حادثة الموقر: تذكير بالمتعاقدين العسكريين في الأردن

الخميس 12 تشرين الثاني 2015

أثارت حادثة قتل ضابط أردني لستة أشخاص، بينهم ثلاثة مستخدمين عسكريين عيّنتهم الحكومة الأمريكية لتدريب القوات الفلسطينية، ردود فعل عالمية ومحلية تساءلت حول مدى ارتباط هذه الحادثة بمجموعات مسلحة، خاصة وأنها تزامنت مع الذكرى العاشرة لحادثة تفجيرات عمان التي أودت بأرواح 57 مدنيًا.

لكن على صعيد آخر، جاءت هذه الحادثة لتذكرنا بالتواجد الدائم والمتزايد للمتعاقدين العسكريين في الأردن، خاصة بعد تشكيل التحالف الدولي ضد داعش في عام 2014، بحيث أصبحت رؤيتهم أمرًا غير مستغرب في شوارع عمان. فوفقًا لرويترز، تحتضن الأردن مئات المتعاقدين العسكرين الأمريكيين. فمن هم هؤلاء المتعاقدون وما هي وظيفتهم؟

يتبع هؤلاء المتعاقدون شركات توفر خدمات عسكرية أو أمنية تشمل خدمات حراسة للأشخاص والأماكن، وتنظيم سجون، وتدريب قوات، والحرص على سريان العمليات العسكرية، وصيانة الأسلحة والإشراف عليها. وقد ظهرت شركات التعاقد العسكري الخاص بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث اتجهت العديد من الدول إلى خصخصة القوات العسكرية لأسباب أمنية واقتصادية.

تدفع الولايات المتحدة الأمريكية ثلث مخصصاتها الدفاعية لهذه الشركات الخاصة، وبذلك تعد أكبر عميل ومحتضن لهذه الشركات في العالم، بحيث تدرّب هذه الشركات خبراءَ حول العالم، ثم تشغّل الحكومة الأمريكية الكثير منهم مقابل مبالغ طائلة.

كان للمتعاقدين العسكريين دور كبير في حربي العراق وأفغانستان الأخيريتين. ومن أبرز الجرائم التي ارتكبها المتعاقدون في العراق مذبحة ساحة النسور التي نفذتها شركة بلاك ووتر، وذهب ضحيتها 17 مدنيًا عراقيًا وجرح 20 آخرون بدون تبرير.

في نهاية 2014، قدر الكونغرس عدد العسكريين الأمريكيين في الأردن بـ1700 على الأقل، وشهد هذا الرقم تزايدًا مستمرًا خلال العام الماضي.

واقعة القتل في الموقر حدثت في مركز أمني ممول من قبل الولايات المتحدة، أثناء تدريبات للقوات الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية. هذه التدريبات مدعومة بشكل أساسي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2007، وبدأت في مناطق الضفة الغربية وانتقلت لاحقًا إلى الأردن، بتكلفة وصلت إلى 395 مليون دولار خلال الأعوام 2007-2010. وتتبع هذه التدريبات أسلوبًا يعتمد بشكل حصري على الأسلحة الخفيفة، تماشياً مع الموقف الأمريكي الرسمي حول القضية الفلسطينية الذي يعمل نحو تحقيق حل الدولتين؛ إسرائيلية، وفلسطينية مجردة من القوات العسكرية.

في نهاية 2014، قدر الكونغرس عدد العسكريين الأمريكيين في الأردن بـ1700 على الأقل.

كان القتلى موظفين لدى شركة داين كورب العالمية، وهي شركة مختصة بالخدمات العسكرية والأمنية تحصل على 96% من عوائدها، التي تقدر بملياري دولار سنويًا، من الحكومة الأمريكية. وكانت الشركة مسؤولة عن تدريب أعداد كبيرة من رجال الشرطة العراقيين والأفغان. وهي شركة اتُهم عناصرها بالتعامل بالمخدرات والتحرش بالأطفال في أحد تقارير ويكيليكس، وواجهت عدة قضايا حول تعامل موظفيها مع بائعي المخدرات وتجار البشر.

تعطي عقود متعاقدي شركة داين كورب في العراق سلطة استخدام السلاح، وتفتيش المدنين، واعتقالهم، مما يثير التساؤلات القانونية عن طبيعة هذه الصلاحيات وتوافقها مع القانون الدولي. وهنا، يثار نقاش واسع في مجتمع القانون الدولي حول الموقع القانوني للمتعاقدين العسكرين، فهل هم مقاتلون أم مدنيون أم مرتزقة؟

وضع القانون الدولي معايير صارمة لتعريف المرتزقة في البروتوكول الأول لمعاهدات جنيف، أهمها أن المرتزقة لا يحملون جنسية الدولة التي يقاتلون باسمها، ويحصلون على أجر أعلى من أجر المقاتل العادي، ويشاركون بشكل مباشر في القتال. يصعب العثور على أي متعاقد تنطبق عليه هذه المعايير، بل وتحرص الدول التي تتعامل مع المتعاقدين على عدم التوسع في تفسير هذه الشروط، بدليل امتناع معظم الدول الكبرى عن توقيع معاهدة الأمم المتحدة حول المرتزقة التي توضح هذه الشروط وتتوسع بها. ويعد المرتزقة مخالفين للقانون الدولي ومحرومين بشكل ضمني من العديد من ضماناتها مثل حماية أسرى الحرب، وتجرم المحكمة الجنائية الدولية التعامل مع المرتزقة.

ونتيجة لعدم وجود إطار قانوني معين للمتعاقدين، يثار جدل حول مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عن تصرفاتهم، ومدى صلاحياتهم كمقاتلين غير تابعين لأي دولة. يؤكد الدكتور إبراهيم الجازي خبير القانون الدولي ووزير العدل السابق أن الصليب الأحمر قد دعا بشكل متكرر لإيجاد سبل لتنظيم ومحاسبة المتعاقدين العسكرين، لكن الدول الكبرى ما زالت تدعم هذه الشركات بشكل كبير، مما يعيق المطالبات بتنظيمهم خاصة في ظل المخالفات المتكررة التي يرتكبونها.

ودعا الدكتور الجازي إلى إيجاد توازن ما بين حاجة القوات الأردنية لمساعدات فنية والتعامل مع المتعاقدين العسكريين. «نحن كجيوش مفرقة علينا أن نتعاون مع الأجهزة العسكرية من ناحية مهنية وحرفية، وبعض الأحيان (وبالحدود الضيقة) الاستعانة بالشركات أو الأفراد الذين هم على دراية عالية بخبرات أو حقول غير متوفرة لدينا. ومع هذا علينا وضع معايير ترتقي إلى معايير الجيش العربي وأخلاقياته التي نعتز بها، وننأى عن شركات قد يلحقها أي شبهات».