييل مجتمعاتها مجموعات الأمان الإثنيّة/الطائفيّة/العشائريّة، خصوصًا في المناطق والمجتمعات المهمّشة والمعزولة والمُفقرة.

إن كانت الحداثة السّائلة في المراكز هي استكمالٌ، ونتيجةٌ منطقيّةٌ، للحداثة الصّلبة السابقة عليها، فالأطراف، ومنها العالم العربي، لم تمرّ في تجربة الحداثة الصّلبة، وهي تجربة متعذّرة الآن في ظلّ ظهور الرأسماليّة العابرة للدّول.

لا تجد السّلطة «خطرًا» أوّل الأمر من تجذّر وتحوّل هذه الأشكال، إذ تظنّ أنّها «سائلة» بما يكفي، مفكّكة بما يكفي، غير مستقلّة بما يكفي، لتكون خاضعة. لكنّ مجموعات الأمان، بمرور الوقت، تكتسب زخمًا خاصًّا بها، وتتحوّل (في ظل الفساد، وانعدام دولة القانون، وانعدام التّنمية) إلى مؤسّسات سياسيّة، ومؤسّسات ضمان اجتماعيّ، ومؤسّسات حماية وأمن، ويصبح من الصّعب (إن لم يكن من المستحيل) مواجهتها، إذ يرتكز جزءٌ من شرعيّة السّلطة المفترضة على حفظ التوازن بين هذه التشكيلات: حفظ الأمن، والتّسوية بين المكوّنات التي شجّعتها/سكتت عنها، والإبقاء على هيمنته السّلطة المكانيّة، وبالتالي استمرار شرعيّتها الوظيفيّة-الانتزاعيّة.

من تنجح السّلطة بتسييلهم إلى أفراد منعزلين هم «النُّخب» المُثقّفة المُسيّسة السّاعية إلى التغيير في المدن، إذ لا يجد هؤلاء أنفسهم لا عند السّلطة الانتزاعية، ولا في مجتمعات الأمان «الرجعيّة»، ولا في المجموعات المسيّسة (الأحزاب، النّقابات، الخ) التي تسمح لها السّلطة بالعمل، إذ يرونها عاجزة عن التّأثير ومفرغة من الإمكانيّات، نتيجة لتقييدها واحتوائها من قبل السّلطة. هؤلاء «المُسيَّلين» (ويا لسخرية التّاريخ) هم الضّامن الوحيد لوحدة الدولة (المختزلة في السّلطة)، إذ يأملون أن تكون دولة حقوق وقانون ومساواة، لكن السّلطة، وعبر تصفيتها التاريخيّة لهم، نجحت بتحويلهم إلى أفراد يائسين يبحثون عن خلاصهم الفرديّ بعيدًا عن الجماعيّة التي أحبطتهم، فلا يبقى للسّلطة سوى أعضاءها المباشرين المنخرطين في أُطرها، ليُدافعوا عنها في معركة أراها خاسرة مع مجتمعات الأمان التي أنتجوها.

«المجتمعات المتفجّرة»: العنف كآلية لتوليد الكينونة الاجتماعيّة

يصف باومان العودة إلى الإثنيّة والعنصريّة (في المراكز) بأنها نتيجة لتفكّك «الـ«سياسة وخصخصتها (فَرْدَنَتِها)، وهي عودةٌ إلى ما هو بمثابة «النّظام الطبيعيّ»، الذي يأخذ شكلًا أوتوماتيكيًا، قدريًّا، لا يحتاج الكثير من الجهد: أنت لا تختار مجموعتك الإثنيّة، بل تولد فيها، ويصبح خيارك سهلًا، فأنت إمّا داخل المجموعة الإثنيّة (بحكم روابط الدم/ العائلة/ الثّقافة…الخ)، أو أنت آخرُ، مُعادٍ، خارجها (إن كنت من غيرها)، أو خائن لها (إن كنت من داخلها واخترت الخروج).

يسمّي باومان هذه المجتمعات: «المجتمعات المتفجّرة»، ويوضح أن بقاءها يتطلّب ممارسة العنف على الآخرين لتوطيد وتثبيت التّماسك الداخلي، حيث الأهميّة ليس لعدد القَتْلى من الطرف المقابل، بل لعدد القَتَلَة، وهؤلاء القَتَلَة، شركاء الجريمة، شركاء العنف، هم أعضاء المجتمع المتفجّر؛ ضمان تماسكهم الأول، وتماسك مجتمعهم، هو الجريمة/العنف التي يمارسونها على الآخرين، وإعادة إنتاجها بشكل متكرّر لتتجدّد قوّة اللاصق الذي يجمعهم.

يمكن الاستفادة من مفهوم باومان هذا لتوسيع نطاق «المجتمعات المتفجّرة» لتشمل الطائفة، والعشيرة، والإثنيّة؛ وهي جميعًا تمارس العنف لضمان التّماسك الداخليّ وعدم التحلّل في مواجهة مجتمعات أخرى تتصادم معها، وأحيانًا تتنافس معها (تتصادم الطائفة مع الطائفة، والعشيرة مع العشيرة، ولكن الطائفة والعشيرة التي تدين بنفس المذهب تتنافسان على جذب ذات الأفراد). لنتذكّر: في حقبة الحداثة السّائلة، كل شيء آنيّ، لحظيّ، يتبخّر الإشباع لحظة الحيازة، ويتطلّب الأمر انتقالًا سريعًا إلى لحظة إشباع تالية، تليها أخرى، وهكذا. المجتمع المتفجّر مجتمع «آنيّ» بهذا المعنى، هذا جانبه السّائل (مقابل الجانب الصّلب الذي ذكرته أعلاه)، إذ يتجدّد كلّ لحظة عبر ممارسته المستمرّة للعنف والخروج على القانون باعتباره قانون السّلطة الوظيفيّة-الانتزاعيّة الفاقدة للشرعيّة الشعبيّة (نماذج من هذا العنف نصادفها يوميًا، ومنها: سرقة المياه من الشّبكة، سرقة الكهرباء من الشّبكة، إقامة مناطق «مستقلة» عن تطبيق قانون «الدولة» يطبّق عليها قانون المجموعة، العنف الجامعي بين المجموعات العشائرية والإثنيّة، العنف الإقليميّ بين مشّجعي فريقي الفيصلي والوحدات، العنف بين عشائر القتيل والقاتل وإغلاق الطرق وحرق المحلّات والبيوت، انتزاع الاستثناءات المتعلّقة بالقانون العشائريّ.. إلخ).

ينطبق الأمر نفسه على الأنظمة العربيّة، فهي أيضًا مجتمعات متفجّرة تربط بين عناصرها مصالح آنيّة تُعمّد بالعنف. الطبقات الحاكمة في العالم العربيّ ليست متماسكة داخليًا: فبين الوكلاء، والسّماسرة، والمُنتزِعين، وقادة الأجهزة الأمنيّة المختلفة، تنافسٌ بينيٌّ يحتاج إلى ضامن لبقاء هذه الطّبقة متماسكة. الضامن هو الاستقطاب الذي ينتُج بين هذه الطّبقة، وشرائح المجتمع الأخرى المُهيمَن عليها، نتيجة لانعدام العدالة، واحتكار السلطة، والشكل الانتزاعيّ للاقتصاد، مما يتطلّب عنفًا/جريمةً تمارسه الطّبقة الحاكمة باستمرار على بقية الطّبقات لإخضاعها من جهة، وضمان تماسكها (شراكتها في العنف/الجريمة) من جهة أخرى. يأخذ هذا العنف السّلطويّ أشكالًا متعددة: فإلى جانب القتل والقمع والاعتقال، نجد الفساد والواسطة والمحاباة واحتكار السّلطة. هذا العنف يشكّل الرابط الطبقيّ بين أعضاء الطبقة الحاكمة، ويجعلهم «شركاء في الجريمة»، لا بديل عن تماسكهم إلا انهيار السّلطة.

نشهد اليوم تراجعًا وعودة نحو الحمائيّة، والدولة القوميّة القائمة على السوق القومية، ونمو النزعات العنصريّة والانعزاليّة. فهذه هي أدوات العنف اللاصق لمجموعات الرأسماليين المتنافسين في حقبة التّنافس الشامل.

شيء مثل هذا سنجده في دول المراكز، ففي غياب الشّكل الاقتصاديّ الإنتاجيّ الذي يتطلّب كُتلًا عماليّة مرتبطة بالعمليّة الإنتاجيّة لفترةٍ طويلة، كانت القوة التي يمثّلها العمال من خلال نقاباتهم، وقوّة أحزاب اليسار وحركات التحرّر الوطنيّ، و«النّموذج الاشتراكيّ» الذي تتحدّث باسمه قوى دوليّة في حينه (الاتّحاد السوفيتيّ ومنظومة الدّول الدّائرة في فلكه)، يضمن تماسك الرأسماليين وتكاتفهم في مواجهة العمّال. اليوم اختلفت بنية الاقتصاد، إذ تراجع دور الإنتاج، وصار النّشاط الرئيسيّ هو النّشاط الماليّ والخدماتيّ؛ تفكّك «النّموذج» المُقابل واضمحلّ؛ فُكّكت نقابات العمّال أو أُضعفت، ولم يعد ثبات العمّال ضروريًا لعمليّة الإنتاج، وصاروا يوظّفون بعقود مؤقتة، يسهل استبدالهم؛ وحوّلت السّياسة إلى مجموعة من متتاليات الدّراما الشخصيّة، ولم يبقَ ما يُبقي على تماسك الطّبقة الرأسمالية، فالنقيض يحتاج دومًا إلى نقيضه، وإلا انتفى وجوده.

انطلقت إذًا آليات التنافس البينيّ داخل دوائر رأس المال العابر للدول، وصرنا نشهد اليوم تراجعًا وعودة نحو الحمائيّة، والدولة القوميّة القائمة على السوق القومية، ونمو النزعات العنصريّة والانعزاليّة. فهذه هي أدوات العنف اللاصق لمجموعات الرأسماليين المتنافسين في حقبة التّنافس الشامل. وهي سترتد مرّة ثانية لتصبح صراعًا مفتوحًا على الأسواق «الأخرى» خارجها: المستعمرات السابقة، مضافًا إليها الصين.

إطلاق اللايقين في المراكز يُنتج الفرد الخائف المستهلك الذي لا يشبع، والذي يلوم نفسه على كل العقبات التي تواجهه في حياته، تاركًا ساحة «الـ«سياسة فارغة لتملأها القوى الارتداديّة العنصريّة والشوفينيّة، التي بقيت (بحكم انعزاليّتها) منيعة من التّسييل الذي أصاب القوى الأخرى؛ أما إطلاق اللّايقين في الأطراف، فأنتج مجتمعات الأمان، مجتمعات الارتداد «الطبيعية» التي ظلّت دومًا خارج «الحداثة» وآليات عملها.

الآن، تعيد السّلطة إعادة إنتاج نفسها ثانية باعتبارها ضامنًا لامتصاص هذه المجتمعات الجديدة وتنظيمها واحتوائها، أو القضاء عليها، واضعة نفسها مرّة أخرى في صيغة الأداة الوظيفيّة (مثلًا: النظام السّوري يقدّم نفسه للغرب باعتباره القوّة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في القضاء على «الإرهاب«)؛ ويصير الحلّ هو تسوية بين مجتمعات الأمان، قابلةٌ للانهيار في أي وقت (النموذج اللبناني تاريخيًا، النموذج العراقيّ حاليًا، والنموذج الليبيّ مستقبلًا)، من الداخل، أو بدفعٍ خارجيّ.

الحروب السائلة وتفكّك الدولة/السّلطة في الأطراف

يرى المؤرّخ العسكري الإسرائيلي مارتن فان كريفيلد، أن وجود الدولة يرتبط بقدرتها على شنّ الحروب. في سياق المجتمعات المتفجّرة، ينتفي احتكار الدوّلة للعنف، فاتحًا المجال أمام اضمحلالها، وتتحوّل حروب المستقبل إلى معارك تخوضها عشائر، وطوائف، ومجموعات إرهابية، وعصابات، ومجرمين، وقراصنة.

سُجّلت هذه الرؤية المستقبليّة في كتاب فان كريفيلد: «تحوّلات الحرب»، عام 1991. يبدو أنّ المستقبل وصل في الأطراف، حيث نرى تطبيقات هذه القراءة يوميًا في بلدان مثل سورية واليمن وليبيا، وإلى حد أبعد، في العراق. السّلطة تحوّلت إلى مجرّد ميليشيا بين ميليشيات أخرى متنازعة، ترتكب العنف يوميًا للحفاظ على تماسكها، و«مكانها». هذه نتيجة متتالية تاريخية في الأطراف لم تبدأ بحداثة صلبة وصولًا إلى أخرى سائلة، بل ابتدأت بالاستعمار والتقسيم، وأنظمة قمعيّة فاسدة تلتها، أوصلتنا إلى حروب سائلة، تقوم بها مجتمعات متفجّرة صلبة.

المستقبل؟ تفكّك الدّولة (المختزلة في السّلطة)، الإرهاب، العشائريّة، الطائفيّة، اللّجوء، الحروب، صعود العنصريّة في المراكز، والانفجارات الاجتماعية التي ستليها. يبدو التشخيص الماركسيّ عن الرأسمالية كآلة لتوليد الأزمات متماسكًا جدًا، بينما أثبتت الرأسماليّة أنها قادرة على استيعاب أزماتها والمرور منها مولّدة أرباحًا في الكثير من الأحيان. هل ستنجح الرأسمالية في عبور مرحلة السّيولة واللايقين؟ سنرى إن كانت الإجراءات الحمائية (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، صعود ترامب في الولايات المتحدة، وقف الهجرة، التراجع عن العولمة، ارتفاع أسهم القوى اليمينية المتطرّفة في أوروبا) كفيلة بالإنقاذ. أما هنا في الجنوب، فالطّحن مستمرّ إذ لا شيء آخر في الأفق.


كتبت هذه المقالة على سبيل التحيّة لعالم الاجتماع والفيلسوف زيجمونت باومان (1925 – 2017)، الذي رحل قبل أسبوعين عن عمر ناهز الـ91 عامًا، مخلّفًا ورائه تركة نظريّة هائلة عن تحوّلات الحداثة والرأسماليّة المعاصرتين، لم تحظَ بالانتباه والدّرس الكافيين في العالم العربيّ؛ وهي أيضًا محاولة لاستخدام أدوات باومان (ونقدها) في سياق التحوّلات التي نمرّ بها حاليًّا على الصعيدين المحليّ والعربيّ.

إحالات:

1. للمزيد عن «الحداثة السّائلة» والتغيّرات الأساسيّة الحاصلة في خضمّها، خصوصًا ما يتعلّق بالخلاص، والفرديّة، والزمان/المكان، والعمل، والمجتمع، انظر/ي: Zygmunt Bauman, Liquid Modernity, (Cambridge: Polity, 2012).
2. للمزيد عن العولمة، تعريفها، مقولاتها، أوهامها، انظر/ي: هشام البستاني، في نقد مقولات العولمة الرأسماليّة.
3. للمزيد عن دور الحماية والأسواق «المغلقة» في تطوير صناعات الدول التي تدعو اليوم للسوق المفتوح ورفع الحواجز الجمركية، و«ركل السلّم» لمنع الآخرين من صعود نفس الطريق الصناعيّ، انظر/ي: Ha-Joon Chang, Bad Samaritans: The Guilty Secrets of Rich Nations and the Threat to Global Prosperity, (London: Random House, 2008).
4. للمزيد عن حروب المستقبل وتفكّك الدولة، انظر/ي: Martin van Creveld, The Transformation of War, (New York: Free Press,1991).