رأي

كيف دفن شمعون بيريز العدالة معه

الإثنين 17 تشرين الأول 2016
شمعون بيريز في مكتبه عام ١٩٨١، وخلفه صورة لأول رئيس للكيان الصهيوني، ديفيد بن غوريون. أسوشييتد برس.

يقف سعيد س. أمام ابنه، خلدون سابقًا، دوف حاليًا. كان سعيد وزوجته صفية قد أجبرا على ترك ابنهما الرضيع في البيت حين هُجّر الفلسطينيون من حيفا عام 1948. يعود سعيد باحثًا عن بيته وابنه بعد عشرين عامًا. يكتشف أن البيت تسكنه عائلة إسرائيلية تبنت أيضًا ابنه وحوّلت اسمه إلى دوف. دوف جندي إسرائيلي الآن. حين يتواجه الأب مع ابنه يرفض دوف مجرد التعاطف مع أبيه، ويعلن انتماءه لإسرائيل، ويحمّل أباه وأمه الحقيقيين مسؤولية تركه في حيفا أثناء النكبة. بعد نقاش ملتهب حول الوطن والذاكرة، يعلن سعيد لابنه المسروق أن له ابناً آخر، فدائيًا، اسمه خالد، ويقول: «قد تكون معركتك الأولى مع فدائي اسمه خالد، وخالد هو ابني، أرجو أن تلاحظ أنني لم أقل إنه أخوك، فالإنسان كما قلت قضية، وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين. أتعرف لماذا أسميناه خالد ولم نسمه خلدون؟ لأننا كنا نتوقع العثور عليك، ولو بعد عشرين سنة، ولكن ذلك لم يحدث. لم نعثر عليك، ولا أعتقد أننا سنعثر عليك».

قاسٍ هذا المشهد من رواية غسان كنفاني الهامة «عائد إلى حيفا». تكمن قسوته في تجسيده لحقيقة مؤلمة: الضياع الأبدي لفلسطين. ليس القصد هنا هو أن فلسطين لن تتحرر، أو أنّ الصهيونية ستظل منتصرة إلى الأبد. القصد هو أنه حتى لو عادت فلسطين، فإنها لن تكون تلك التي عرفها الفلسطينيون وخرجوا منها ونقلوا صورتها وذاكرتها لأجيال عاشت على أمل التحرير. فلسطين تلك انتهت عام 1948، على يد قادة عسكريين يراهم الفلسطينيون وأنصارهم مجرمي حرب، ويراهم طرف آخر من العالم الآباء المؤسسين لإسرائيل.

في وفاة شمعون بيريز، آخر هؤلاء الآباء المزعومين، تذكير باستحالة العدالة في فلسطين.

مأساة أجيال ما بعد النكبة أنهم لم يعرفوا فلسطين إلا بالطريقة التي سمح بها شمعون بيريز ورفاقه

موت شمعون بيريز حدث استثنائي بالتأكيد. بموته، لم يبقَ أحد من أولئك القادة الصهاينة الذين خطفوا فلسطين وأعادوا رسمها، لغةً وشعبًا وذاكرةً. مات الرجل في صورة تشبه البلد الذي ساهم في صنعه: نسخة للترويج الإعلامي تظهره صانع سلام وشبه فيلسوف، ونسخة مناقضة لا يفهمها سوى ضحاياه الكثر ومن تعاطف معهم. وبين النسختين يقف الفلسطينيون مشدوهين من قدرة التاريخ على المحو، وقدرة القوة على الإنكار.

وبعيدًا عن تعداد الجرائم والفظائع التي ارتكبها هذا الرجل، وهي مسألة هامة بالطبع، فإن موت بيريز يجبرنا على مواجهة مسألة العدالة للفلسطينيين. لا أشير فقط إلى أن بيريز، وقبله شارون وشامير وأمثالهم، قد ماتوا دون محاكمة أو دون أن يدفعوا ثمنًا لما ارتكبوه. هذا هو المعنى المباشر والأكثر بساطة لغياب العدالة في فلسطين. ما أعنيه هنا شيء آخر: حتى لو قُدّم هؤلاء للمحاكمة، وحتى لو عاد اللاجئون، وحتى لو عادت فلسطين نفسها،  فالمسألة أشدّ من ذلك: من الاستحالة تحقيق العدالة للفلسطينيين. العدالة مسألة تم تجاوزها منذ أن بدأت القضية الفلسطينية. العدالة، بمعنى آخر، وئدت منذ ولادة المأساة. النكبة نفت العدالة، إلى الأبد.

ما معنى تحقيق العدالة في فلسطين؟ مهما كان شكل حل الصراع، على فرض إمكانيته، فإنه سيظل معنيًا بالزمن القادم وأجياله. الأجيال التي ستولد بعد ذلك الحلّ قد تنعم بذاكرة وواقع جديدين إن كانا عادلين. ماذا عن فلسطينيي الماضي والحاضر؟ سأجادل هنا بأن العدالة فكرة لا وجود لها في هذا السياق. تم ابتكار مصطلح «العدالة الانتقالية» قانونيًا للإشارة إلى الإجراءات التي تتخذها بعض الدول التي شهدت مآسي وفظائع وانتهاكات حقوق إنسان، بهدف معالجة الآثار التي تركتها هذه الانتهاكات، وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة، وتعويض المتضررين، والاعتذار لهم. حدث هذا في مثاله الأشهر في جنوب إفريقيا إبّان سقوط نظام الفصل العنصري. ولا شكّ أن هذه مرحلة هامة في محاولة مجتمع ما للتصالح مع ماضيه والمضي قدما، لكنها ليست عدالة. كيف ستحقق العدالة لشخص قتل على أيدي البيض في جنوب إفريقيا أو الإسرائيليين في فلسطين؟ ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين، والأسرى، والمصابين؟ ماذا عن الفلسطينيين حتى الذين لم يلحق بهم «أذى» مادي مباشر، مهما كان تعريف ذلك؟ ما هو شكل العدالة هنا؟ كيف ستعوّض ذاكرة مهشمة، ووجودًا غير موجود، وألمًا لا يمكن قياسه؟

طبعًا، ليس هناك علاقة بين هذا الكلام وبين ضرورة النضال من أجل فلسطين. مقاومة الصهيونية حقّ أساسي، بكل ما يهدف إليه من تحرير فلسطين من الصهيونية والعنصرية ورفع الظلم عن الفلسطينيين وإعطائهم حقوقهم وعودة اللاجئين وما سوى ذلك، لكن ذلك شيء، والعدالة شيء آخر. رفع الظلم ليس عدلًا. العدل هو ألا يكون هذا الظلم قد وقع أصلًا.

موت بيريز تذكير بشيء آخر. مات أحد أهم أولئك الذين رأوا فلسطين التي قبل، وفلسطين التي بعد. تلك هي المفارقة. أغلب الفلسطينيين اليوم من الذين الذي لم يروا فلسطين قبل 1948. مأساة أجيال ما بعد النكبة أنهم لم يعرفوا فلسطين إلا بالطريقة التي سمح بها شمعون بيريز ورفاقه. بيريز جزء أساسي من تعريف الفلسطينيين بأنفسهم، والإسرائيليون لم يسرقوا فلسطين فقط، بل سرقوا القدرة على تخيّلها من دونهم. في كل القصص الفلسطينية، والحكايا، والأشعار، والمراثي، والنكات، ثمة إسرائيلي ما، مرئي أو غير مرئي، محسوس أو مجرد، لكنه هناك، حتى لو رغبنا في نسيانه للحظات. بيريز، بمعنى آخر، ليس مجرد عدو، بل هو جزء من معنى الذات الفلسطينية. أن تكون فلسطينيًا يعني أن تكون من فلسطين التي بعد، تلك التي يعيش فيها ويشكّلها شمعون بيريز.

يحتاج الفلسطينيون إلى بيريز كشرّ لا بد منه. يحتاجونه حيًا، لا ميتًا. يرغبون في استرداد كل مشهد فلسطيني من ذاكرته. يريدون أسرارهم التي سرقها.

بهذا المعنى المحزن للذات، فإن بيريز يصبح جزءًا من الذاكرة الفلسطينية، وفي موته، بالتالي، خسارة ما لهذه الذاكرة. بيريز هي العين التي شاهدت ما لم يشاهده الكثير من الفلسطينيين، وهي بالتالي تملك أجوبة عن قضايا لا تزال تؤرق الفلسطينيين. كيف حدث هذا الكابوس الذي امتد لعشرات السنين؟ لا أتحدث عن قضايا عسكرية لها علاقة بالحروب مع إسرائيل فحسب، ولا عن الجرائم التي تم ارتكابها وقت النكبة والنكسة وحروب لبنان وما بينها، بل عن قضايا أكثر حميمية وفردية. ماذا حدث لهذا الشارع في صفد؟ كيف هجرت تلك القرية تحديدا في يافا؟ وهذا البيت، وتلك المزرعة، والشجرة هناك، والذين خرجوا وماتوا في الطريق، والذين تركوا متاعهم في بيوتهم. أين هذا كله؟ بيريز يعرف عن أشياء الفلسطينيين المنكوبين وبيوتهم وأراضيهم مثل ما يعرفون، وربما أكثر. أي قسوة أكثر من أن تحتاج لقاتلك ليقول لك من أنت بالضبط؟ بيريز يملك نصفنا الذي لم نعرفه. يخبّئ في ثناياه أشياءنا وفراغاتنا. قصص آبائنا وأمهاتنا الذين قتلوا. لحظاتهم الأخيرة وهم ينظرون إلى عينيه بازدراء. شكل الليل الذي لفّ الفلسطينيين وآواهم في هجراتهم الطويلة. كيف يموت ذلك كله بهذه البساطة؟

يحتاج الفلسطينيون إلى بيريز كشرّ لا بد منه. يحتاجونه حيًا، لا ميتًا. يرغبون في استرداد كل مشهد فلسطيني من ذاكرته. يريدون أسرارهم التي سرقها. لا يستحق مجرم كهذا أن يموت ومعه فلسطين الفلسطينيين. هذه سرقة مضاعفة. أثناء حياته كان هناك بقية أمل في محاكمة ما له. انتصار ما على الكراهية التي عاش بها. موت بيريز قتل لذلك. موت بيريز موت لأحلامنا رغم شبه استحالتها. كان يجب أن يظل حيًا. أن يرانا في لحظات أخرى نأمل، رغم اليأس المطبق، أن تجيء.

لنعد إلى غسان كنفاني. في جزء آخر من الرواية ذاتها يسأل سعيد س. زوجته صفية: «أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ هو ألا يحدث ذلك كله». الوطن هو ألا يكون هناك وطن أصلًا. ألا يحدث ما يستدعي تحول الوطن إلى مأساة. فلسطين ليست هواية. نكبتها فرضت على الفلسطينيين فرضًا ولم يختاروها. لم يرد الفلسطينيون أن تكون فلسطين مجازًا وشعرًا ورواية. ربما تمنوا لو كانت مجرد فضاء مسطح مهجور يعيشون فيه آمنين. الوطن هو ألا يتحول الوطن إلى دماء وماء. لكنه، للأسف، تحول.

حتى لو عادت فلسطين الآن، فإنها لن تعود. هذه هي قمة غياب العدالة عن فلسطين. وحين رجع محمود درويش إلى فلسطين بعد غياب طويل قال جملته الشهيرة: «أتيت ولم أصل، وجئت ولم أعد». كي ترجع حقًا، فقد كان عليك ألا تخرج من الأصل. لن تكون فلسطين بعد 1948 مثلما كانته قبلها. صار ذلك العام أصلًا في رؤية الفلسطينيين لذواتهم. العدالة لفلسطين هي ألا يكون هناك نكبة ولا نكسة. ألا يكون هناك لاجئون ولا أسرى ولا شهداء. أن تعود عقارب الساعة إلى ما قبل بداية المأساة وتتوقف. كل ما بعد ذلك غياب أبدي للعدالة لا يمكن إصلاحه. قد يعود الفلسطينيون يومًا، وقد تنتهي الصهيونية، ويكون ثمة حل ما وتعايش ما، لكنه حلّ وكفى، ليس حلًا عادلًا. السلام العادل خرافة، جمعٌ بين الشيء ونقيضه. المعجم الفلسطيني لا يحتمل كلمة العدالة. كي يكون هناك عدالة حقًا، فقد كان يجب ألا تضيع فلسطين.