99 عامًا على ولادة منيف الرزاز: السياسي، المفكر، المعتقل، والأب

الأربعاء 19 كانون الأول 2018
صورة غير مؤرخة من موقع عائلة الرزاز. تعديل بيان حبيب.

«أفكارنا كانت معك طيلة النهار ونحن نحتفل على طريقتنا بعِيدك ولو غبت أنت عنه. فقد اشتركنا أنا وعمر في إعداد الكعكة فخفقَ البيض وصب لي الحليب على الطحين وكان فرحًا إلى أقصى حد وهو يراقب تطورات الكعكة ولا يفتأ يغني Happy Birthday لبابا، وعندما أتى مؤنس وضعنا الشموع وقام بنفخها عمر بالنيابة عنك».

في مثل هذه الأيام قبل 55 عامًا، كُتبت هذه السطور في رسالة وُجهت إلى سجن الجفر. المُرسلة هي الأديبة الراحلة لمعة بسيسو، والمستقبِل هو زوجها المفكر والمناضل القومي المُعتقل في حينه، منيف الرزاز، ومؤنس هو ابنه الأديب الراحل، وعمر هو رئيس الحكومة الأردنية الحالي.

استحضار ذكرى منيف الذي يصادف هذا الأسبوع عيد ميلاده التاسع والتسعين ليس مدعاة لتلمس المفارقات فحسب. فالحديث عن إرث الرجل وتجربته في الأردن وخارجها، وفكره المناهض للاستعمار، وفهمه لطبيعة السلطة في الأردن وللتغيير الذي ينشده فيها وعلاقته بالمنطقة وقضية فلسطين، لكل ذلك أهميته وراهنيته بحد ذاته. لكن البحث في سيرة منيف الرزاز وفي ما تركه وراءه من إنتاج فكري ورسائل وتجربة نضالية تجعل من المستحيل تجاهل ما تعكسه هذه السيرة على سيرة ابنه عمر التي تُكتب اليوم وهو في موقع السلطة وفي صفها، يتحدث باسمها ويشارك في قمع معارضيها، بالحد الأدنى بالصمت عنه أو تبريره.

التجربة المرة والتجربة الأمرّ

قبل الحديث عن أفكار منيف الرزاز التي ما تزال راهنة في جوهرها رغم تبدل شكل السلطات في الأردن والمشرق العربي، فإن تجربته الشخصية الغنية، فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، ما زالت ذات قيمة، تكشف دراستها وفهمها الكثيرَ عن مجتمعات المنطقة وأنظمتها. فمنيف الذي ولد في دمشق عام 1919، لأسرة سورية أصلها من حماة، خبر أكثر من مرة توترات الأصول في غير حواضنها، وتعلّم كيف يغرس جذوره في تُرَب جديدة. فيكتب عن إدراكه وهو طفل، في المدينة الأولى التي وعاها، بأنه لم يكن «دمشقيًا»، بل «كنا «حمويين» يسكنون دمشق، رغم أنني لم أعش في حماة البتة، بل رغم أن والدي نفسه لم يعش فيها إلا السنوات الأربع عشر الأولى من حياته».[1] انتقل منيف مع أسرته إلى عمّان عام 1925، بعدما ضيّقت سلطات الاستعمار الفرنسي على عمل والده الذي كان طبيبًا بيطريًا، لمعالجته خيول الثوار. وفي عمّان، كبر منيف غارسًا جذوره الجديدة، دون أن يغفل الأثر الاجتماعي وحتى السياسي لخلفيته، ودون أن يدع سؤال «الجذور» يسيطر عليه أو يشغله[2]. يكتب مؤنس، ابنه الأديب، بعد وفاة الوالد بسنوات: «لقد عشق منيف الرزاز مدنًا كثيرة. فقد عشق بيروت والقاهرة حيث درس. وعشق حماة حيث جذوره وأصوله، وعشق دمشق مسقط رأسه، لكنه من بين كل هذه المدن شعر بعشق خاص متميز نحو عمّان التي ترعرع فيها ولم يتركها منذ عام 1926 إلا للدراسة في القاهرة وبيروت. ثم لقيادة [حزب البعث العربي الاشتراكي] في دمشق عام 1965 لمدة عام واحد. ثم إلى بغداد 1977-1984 حتى وفاته»، ليدفن بعدها في عمان بناءً على وصيته الوحيدة.[3]  

كل ذلك جعل قومية منيف مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحقائق الاجتماعية للبلدان التي عاش فيها. فلم تكن قوميته سببًا في محوه للتمايزات الاجتماعية الاقتصادية بين الكتل البشرية المختلفة. فيكتب أن إيمانه بالوحدة العربية «لا يستتبع الإيمان بأن كل عربي هو نسخة عن كل عربي آخر»، بل يعززه إيمانه «بتعددية الروابط الإنسانية وتداخلها» وإنكاره «لأحادية الروابط والعلل والأسباب التاريخية». فيجزم «بوجود التمايز بين الأحياء والأقطار [وبأن] هذا التمايز تقطعه وتتجاوزه وتتداخل معه تمايزات وروابط أخرى غير جغرافية، كالتمايز البدوي الحضري، والتمايز الطبقي، والتمايز العنصري، والتمايز الطائفي، والتمايز الثقافي»،[4] لكن يقرأ هذه التمايزات بوصفها معطيات اجتماعية لا يجوز الركون لها أو التسليم بها كثوابت. 

كان منيف نقديًا بلا تهاون، ما رفع كلفة عمله السياسي طيلة حياته. فكان أول صداماته مع السلطة في الأردن عام 1952، بعدما رفض مجلس الوزراء طلب ترخيص حزب البعث مبررًا ذلك بأن الحزب يعتنق «مبادئ متطرفة»، وعلى إثر نشاط منيف فيه، سُحبت منه الجنسية الأردنية «حتى لا أعمل في السياسة»، كما يقول. وفي العام ذاته، أُبعد إلى سوريا، وعن ذلك يكتب: «أركبوني في سيارة على حسابي مخفورًا ووضعوني على الحدود السورية وفي جيبي ديناران فقط».[5] لكنه تمكن من العودة للأردن، ليُعتقل في سجن الجفر أكثر من مرة، أولها عام 1957 ضمن سلسلة اعتقالات على إثر إقالة حكومة سليمان النابلسي، والثانية عام 1963 إثر محادثات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق. وحين أطلق سراحه عام 1964، وضع تحت الإقامة الجبرية لعامين، انتقل فيهما مع عائلته من منزلهم في جبل اللويبدة للعيش في عيادته في شارع بسمان وسط البلد حتى يستمر منيف بممارسة الطب.

عام 1965، انتخب أمينًا عامًا للقيادة القومية لحزب البعث، فانتقل إلى دمشق، قبل أن يغادرها إثر انقلاب شباط عام 1966، إذ حُكم عليه بالإعدام غيابيًا،[6] فعاد للأردن وبقي فيها حتى سنة 1977 حين انتخب أمينًا عامًا مساعدًا لحزب البعث في بغداد، فانتقل إليها. لكنه نُحي عن منصبه بعدها بعامين، وفرضت عليه الإقامة الجبرية هناك، وبقيت معه زوجته لمعة وابنته زينة. فقد خلق لنفسه أعداء كثر إثر انتقاداته للبعث في العراق خاصة في كتابه «التجربة المرة»، الذي أثار حفيظة صدام حسين بشكل خاص،[7] كما أن منيف عارض حرب صدام مع إيران، قائلًا «إن الحرب مكانها في فلسطين»، وهو ما جعله على قناعة بأنه «لن يخرج من بغداد حيًا»، كما نقلت زوجته لمعة.[8] وينقل عمر الرزاز أنه خلال سنوات الإقامة الجبرية في بغداد، زار الملك حسين صدام حسين للتوسط لإطلاق سراح منيف وإعادته إلى الأردن، لكن صدام حسين رفض، قائًلا إنه إذا ترك منيف ليخرج فسيكتب كتابه «التجربة الأمرّ»، في إشارة إلى استمراره في النقد، رافضًا تعهد الملك حسين بألا يكتب الرزاز مثل هذا الكتاب.[9] وفي أيلول عام 1984، توفي الرزاز في بغداد مسمومًا، بشهادة زوجته وطبيبه، بعدما استُبدِل الدواء الذي كان يتناوله لارتفاع ضغط الدم، وتُرك ليتقيأ الدماء أمام أعين زوجته وابنته حتى فارق الحياة.[10]

مقاومة الظلم، استعمارًا كان أم استبدادًا

حضور البعد الاجتماعي في قومية الرزاز انعكس على رؤيته لقضية فلسطين، وطبيعة الاستعمار الصهيوني، كاستعمار استيطاني، يمثل من وجهة نظر الرزاز «رأس جسر للإمبريالية ونفوذها ومصالحها في الشرق الأوسط»،[11] وليس مجرد قوة فوقية تتمثل في إدارة وجيش. كما ميّز الرزاز في كتاباته بين مفاهيم «الثورة» و«المقاومة» و«الحرب»، مؤمنًا أن الثورة هي الأقدر على تحشيد الطاقات الشعبية وتحرير الجماهير العربية من عقد الخوف والذل والعبودية وتحقيق التحرر الجذري. فالثورة بالنسبة له لا تتكون من مجموعة مقاتلين بل هي حركة جماهيرية واسعة، لا تهدف أن تحارب عدوًا فحسب، بل تسعى إلى أن تخلق شعبًا ثائرًا رافضًا لكل أشكال الظلم.

كان الرزاز ينظر لهذه الثورة باعتبارها ثورة عربية شاملة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، وكثيرًا ما انتَقد وحذر من عزل الجماهير العربية عنها. فكتب في نقد وطنية الثورة قائلًا إن عليها «أن تنفض عنها إقليميتها وأن تكون، فعلًا وممارسة، لا قولًا ودعاية، ثورة الجماهير العربية من أجل تحرير فلسطين»، معتبرًا أن هذا لن يحدث «إلا بدمج الجماهير العربية في الثورة، دمجًا حقيقيًا وفعالًا (..) لئلا يأتي يوم تشعر فيه الثورة بأنها معزولة عزلًا تامًا عن الجماهير العربية، ولا سيما تلك التي تعمل وتنطلق من خلالها وتتحمل معها الخسائر والتضحيات. ويوم تتم هذه العزلة، تأتي نهاية الثورة».[12]

هذا الفهم لمكونات الثورة يأتي من فهم الرزاز لطبيعة الاستعمار في منطقتنا. فالاستعمار والاستغلال والطغيان مفاهيم مترابطة في فكر الرزاز لا ينفصل أحدها عن الآخر. وفي كتابه «الحرية ومشكلتها في البلدان المتخلفة»، يرفض الرزاز النظرة التبسيطية للاستعمار باعتباره «مجرد تسلط دولة على شعب»، فهو يتعدى ذلك إلى نهب واستغلال كامل لموارد وإمكانيات الشعوب العربية. لهذا كان يرى النضال ضد كل ما يمثله الاستعمار من استغلال واحتكار واستعباد اقتصادي هو في جوهره نضال ضد الأجنبي ووجوده على أرض الوطن. إضافة لهذا كان تحليله للكيفية التي يعمل من خلالها الاستعمار رصينًا ومتماسكًا من ناحية فهمه لقدرة الاستعمار على «خلق طبقة من الوسطاء من تجار وإقطاعيين وحكام وأرباب صناعات ومثقفين تراجمة وكتابًا وإداريين»، تستفيد اقتصاديًا من وجود الاستعمار ويرتبط مصيرها بوجوده وعلاقاته. لذا، كان يؤمن بأن «النضال القومي لا بد أن يبدأ من مصارحة الحكم الأجنبي، ولكنه لا بد أن ينتهي إلى المطالبة بالخلاص من كل لون من ألوان الاستغلال استعماريًا كان أو غير استعماري».[13]

لم تغب السلطة السياسية عن كتابات منيف الرزاز، ولم يفصل بين حق الشعوب في التحرر من سلطة الاستعمار وحقها بالتحرر من سلطة الاستبداد. فالحريات السياسية وحق الناس في اختيار ممثليها والسلطة التي تحكمها كان في نظره امتدادًا طبيعياً لحقهم في تقرير مصيرهم وتحرير مواردهم من أي سلطة كانت. لذا، تجاوز مفهوم «مقاومة الطغيان» عنده «طغيان الاستعمار ليشمل معنى الطغيان ذاته، سواء جاء هذا الطغيان من المستعمر، أو من أي متسلط طاغٍ آخر مغتصب لحقوق المواطنين»،[14] كما يقول.

فهمه هذا لبنى السلطة وتركيبتها انعكس بوضوح على مواقفه السياسية تجاهها. ففي عام 1963، أثناء اعتقاله الثاني في سجن الجفر، وبُعيد الإعلان عن الوحدة الثلاثية بين جمال عبد الناصر والبعثيين في العراق وسوريا، استدعى الملك حسين الرزاز، كما ينقل ابنه عمر، وعرض عليه تشكيل الحكومة. لكن الرزاز رفض هذا الطلب مؤكدًا على استعداده لتشكيل حكومة في حال أصبحت الأردن ملكية دستورية، فشكره الملك حسين حينها وأعاده إلى سجن الجفر.[15] 

يختزل منيف سيرته في كتابه «رسائل إلى أولادي»، الذي قدمه ابنه مؤنس، بمقولة تعكس اتساق فكره مع ممارسته لقناعاته فيقول: «حياتي النضالية كلها دارت حول محور واحد، محور مقاومة الظلم، بجميع أشكاله وألوانه، سواء سميت هذا الظلم استعمارًا أو إمبريالية أو صهيونية، أو سميته استغلالًا أو دكتاتورية أو فسادًا». لكن سلطات مختلفة اختبرت مقاومته هذه، وأوقعت به الظلم الذي ظل يحاربه، ومن ذلك اعتقاله في سجن الجفر.

رسائل من السجن

تعكس رسائل منيف من السجن ورسائل أسرته إليه أنه، كمعظم المناضلين إن لم يكن كلهم، لم يدفع ثمن حياته السياسية وحده، بل شاركته أسرته تجربة الاعتقال بكامل تفاصيلها. فمؤنس أدرك سريعًا هذا الثمن الباهظ وهو الذي كان عمره 12 عامًا أثناء الاعتقال الثاني لوالده. فكتب له عام 1963 قائلًا: «أبي العزيز، يوجد في الحياة [طريقان]؛ طريق المتاعب وهو طريق السياسة، وطريق النعيم وهو عدم التدخل في السياسة. ولا أدري لماذا اخترت أنت طريق المتاعب. وهكذا حرمتنا من رؤيتك، حرمتنا منك. وعلى كل حال، فلكل إنسان مبادئه وطباعه. أبي العزيز، لقد اشتقنا لك لحد لا يوصف. إننا نريدك بجانبنا».

لكن منيف كان واثقًا بأحقية نضاله، حيث تخلو رسائله من الأسى أو الاستعطاف. إذ أتى رده على رسالة مؤنس بعدها بأسبوعين قائلًا: «لا أريدك أن تحس بالحزن والضيق أبدًا. ونحن الآن نتحمل عنكم. وكل ما نرجوه أن لا يتعرض أولادنا لما نتعرض له نحن». لاحقًا، كتب مؤنس واصفًا اعتقال والده الأول عام 1957، وهو في السادسة من عمره، مستذكرًا كيف كان الجميع جزعين أو متوترين و«كان أبي والضابط الهادئين الوحيدين». يومها، صاحت والدة منيف «الشركسية-التركية-البوسنية-السورية ذات العربية المتكسرة» في والدة لمعة، التي راعها المشهد إلى حد البكاء، قائلة: «ليس إنت بيبكي؟ منيف بيشتغل في سياسة، اللي بيشتغل في سياسة.. بيعرف إنه رايح على السجن أو على الرئاسة!». مع ذلك، لم تخفف هذه الثقة من وطأة التجربة على العائلة. فقد كتبت الراحلة لمعة بسيسو لزوجها وهو في سجنه خريف 1958 قائلة: «صحوت ليلة البارحة على صوت.. كان صوت نزول الأمطار وبشكل غزير ولأول مرة طبعًا.. وبين النوم والصحو شعرت بقبضة قاسية تعتصر قلبي وبألم غريب ووحشة.. ها هي الأمطار تعود وأنت لم تعد.. ها هي الفصول تتعاقب وأنت لا تعود! لِمَ ولأي جريمة ارتكبتموها؟ جريمة حق الإنسان بأن يفكر!».

إن كانت بسيسو استنكرت قبل 60 عامًا اعتقال زوجها بتهمة التفكير، فإن السلطة التي اعتقلته ما تزال حتى اليوم تسلك مسالك مشابهة، رغم اختلاف شكلها ومراكز القوى فيها. فقد لا نجد وصفًا مغايرًا لتهمة من يقبعون الآن في السجن وتوجه إليهم تهم إطالة اللسان وتقويض نظام الحكم لقاء هتافات أو كتابات فكّر مطلقوها بواقع آخر ومستقبل أفضل. كما أن الكثير من القضايا التي ناضل من أجلها منيف والمطالب التي عبّر عنها تجاه السلطة في الأردن ما تزال مطروحة اليوم، رغم تغير حامليها، وتحول السياق السياسي في المنطقة بعد اندثار المشاريع القومية الكبرى.

ليست هذه الامتدادات مدعاة لمطالبة عمر الرزاز بإحياء إرث والده أو التشبه به. فمنيف وعمر شخصان مختلفان، عاشا ونشطا في زمنين وسياقين مختلفين وصقلت توجهاتهما تجارب ومؤسسات مختلفة بالكامل، بالتالي كانت انحيازاتهما وخياراتهما متباينة كذلك، ولا معنى لتحميل رابط الدم أكثر مما يتحمل. لكن ما لا يتعلق بهذا الرابط فحسب هو الرابط المعيشي المتعلق بتجربة فارقة عاشها الاثنان معًا وهي تجربة الاعتقال، التي عاشها منيف سجينًا، واختبر فيها عمر الرزاز معنى أن يسرق والده منه. في إحدى رسائل والدته لزوجها، تستذكر الراحلة لمعة كيف كان عمر، ذو السنتين في حينه، يجلس على سرير والديه حاملًا صورة أبيه ويقول «أنا بدي هادا (..) أنا بدي هذا يجي عندي». فتقول له والدته «بابا بالعيادة وسيأتي ومعه هدية لكم». ليعود فيسأل «أجي أنا عندك؟» وينتظر وكأنه يتأمل الرد من الصورة. وفي رسالة أخرى، تنقل لمعة أن عمر «لا يفتأ كلما سمع صوت سيارة أو جرس أن يركض وينادي إجا بابا». مثل هذه الأحداث العادية التي تسجلها الرسائل تشهد بأن حياة العائلة، بكلمات عمر الرزاز، كانت «تسير على وتيرة واحدة، وتيرة الصبر على الألم والفراق وانتظار الفرج الذي يأبى أن يأتي»، رغم أن تجربة هذه الأسرة «قد لا تكون استثنائية من حيث حجم التضحية. فقد ضحى آخرون، ولا يزالون، على امتداد الوطن العربي، في سبيل مبادئ وقضايا آمنوا بها ودفعوا ثمنًا باهظًا لها»، كما يقول.

لا شك في أن عمر الرزاز، الذي أتاح رسائل عائلته للعامة، يدرك أن أباه اعتقل ظلمًا وأنه ضحّى من أجل مبادئه التي رأت فيها السلطة تهديدًا له. ومن أجل ذلك، لم يستطيع الكثيرون فصل الرزاز الرئيس عن إرث أبيه وبنوا توقعاتهم تجاهه على هذا الأساس. لكن هذا الإدراك لم يكن بوسعه أن يحول دون دخول الرزاز في مبنى السلطة، ومساهمته في إعادة إنتاج تجارب شبيهة بتلك التي عاشتها عائلته، عاشتها وتعيشها الآن أسر سعد العلاوين ورامي سحويل وغيرهم.

  • الهوامش

    [1] منيف الرزاز، «رسائل إلى أولادي: رسائل غير منشورة». المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت وعمّان، 2000. ص 21.

    [2] السابق، 26.

    [3] السابق، 8.

    [4] السابق، 33.

    [5] فايز الخفاجي، «منيف الرزاز: فيلسوف البعث الذي اغتيل بالسم»، سطور للنشر والتوزيع، بغداد، 2017، ص 149.

    [6] السابق، 162.

    [7] السابق، 213.

    [8] السابق، 129.

    [9] السابق، 241.

    [10] السابق، 241.

    [11] منيف الرزاز، «السبيل إلى تحرير فلسطين»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1971، ص 27.

    [12] السبيل إلى تحرير فلسطين، مصدر سابق، ص 48، ص 50.

    [13]  منيف الرزاز، «الحرية ومشكلتها في البلدان المتخلفة»، دار العلم للملايين، بيروت، 1965، ص 39.

    [14] السابق، 41.

    [15] الخفاجي، 66.