خمسون عامًا في انتظار جنود أردنيين لم يعودوا من الحرب

صورة الشهيد الأردني سليمان المطيريين الذي استشهد في حرب حزيران 1967 واستعيدت رفاته في آذار 2017. تصوير آلاء السخني.

خمسون عامًا في انتظار جنود أردنيين لم يعودوا من الحرب

الثلاثاء 13 حزيران 2017

تصوير آلاء السخني ودانة جبريل

كنت في المرحلة الابتدائية عندما أخذتنا أمي لزيارة صرح الشهيد في المدينة الرياضية. كنت قد بدأت أجيد القراءة، لأني أذكر حين أشارت أمي إلى اسم خالي المحفور مع أسماء شهداء الجيش العربي: محمد عبد المجيد دار حسن. كان ذلك أول ما أذكر عن قضية خالي.

لكن القصة أصبحت مربكة لاحقًا. كيف لي أن أفهم لماذا ظلت جدتي، التي ماتت في منتصف التسعينيات، تترقب الطريق الترابي لبيتها، بانتظار أن يخرج ابنها من بين الجبال المجاورة على قيد الحياة، بينما اسمه محفور مع شهداء الجيش العربي في حرب 1967 مع العدو الإسرائيلي؟

أدركت بعد سنوات أن تلك الحالة لم تعشها عائلة أمي وحدها، فمثلها العشرات من عائلات منتسبي الجيش ممن ذهبوا للحرب حينها ولم يعودوا، ولم يُعرف ماذا حلّ بهم لغاية الآن.

في حزيران 1967، استشهد 572 منتسبًا للجيش العربي، بينما بلغ عدد شهداء الجيش عام 67 بأكمله 587 شهيدًا، بحسب شعبة المساندة الاجتماعية للشهداء والمصابين في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية.

مَن عاد من الحرب حيًا حمل الكثير من القصص عن المعركة وأهوالها، ومن استشهد وعاد جثمانه أقيمت له الجنازات ونصبت له القبور، سواء في الأردن أو في المواقع التي قاتل فيها في الضفة الغربية. لكن هناك من لم يعد، ولم يعثر على جثمانه حتى الآن. هؤلاء أعلنتهم القيادة العامة للقوات المسلحة شهداءً، وتمت معاملتهم وذويهم على ذلك الأساس، إلا أن العائلات لم تكن مقتنعة بالضرورة بتلك النتيجة.

يوّثق موقع «الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب والكشف عن مصير المفقودين» 21 اسمًا لمكلفين من الجيش العربي لم تعرف عائلاتهم مصيرهم، معتمدًا على مقابلات شخصية مع أبناء أو أشقاء المفقود من جهة، وعلى لجنة الحريات في نقابة المهندسين الأردنيين من جهة أخرى. بينما تسجل نقابة المهندسين أسماء ثمانية مفقودين من الجيش العربي في قائمتها للمفقودين الأردنيين في «إسرائيل» من حرب حزيران، والتي تضم بالمجمل 30 اسمًا من المدنيين والعسكريين في مختلف السنوات، وهو ما زودت به حبر.

رسميًا، لا توجد إحصائيات خاصة بعدد جثامين منتسبي القوات المسلحة التي لم يعرف مكان دفنها من حرب النكسة، بحسب ما توضح شعبة المساندة الاجتماعية للشهداء والمصابين لحبر، التي تؤكد أن منتسبي القوات المسلحة ممن لم يُعرف مصيرهم أو أماكن دفنهم مسجلون بصفتهم شهداء، ويسري عليهم نظام التقاعدات والمكافآت المعمول بحسب القانون.

يوم المعركة

كانت أمي قد بلغت العشرين من عمرها في حزيران 1967، عندما جاء شقيقها الأكبر محمد ببدلته العسكرية وطاقية فولاذية بسيارة تابعة للجيش العربي، لمنزل العائلة في قريتها برهام، قضاء رام الله، قبل أيام قليلة على الحرب التي كانت أخبارها على الأبواب، وكان الجميع يتوقع اندلاعها في أية لحظة.

التقى محمد بعائلته لنحو ساعتين، دارت فيها أحاديث عن الحرب والتوقعات منها، وعن خالتي التي أنجبت طفلة حديثًا. يسأل أحد الأقارب عن استعدادات الجيش للحرب، فتروي أمي آخر مشهد تذكره عن شقيقها الذي قال حينها «والله لندعسهم دعس».

بعدها انطلق محمد لواجبه العسكري، وذلك آخر لقائه بعائلته. كانت الروح المعنوية عالية، كما تصف أمي، لدرجة أنها طغت على القلق على حياة محمد وأخيه الأصغر، عطالله، الذي كان منتسبًا للقوات المسلحة هو الآخر، وكانا -خلال الحرب- يؤديان الواجب في المعسكر الأردني في منطقة خان الأحمر القريبة من القدس.

بعد أيام معدودة اشتعلت الحرب، وكان جدي يتفاعل مع أصوات القذائف التي تصل إلى مسمعه قائلًا: «اضرب يابا، اضرب الله معك»، في إشارة لتشجيعه ابنيه في الحرب، قبل أن تتسرب أخبار الهزيمة من الإذاعات لاحقًا، ويخف كل ذلك الحماس.

فهمت أمي وعائلتها لاحقًا أن خالي مفقود وبدأ البحث على كافة الأصعدة سواء من خلال القيادة العامة للقوات المسلحة أو الصليب الأحمر لكن دون فائدة.

ما تبقى من صور لمحمد عبد المجيد لدى شقيقته. في الصورة الأكبر، يظهر محمد على اليمين مع أحد أصدقائه. تصوير دانة جبريل.

عادوا جميعًا إلا واحد

كان محمود داوود مبيضين ضابط استخبارات عسكرية في كتيبة الدبابات الثانية، اللواء المدرع 40. و كانت كتيبته قد اقتربت من الأراضي المحتلة 1948 قرب اللد، عندما جاءها الأمر بالانسحاب، بحسب ما روى شقيقه محمد، نقلًا عن قريب للعائلة كان يخدم مع محمود في الجيش.

يقول محمد مبيضين إن قريبه أكد له بأنه اتصل على محمود عبر الجهاز اللاسلكي، وأخبره بأمر الانسحاب.«رد عليه [محمود] حكاله إحنا وصلنا اللدّ.. حكاله [القريب] يا أخي ارجع، إجت أوامر بانسحاب الجيش.. بعد ساعات طلع فش حد وراهم، ورجعوا بالكتيبة ووصلوا منطقة اسمها وادي التفاح، هناك صارت معركة وضلوا يقاوموا»، يقول محمد.

كان ذلك آخر ما عرفه محمد عن شقيقه من تفاصيل جمعها ممن عاد حيًا من الحرب. إلا أن بقية القصة نسجتها الروايات التي لم تتمكن العائلة من التثبت منها، منها ما قال إن العدو ألقى قنابل النابالم الحارقة من طائراته على جنود أردنيين وأحرقهم، ومنها ما قال إن محمود مسجون لدى الاحتلال في سجن عتليت، بينما أعلنه الجيش شهيًدا بعد نحو السنتين دون معرفة مكان جثمانه.

يؤكد محمد بأن شقيقه محمود كان برفقة الشهداء صلاح شويعر وآخرين ممن كانوا في كتيبته نفسها. لكن قبر شويعر، مثلًا، مشهر في مقبرة الشهداء في الضفة بحسب الصور المنشورة على موقع القوات المسلحة، لكن «ما حد بجيب سيرة محمود». «من الكتيبة ما في حد مفقود غير محمود.. طلبنا من الجيش نتواصل معهم [من عادوا من الكتيبة] ما رضيوا.. ما اندلينا على حد رجع من الكتيبة.. أنا بس بدي أعرف وين هو؟ اللي كان معهم مدفونين هون وهون، طيب محمود وين؟»، يقول محمد.

محمد مبيضين يقلب الأوراق الرسمية لشقيقه المفقود محمود. تصوير آلاء السخني.

توضح الشعبة إن العديد من المنتسبين للجيش ممن شاركوا بمعركة حزيران لم تعرف حيثيات استشهادهم بدقة أو لم يتم التعرف على جميع الجثامين، نظرًا إلى صعوبة توثيق جميع مجريات الحرب آنذاك، لكن العديد منهم تثَبتت القوات المسلحة من استشهادهم من خلال شهادات من كانوا معهم، كما اعتبر آخرون شهداء استنادًا للتعريفات الواردة في قانون التقاعد العسكري.

يعرف قانون التقاعد العسكري الشهيد بأنه «الضابط أو الفرد الذي يتوفى بسبب العمليات الحربية في ميدان القتال أو متأثرًا بإصابتها»، وتعني عبارة العمليات الحربية بحسب القانون «الاشتباك المسلح مع العدو برًا أو بحرًا أو جوًا، وكافة حوادث الأمن الداخلي وما ينجم عن ذلك من استشهاد أو فقدان أو وقوع بالأسر».

حياة من ظل يبحث عن مفقود

تقول زوجة محمد مبيضين إن الشقيقين كانا مقربين، بفارق عمر لا يتجاوز العامين، ودرسا سويًا في ثانوية الكرك. قرر محمد أن يأخذ سلك التدريس بينما توجه محمود للعسكرية، وتخرج من الكلية العسكرية في الزرقاء، وظل منخرطًا في صفوف الجيش حتى 1967 عندما فُقد وهو برتبة ملازم.

كان محمود مجازًا في تلك الأيام من حزيران، لكنه حين سمع تعميمًا عبر الإذاعة يطالب المجازين بالالتحاق بالجيش، لبس بدلته العسكرية ومضى. «حاولت الأم تمنعه، حكالها ولا يمكن.. حكالها شو الفايدة من قعدتنا إذا ما اتحركنا الآن؟»، يروي محمد.

بعد عام على الحرب، استقبل محمد مبيضين طفله الأول، وقرر أن يسميه محمود تيمنًا بشقيقه، إلا أن والدته رفضت بشدة. «ما رِضيَت لإنه محمود انشالله برجع»، يقول محمد.

كان محمد مدرسًا في قرية ثنية بالكرك لمدة ست سنوات عندما بدأت الحرب. حينها استغلّ العطلة الصيفية لتكثيف محاولاته البحث عن شقيقه، كون ذلك كان يتطلب قدومه إلى الزرقاء، حيث كان مقر القيادة العامة للقوات المسلحة. «آجي ع الزرقا وارجع ع الكرك ألاقي أمي تبكي ..قلت خلص، أنا بدي أتبادل مع معلم بالزرقا». يقول محمد بأن قراره كان لتسهيل عملية البحث، إلا أن زوجته توضّح أن للأمر جانبًا آخر كذلك. «كان في ذكريات بكل محل بالبيت، وين ما يقعد وين ما يروح، فحكى خلص بده يجي يدوّر عليه هون»، أي في الزرقاء.

بعد انتقاله للزرقاء، استأجر محمد منزلًا وبدأ يعمل مدرسًا هناك، والتزم بمراجعاته الدائمة للقيادة العامة لمدة ثلاث سنوات، بالإضافة للهلال الأحمر والصليب الدولي، لكن دون فائدة. بعد عامين على الحرب، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة أن «اللي ما بيّن لحد الآن، يعتبر شهيد»، بحسب محمد.

سعي محمد الحثيث في البحث، قابله «برود» رسمي في التفاعل مع القصة، بحسبه، لعدم وجود إجابات واضحة عن وقائع الاستشهاد. «إحنا عرفنا من الناس إنه المعركة عند وادي التفاح.. أنا بس بدي يحكوا لي بصدق.. وإذا ما بعرفوا فهي مصيبة أكبر».

توفيت الأم عام 1999 وهي تنتظر أي معلومة عن محمود، غير تلك التي حصلت عليها من القيادة العامة بأنه استشهد بتاريخ 7 حزيران 1967، بينما توقف محمد عن المراجعة بعد السنوات الثلاث الأولى إلا أنه يراجع بالسؤال في كل صفقة تبادل أسرى أو تسليم شهداء، «وبحكولنا مش معاهم».

في كانون الأول الماضي، أقيمت مراسم عسكرية شارك فيها الملك، لدفن رفات أحد شهداء الجيش العربي في معارك القدس، بعد أن تم نقل رفاته التي رقدت في مقبرة لشهداء الجيش العربي في موقع النبي صموئيل في مدينة القدس إلى صرح الشهيد في المدينة الرياضية دون أن يعرف اسمه، وذلك خلال فعاليات أقيمت لإعادة افتتاح الصرح ضمن احتفالات المملكة بمئوية الثورة العربية الكبرى.

يقول محمد مبيضين إن ما حدث من إعادة رفات بعض الشهداء لا يجيب على أسئلة العائلات التي تنتظر. «لما جابوا هذا على صرح الشهيد، مين هو؟ وين أهله؟ طيب هو بني آدم ولا مش بني آدم؟».

الأمل بالعثور على جواب

بعد نحو عام ونصف على الحرب، استدعت القيادة العامة للقوات المسلحة جدتي وجدي، كي تصرف لهما مكافأة الشهيد وتستكمل معاملات تقاعده وغيرها. وعلى الرغم مما يحمله ذلك من حسم لقضية الشهادة، إلا أنه لم يكن كافيًا لهما لأن يقنعها بالنتيجة، وعادا للبحث بشكل فردي.

كان خالي المفقود متزوجًا وله ولدان وبنت أكبرهم يبلغ من العمر حينها خمس أعوام. كبر أبناؤه واستكملوا رحلة البحث عن والدهم مجددًا، رغم فشل كل المساعي التي بذلها جدي في العثور على ابنه قبل أن يتوفى عام 1981. بينما توفيت جدتي 1994 وهي تملك رواية ألّفتها وصدّقتها وقررت أن تعيش معها، أن ابنها فقد الذاكرة ولم يتمكن من العثور على طريق البيت مجددًا، وماتت وهي تردد جملة تحفظها أمي «يا من درى هسّا محمد يطلّ مسنّد [طالع] من هناك».

في أواخر التسعينيات، جاء نضال، الابن الأصغر لخالي محمد، من رام الله إلى عمّان، يسأل مجددًا عن والده بعد ثلاثين عامًا على الحرب. الإجابة التي قابلته بها القيادة العامة للقوات المسلحة كانت تأكيد خبر الاستشهاد في السادس من حزيران دون ذكر المزيد من التفاصيل عن مكان الجثمان أو تفاصيل ما حدث.

يروي نضال الرواية التي سمعها من عمّه عطالله، الذي توفي عام 2013، وهي الرواية الأدق برأيه. في السادس من حزيران، وخلال تواجد عطالله ومحمد في المعسكر الأردني في منطقة الخان الأحمر، تزايد القصف الإسرائيلي على الجنود الأردنيين وأصيب «شيخ الكتيبة». قرر محمد أن ينقل الشيخ لمستشفى قريب من القدس، وحاول عطالله وغيره من رفاقهم منع محمد من مغادرة المعسكر بسبب القصف، لكنه أصرّ. فخرج برفقة زميل آخر يقود الجيب العسكري، بينما كان الشيخ ممددًا في الخلف، يتوجهون لمستشفى «الهوسبيس»، والذي تحوّل لاحقًا إلى فندق.

عند مدخل القدس تعرض «الجيب» العسكري لغارة إسرائيلية جديدة، أصيب خلالها محمد برصاصة في صدره، وكان ذلك آخر ما يذكره الشيخ المصاب قبل أن يفقد وعيه، ومن ثم يستيقظ وهو في المستشفى يتلقى العلاج، دون أن يعلم  شيئا عن الجندي السائق أو عن محمد، ثم تماثل للشفاء وعاود الالتحاق بكتيبته في عمّان، والتقى عطالله وروى له القصة.

في الأثناء التي كان الشيخ يتلقى بها العلاج في المستشفى وقبل عودته لعمّان، التقى عطالله بالسائق العسكري الذي روى التفاصيل نفسها عن الغارة الإسرائيلية، لكنه يكمل ما حصل بعد أن فقد الشيخ وعيه. إذ تابع السائق المسير إلى منطقة باب العامود، حيث توقف في منطقة محمية من القصف ونزل، وعاد للكتيبة في عمّان، على أمل بأن يهرع المحيطون لإنقاذ محمد والشيخ.

بعد يومين أو ثلاثة من نهاية الحرب، جاء عطالله من عمَان إلى رام الله ليطمئن أهله عن صحته، بحسب ما أخبرهم، مؤكدًا لهم بأن محمد بصحة جيدة ويمكث في عمّان لكن من الصعب أن يأتي في تلك المرحلة، لكن الحقيقة كانت أن عطالله قدم للبحث عن محمد، فتوجه للقدس للشارع الذي تحدث عنه السائق، وكانت العديد من الجثث لا تزال في الطريق، ومنها ما يعود لجنود أردنيين. بحث عطالله عن شقيقه بين الجثث ولم يجده.

بعد تلك الأحداث بأشهر، علمت العائلة أن العديد من الجنود الأردنيين دُفنوا في القدس من قبل الأهالي والصليب الأحمر ومؤسسات محلية، وتم الاحتفاظ بما يملكون من أوراق ثبوتية في إحدى الكنائس، حيث بحث جدي عن أوراق خالي ولم يجدها، ليزداد الشك بأن محمد استشهد في تلك الحادثة ودفن هناك.

في تلك الفترة أيضًا، جاء المحامي الفلسطيني حنّا نقارة، والروائي إميل حبيبي (الذي كان حينها صحافيًا وحزبيًا شيوعيًا) إلى رام الله، والتقيا جدي وأمين وأخذا توكيًلا من العائلة في البحث عن خالي في السجون الإسرائيلية، بعد ورود شائعات تحدثت عن وجود محمد في أحدها، إلا أنهما عادا بعد بأسبوعين دون أن يعثرا عليه داخل أي منها، كما تروي أمي.

توقيع محمد يظهر على شهادة شقيقته المدرسية عام 1963، التي باتت إحدى التذكارات القليلة التي تملكها عنه. تصوير دانة جبريل.

بتلك الرواية، كان الأمل يتجدد. تقول أمي إن ذلك لا يعني بالضرورة أنه استشهد، قد يكون أسيرًا، بالأخص أنها سمعت الكثير من الإشاعات عن أسرى أردنيين لدى الاحتلال في زنازين سرية. ذلك الأمل كان يجرّ معه احتمالية الإفراج عن شقيقها يومًا ما، فاهتمت بصفقات تبادل الأسرى التي ربما قد تحمل خبرًا عن الخال أو تعيده حيًا. إلا أنها عام 2008 أصبحت تسأل عن رفات الشهداء التي سلمها العدو لحزب الله اللبناني، وهي تملك توقعًا آخر بأن العدو قد احتجز جثمان محمد، سواء كان استشهد في 1967 أو توفي في الأسر لاحقًا، وقد تم دفنه في ما يعرف بمقابر الأرقام.

تؤكد الأوراق الرسمية التي يملكها نضال بأن لجنة مكونة من عدة شعب في الجيش الأردني أقرت في شباط عام 1968 باستشهاد محمد في السادس من حزيران لعام 1967.

مقابر الأرقام، بحسب «الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب والكشف عن مصير المفقودين»، هي مقابر سرية ومدافن بسيطة محاطة بالحجارة بدون شواهد، ومثبت فوق القبر لوحة معدنية تحمل رقمًا معينًا، ولهذا سميت بمقابر الأرقام لأنها تتخذ من الأرقام بديلًا عن أسماء الشهداء. ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به السلطات الإسرائيلية، ويشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد.

في آذار الماضي، عثرت سلطات الاحتلال على رفات ثلاثة شهداء أردنيين خلال أعمال بناء في إحدى مناطق القدس الشرقية، تبين لاحقًا أنها تعود لجنود من الجيش العربي الأردني، وتم تسليمها للأردن. فور إعلان الخبر، عادت أمي لحالة الترقب والأمل والخوف، «يمكن يكون خالك معهم؟ بحكوا مش عارفين أسماءهم!». كانت تلك فرصة جديدة لحسم الأمر، فإما أن يكون هناك فرصة للتعرف على الرفات أو أن نقتل الأمل لدى أمي هذه المرة أيضًا.

أقيمت جنازة عسكرية لدفن الشهداء الثلاثة في مقبرة أم الحيران في نيسان الماضي، دون أن يتم التعرف على هوية اثنين منهم، أما الثالث فكان رفات سليمان المطيريين.

عندما يعود الرفات بعد خمسين عامًا

في الثالث من حزيران عام 1967، كان الجندي الأول سليمان موسى سالم المطيريين متجًها من بلدته المشقّر، جنوب شرق عمّان، إلى حيث تتمركز كتيبته، «جعفر الطيار 39»، في قرية صور باهر في القدس. توقف سليمان في الطريق ليبات ليلة لدى شقيقه الأكبر بركات، الذي كان عسكريًا يخدم على جسر الملك حسين في الشونة الجنوبية بالأغوار. وفي تلك الليلة، أخبر سليمان بركات عن رغبته في خطبة فتاة من صور باهر، وأنه يحتفظ براتبه لذلك الهدف، واتفقا على أن يزور سليمان شقيقًا آخر له في القدس ليتفقوا على كافة الترتيبات. وفي الصباح أكمل طريقه، قبل يوم واحد من اشتعال الحرب.

حين التحق سليمان بالعسكرية عام 1965، عن عمر عشرين عامًا، كان يسير على خطى أخويه اللذين سبقاه إليها. كان الالتحاق بالجيش خيارًا وحيدًا أمام الشباب حينها، بحسب بركات المطيريين. «اللي يكبر عنده شاب، ما في رزقة غير يسجل عسكرية ،ع أساس يوخذ معاش يعيل الناس اللي وراه. كلنا رحنا نصرف على عائلاتنا»، يقول بركات.

يذكر بركات من حرب الأيام الستة مشهد قطع جسر الملك حسين نتيجة قصف الطائرات. «زي الغربان تقصف حتى نُمر ما عليها، هي طيران أمريكي، شو هي [لا نعلم].. كانت حرب خاطفة». التحق الجميع بقيادته وزملائه، بما فيهم بركات وشقيقه الأوسط، وعادوا إلى عمّان. لكنهم لم يعرفوا أي خبر عن شقيقهم الأصغر سليمان.

«بس صارت المعركة كل واحد صار يدور على ابنه، أدور أنا والختيار أبوي، وكان الجيش بمرحلة إعادة تنظيم، واللي تسأله يقول مفقود.. ما كان واحد يعطينا نتيجة صافية وين كان موجود، وين انذبح، كان عبارة عن مفقود»، يقول بركات. «أنا والختيار كنا نراجع بلواء الأميرة عالية بالرزقاء، ونتعب من الروحة والجيّة، وكان كل مشوار يكلفنا.. ملّينا وقلنا خلص، مفقود مفقود.. آخر شي حكوا إنه المفقودين هذول كلهم شهدا».

على مدار عام، تأملت عائلة سليمان أن يكون ابنها حيًا في فلسطين أو أسيرًا، لم تصلهم خلالها أي رسالة عنه، لكنهم فقدوا الأمل لاحقًا ببقائه حيًّا، لا سيما بعدما بدأت القيادة العامة بصرف راتب تقاعدي مقداره 15 دينارًا لوالد سليمان باعتباره شهيدًا بعد أربعة أو خمسة شهور من الحرب. توفي الوالد عام 1978، بينما كانت والدة سليمان متوفية قبل النكسة.

بركات المطيريين يروي قصة فقدان أخيه سليمان، قبل أن يُعثر على رفاته في القدس وتُعاد لتُدفن إلى الأردن. تصوير آلاء السخني.

في منتصف آذار الماضي، وصل لأبناء بركات خبرٌ بأن هناك قناة تلفزيونية فلسطينية أنتجت تقريرًا صحفيًا عن عثور قوات الاحتلال على رفات ثلاثة جنود أردنيين خلال حفريات يجريها الاحتلال قرب قرية صور باهر. تضمّن التقرير لقاءات مع أهالي القرية، وتصوير للمنطقة التي عثر فيها على الرفات، وإذ بأحد المواطنين يقرأ اسمًا على صخرة: «سليمان موسى العجرمي». يصف أشرف، الابن الأكبر لبركات، ما شعر به عندما سمع اسم عمه بعد جهل مصيره لخمسين عامًا قائلًا: «شو بقدر أوصفلك؟ الواحد بدنه قشعر».

لا يؤكد ذلك بالضرورة أن الرفات التي عُثر عليها تعود لسليمان، لكنّ القوات المسلحة اتصلت بالعائلة بعد شهر لتبلغهم أن رفات سليمان عاد، وأنها تأكدت من الهوية المعدنية التي عثر عليها مع الرفات. «ما بيّن إنه شهيد مزبوط إلا لما نقّبت إسرائيل.. ما كنا متوقعين إنه نرجع نشوف الرفات، رب العالمين أظهر إنه بطل من أبطال الجيش العربي»، يقول بركات.

في الخامس من نيسان وصلت الرفات الثلاثة إلى الأردن، حيث أجريت لهم مراسم تشييع عسكرية، لكن عائلة سليمان لم تر أيًا من ممتلكاته التي عثر عليها معه. «إجو ثلاث توابيت، التابوت اللي أخوي فيه مكتوب اسمه عليه، ما فتحوهن، ونزلوهن بنفس التوابيت.. ما شفت القلادة ولا إشي»، يقول بركات، «بس اللي راح تباحث على إسرائيل حكالنا إنه شاف الهوية المعدنية والقلادة موجودة».

بعد أيام من العثور على رفات الأردنيين الثلاثة، نقلت صحيفة إسرائيلية أن معهد أبو كبير للطب الشرعي في «تل أبيب» تبين له «تعرُض الرفات لتدمير متعمد من قبل جمعية زاكا المختصة في انتشال الجثث وجمع الرفات، وبات من الصعب التعرف على أصحابها»، ووجه المعهد رسالة للخارجية الإسرائيلية يوصيها بالتدخل لمنع صدام دبلوماسي محتمل مع الأردن.

وجاء في الرسالة بحسب الصحيفة، «أن القبور لم يتم نبشها بشكل مهني، ناهيك عن الإهمال والخشونة وأدوات الحفر التي أدت لتلف الهياكل العظمية». وهو ما نفته وزارة الخارجية الإسرائيلية التي ادعت بأنه «في حال لحق بالرفات أي ضرر أثناء الحفريات، فإنه لم يكن مقصودًا».

المفقود يفقد التوثيق أيضًا

لم تتمكن حبر من الوصول للمزيد من الأهالي الذين لم يعرفوا مصير أبنائهم في حرب حزيران، تحديدًا مع غياب سجل أردني يوثق أسماءهم أو إمكانيات تواصل معهم، إلا أن الروايات التي يوثقها وينشرها موقع مقابر الأرقام تتناول المزيد من القصص الشخصية لأهالي المفقودين، والذين أكد عدد كبير منهم تلقيه خبرًا من هنا أو هناك عن وجود المفقود داخل السجون الإسرائيلية، دون أن يتوصل لتأكيد.

في مقبرة أم الحيران بعمان، يدفن العديد من شهداء الجيش العربي في حرب 1967 دون معرفة هوياتهم، ومثلها مقابر أخرى منتشرة في الضفة الغربية، إلى جانب العديد من المدافن التي أقامها أهالي قرى الضفة دون أن يتم إعلانها أو إشهارها رسميًا. وبين كل تلك القبور المجهولة، تعيش العديد من العائلات على أمل أن تجد معلومة صغيرة تجيب عن أسئلة الأعوام الخمسين الماضية.