رأي

إدانة ملاديتش: «نصر عظيم للعدالة الدولية»؟

الثلاثاء 28 تشرين الثاني 2017
من الحفل التأبيني، عام 2007، في ذكرى مجزرة سربرنيتسا. تصوير: آدم جونز.

أمام ستائر زرقاء باهتة بلون علم الأمم المتحدة في قاعة محكمة في لاهاي، قرأ القاضي الهولندي ألفونس أوري، الأسبوع الماضي، الحكمَ على القائد السابق لجيش صرب البوسنة، الجنرال راتكو ملاديتش، بالسجن مدى الحياة، بعد إدانته بعشر من أصل 11 تهمة تتعلق بالإبادة العرقية التي أمر بها وشارك فيها في عدة مناطق في البوسنة والهرسك، على رأسها بلدة سْرِبرِنيتسا، في عام 1995.

لا شك أن اللحظة كانت تاريخية، لا سيما لعائلات الضحايا التي انتظرت أكثر من 22 عامًا لتحصل على ما يمكن أن يسمى عدالة. في سربرنيتسا وحدها، بعد أعوام من الحصار والقتال الذي شنته قوات ملاديتش من أجل «تطهير» المنطقة من البوسنيين و«نحْت» منطقة صربية خالصة، قُتل ما يُقدر بثمانية آلاف بوسني، معظمهم من الرجال والفتية، بعد أن اجتاحت القوات الصربية البلدة في 11 تموز 1995، لتفصل النساء والأطفال والشيوخ عن البقية وتطردهم، ثم تنقل الرجال والأولاد إلى ما يشبه معسكر الاعتقال، وتعدمهم رميًا بالرصاص، لتدفن جثث معظمهم في مقابر جماعية أو ترميهم على جوانب الطرقات، ويظل بعضها مفقودًا حتى اللحظة. كما أنشأت قوات ملاديتش في بلدات أخرى أيضًا معسكرات اعتقال سيق إليها الآلاف، ونُفذت فيها كذلك إعدامات دورية وجرائم اغتصاب ممنهجة، وفظاعات أخرى.

لأجل هذا وغيره، من الطبيعي والمحق أن نشعر بأن التاريخ دار دورة كاملة. ملاديتش الذي دخل البلدة المحاصرة دخول المنتصرين أمام أعين الكاميرات واعدًا المدنيين بالأمان وموطّدًا صورته أمام جمهوره كبطل قومي، يدرك أنه سيموت في السجن. الكثيرون احتفلوا بالحكم بوصفه انتصارًا للعدالة الدولية، أو لاحتماليتها على الأقل؛ إذ قد يبدو ممكنًا اليوم القول إن المؤسسات الدولية قد تتدخل من أجل إنهاء فظاعة ما أو إحلال العدل. المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الأمير زيد بن رعد، وصف الحكم بإنه «نصر عظيم للعدالة»، معتبرًا أن «ملاديتش هو ذروة الشر، ومحاكمة ملاديتش هي ذروة ما تمثله العدالة الدولية». بارام بريت سينغ، المديرة المساعدة لقسم العدالة الدولية في منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت إن الحكم يرسل رسالة لكل من هم في السلطة حول العالم «بأن العدالة ستطال من يبدو أنه لا يمكن المس بهم».

لكن الإضاءة على بعض تفاصيل التاريخ المعقّد للحرب البوسنية، وعلى حالة هذه المذبحة بحد ذاتها، توضّح أن آليات عمل «المجتمع الدولي» وحدود تصرف قواته التي تواجدت على الأرض أو محكمته التي أنشئت لاحقًا، كانت عاملًا مساهمًا في مأساة البوسنيين، بعد أن فشلت في دفع البلاء عنهم بدرجات تتراوح بين انعدام الكفاءة واللامبالاة، بل قوضت في بعض الأحيان قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم.

مذبحة في «المنطقة الآمنة»

بدأ تفكك الجمهوريات الست التي شكلت يوغوسلافيا عام 1991 بإعلان كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما. حين لحقتهما جمهورية البوسنة والهرسك -التي تتألف إثنيًا بشكل رئيسي من بوشناق مسلمين وصرب أرثذوكس وكروات كاثوليك- بإعلان استقلالها عام 1992، رفض صرب البوسنة الاعتراف بسيادة الدولة الوليدة، سعيًا للاندماج في «صربيا كبرى»، ليعلنوا عن ولادة «جمهورية صرب البوسنة»، التي سرعان ما ألفت جيشها -الذي اعتبر دوليًا ميليشيا- بشكل أساسي من كوادر ومعدات الجيش اليوغوسلافي السابق. هذا الجيش، الذي رأسه ملاديتش، خاض حربًا مع الجيش البوسني للسيطرة على أراضي صرب البوسنة بدعم من الدولة الصربية الأم التي رَئسها سلوبودان ميلوسوفيتش. وفي هذا الإطار حاصر جيش ملاديتش العاصمة البوسنية سراييفو لقرابة أربعة سنوات قتل فيها نحو 14 ألف شخصًا، وشن حملة تطهير عرقي للبوشناق في المناطق التي سيطر عليها، خاصة في الشرق الذي تقع فيه سربرنيتسا.

كان رئيس صرب البوسنة، رادوفان كاراديتش، قد هدّد، قبل سنتين، قائلًا أنه في حال دخل جيشه إلى سربرنيتسا فإن «الدم سيبلغ الركب»

كانت سربرنيتسا، ذات الأغلبية البوسنية، بالنسبة لجيش ملاديتش «جيبًا» من البوسنيين محاطًا بالكامل بمنطقة ذات أغلبية صربية. بعد ثلاث سنوات من القتال بين الجيش البوسني وجيش صرب البوسنة في المنطقة، كانت البلدة الصغيرة قد تحولت إلى ملجأ للكثير من البوسنيين، ليقفز عدد سكانها من تسعة آلاف إلى أربعين ألفًا بحلول 1995. في صيف ذلك العام كانت قبضة جيش صرب البوسنة حول البلدة تزداد إحكامًا وهواجس الإبادة تتأجج، بفعل أحداث شبيهة في مناطق مختلفة، إلى جانب التهديد المباشر الذي كان رئيس صرب البوسنة، رادوفان كاراديتش، قد أطلقه قبل سنتين بالقول أنه في حال دخل جيشه إلى سربرنيتسا فإن «الدم سيبلغ الركب».

دخلت قوات الأمم المتحدة للحماية (UNPROFOR) البوسنة عام 1992 بوصفها «ترتيبًا مؤقتًا لخلق ظروف السلام والأمن المطلوبة من أجل التفاوض للوصول إلى حل شامل للأزمة اليوغوسلافية»، بتعبير مجلس الأمن. وحتى عام 1995، حاولت القوات أن تلعب دورًا في تسهيل دخول المؤن إلى الجيوب المحاصرة، طالما سمح جيش صرب البوسنة بذلك. في شباط 1993، وصف تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المشهد بالتالي: «لا يوجد طعام من الذي نعرفه. لم يوجد طعام حقيقي منذ أشهر. إنهم يعيشون على قشور القمح وجذور الأشجار. كل يوم يحتضر الناس من الجوع والإرهاق. الوضع الطبي لا يمكن أن يكون أشد حرجًا. الجرحى يُنقلون إلى المستشفى ويموتون هناك من إصابات بسيطة بسبب نقص المواد الطبية. لديهم مشاكل بمستوى الأوبئة بسبب الجرب والقمل».

مع اشتداد القتال في شرق البوسنة عام 1993، أعلن مجلس الأمن منطقة سربرنيتسا وما حولها «منطقة آمنة»، لكن ذلك لم يكن سوى طلبٍ من الأطراف المتحاربة ألا تتحارب هناك، أي أن هذا التوصيف يعتمد على قبول الأطراف به، ولا يمكن للأمم المتحدة إنفاذه. كان «الحل» الوحيد الذي استطاعت قوات الأمم المتحدة طرحه من أجل الوصول إلى هدنة أو إيقاف لإطلاق النار يجعل البلدة «آمنة» هو نزع سلاحها. في 17 نيسان 1993، وقع رئيس قوات الأمم المتحدة للحماية وقائد القوات الصربية وقائد القوات البوسنية في البلدة اتفاقًا راقبته الأمم المتحدة. بعد ثلاثة أيام، دخل 143 جنديًا كنديًا البلدة، مسلحين بأسلحة خفيفة، وجمعوا كل الأسلحة والذخائر والمعدات القتالية التي امتلكها البوسنيون فيها. تراجعت القوات الصربية 1.5 كيلو متر، والتقطت كاميرات الإعلام صور قائد قوات الأمم المتحدة وهو يقول إن البلدة صارت بحماية قواته، وبدا أن سربرنيتسا قد أُنقذت إلى حين.

انحصر دور قوات الأمم المتحدة بعد ذلك إلى حد كبير في مراقبة سير الاتفاق. كان التدخل الفعلي لحماية البوسنيين أو ردع الصرب يعني الحاجة لجنود مقاتلين، وهو ما لم تكن العديد من الدول الأعضاء مستعدة لتقديمه. لم يدخل المزيد من الجنود للبلدة إلا بعد سنة، حين أُرسلت كتيبة هولندية من 570 جنديًا للدعم. وكان من المفترض أن تصل معظم ذخائرها في سفينة إلى كرواتيا، لكن السفينة تعطلت وتأخرت. وحين وصلت، أعلن الصرب أن لديها ما يكفي من الذخائر، ومنعوا دخولها. في تشرين الثاني 1994، نفذت قوات الناتو غارة جوية على القوات الصربية، ليرد الصرب باعتقال 70 جنديًا هولنديًا. وقبل الإفراج عنهم بقليل، زارهم ملاديتش ليطمئن عليهم واصلًا في سيارة جيب مرسيديس صادرتها قواته من البعثة الهولندية. استمرت القوات الصربية بعد ذلك في اعتراض عمل البعثة، خاصة في نقل المؤن والغذاء، دون رد من الأخيرة.1

كان الصرب يعرفون أن الأمم المتحدة تريد أي تهدئة بأي ثمن، وأن قدرتها ورغبتها في الانخراط في الحرب بكلتا يديها محدودة. في آذار 1995، أصدر كاراديتش أمرًا تنفيذيًا لقواته بخلق «وضع لا يحتمل من انعدام الأمن والأمل في البقاء أو الحياة لسكان سربرنيتسا». كما نص الأمر على «إضعاف الدعم اللوجستي لقوات الأمم المتحدة للحماية في الجيوب و[إضعاف] وصول المؤن للسكان المسلمين، وجعلهم معتمدين على حسن أخلاقنا، مع تجنب الإدانة من المجتمع الدولي والرأي العام الدولي في الوقت نفسه».

بدأت محاولات اجتياح سربرنيتسا في السادس من تموز 1995. كان الجيش البوسني سيء العدة أمام الصرب، وكانت هزيمته مسألة وقت. شنّ الصرب هجمات على أكثر من نقطة عسكرية للهولنديين، وقُتل أحدهم، إلا أن الأخيرين لم يشتبكوا معهم. أرسل القائد السابق لقوات الأمم المتحدة في يوغوسلافيا، برنار جانفييه، أمرًا للقوات بوضع سيّاراتها المصفحة في مداخل البلدة لمنع تقدم الصرب، وأرسل تهديدًا للصرب بأن الأمم المتحدة سترسل تعزيزات في حال لم يتوقف الهجوم. لكن قصف الصرب اشتد في اليوم التالي. أبلغ جانفييه قائدَ القوات الهولندية توم كارمانز أن الناتو سيقصف الصرب صباح اليوم التالي في حال استمر الهجوم، وبدوره أبلغ كارمانز البوسنيين بذلك، لكن طائرات الناتو حامت صباح اليوم التالي لساعات فوق سربرنيتسا ثم عادت من حيث أتت. كانت هناك غارات محدودة في المساء، لكن الصرب أصدروا بدورهم تهديدًا مقابلًا بأنه إن لم تنسحب الطائرات فستُقصف الكتيبة الهولندية. أعلنت قوات الأمم المتحدة سريعًا بعدها أن الطائرات انسحبت وأن وقفًا لإطلاق النار قد بدأ.2

في 11 تموز، بدأ الهجوم الصربي الأخير على سربرنيتسا. خلال الأيام الماضية، كان آلاف البوسنيين قد بدأوا بالتوافد من البلدة والقرى القريبة إلى قاعدة الكتيبة الهولندية في بوتوكاري القريبة التي بدت لهم ملجأ أخيرًا، وبعد تلكؤ، فتحت القاعدة أبوابها ليدخلها قرابة 25 ألف شخص. وقبل حلول المساء، دخلت القوات الصربية البلدة أمام الكاميرات وعلى رأسها ملاديتش نفسه، مهنئًا جنوده على بطولتهم، ليشرف على عمليات ترحيل السكان فيما سيكون «هديته للأمة الصربية». في تلك الليلة، التقى ملاديتش بكارمانز برفقة ممثلين عن اللاجئين، وخُيّر بين البقاء في البلدة والعيش، آمرًا إياهم بأن يناقشوا أمرهم مع البقية في البلدة ويعودوا إليه بجواب حتى تبدأ عمليات الترحيل. في تسجيل لهذا اللقاء، نرى ملاديتش يصرخ في وجه كارمانز، قبل أن يشاركه كأسًا بصحة الانتصار الصربي.

كان واضحًا أن الأمم المتحدة لم تأت لتفرض على ملاديتش ما لا يريده، وأن إنهاء الحرب بذاتها ليس من أهدافها.

في اليوم التالي، تجول ملاديتش في سربرنيتسا قبل أن يغادرها تاركًا إياها في يد جنوده. كانت الأوضاع في القاعدة الهولندية تزداد سوءًا أمام أعين قوات الأمم المتحدة. أحد المسعفين الهولنديين قال في شهادة قدمها لاحقًا إنه رأى جنودًا صربيين يجرّون نساءً ويغتصبونهن أمام كثيرين، دون أن يستطيع أحدهم فعل شيء. عند الظهر، وصلت الحافلات التي رحّلت اللاجئين من النساء والأطفال والشيوخ إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات البوسنية، فيما اقتيد الرجال إلى مبنى سمّي البيت الأبيض، بعد أن طُلب منهم تسليم كل مقتنياتهم وهوياتهم. رافقت عناصر من الكتيبة الهولندية الدفعة الأولى من المُرحلين لكن القوات الصربية أوقفتها في الطريق وصادرت مركباتها وأسلحتها ومعداتها. ولم ترافق الكتيبة أي دفعات أخرى. ورغم شهادة جنود هولنديين بأنهم كانوا يسمعون إطلاق نار من البيت الأبيض ومن أماكن أخرى اقتيد إليها الرجال الباقون، لم يغير ذلك شيئًا. فبما أن الأمم المتحدة والدول التي تزودها بالجنود لم تكن معنية بالمجازفة بجنودها لمنع خطة ملاديتش للتطهير العرقي، فقد نُفّذت هذه الخطة دون إيقاف.

حتى قبل سربرنيتسا، كان واضحًا أن الأمم المتحدة لم تأت لتفرض على ملاديتش ما لا يريده، وأن إنهاء الحرب بذاتها ليس من أهدافها. في خريف 1994، أرسل البريطاني مايكل روز، قائد قوات الأمم المتحدة للحماية حينها، رسالة إلى ملاديتش جاء فيها: «قوات الأمم المتحدة للحماية جاءت للبوسنة والهرسك لإعادة السلام إلى البلد بطرق سلمية. ليس جزءًا من مهمتنا أن نفرض أي حل بقوة السلاح. نحن لسنا مخوّلين ولا مجهزين لمهمة كهذه. لكن بوسعك أن تتفهم أن للجميع حق الدفاع عن النفس. إذا فتحت قواتٌ النار علينا فعلينا أن نرد، بغض النظر عن هوية من فتح النار. أنا متأكد أن بوسعك، كجندي، أن تتفهم هذا المنطلق. أعتقد أن علينا العودة إلى الوضع القائم السابق في العلاقة بين قوات الأمم المتحدة للحماية وجيش صرب البوسنة. هذه أوقات صعبة على الجميع، وعلينا ألا نترك حوادث على مستوى تكتيكي منخفض تهدد طريقنا نحو السلام». حين نشرت هذه الرسالة في صحيفة التايمز البريطانية، ردّ روز في رسالة للصحيفة مدافعًا عن موقفه، معتبرًا أنه كان ينفذ مهمته فحسب. «إن الصلاحية، وبالتالي المهمة، [التي وُكلنا بها] هي الحفاظ على السلام، وليست فرض السلام. إن مهمة الأمم المتحدة الأساسية في البوسنة هي مساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية الأخرى لإعاشة ملايين الناس الذين يعانون من الحرب (..) ليس من صلاحيات قوات الأمم المتحدة للحماية فرض حل عسكري في البلاد. إن استخدام القوة بصورة غير مقننة يعني أن تقطع البعثة الحد الفاصل بين السلام والحرب».3

مع نهاية صيف 1995، كانت الأطراف الثلاثة في الصراع -البوسنيون والصرب والكروات- قد حققت إنجازات عسكرية في أماكن مختلفة، ورأى الأمريكيون في ذلك فرصة لفرض اتفاق على أساس نوع من التوازن. لأول مرة منذ اندلاع الحرب، شنّ الناتو هجمات جدية ضد القوات الصربية، ونظّم الأمريكيون في تشرين الثاني من ذلك العام مفاوضات نهائية في قاعدة دايتون الجوية في أوهايو، واضعين ضغطًا مهولًا على ميلوسوفيتش لقبول الاتفاق الذي أنهى حلم ملاديتش بصربيا كبرى. لكنهم في الوقت ذاته سمحوا للصرب بالبقاء في المناطق التي طهروها عرقيًا، كما سمحوا للكروات بالاحتفاظ بكرايينا، التي كان الصرب فيها قد حاولوا الانضمام لصربيا كبرى كذلك، لكن الكروات ضموها. أنهى الاتفاق الحرب، لكن على قاعدة القبول بالتطهير العرقي في البوسنة كأمر واقع.4

عدالة ضجِرة

مثّل وصول المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا هذا الأسبوع إلى إدانة ملاديتش نهاية طريق طويل لم يكن بالضرورة معبدًا بالثقة في هذه العملية القضائية. المحكمة التي أُسست في منتصف 1993 بقرار من مجلس الأمن، أصدرت أول لائحة اتهام لها عام 1994، وهي لا تزال تتلمس طريقها. أما ملاديتش فقد صدرت لائحة الاتهام الأولى بحقه في حزيران 1995.

حتى نهاية التسعينيات، كان واضحًا أن الهدف من إنشاء المحكمة هو «الإيحاء لجمهور عالمي قلق ومصدوم بأن تصرفًا ما يتخذ» إزاء المجرمين

كانت بداية عمل المحكمة متثاقلة. رئيس المحكمة الأول، أنتونيو كاسيزي، قال إنه عند تأسيسها لم يكن لديهم أي ميزانية للعمل، «لم يكن لدينا شيء، صفر». كان الحماس منخفضًا مع انخفاض التوقعات العملية، لدرجة أن التفكير كان يتجه باتجاه «تسوية» ما لإقامة بضعة محاكمات والسلام، إذ نُقل عن أحد القضاة المعينين قوله إن المحكمة بوسعها «أ. أن تصدر لائحة اتهام بحق ميلوسوفيتش وتُغلق، أو ب. أن تصدر عددًا من لوائح الاتهام منخفضة المستوى وتجري بضعة محاكمات». القاضي في المحكمة، ريتشارد غولدستون،5 قال إن لوائح الاتهام التي صدرت بحق ملاديتش وكاراديتش عام 1995 كانت أشبه بـ«تمرين أكاديمي»، حاول فيه القضاة التركيز على واجبهم دون التفكير فيما إذا كان لأفعالهم أي قيمة عملية.6

ورغم صدور لوائح الاتهام بحق ملاديتش وكاراديتش وغيرهم من قادة صرب البوسنة، إلا أن أحدًا لم يكن مستعجًلا في اعتقالهم ومحاكمتهم. في صيف 1996، نُقل عن متحدث باسم الناتو قوله إن «اعتقال كاراديتش لا يساوي دم جندي واحد من جنود الناتو». وحتى نهاية التسعينيات، كان واضحًا أن الهدف من إنشاء المحكمة هو «الإيحاء لجمهور عالمي قلق ومصدوم بأن تصرفًا ما يتخذ» إزاء المجرمين.7 ظل ملاديتش فارًا منذ نهاية الحرب حتى عام 2011، حين اعتقل في بيت أحد أقربائه في قرية لازاريفو الصغيرة شمال صربيا، متخفيًا باسم ميلوراد كوماديتش. أما كاراديتش فاعتقل في 2008 في بلغراد، بعد أن عاش لسنوات منتحلًا صفة طبيب باسم دراغان دابيتش، وهو الذي كان طبيبًا نفسيًا بالفعل في سنوات شبابه، حتى أنه نشر ثلاث مقالات تحت هذا الاسم في مجلة للطب البديل تدعى «الحياة الصحية»، تحدث فيها عن فوائد التأمل وقدرة «الطاقة البيولوجية» على الشفاء.

ماذا كانت تفعل المحكمة طيلة هذه الأعوام؟ جرت عدة محاكمات أخرى لقادة «صغار»، كان أولهم دوسكو تاديتش، الذي شارك بنفسه تحت إمرة جيش صرب البوسنة في الجرائم التي ارتكبت تحديدًا في معسكر أومارسكا للاعتقال. كان اعتقال تاديتش الذي كان قد فر إلى ألمانيا بعد الحرب مصادفة إلى حد كبير، إذ لم تكن المحكمة الدولية تبحث عنه ولم تكن قد صدرت بحقه لائحة اتهام. إلا أن محطة تلفزيونية ألمانية كانت تجري استقصاء عن مجرمي حرب البوسنة تتبعت تاديتش وأبلغت الشرطة الألمانية بالمعلومات التي حصلت عليها، لتعتقله في ميونخ في شباط 1994. لم يكن واضحًا في البداية ما الذي ستفعله السلطات الألمانية بتاديتش، لكنه سُلم للمحكمة الدولية في لاهاي في نيسان 1995 لتتم محاكمته هناك، ويحكم بالسجن 20 عامًا، قبل أن ينال إطلاق سراح مبكرًا ويعود إلى صربيا عام 2008.

مع إدانة ملاديتش، أعلنت المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا أنها ستغلق أبوابها مع نهاية العام، وأن أي إجراءات متبقية ستتولاها المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت عام 2002. قبل أشهر، عبّر النائب العام في المحكمة الخاصة، سيرج برامرتز، عن قلقه تجاه الإنكار الواسع للجرائم ورفض الاعتراف بالحقائق التي أكدتها المحاكمات. «إن رسالة الإنكار والتحريف عالية وواضحة: نعترف بضحايانا، لا ضحاياكم. مجرمو الحرب لديكم هم أبطال لدينا»، يقول برامرتز. «مع الإغلاق المرتقب للمحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا، من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن نتعامل مع هذا التحدي. إذا أردنا أن نضمن مستقبلًا من السلام، يجب أن نصل إلى تصور مشترك للتاريخ القريب».

صدور هذه الكلمات في واحدة من أهم هيئات «العدالة الدولية» بعد 24 عامًا على بدء عملها لا يبشر كثيرًا بنجاعة العملية. قد تكون إدانة ملاديتش قد قدمت لعائلات الضحايا ردّ اعتبار رمزي، لكن من الواضح أنها لم ترد اعتبار مؤسسات العدالة الدولية التي هزأ بها أمراء الحرب وأذلوها، وبالتأكيد لن ترد آلاف الضحايا الذين لم يكن موتهم محتومًا.

  • الهوامش

     

    1- David Hirsh. Law against Genocide: Cosmopolitan Trials. (Australia: The Glass House Press, 2004). 59.

    2- Hirsh. 59-60.

    3- صحيفة التايمز البريطانية، 2 تشرين الثاني، 1994.

    4- Hirsh. 64.

    5- ريتشارد غولدستون معروف بصفته المسؤول عن تقرير الأمم المتحدة حول حرب غزة 2008-2009، الذي كان من المفترض يناقش في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في خريف عام 2009، ليصوَّت فيه على قرار يستند إليه، قبل أن تطلب السلطة الفلسطينية سحبه من جدول أعمال المجلس، بعد ضغوط أمريكية. التقرير كان قد خلص إلى أن جيش الاحتلال وحركة حماس قد ارتكبوا «جرائم حرب»، لكنه بمقاييس الأمم المتحدة كان شديد اللهجة في إدانة إسرائيل، خاصة بعد «عدم تعاون الحكومة الإسرائيلية» مع بعثة تقصي الحقائق التي أجرت البحث للتقرير. غولدستون كان قد اكتسب سمعة دولية بعد أن كان عضوًا في المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا، بلده الأم، حيث شارك في تفسير الدستور الجديد خلال المرحلة الانتقالية للبلاد بعد انهيار نظام الفصل العنصري.

    6- Hirsh. 76.

    7- Hirsh. 70.