إرهابيون حمقى؟ حقيقة داعش أكثر سوءًا

الخميس 19 تشرين الثاني 2015

بقلم سكوت أتران، ترجمة تقوى مساعدة

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في صحيفة الجارديان بتاريخ 15 تشرين الثاني 2015)

«إنها أول الغيث». هذا ما قالته الدولة الإسلامية، ولا عجب في ذلك، فمشاهد الفوضى في شوارع باريس، وردات الفعل الخائفة التي أثارتها هذه الهجمات هي بالضبط ما خططت له داعش وهو بالضبط ما تمنّته.

فكلما تعاظمت ردة الفعل حيال المسلمين في أوروبا، وتعمّقَ تدخُّل أوروبا عسكريًا في الشرق الأوسط، ازدادت فرحة قياديي داعش، فالأمر كله قائمٌ على استراتيجية التنظيم الأساسية: العثور على الفوضى وخلقها وإدارتها.

هنالك كتاب خططٍ أو مانفستو  تحت عنوان «إدارة التوحش» وهو كتيّب نُشر قبل عشر سنوات باسم أبو بكر ناجي لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي أصبح داعش لاحقًا.  فَكّر بالذعر في باريس ثم تأمل قواعده البديهية.

اضرب الأهداف السهلة. «تنويع وتوسيع ضربات النكاية في العدو الصليبي والصهيوني في كل بقاع العالم الإسلامي بل وخارجه إن أمكن، بحيث يحدث تشتيت لجهود حلف العدو ومن ثم استنزافه بأكبر قدر ممكن».

اضرب عندما تكون دفاعات الضحايا منخفضة. ابذر الخوف بين الشعوب ودمّر الاقتصادات. «إذا ضرب منتجع سياحي يرتاده الصليبيون، سيتمّ تأمين جميع المنتجعات السياحية في جميع دول العالم بما يشمل ذلك من شغل قوات إضافية أضعاف الوضع العادي وزيادة كبيرة في الإنفاق ، وإذا ضرب بنك ربوي للصليبيين في تركيا سيتم تأمين جميع البنوك التابعة للصليبيين في جميع البلاد ويزداد الاستنزاف».

فكّر بتقارير تتناول مشاركة فتىً في الخامسة عشرة من عمره يشارك في هجوم يوم الجمعة. «اجذب تمرّد الشباب، وطاقتهم ومثاليتهم واستعدادهم للتضحية بالنفس، بينما الحمقى يتحدوثون عن الوسطية والأمن وتجنّب المخاطر». فكّر بما تكنّه المجموعة من تقديرٍ للتركيز على القضية وعلى الأثر: «العمل على إظهار ضعف القوة المركزية لأمريكا بدفعها إلى استبدال الحرب الإعلامية النفسية والحرب بالوكالة إلى أن تحارب بنفسها». وكذلك الأمر بالنسبة لفرنسا وبريطانيا وغيرهم من الحلفاء.

 هنالك إطارٌ للتجنيد، وهي مادة نُشرت في أوائل 2015 تحت عنوان «المنطقة الرمادية» في مجلة داعش الإلكترونية «دابق»، وتصف المنطقة المُبهمة التي يشغلها أغلب المسلمين بين الخير والشر، بين الخلافة وبين الكفار، وهو ما أظهرته «ضربات 11 أيلول المباركة».

ونقلتِ المادة كلمات أسامة بن لادن عندما قال: «العالم اليوم مقسومٌ إلى فسطاطين، وقد نطق بوش بالحق عندما قال «أنتم إمّا معنا، أو مع الإرهابيين» والإرهابيون الحقيقيون هم الصليبيون الغربيون»، ويُقال الآن «أن حان وقتُ حصولِ حدثٍ آخر ، يقسم العالم ويدمّر المنطقة الرمادية».

كانت هجمات باريس آخرَ دفعات هذه الاستراتيجية التي تستهدف أوروبا، وكذلك الأمر في الهجمات التي حدثت مؤخرًا في تركيا. سيكون هنالك المزيد من الضربات، لا بل سيكون هنالك الكثير منها.

وإذا أخذنا هذا بعين الاعتبار، فإنه يتعيّن علينا أن نفهم ما يحدث.

كلما تعاظمت ردة الفعل حيال المسلمين في أوروبا، وتعمّقَ تدخُّل أوروبا عسكريًا في الشرق الأوسط، ازدادت فرحة قياديي داعش، فالأمر كله قائمٌ على استراتيجية التنظيم الأساسية: العثور على الفوضى وخلقها وإدارتها.

 الصحوة الراديكالية العربية السنّية التي تتصدّرها داعش، هي حركة ديناميكية ثوريّة صاحبة ثقافةٍ مضادة ذات أبعاد عالمية تاريخية، ولديها  أكبر قوة من المقاتلين المتطوعين المتنوعين منذ الحرب العالمية الثانية. حققت خلال سنتين هيمنةً على مئات آلاف الكليومترات المربعة وعلى ملايين الناس، ورغم أنها تُهاجَم من كل النواحي من خصوم داخليين وخارجيين، إلا أن هذا لم يؤثر عليها بأي درجةٍ ملحوظة، بينما تتجذّر قوتها في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، ويتمدد أثرها في جيوبها في أوراسيا.

إن معاملة داعش على أنها شكل من أشكال «الإرهاب» أو «التطرف العنيف» تخبئ الوجه الحقيقي للتهديد. إن التغاضي عن عدميّة داعش يعكسُ تجنّبًا متعمّدًا وخطيرًا لمحاولة الفهم والتعامل مع مهمة داعش الأخلاقية العميقة والمغرية لتغيير وإنقاذ العالم.

اللازمة المتكررة أن داعش ترغب بإرجاع التاريخ إلى العصور الوسطى غير مقنعة، مثل الإدعاء أن حركة حزب الشاي في أمريكا تريد أن ترجع العالم إلى ما كان عليه سنة ١٧٧٦، فالحقيقة أكثر تعقيدًا‎. وبحسب أبو موسى الناطق الصحفي لداعش في الرقة «نحن لا نريد أن نعيد الناس إلى زمن الحمام الزاجل، بل على العكس، سنستفيد من التطور، ولكن بطريقةٍ لا تتعارض مع الدين».

تحاول داعش أن تملأ أي مكانٍ تتوفر فيه حالة من «الفوضى» أو «التوحش»، كما هو الحال في آسيا الوسطى وإفريقيا. أما في الأماكن التي لا تضمّ القدر الكافي من الفوضى في بلاد الكفّار التي يسمونها «دار الحرب» فإنها تسعى لخلق الفوضى كما فعلت في أوروبا.

تستغلُّ داعش بشكلٍ واعٍ الديناميكيةَ المثبَّطةَ التي نتجت عن بروز  النزعات الإسلامية المتطرفة وعن تجدُّد الحركات العرقية-الوطنية المناهضة للأجانب، والتي بدأت فعليًا بإضعاف الطبقة الوسطى في أوروبا، وهي عماد الاستقرار والديمقراطية، حيث أخذت تبعث أحقاد الماضي التي ألقت بظلالها على الديمقراطية الأوروبية على يد الشيوعيين والفاشيين في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

معدل الإنجاب في أوروبا يبلغ 1,4 طفل لكل زوجين، وبالتالي هنالك حاجة كبيرة للهجرة للمحافظة على قوى عاملة منتجة يمكنها أن تدعِّم معايير الحياة للطبقة الوسطى. إن هذا هديّة من السماء لداعش، حيث لم يكن التسامح مع الهجرة أقلّ مما هو عليه الآن. وهنا يتوفر ذلك النوع من الفوضى الذي تعرف داعش كيفية استغلاله.

وكما قلت في حديثي أمام اللجنة العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي وأمام مجلس الأمن في الأمم المتحدة:  القرآن والتعاليم الدينية ليسا مصدر إلهام الأشخاص الدمويين الذين يقاتلون بلا هوادة، فهذه قضية مثيرة تعدُ أتباعها بالمجد والفخر. الجهاد يوظّف أتباعه على أسس المساواة والفرص المتساوية، والجهاد أخويّ، وسريع الأحداث، وحافلٌ بالمجد، ومثيرٌ للإعجاب، ومُقنِع.

الخطوة الأولى لقتال داعش تكمن في فهمها. ما زال علينا أن نفهمها، وإن فشلنا في ذلك فسندفع الثمن غاليا.

  وبحسب استفتاء ICM فإن واحدًا من كل أربعة شبان فرنسيين ممن تتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ 24 له رأي داعمٌ أو داعمٌ جدًا لداعش، رغم أن نسبة المسلمين في فرنسا لا تتجاوز الـ7 أو 8%.

إن الالتحاق بداعش أمرٌ جماعيّ، شخصٌ من كل أربعة أشخاص يلتحقون بداعش من الخارج يأتون برفقة أصدقائهم أو عائلاتهم. أغلبهم صغارٌ في السن ويمرّون بمراحل انتقاليّة في حياتهم فمنهم المهاجرون والطلاب والعاطلون عن العمل والمنفصلون الذين تركوا عائلاتهم مؤخرًا. إنهم ينضمون إلى «جماعة من الإخوة (والأخوات)» المستعدين للتضحية في سبيل الإحساس بشيء ذو معنى.

لدينا «روايات مضادة» غير جذابة وفاشلة، أغلبها روايات سلبيّة تعتمد على إرسال الرسائل العامة للشباب بدلًا من التحاور معهم على مستوى حميم.  وعلى حد قول عضو سابق في داعش: «لم نكن نلقي الخُطب على مسامع الشباب الذين يلتحقون بنا وكأنهم أطفالٌ معاتيه، فأغلبهم متفهّمون ومتعاطفون، إلا أنهم مُضلّلون».  وهذا يؤكّد مرةً أخرى على أن هنالك نهجًا يمكن إدراكه في المقاربة التي تتبناها داعش. ونظرًا لحماسة داعش للتجنيد، فإن المجموعة مستعدّة لإنفاق مئات الساعات في محاولة تجنيد شخصٍ واحد، وفي البحث عن طريقة تُدمِج مشاكله الشخصيّة وشكاواه مع إحساسٍ عالمي باضطهاد كل المسلمين.

تفتقر المقاربات الحالية لمكافحة التطرف إلى الشيء الإيجابيّ الجذّاب المُمَكّن الذي تتحلّى به رواية داعش عن العالم، كما تفتقر إلى المقاربة الشخصية الحميمة للتواصل مع الأفراد في كل أنحاء العالم.

الخطوة الأولى لقتال داعش تكمن في فهمها. ما زال علينا أن نفهمها، وإن فشلنا في ذلك فسندفع الثمن غاليًا.