المسؤولية الطبية: هل يحسم القانون جدل 16 عامًا؟

المسؤولية الطبية: هل يحسم القانون جدل 16 عامًا؟

الأحد 15 نيسان 2018

أقرّ مجلس النواب، مطلع الشهر الحالي، مشروع قانون للمساءلة الطبية، صدر تحت اسم «قانون المسؤولية الصحية والطبية للعام 2018»، ومن المقرر عرضه على مجلس الأعيان تمهيدًا لاستكمال آخر مراحله الدستورية.

المشروع الذي طرح لأول مرة عام 2002، كان قد خضع، على امتداد الـ16سنة الماضية، لحالة طويلة من الشد والجذب. إذ سُحبَ أكثر من مرة من ديوان التشريع. وخضع لعدد كبير من التعديلات.

خلال هذه السنوات، تنازع بشأن مشروع هذا القانون فريقان: مؤيد، على رأسه الحكومة التي رأت فيه ضمانة لجودة الممارسة الطبية، وحماية لحقوق المرضى، وتحفيزًا للسياحة العلاجية. وفريق معارض تمثّله النقابات الصحية، التي تقودها نقابة الأطباء. وهذا الفريق كان مصرًّا على أن التشريعات الحالية كافية لمعالجة الأخطاء الطبية، ولا حاجة لقانون خاص. وأبرز اعتراضاته كانت أن القانون سيرتّب على مقدمي الخدمات الصحية أعباء مالية جديدة، هي قيمة الاشتراكات التي سيُلزم هؤلاء بدفعها لتأمين أنفسهم ضد الأخطاء الطبية، خصوصًا إذا سُلّم ملف التعويضات لشركات التأمين. إضافة إلى الاعتراض على عدم مراعاة النسخ المتعددة من مشروع القانون تفاوتَ الإمكانيات في المؤسسات الطبية التي يعمل فيها هؤلاء.

الصيغة التي أقرّها مجلس النواب، تضمنت التعديلات الأساسية التي اشترطتها النقابات، وكان على رأسها صيغة للتأمين أخرجت شركات التأمين من المعادلة، إضافة إلى آليات مساءلة تأخذ في الاعتبار تفاوت الإمكانيات، والظروف الاستثنائية التي يمكن أن تلعب دورًا في حدوث الأخطاء.

يحاول هذا التقرير الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي تشكل إجاباتها الخطوط العامة للمشهد الذي تحرّك ضمنه مشروع القانون، وتساعد على فهم حالة الجدل الذي رافقته طوال السنوات الماضية؛ ما هي محاور مشروع القانون الجديد؟ وما هو حجم الأخطاء الطبية التي جاء لمعالجتها؟ كيف تتم المحاسبة على هذه الأخطاء ضمن التشريعات الحالية، وكيف ستصبح بعد إقرار القانون؟

محاور قانون المسؤولية الطبية

أبرز المحاور التي يتضمنها مشروع القانون هي: تقديم تعريفات محدّدة للمصطلحات الضرورية في ما يتعلق بالمساءلة، من قبيل تعريف الخطأ الطبي، والخدمة الصحية، ومقدّمها، وأماكن تقديمها. ويقرر المشروع لائحة بواجبات الطبيب، ولائحة آخرى بالمحظورات عليه. كما ينص على تشكيل لجنتين فنيتين، تتولى الأولى وضع القواعد المهنية والسلوكية للعاملين، والخطوات المفروض على مقدم الخدمة الصحية اتباعها في كل إجراء طبي، وتتولى الثانية النظر في الشكاوى والبت فيها. ينص المشروع أيضًا على إنشاء صندوق تكافلي للتأمين ضد الأخطاء الطبية، وإنشاء سجل رسمي للأخطاء الطبية التي صدرت فيها أحكام قضائية قطعية. كما يتضمن نصوصًا تمنع إجراء عمليات الاستنساخ، وتغيير الجنس، وزرع جنين في رحم المرأة من غير زوجها. ويقرر المشروع، أخيرًا، العقوبات المترتبة على مخالفة القانون.

حجم الأخطاء الطبية في الأردن

يُعرّف الخطأ الطبي، بحسب مدير مديرية الرقابة والتفتيش الداخلي في وزارة الصحة، الدكتور ناظر حماد، بأنه «أي إجراء أو تداخل مخالف للقواعد العلمية والعملية». وبحسبه، فإن الكثير من الحالات التي يعتقد الناس بوجود خطأ طبي فيها، تكون في الحقيقة نتاج «مضاعفات»، والتي تُعرّف بأنها أي تطوّر للأسوأ في حالة المريض ينجم عن المرض الأصلي، أو مرض له علاقه بالمرض الأصلي. كما أنها أي تدهور، يكون ناجمًا عن علاج أو تدخل جراحي معين، تكون المراجع الطبية قد أشارت إلى إمكانية حدوثه.

والأخطاء الطبية ليست محصورةً بالأطباء، كما يقول حماد، بل يمكن أن يرتكبها أيّ من مقدمي الخدمة الصحية، من صيادلة وممرضين وفنيي مختبرات وأشعة، وغيرهم. وفي حين تفيد أرقام منظمة الصحة العالمية، بأن واحدًا من بين كل 10 مرضى في العالم يتعرض إلى خطأ طبي، كما يقول، إلا أنه لا يوجد في الأردن، سجل لتوثيق الأخطاء الطبية. ومن غير المعروف عدد هذه الأخطاء سنويًّا.

بالنسبة لأرقام وزارة الصحة، يقول حماد إن الوزارة تحقق في كل الشكاوى التي تردها. وهي بدأت العام 2016 بتوثيق هذه الشكاوى بطريقة أكثر تنظيمًا. وقد وردت إلى الوزارة 61 شكوى العام 2016، خاصة بالقطاع العام، ثبت بعد التحقيق وجود خطأ طبي في حالتين. وفي العام 2017، كان هناك 39 شكوى، ثبت الخطأ الطبي في واحدة.

بالنسبة للقطاع الخاص، فقد وافقت نقابة الأطباء على تزويد «حبر»، فقط بعدد الشكاوى التي وصلت النقابة العام 2017، وهي 92 شكوى. إضافة إلى الشكاوى خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2018، وهي 25 شكوى. النقابة، أيضًا، أكدت أنها تحقق في كل شكوى، لكنها رفضت الإجابة عن عدد الشكاوى التي حُسم فيها وجود خطأ طبي.

من جهته، يؤكد وزير الصحة السابق، الدكتور وليد المعاني (2002-2003)، أنه لو طبقت المعايير الحقيقية لخضعت الإجراءات الصحية إلى معايير تحديد الخطأ الطبي، وبالتالي فإن الأرقام الحقيقية ستكون أكثر من الأرقام التي تظهر إلى العلن.

يعزو حماد ضعف توثيق الأخطاء الطبية إلى تعدد القطاعات الصحية المقدمة للخدمة، فهناك القطاعان العام والخاص، والمستشفيات الجامعية، والخدمات الطبية الملكية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني.

في حين يقول نخلة أبو ياغي، نائب مدير مستشفى الجامعة الأردنية للشؤون الإدارية، الذي أكد أن ما يقوله لا يمثّل إدارة مستشفى الجامعة، فهو تحدث لـ«حبر» لا بصفته الإدارية، بل بصفته الشخصية طبيبًا مطلًا على المشهد، وكان عضوًا في لجان خبرة استعانت بها المحاكم في قضايا تتعلق بأخطاء طبية، يقول إنه إضافة إلى أن هناك دائمًا صعوبة في توثيق الأمور التي ينجم عنها مساءلة، فإن هناك في المؤسسات الطبية، ضعفًا في عملية التوثيق بشكل عام، ولا يخص هذا الأخطاء الطبية وحدها.

وفي هذا السياق، يشير أبو ياغي، إلى لجنة توجد في المؤسسات الطبية، اسمها لجنة المراضة والوفيات «Morbidity and Mortality Committee»، وظيفتها تقصّي الحالات التي نجم عنها مضاعفات أو وفيات. لكن هذه اللجنة، كما يقول، لا تنعقد بشكل دائم، كما هو مفترض، حتى في المؤسسات الطبية الكبرى. ويضيف أن ما يصعّب عملية التوثيق، هو «الشخصنة» التي تطبع، في كثير من الأحيان، عمل هذه اللجان، إذ يحدث أن تُضخّم حادثة صغيرة، إذا كان هناك خصومة بين من ارتكبها وأطباء آخرين في اللجنة. أو يحدث العكس، فـ«تضبضب» حوادث كبيرة، لأن من ارتكبها «جراح كبير، وما حدا مسترجي في لجنة المراضة يقوله ليش عملت هيك؟». وفق أبو ياغي، فإن مركز الطبيب، مرتكب ما يُشتبه بأنه خطأ طبي، يحدد كثيرًا طريقة التعامل معه، فمن السهل إدانة خِرّيج جديد، أو أخصائي بسنوات خبرة قليلة، على واقعة ما، ستمرّ نفسها لو أن من ارتكبها كان «مستشار كبير وإله لوبي».

عالج مشروع القانون هذه النقطة، فنصّ على إنشاء سجل بالأخطاء الطبية التي صدرت فيها أحكام قضائية قطعية. لكن أبو ياغي يقول إن التشريع قاصر هنا، لأنه حصر التوثيق بالأحكام القضائية القطعية، ما يعني أنه ستسقط من السجل كل حوادث الأخطاء الطبية التي تُعالَج بعيدًا عن القضاء، مثل تلك التي تنتهي بالصلح. ووفقه، هناك أيضًا حوادث تتأكد فيها المؤسسة الطبية من وجود خطأ، فتوقع عقوبات داخلية، لكن من دون إعلان ذلك، حتى لا تتعرض للمساءلة القانونية.

ما هي آليات محاسبة الأخطاء الطبيّة في غياب قانون للمساءلة؟

تتعدد، بحسب المعاني الجهات التي تسائل مقدمي الخدمات الصحية، فإذا لم ترفع دعوى أمام القضاء، فإن كل مقدم خدمة، كما يقول المعاني، مساءل من قبل القطاع الذي يعمل فيه، فالعامل في مستشفى حكومي، تحاسبه وزارة الصحة، والعامل في مستشفى جامعي تحاسبه الجامعة. والعامل في القطاع الخاص تحاسبه نقابة الأطباء، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يعمل في الخدمات الطبية الملكية.

جميع الجهات السابقة تتضمن قوانينها آليات للمحاسبة على الممارسات الطبية الخاطئة. وتطبق كل جهة قانونها في حال ورود الشكوى إليها. فتطبق المحاكم، كما يقول المحامي هاني زاهدة، وهو مستشار لنقابة الأطباء، قانون العقوبات، وقانون أصول المحاكمات الجزائية والقانون المدني. وتطبق وزارة الصحة قانون الصحة العامة، وتطبق نقابة الأطباء قانونها. وتتعامل هذه القوانين مع الأخطاء الطبية، من خلال عقوبات جزائية، أو تعويضات مدنية تفرضها المحاكم، أو إجراءات تأديبية في نقابة الأطباء. وجميع هذه التشريعات بحسب زاهدة «كافية جدًا»، ولم يكن هناك ضرورة لقانون خاص بالمساءلة.

خضع القانون على امتداد الـ16سنة الماضية، لحالة طويلة من الشد والجذب. إذ سُحبَ أكثر من مرة من ديوان التشريع. وخضع لعدد كبير من التعديلات

الأمر الذي يؤكد عليه وزير الصحة السابق، الدكتور زيد حمزة (1985-1988)، الذي يقول إن التذرع بأن إقرار قانون للمساءلة الطبية سيشكل ضمانة لضبط جودة الممارسة الطبية، هو في الحقيقة «تملص» وزارة الصحة من واجباتها في تطبيق قانون الصحة العامة: «وزير الصحة لديه صلاحيات في القانون تشبه صلاحيات الحاكم العسكري وقت الحرب. يستطيع أن يغلق مستشفى وعيادة، ويستطيع معاقبة أطباء. بل إن مديرًا للصحة يستطيع، بالقانون، مصادرة شحنة غذائية بمليون دينار (…) لماذا نراكم القوانين؟ القانون موجود، لكن نريد من يستخدمه».

يحدث الأمر ذاته في ما يتعلق بمحاسبة أطباء القطاع الخاص. فرغم أن نقيب الأطباء، الدكتور علي العبوس يؤكد أن النقابة تمارس، وفق قانونها، «صلاحيات ضبط المهنة» من خلال استقبال الشكاوى، وتطبيق آليات المحاسبة التي يتضمنها هذا القانون، إلا أن المعاني يشكك في أن هناك «محاسبة حقيقية» في نقابة الأطباء، لأن «الأطباء بمسكوا خواطر لبعض». وهو أمر يقول إنه يدخل في إطار «الحس النقابي»، كما يحدث في كل المهن التي «يفزع» منتسبوها لبعضهم. وهو أمر، يقول إنه موجود في كل العالم و«مفيد» بشرط أن تحكمه «ضوابط». لكن المعاني لا يستبعد أن يكون «انحياز» الأطباء لبعضهم، أحيانا لأغراض انتخابية.

وفي هذا السياق، ينتقد حمزة، توجه الناس للشكوى لنقابة الأطباء، التي يقول هو أيضًا، إنها تكون أحيانًا محكومة بالحسابات الانتخابية. وأن وجهة الشاكين يجب أن تكون للقضاء، منتقدًا وجود آليات محاسبة، في الأصل، في يد النقابة، فيقول إن المجالس التأديبية التي ينص عليها قانون النقابة هي «محاكم خاصة خارج الدستور. ذلك أن النقابة ليست جهازًا قضائيًّا. ويمكن أن تكون المحاسبة في قضايا داخلية بين الأطباء. وما عدا ذلك، ليس لديهم صلاحية دستورية للحكم بين الناس؟».

لكن حتى لو ذهبت الشكوى إلى القضاء، فإن هناك مشكلة، كما يقول المحامي راتب النوايسة، هي أن التشريعات الحالية تعاني من أن «قواعدها عامة»، وليس فيها نصوص محددة تعالج المسؤولية الطبية، وعلى رأس ذلك، تعريف محدد للخطأ الطبي، أو تقرير لواجبات الطبيب وحقوقه. وهو ما يجعل الأمور إلى حدّ ما «عائمة وغير واضحة». ولأن عملية التقاضي تتم ضمن هذه القواعد العامة، فإن الباب مفتوح لـ«الاجتهاد». في حين أن «مشروع القانون حسم ذلك. حدد أطرًا واضحا وأسسًا واضحة، ومرجعيات للأخطاء الطبية».

هذه «العمومية» في التشريعات القائمة، هي «الثغرة» التي يقول المعاني، إن قانونًا خاصًا للمساءلة الطبية يأتي ليسدّها. فهو لم يأت «للتجريم»، بل ليبين بشكل دقيق ومحدد القواعد التي تنظم العلاقة بين مقدم الخدمة ومتلقيها، فـ«يحدد ما هو واجب الطبيب، وما هو واجب المستشفى، ثم يحدد ميكانيكية لبيان ما إذا كان هذا الطبيب قد أخطأ أم لا. وبعد ذلك يتم إحالة الأمر إلى المحاكم النظامية لتحاكم من أخطأ».

بهذا المعنى، فإن التحديد الدقيق للإجراءات التي تنظّم تقديم الخدمة، التي يكون مدى الالتزام بها هو الفيصل في النزاع، لا يشكل حماية للمريض فقط، بل أيضًا لمقدم الخدمة الصحية. ويشرح المعاني أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن مهمة الطبيب والمستشفى هي «شفاء» المريض. ويحصل في الحالات التي يحدث فيها وفاة، أن يتهم الأهل الطبيب والمستشفى بالتسبب بالوفاة. وهذا غير صحيح. لأن العلاقة التعاقدية بين المريض وكلّ من الطبيب والمستشفى، هي أن يلتزم الطبيب بالعلاج، مراعيًا القواعد المهنية، وأن يلتزم المستشفى بضمان سلامة الإجراءات الطبية. وهذا تعاقد لا يتضمن التزامًا بشفاء.

ما الذي سيتغير في آلية المساءلة بعد إقرار مشروع القانون؟

وفق القاعدة التشريعية، فإن القوانين الخاصة لها أولوية التطبيق على غيرها من قوانين، كما يقول المحامي عمر العطعوط. بمعنى أنه من لحظة إصدار القانون، فإن الشكاوى المتعلقة بأخطاء طبية، ستعالج وفق أحكام قانون المسؤولية الطبية والصحية، إلا في الحالات التي لم يتضمّنها هذا القانون، عندها يمكن اللجوء إلى أحكام القوانين الأخرى. وفي السياق نفسه، يلفت العطعوط إلى أن مشروع قانون المسؤولية الطبية نصّ على تطبيق العقوبة الأشد إذا وردت في قوانين أخرى عن الفعل نفسه. فمثلًا إذا كانت العقوبة ستة أشهر، وفق قانون المسؤولية، وكانت عقوبة الفعل ذاته وفق قانون العقوبات، ثلاث سنوات، فإن القاضي سيحكم بالعقوبة الأشد.

وبحسب رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب، الدكتور إبراهيم البدور، فإنه بعد إصدار القانون، ستكون هناك لجنة فنية واحدة، هي اللجنة الفنية العليا التي نصّ على إنشائها مشروع القانون، ستُحال إليها كل الشكاوى، التي ترد إلى القضاء ووزارة الصحة ونقابة الأطباء، وتكون «وحدها» المخوّلة بالنظر في هذه الشكاوى، والبتّ بوجود خطأ من عدمه. هذه اللجنة التي يعينها وزير الصحة، مكونة من 9 اختصاصيين في الطب، وطب الأسنان، والصيدلة والتمريض، إضافة إلى ممثل عن المهن الصحية، والمستشار القانوني للوزارة. وتستمر عضويتهم سنتين، تُجدد لمرة واحدة. وتمتلك هذه اللجنة صلاحية تشكيل لجان فنية فرعية متخصصة للنظر في الشكاوى بحسب طبيعتها.

وفق البدور، فإن الوضع الحالي بالنسبة لتشكيل اللجان الفنية التي تحقق في الشكاوى، هو أن «كل جهة تعمل بشكل منفرد»، فتشكل وزارة الصحة مثلًا أو نقابة الأطباء لجانًا فنيةً داخليةً للتحقيق. والأمر ذاته بالنسبة للقضاء، فالقاضي هو الذي يسمّي الخبراء الذين يريد الاستعانة بهم في القضايا التي تحتاج إلى خبرة فنية. وعندما يطعن محامي أحد الأطراف في هذه الخبرة، يمكن أن تُشكل لجنة فنية أخرى، تقدّم رأيًا مختلفًا. ووفق البدور فإن القاضي هو من يقرر في النهاية أي رأي يعتمد. وهو يفعل ذلك من دون أن يمتلك معرفة طبية متخصصة: «أحيانًا تذهب حقوق الطبيب، وأحيانًا تذهب حقوق المريض».

ويؤكد ذلك النوايسة الذي يقول إن بعض الخبراء ممن تستعين بهم المحاكم «لا يكون لديه خبرة بكتابة التقرير. قد يُظلم ناس، وقد يُبرّأ ناس لا يستحقون البراءة».

ولأن «هذه مسألة فنية بحتة»، يقول البدور، جاءت الحاجة إلى اللجنة الفنية العليا، بوصفها جسمًا طبيًّا متخصصًا، ولن يكون هناك صلاحية لأي جهة، بما فيها القضاء، أن تستعين بغيرها من لجان، وستكون قراراتها قطعية وملزمة حتى للقضاة.

وفي هذا السياق يسجل زاهدة اعتراضًا على اللجنة الفنية العليا، فينتقد النص الذي يقضي بأن الطعن في قرارات اللجنة يكون أمام اللجنة نفسها. إذ ينص مشروع القانون على أن اللجنة الفنية العليا تشكل لجنة فرعية متخصصة من غير أعضائها تتولى النظر في الشكاوى، فإذا طعن المريض أو مقدم الخدمة في قرارها، تشكل اللجنة الفنية العليا لجنة فرعية أخرى، تنظر بدورها في الطعن. وإذا اختلف رأيها عن رأي اللجنة الأولى، فإنهما تجتمعان معًا، وتتوافقان على قرار «قطعي». وهذا بحسب زاهدة غير جائز، إذ يجب أن يكون هناك جهة مستقلة للنظر في الطعون المقدمة.

وفق البدور، رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية، فإنه يمكن بعد استنفاذ أحد طرفيّ الشكوى حق الطعن أمام هذه اللجنة أن يتوجّه إلى القضاء، لكن ما سيحدث هو أن القضاء «ملزم» بإعادة الشكوى إلى اللجنة الفنية العليا نفسها، التي سبق وأبدت رأيها في القضية. وبحسبه، فإن ذلك يعني أن هذه اللجنة، ستكون، عمليًّا، هي «الحاسمة».

لكن المحامي العطعوط ينبّه إلى أن هذا يخالف قاعدة تشريعية، تقول إن «رأي الخبير لا يقيّد القاضي». العطعوط الذي ينوّه إلى أن توحيد لجان الخبرة الفنية في مرجعية واحدة هو أمر محمود، وفيه «تسهيل» على المحاكم، وعلى الأطراف المتخاصمة، خصوصًا أنه يحدث أحيانًا أن لا يتفق الخصوم على خبراء محددين، يشدّد على أنه لا يجوز، قانونيًّا، «إلزام» القضاء بهذه اللجنة. فللقاضي إذا لم يقتنع برأي الخبير، أن يطلب خبيرًا آخر، «إلزام القاضي بلجنة فنية محددة، عليه أن يعتمد رأيها سيعني أن هذه اللجنة أعلى من القضاء نفسه».

ويلفت العطعوط إلى أن نص مشروع القانون بصيغته الحالية لا يتضمن أصلًا هذه الحصرية: «إذا كان من صاغ المشروع يقصد فعلًا إلزام القاضي بلجنة معينة وبرأيها، فإن هذا ليس واضحًا في النص. وإذا عُدّل النص في مناقشات مجلس الأعيان كي يعبر عن ذلك، فإن هذا سيكون مخالفًا للقانون».

هل سيحمّل القانون مقدمي الخدمة الصحية والمرضى أعباء مالية إضافية؟

على امتداد السنوات الماضية، كان أحد أبرز الاعتراضات على قانون للمساءلة الطبية هو تخوّف مقدّمي الخدمات الصحية من أنه سيرتب أعباء مالية إضافية عليهم، لأنه ينص على تطبيق صيغة «إلزامية» للتأمين ضد الأخطاء الطبية. وهذا يعني اضطرارهم دفع اشتراكات سنوية. ووفق العبوس، فإن التخوّف الأكبر لدى الأطباء طوال السنوات الماضية كان دخول شركات التأمين «شريكًا» لأنها ستتقاضى من الأطباء والمستشفيات مبالغ كبيرة، يقول إنها في النهاية ستحمّل على فاتورة العلاج التي يدفعها المريض.

مشروع القانون الحالي نصّ، في صيغته كما ورد من الحكومة إلى «النواب» على إنشاء «صندوق خاص للتأمين ضد أخطار المسؤولية الطبية» تموله اشتراكات مقدمي الخدمة الصحية. و ظلت هذه النقطة محل خلاف ما بين وزارة الصحة، ونقابة الأطباء؛ إذ أصرّت النقابة على أن يكون الصندوق تحت إشراف حكومي، وأن يكون تابعًا بالتحديد لوزارة الصحة، لأن هذا يضمن، كما قال العبوس ألا يكون «ربحيًّا»، وأن تكون اشتراكاته «مقبولة». لكن الوزارة رفضت، إلى آخر لحظة، تولي مسؤولية الصندوق، وهذا جعل نقابة الأطباء تصعّد ملوحة بالاعتصام. واستطاعت، قبل ساعات قليلة من إقرار المجلس مشروع القانون، فرض تعديلين على هذه المادة، أولهما وضعه تحت مظلة الحكومة، من خلال إشراف المجلس الصحي العالي عليه. وثانيهما، هو أن من سيدفع اشتراكات التأمين، سيكون المؤسسات الطبية، لا العاملين فيها.

 الصندوق بهذه الصيغة هو صندوق «تكافليّ»، ورغم أنه أبعد نظريًّا عن مقدّمي الخدمات الصحية شبح شركات التأمين، إلا أن حمزة يعبر عن خشيته من أن الصندوق، حتى بهذه الآلية، يمكن أن «يفلس» بعد فترة وجيزة، بسبب عدم تخصص من يديرونه، وقد يباع من ثم لشركات التأمين. وهو أمر يقول العطعوط إنه سيحدده النظام الخاص بهذا الصندوق، والذي سيصدر بعد إقرار القانون. إذ ستحدد بنوده إن كان يمكن لشيء مثل هذا أن يحدث.

دخول شركات التأمين بهذه الصورة التجارية، يقول العبوس، سيشجع المحامين على دفع الناس للشكوى على «اللي بستاهل واللي ما بستاهل». وسيحدث في الأردن، ما حدث في الولايات المتحدة، التي أدى فيها هذا النموذج من التأمين ضد الأخطاء الطبية إلى رفع كلفة الخدمة الصحية بشكل هائل.

وبحسب حمزة، تعدّ الولايات المتحدة التي تستلم ملف التعويضات فيها شركات التأمين، أحد أكثر النماذج تمثيلًا للبلدان التي حوّلت الخدمة الطبية إلى تجارة، و«سلّعت» العلاقة بين الطبيب والمريض، التي كانت «تاريخيًّا علاقة إنسانية مبنية على الثقة». لقد أقر هذا النظام هناك، كما يقول، لـ«تنفيع» شركات التأمين، وصار جزءًا من النظام الاقتصادي الأميركي «يشكون منه ولا يستطيعون التخلص منه». ووفق حمزة، فإن المريض سيكون في النهاية هو المتضرر الأكبر، لأنه إذا «اضطر الطبيب لدفع 10 آلاف دينار لشركة التأمين سنويًّا، فإنه سيأخذها من جيب المريض».

لكن المعاني، يقول، في المقابل، إنه لا يُشترط لنموذج التأمين المقترح أن يكون مطابقًا للذي في الولايات المتحدة، لأن هناك، في العالم، آليات أخرى للتأمين، منها النموذج البريطاني، الذي تمثله هيئة الدفاع عن الأطباء البريطانية (Medical Defence Union)، التي تقدم تأمينًا ضد أخطار المهنة، مقابل اشتراكات، تحدد قيمتها وفق رتبة الطبيب، والقطاع الذي يعمل فيه، وكونه اختصاصيًّا أو مقيمًا، وغير ذلك. وعلى سبيل المثال، يدفع اختصاصيّ، لا يقوم بعمل خاص، حوالي ألف جنيه في السنة.

يشدد المعاني على أهمية مثل هذا القانون في تحفيز السياحة العلاجية، إذ تشترط الكثير من البلدان وجود هذا القانون في البلدان التي تختارها لعلاج مواطنيها. لكن حمزة يقول إن كل هذا الكلام عن «السياحة العلاجية» هو جزء من عملية التسليع التي تخضع لها المهنة.

هل يدخل الأعيان المزيد من التعديلات؟

إضافة إلى التعديل الخاص بالصندوق، حصلت نقابة الأطباء على تعديلات تتعلق بمراعاة تفاوت البيئة التي يعمل فيها مقدمو الخدمة الصحية، فأضيفت عبارات تأخذ في الاعتبار، عند المساءلة «إمكانيات العمل المتاحة».

لكن نقابة الأطباء كانت أعلنت أنها تضغط باتجاه تعديلات أخرى، على رأسها تعديل يمنح اللجنة الفنية العليا، صلاحية تقرير إن كانت الشكوى ستحوّل إلى القضاء أم لا. وقال العبوس إن النقابة اقترحت ذلك من باب تخفيف «العبء على المحاكم، وحفاظًا على وقت الطبيب والمواطن»، في قضايا يمكن أن تستغرق سنوات في المحاكم ليتضح بعدها أنه لا خطأ. ويمكن لهذه اللجنة، في حالة وجود خطأ، أن تحكم بتعويض. وبذلك «نكون أرحنا المريض من عناء التقاضي في المحاكم».

لكن النوايسة يقول إن تعديلًا مثل هذا «يسلب حقًّا دستوريًّا» ينص على أن المحاكم مفتوحة أمام الجميع. ولا يجوز بالتالي أن يكون هناك لجنة «تفلتر» الشكاوى، وتقرر أيها يذهب إلى القضاء، وأيها لا يذهب.