رأي

هزليّة الإعلام تحت وطأة الحرب

الأربعاء 24 شباط 2016
media

اخترتُ الصّحافة تخصصًا، لأنني عشقت الحقيقة وآمنت بالمعرفة كأول خطوة للتغيير. وبعد بضعة أشهر من تخرّجي، وجدت نفسي ضمن الذين فتحت لهم الفاجعة السورية مصدرًا للرزق على حساب اضمحلال الإنسانية.

كان عملي يقوم على رصد مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للمعارضة السوريّة. تقتصر وظيفتي على الرصد، التُحقّق من المادّة، ترجمتها وكتابة وصف لها. بعد فترةٍ من ممارسة المهنة، أصبحتُ أشعر أنّني امرأة آليّة؛ أنقل صور الشهداء والثوّار عبر شاشة رقميّة أبعدُ عنها بضع سنتيمترات، بينما أبعد عن الجثث المتراصّة مئات الأميال، أنقلها بنفس الطريقة وبنفس الوسائل التي أنقل بها أغنية أو رأيًا فارغًا على الفيسبوك.

وعندما كنت أعود إلى العمل بعد غياب بضعة أيّام، كنت أشعر وكأنّ خارطة سوريا انقلبت رأسًا على عقب، وأنّ فصائل جديدة انبثقت «الله أعلم» من أين، وفصائل قديمة انحلّت مع هبوب الريح، ولكنّ الواجهة القاتمة ذاتها كانت ما تزال قائمة تستحوذ على هذه التبديلات، وليس التغيرات، لتُبقي الوضع العام تمامًا كما تركتُه من قبل.

أقنعتُ نفسي أن عملي مُهم، لأنّه يوصل صوت المدنيين العُزّل إلى أصحاب القرار الذين لن يتحركّوا إن لم يعرفوا الحقيقة.

أقنعتُ نفسي أنّ لعملي السّطحيّ غاية. وأنّ ارتياد المقاهي بعد يوم شاق أكون قد تتبّعتُ فيه قتلى المجازر في دوما أو ضحايا الحصار في مضايا، أمرٌ عاديّ، بل صحيّ. أقنعتُ نفسي أن عملي مُهم، لأنّه يوصل صوت المدنيين العُزّل إلى أصحاب القرار الذين لن يتحركّوا إن لم يعرفوا الحقيقة، ولذلك أنا جزء من عمليّة تصدير المعرفة وبالتالي جزءٌ من التغيير.

وكأنّ أصحاب القرار ينتظرون منّي أنا أن أوصل لهم معلومة جديدة ليتحرّكوا. وكأنّهم سيتنازلون عن أجنداتهم ومخططاتهم المقرّرة مسبقًا من أجل الحقيقة. عَلموا أم لم يعلموا، قراراتهم مبنيّة على مصالحهم المُستقلّة عن أيّة معلومة أقدّمها. وإن أردتُ أن أتمادى بسوداويتي، فإنهم هم الذين يقومون بتشكيل الحقيقة التي نتناقلها نحن، بدلًا من أن تقوم هي بتشكيلهم.

المشكلة ليست في التعتيم الإعلامي وغياب التواصل بين طرفين، المشكلة تكمن في هرميّة أكبر وأقوى من أيّ تحرّك أو محاولة فرديّة. إن كانت الحقيقة ستُغيّر، فيجب أن تصل إلى يد مجتمع مدنيّ ذي ضمير حيّ، قادرعلى أن يجبل من المادّة الخام أدوات يستخدمها في إصلاحه أو ثورته.

ولكن ماذا لو كان مجتمع كهذا منسيًّا خلف القُضبان، أو هو مجتمع لم يتواجد من الأساس؟ و ماذا لو كان التحرّك الوحيد الصادر عن صورة مثل صورة الطفل آلان، ضجّة أوسمة لا غير؟

أشعر أحيانًا أنّ الإعلام مثل لعبة «التلفون المقطوع» بحيث يكون الهدف النهائي منه، مجرد نسخ ولصق للأخبار كما هي، بدلًا من استخدامها لهدف أسمى. فتُنشرالمعلومة ليتم تناقلها مرارًا وتكرارًا، بنهج أقرب إلى النميمة التي يدفعها الفضول.

للأسف، قد يُساعد الإعلام في ظل أجواء كهذه، على ترسيخ الواقع وتعزيزه، فإن لم يكن هنالك من يستخدم الواقع لتسليط الضوء على نقيضه كواقع مُغاير، سيظل الوضع الراهن هو سيّد المشهد، ممّا سيستنزف الجمهور الذي سيعيش مأساته مرّتين.

دخلتُ عالم الصحافة وأنا مُتيقنة أنّ الحقيقة وسيلة لإحداث التغيير، ولكنني بدأت أفهم أنها منضوية تحت منظومات جرّدتها من أيّ هدف أو رمزيّة، لتصبح غاية بحد ذاتها. لقد أوصلنا عصر المعلومات هذا إلى تضخّم معلوماتي أفقد المعلومة قيمتها لتصبح سلعة نرصّها إلى جانب مقتنياتنا للاستعراض، وأضحى الشهداء رقمًا نُقحمه بجانب سعر الذهب في شريط الأخبار. والمدن، رُقع شطرنج نتنافس في توثيق حرقها وتفجيرها.

أمّا أنتم يا مدراء التّحرير ويا عُشّاق الحقيقة، خذوا كل الحقائق التّي بحوزتي، وإن لم تكن كثيرة، واتركوا لي مُخيّلتي. خذوا أرقامكم وخرائطكم، حلّلوا تداعيات الأزمة في صالوناتكم الثقافيّة وغرفكم الإخباريّة، وأعيدوا لي إنسانيّتي المبتورة. أريد ولو لمرّة أن أحلم بما لسنا عليه بعيدًا عن أيّ حقيقة، علّ ما نحن عليه يموت غيرة.