طريق العمالة المهاجرة نحو العدالة في الأردن

طريق العمالة المهاجرة نحو العدالة في الأردن

الإثنين 04 كانون الثاني 2016

تحول حُلُم العامل المصري أحمد سليمان بالعمل في الأردن وتلقي راتب -كان يعتبر خياليًا بالنسبة له- إلى كابوس، بعد أن عمل لمدة عام وشهرين ولم يحصل على راتبه طول فترة عمله، علمًا بأنه كان يعمل من السابعة صباحًا حتى الحادية عشرة مساءً.

وصل سليمان إلى الأردن بداية عام 2011 بعد أن حصل على تصريح للعمل في القطاع الزراعي، واتفق مع عائلة مكونة من ثلاثة أشقاء في لواء ناعور في العاصمة عمّان على العمل لديهم كحارس وعامل في مشتل ومزرعة مقابل 500 دينار كراتب شهري، نظرًا لأنه سيؤدي ثلاث وظائف. إلا أنه لم يتلق راتبه طول فترة عمله، كما لم يحصل على إجازاته الأسبوعية أو السنوية، بحسب شهادته.

العمالة الوافدة-04 (2)ترك سليمان العمل لدى العائلة بعد فشل محاولاته السلمية للحصول على حقوقه المالية، ليرفع بعدها دعوى قضائية في بداية عام 2013 أمام محكمة صلح حقوق ناعور، بمساعدة مركز مساعدة قانونية لعدم قدرته على دفع بدل اتعاب المحامي، ثم غادر البلاد. أنكر المُدّعى عليهم اتهامات سليمان، واستمرت القضية حتى بداية عام 2015، مما اضطر محامي سليمان إلى الطلب من المدعى عليهم التقدم بـ«اليمين الحاسمة».

وعلى مدار عام 2015 أجّل القاضي القضية، ولم يطلب من المدعى عليهم التقدم بـاليمين الحاسمة الكافية لحسم جدل القضية. وفي النهاية رد القاضي القضية لـ«عدم دفع الرسوم القانونية مع إلزام المدّعي بدفع 500 دينار أردني أتعاب محاماة»، علمًا بأن القضايا العمالية مستثناة من الرسوم، بحسب المادة 137 من قانون العمل، كما يُظهر طلب الاستئناف الذي قدمه محامي سليمان.

غادر سليمان الأردن بعد عام 2013 لأنه لم يستطع مواصلة العمل في الأردن، ولم يعد إليها حتى الآن، وما زال يتابع القضية عبر الهاتف مع محاميه، أملًا بأن «تتحقق العدالة يومًا ما». 

تؤكد الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين أن العمال المهاجرين مستضعفون في كل مكان، وذلك لبعدهم عن دولهم الأم، وهو الأمر الذي يزيد من الصعوبات التي من الممكن أن تواجهم بشكل عام. كما تؤكد مؤسسات المجتمع المدني في الأردن أن هذه الفئة هي من أكثر الفئات تعرضًا للانتهاكات مما يزيد من حاجتهم للوصول إلى العدالة عبر القضاء أو سواه من أدوات الإنصاف، إلا أن الواقع العملي عكس ذلك.

يقول العامل المصري الجنسية محمد متولي، والذي عمل في قطاع الزراعة، إن «العامل مننا بفكر ألف مرة قبل ما يرفع قضية ضد صاحب العمل، وفي مننا ميعرفش سكة المحكمة».

يتابع محمد بلهجة حزينة:

«اللي عنده عامل بحط بدماغه إنه مش بني آدم، وبعامله معاملة الحيوان، أنا عملت بمزرعة بمرتب 150 دينار، وكنت بشتغل من السبعة للسبعة – من السابعة صباحًا وحتى السابعة مساءً – وفي العطل والإجازات، ولما طلبت من صاحب العمل رفع مرتبي ويديني إجازاتي أو إني هرفع قضية عليه قلي: «إذا رفعت قضية أنا هدخلك السجن ببكسة خيار»، وكان بيقصد إنه هيبلغ عني إني سرقت من عنده ويحبسني».

ومع ذلك، رفع متولي قضية ضد صاحب العمل نهاية عام 2011 بمساعدة مركز مساعدة قانونية، وصدر قرار، بعد أربع سنوات، بتعويضه وحبس كفيله لمدة ستة شهور، ومع هذا لم يحصل متولي إلى الآن على حقوقه المادية. يقول «اللي قتل قتيل مسافة يوم أو يومين بكونوا عرفوا مين الي قتله وديّته، لكن قضيتنا لليوم مش معروفة». ويتابع «لحد دلوقتي ما قبضوش على الكفيل، وأنا عايز حقي وفلوسي بدل تعبي».  

العمالة-الوافدة-01

متولي تزوج لاحقًا بأردنية، وتحول إلى ناشط يساعد العمال المهاجرين، ممن تعرضوا لانتهاكات في رفع قضايا، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا ممن يرغبون برفع قضايا لا يستطيعون التكفل ببدل أتعاب المحامين، مما يدفعهم للتوجه إلى مراكز المساعدة القانونية لمساعدتهم، يقول محمد: «مرة جاني خمس عمّال كانوا عاوزين يرفعوا قضية لأنهم مخدوش مرتباتهم لكن مكنش معهم أجرة المواصلات حتى يوصلوا مكتب المساعدة القانونية، دفعت الأجرة ووصلتهم للمكتب».

وفي تحليل لمركز العدل للمساعدة القانونية عن «حجم الطلب على خدمات العدالة» نشر عام 2012، جاء العمال المهاجرون واللاجئون في فئة الأفراد الذين لا يستطيعون الحصول على العدالة لأسباب مالية أو «للضعف»، وهي الفئة الأكثر استثناءً من نظام العدالة والأكثر استحقاقًا للمساعدة القانونية.

كما أشار تحليل مركز العدل إلى أن 24.2% من عينة الدراسة التي تواجه إشكاليات قانونية لم ترفع قضايا أمام المحاكم لعدم امتلاكها المال لتغطية رسوم أتعاب المحاماة، و12.6% لعدم اقتناعها بفاعلية المحاكمة. التحليل تناول واقع حجم الطلب على خدمات العدالة للمجتمع الأردني بشكل عام، ولم يكن متخصصًا بالعمالة المهاجرة.

وصول العمالة المهاجرة إلى العدالة في الأردن يزداد تعقيدًا وصعوبة عند الحديث عن العمالة المهاجرة التي لا تتحدث اللغة العربية، وبخاصة قطاع عاملات المنازل، الذي تعمل فيه سيدات من دول شرق أسيوية في الأغلب، وهو القطاع الذي يشهد انتهاكات واسعة تصل إلى حد الاتجار بالبشر.

ويعتبر اختلاف اللغة واحدًا من أكثر عوائق وصول العمالة المهاجرة في الوصول إلى العدالة، حيث لا يسمح لهم ذلك بالتواصل بشكل سليم مع جهات إنفاذ القانون، أو المحاكم في حال وصولهم إليها، كما لا تعمل هذه الجهات على تأمين المترجمين بشكل دائم، وبخاصة في مرحلة التحقيق الأوّلي أمام المدعي العام.

ضمانات غائبة وهروب من العقاب

تقول ليندا كلش مديرة مركز تمكين للمساعدة والمساندة، المختص بالعمالة المهاجرة، إن غياب ضمانات المحاكمة العادلة تصعب وصول العمالة المهاجرة للعدالة.

وتؤكد كلش أن وصول العمالة المهاجرة للعدالة يكون أكثر صعوبة عندما يكون العامل مدعىً عليه، وبخاصة إن كانت سيدة ولا تتحدث اللغة العربية. حيث لا يتم توفير محامٍ أو مترجم في معظم الحالات، وهو ما يخالف ضمانات المحاكمة العادلة التي نصت عليها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي بعض الأحيان ساهم عدم وجود المترجم في مرحلة التحقيق الأوّلي بحبس عاملات منازل إداريًا لمدة طويلًا علمًا بأنهن ضحايا اتجار بالبشر.

ووصل عدد حالات الاتجار بالبشر التي تعاملت معها وحدة مكافحة الاتجار بالبشر حتى شهر أيلول من العام 2015 إلى 109 قضية، معظمها لعمال مهاجرين.

وتشير كلش، في حديثها لحبر، إلى أن ارتفاع قيمة أتعاب المحامي، والتقاضي بشكل عام، يدفع العمال المهاجرين للتوجه إلى مراكز المساعدة القانونية، والتي يصلون إليها إما عن طريق مؤسسات المجتمع المدني أو من خلال سفارات دول العمال المهاجرين أو بطريقة مباشرة بنسبة أقل. 

ولا ترى كلش أن طول أمد التقاضي في القضايا العمالية مبرر: «من المفترض أن يتم الفصل في القضايا العمالية خلال 3 إلى 6 شهور، لكنها معظم الوقت تصل إلى سنتين وأكثر، وهو ما يقلل من احتمالية أن تصل هذه الفئة إلى العدالة، لأنها لا تستطيع البقاء في الأردن أثناء فترة المحاكمة، لأنها عرضة للتوقيف بسبب انتهاء مدة تصاريح العمل، مما يزيد من احتمالية عودتهم إلى بلادهم دون حصولهم على حقوقهم المالية، وبخاصة العمالة المصرية التي تدفع تكاليف عالية للحصول على فرصة عمل بالأردن».

عمل مركز تمكين على متابعة نحو 197 شكوى وصلتهم حتى منتصف عام 2015، بينما وصل عدد الشكاوى إلى 510 عام 2014. وتنوعت طبيعة الشكاوى ما بين حجز جواز السفر وطول ساعات العمل وحجز الحرية والاعتداء بالضرب، والحرمان من الطعام والتهديد بالقتل والتحرش الجنسي وصولًا إلى الاغتصاب، ومعظمها كانت لجنسيات أسيوية.

العمالة-الوافدة-03

المحامي المختص في قضايا العمالة المهاجرة محمود الأقطش يرى أن واقع التقاضي في الأردن بشكل عام، وواقع التقاضي للعمالة المهاجرة بشكل خاص، ساهم بشكل كبير في عرقلة وصول العمّال المهاجرين إلى العدالة كما ساهم في زيادة هروب المدّعى عليهم من العقاب.

ويستدل الأقطش على ذلك بقضية أربعة عمال مهاجرين يحملون الجنسية الهندية، كانوا قد قدموا إلى الأردن بعد أن دفعوا 1000 دولار لمستقدمهم الذي يحمل نفس الجنسية كما يعمل مسؤولًا عن الموظفين في نفس الشركة التي عملوا فيها، ثم حدث خلاف بينهم على إثر حجز مستحقاتهم المالية، وصل إلى حد اعتداء المسؤول الهندي بالضرب مما تسبب بإصابة خطيرة لأحدهم بعد أن دفعه فوق احدى الآت المصنع.

ويتابع الأقطش: «المدعي العام كيّف القضية على إنها قضية اتجار بالبشر وكان من الممكن أن يحبس المدعى عليه من عام إلى ثلاثة أعوام، إلا أن تنازل العمال عن حقهم الشخصي بعد ضغط من إدارة المصنع وعقد تسوية مالية بسيطة وخوفهم من ضياع حقوقهم، في حال إطالة عمر القضية، ساهم بشكل كبير في تبرئة المدعى عليه في النهاية».

يقول الأقطش: «طول أمد التقاضي كارثي، لأنه يفقد العمال المهاجرين الأمل في الوصول للعدالة، مما يدفعهم لقبول التسويات المالية التي قد تكون أقل من حقوقهم، لأن العامل في النهاية يهتم بالحصول على أتعابه».

أما وزارة العمل، المعنية بشكل مباشر بقطاع العمالة المهاجرة، فقد أكدت نيتها اتخاذ سلسة من الاجراءات مستقبلًا تهدف إلى تقليص الانتهاكات بحق العمالة المهاجرة، عبر تنظيم سوق عملهم ومتابعتهم في أماكن عملهم، عبر زيادة وحدات التفتيش مستقبلًا، كما أكّدت أنها تعمل على استقبال شكاوى العمال ومتابعتها عبر قسم الشكاوى والخط الساخن وتعمل على متابعتها وفقًا للأصول والاجراءات القانونية لمساعدتهم في الوصول إلى العدالة.

العمالة-الوافدة-02

ورغم وجود هذه الإشكاليات، إلا أن تاريخ تقاضي العمالة المهاجرة في الأردن شهد سابقة في القضاء الأردني، حيث تمكن العامل الوافد «حمدينو النجدي» نهاية عام 2014 من الحصول على حكم من محكمة حقوق عمّان بإلزام وزارة الداخلية ومديرية الأمن العام بتعويضه بمبلغ ألفي دينار بدل العطل والضرر المادي والمعنوي والنفسي الذي لحق به بعد توقيفه إداريًا لأكثر من 13 شهرًا من بينها ثلاثة شهور في «النظارة». ورغم أنه لا يوجد في القانون الأردني ما ينص على تعويض من يثبت توقيفهم تعسفيًا، إلا أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ينص على ذلك.

وكان السر في قضية «حمدينو» هو إصراره على الحصول على حقه، فلولا إضرابه عن الطعام أثناء توقيفه إداريًا لربما تأخر الافراج عنه، ولولا إصراره على رفع قضية، كانت تبدو خاسرة، ومتابعتها بشكل دوري رغم أنه كان في مصر، لما حصل في النهاية على حقه، وحصل لغيره على «سابقة قضائية» يمكن أن يستند عليها في القضايا المشابهة.

* تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).

**صورة الغلاف بعدسة ناديا بسيسو.