رأي

التطبيع ليس ختمًا على ورقة

الخميس 18 أيار 2017
فلسطينيون يعبرون حاجز قلنديا الفاصل بين القدس ورام الله. عن ويكيبيديا.

بقلم دعاء علي

في السنوات الأخيرة، نُظّمت عشرات الزيارات التي دخلت فيها مجموعات من العرب أو غير العرب إلى فلسطين المحتلة، في كثير من الأحيان لإقامة فعاليات فنية أو ثقافية أو المشاركة فيها، كان آخرها الدورة العاشرة من احتفالية فلسطين للأدب. وفي كل مرة يعود النقاش حول ما إذا كانت تلك الزيارات تطبيعًا أم لا، بحدّة تمليها هوية الزوار، أو طبيعة أنشطتهم، أو شدة التركيز الإعلامي عليها.

كثيرًا ما يبدو أن لهذا النقاش طرفين؛ «مُخوٍّن» و«مُفرِّط». ورغم أن هذا الاصطفاف، برأيي، ليس إشكاليًا بحد ذاته، بل قد يحمل توصيفات دقيقة في كثير من الأحيان، إلا أنه يعبر عن مأزق، لأن طرفيه يعيدان إنتاج المشكلة التي يختلفان عليها ما دام النقاش يقوم على سؤال تأسيسي هو «ما الوثيقة التي سمحت لهذا الشخص أو غيره بدخول فلسطين المحتلة؟».

لقد حوّل هذا السؤال المحوري نقاش التطبيع إلى نقاش تقني بالكامل، يجعل محاربة التطبيع أشبه بآلة لا يمكنها إلا أن تنتج أدلة توجيهية وأوراق تعريفية وقوائم عار. ودون إعادة النظر في هذه الطبيعة التقنية، والبحث عن أرضية مختلفة للنقاش، سيظل هذا النقاش يتراوح بين قطبين. الأول عدمية تستبطن التفوق الأخلاقي -رغم ادعاء بمعاداتها- وترفض أن يكون لأي منا أو لمجموعنا الحق بوصف أي شيء بأنه «تطبيع». والثاني خطاب يُخرِج الموضوع من الحيز السياسي، فلا تعود تداعيات الفعل ومنطلقاته هي ما يحدد الموقف منه، بل نزعة تطهرية مطلقة تملك الأجوبة قبل الأسئلة، وتتجه أحيانًا نحو احتقار الفن والثقافة من باب المناكفة. ورغم أن كون أي موضوع قابلًا للنقاش لا يعني بالضرورة التقليل من القدرة على الفعل فيه، إلا أن استمرار التأرجح بين هذين القطبين على هذه الأرضية بالتحديد يحد من فرص تطوير الفعل المناهض للتطبيع وتوسيع قواعده.

لذا، فالسؤال هنا: ما الذي يغيب في هذا النقاش التقني؟ وما الذي يمكن أن يمثل أرضية بديلة لمحاربة التطبيع؟

إذا تناولنا الشق الأول، فهناك حقيقة أساسية يجب أن ينطلق منها التفكير في مسألة الوثائق: إذا كنت تريد دخول فلسطين المحتلة في العام 2017، عبر مطار أو معبر بري -باستثناء معبر رفح- فإن دخولك هذا سيتم بموافقة دولة الاحتلال، سواء جاءت هذه الموافقة على شكل ختم على جواز السفر العربي أو الأجنبي، أو ورقة مرافقة له، أو ورقة تصريح مرت عبر السلطة الفلسطينية. لذا لا معنى للادعاء بأن دخول سين أو صاد من الناس إلى فلسطين كان «رغم أنف الاحتلال».

بعيدًا عن ذلك، فإن هذا النقاش التقني يخلق تراتبية قائمة على نوع الأوراق الثبوتية، إذ يجعل الوثيقة المحدد الأول لمسؤولية الشخص تجاه الصراع، و«يرفع العتب» بالكامل عن غير العرب في هذه المعادلة. وفي الوقت نفسه، يصبح من يملك وثيقة سفر أجنبية من الفلسطينيين والعرب مشمولًا بهذا العفو العام بشكل تلقائي. ولعل المفارقة تكمن في أنه حتى حين نختار أن نخلق تصنيفاتنا لمن هو جزء من هذا الصراع ومن ليس له علاقة به، فإن «إسرائيل» تستمر في اعتماد تصنيفاتها الخاصة، القائمة في الغالب على فكرة التهديد المحتمل، بدليل أن لا أحد يُستثنى من احتمالية الاعتقال أو المنع من الدخول لمجرد حمله جواز سفر «عالي القيمة».

حين كتب لاعب كرة القدم الأمريكي مايكل بينيت قبل ثلاثة أشهر رسالة أعلن فيها انسحابه من رحلة دعت فيها الحكومة الإسرائيلية فريقه لزيارة «إسرائيل»، لم يعجز عن أن يجد في تاريخه الخاص ما يبرر موقفه، من أسطورة الملاكمة محمد علي إلى العداء الأولمبي جون كارلوس. إذا انطلقنا من أن موقع المرء من أي صراع تحدده مجموعة من العوامل، كالامتيازات التي يتمتع بها، والروابط التي كوّنها مع الأطراف المنخرطة في الصراع، والتجارب التي مر بها كفرد وكجزء من مجتمع وجماعات، والطاقات التي يبذلها (أو يمكنه بذلها) تجاه هذا الصراع مع «إسرائيل»، فما الذي يمنح نوع الوثيقة هذا الدور الحاسم في تحديد من يجب أن يحارب التطبيع ومن ليس مسؤولًا عنه، أو ما إذا كان يحق للذين لا يعيشون تحت الاحتلال أن «يزوروا» من يعيش تحته أم لا؟

قد تكون المفاضلات الشكلية على أساس الوثيقة قد برزت في مرحلة ما بعد أوسلو، بعد عودة آلاف الفلسطينيين، ومن بينهم قيادات عدد من الفصائل، إلى الضفة الغربية وغزة. فرغم أن هذه العودة نفسها لم تكن محل إجماع، إلا أن النقاش الذي أثير في تلك المرحلة -وهي العصر الذهبي لـ«حل الدولتين»- مال نحو فكرة أن التواجد في الضفة وغزة يقدّم أفضلية للعائدين، إما من باب المشاركة في المقاومة من داخل الأرض المحتلة، أو من باب الالتحام مع مجموع فلسطيني يشكل نواة لكيانية ما. على الحالتين، بدأ في تلك المرحلة التفريق بين التصريح الذي يصدر بتنسيق مع السلطة الفلسطينية، والفيزا التي تمنحها «إسرائيل» بشكل مباشر. فإن كان للأول ما «يبرره» في ذلك السياق المرتبط بالعودة، فإن الثاني ظل لفترة طويلة خيارًا «إسرائيليًا بالكامل»، وكان هناك شبه إجماع على رفضه.

المهم اليوم هو أن الظروف التي سادت تلك المرحلة تنتفي الآن. لذا فإن الإبقاء على المفاضلات الشكلية التي ولدتها تلك المرحلة (بقبول التصريح ورفض الفيزا، أو قبول الجواز الأجنبي ورفض العربي، أو قبول زيارة الضفة ورفض زيارة أراضي الـ48) لم يعد له أساس مع تداعي «حل الدولتين» واقعيًا.

أخيرًا، فإن هذه المفاضلة كثيرًا ما تحمل تطهرية تسطيحية ترى أن تجنب التطبيع هو تجنب حمل دليل عليه، وكأنه لا يقع إن لم يتم توثيقه بختم على ورقة، أو كأن التطبيع هو ذلك الختم نفسه، لا كل ما تحمله الزيارة من تفاعلات وآثار قد يكون بعضها مستترًا أو بعيد المدى، وتمتد بالضرورة إلى ما هو أوسع من تجربة الزائر نفسه.

أما بالنسبة للشق الثاني، المتمثل في محاولة البحث عن مدخل آخر للنقاش، قد يفيد أن نعود لفكرة بديهية هي كون «إسرائيل» كيانًا استعماريًا دخيلًا، زُرع عنوة في هذا الجزء من العالم. إحدى النتائج المباشرة لهذا التعريف هي أولوية تكريس كونه شاذًا، أي التمسك بفهم لهذا الكيان يرتكز على «لاطبيعيته»، وكونه نتيجة تحالفات قوى استعمارية وسلطات محلية تابعة، وليس امتدادًا لأي شيء سابق على هذه التحالفات. هذا الفهم يستتبع تسخير ما توفر من وسائل من أجل عزل الكيان والحث على نبذه. أي أن هذا العزل أولوية من أجل منع إعادة تعريف الصراع بأوجه أخرى قد تغير مساره، ومن أجل خلق تطبيع معاكس، بتكريس بيئة تكون المقاومة فيها هي «الطبيعي».

هذا الفهم لإسرائيل ككيان يجب حصاره وعزله تم تسخيفه في النقاش التقني للتطبيع، من خلال التركيز إما على «المخاسر» المتحققة لإسرائيل، والتي هي بالضرورة مكاسب لنا، أو «المكاسب» التي يمكن أن تحققها هذه الزيارات، وعلى رأسها «التواصل». في الحالتين، ما يقوله هذا النقاش، هو إن عزل «إسرائيل» بحد ذاته ليس دافعًا كافيًا للامتناع عن هذه الزيارات، أو ليس أولوية على الأقل، وإن التمسك به يحتاج لدلائل آنية وقابلة للقياس على الفائدة المتحققة منه.

قد يبرز هنا سؤال: لماذا يجب أن يكون عزل «إسرائيل» ماديًا؟ ألا يمكن عزلها من خلال النشاط في ساحات مختلفة، دون الامتناع عن زيارة فلسطين المحتلة؟ الجواب، باعتقادي، هو بالتأكيد نعم، بل إن الامتناع عن زيارة فلسطين لا يعني شيئًا دون هذه الجهود المستمرة. لكن ألا ينطبق ذلك أيضًا على «التواصل» مع فلسطين والفلسطينيين وعلى «كسر الحصار الثقافي»؟ ما الذي يمنع أي شخص في العالم اليوم، خاصة إن كان ذا تعليم وثقافة جيدين كالعديد من المشاركين في هذه الزيارات، من استخدام مصادر المعرفة والتكنولوجيا المتوفرة لديه من أجل معرفة ما يريد معرفته عن فلسطين، والتواصل مع من يريد التواصل معه من الفلسطينيين؟

إن الوجه الآخر لمحاولات «فك العزلة» عن الفلسطينيين هو بالضرورة فك العزلة عن «إسرائيل»، وإن تم بأحسن النوايا. فاستمرار هذه الزيارات -التي قد تكون تسعى بحق للتواصل أو لإعطاء الفلسطينيين جرعة من النشاط الثقافي- لا يمكن إلا أن يُستخدم لتقويض الحجج ضد زيارات أخرى تختلف مساعيها وارتباطاتها. فإن كنا لا نمانع إقامة فرقة أردنية لحفلة في حيفا، سيصعب أن نقف ضد زيارة وفد خليجي للقدس. وإذا بدا الاعتراض على هذه الزيارات تقليلًا من شأن الثقافة، فالأحرى بالحريصين على الثقافة وشأنها ألا يجبروا الفلسطينيين على الاختيار بينها وبين منع ما يرونه تطبيعًا، وألا يجعلوا ثمن الثقافة هو المساومة السياسية.

من جهة أخرى، فإن هذا التواصل ليس أحاديًا، وليس حتمًا أن يكون من جهة واحدة. فلا شيء يمنع الكثير من الفلسطينيين من أن يبادروا في خلق قنوات له، إلا إذا كان المنطلق في فهم هذا التواصل هو أبوية ما يغدق فيها العربي خارج فلسطين من تضامنه على الضحية داخل الحدود، وربما يحوّله إلى «فُرجة» يمر عليها في المخيمات والبلدات القديمة. وإذا كانت نسبة الفلسطينيين الذين يملكون فرصة السفر إلى أحد الأقطار العربية أو غير العربية قليلة، فإنها في الغالب ليست أقل من نسبة المصريين الذين يملكون فرصة السفر إلى فلسطين أو إلى أي مكان.

مجددًا، إن مسؤولية أي منا ودوره في الصراع لا تُحَدد أخلاقيًا أو قوميًا فحسب، رغم أن هذه عناصر حاضرة في المعادلة، بل تُحدد كذلك بناء على قدرات كلٍ منا، والفرص والخيارات أمامنا، ومواقعنا من علاقات القوى في مجتمعاتنا. ووفق هذه المعايير، فإن مسؤولية أستاذة جامعية عربية ذات جنسية مزدوجة في محاربة التطبيع بالضرورة أكبر من مسؤولية أم عربية تسعى لعلاج ابنها المحتضر في إحدى مستشفيات القدس. كلما زادت الامتيازات التي يتمتع بها أحدنا، فإن مستوى المساهمة المتوقع يرتفع كذلك. ودون إدخال هذه العناصر إلى قلب نقاش التطبيع، سيظل نقاشًا ينتج تساهلًا خطيرًا، وتحاملًا مجحفًا كذلك.

ختامًا، لعل في التمسك بالجانب التقني من هذا النقاش مؤشرًا على نقطة توافق، تتمثل في إن فتح باب الدخول إلى فلسطين وهي تحت الاحتلال هو أمر سيؤدي بالضرورة إلى إراحة دولة الاحتلال من عبء كان يمكن فرضه عليها، بدليل أن المجموعات التي تزور فلسطين المحتلة تدافع دومًا عن نفسها بالإشارة إلى أنها دخلت بهذه الوثيقة لا تلك، أو زارت هذا الجزء لا ذلك، أو أنها لم تقابل إسرائيليين. بكلمات أخرى، هناك توافق شعبي على أن في هذا المجال محاذير يجب تجنبها، وثمنًا يجب دفعه. لذا، لربما من الأجدر بالشركاء في هذا الصراع، بدلًا من محاولة «إراحة» الفلسطينيين من دفع هذا الثمن، أن يدفعوا هم ثمنًا مقابلًا يتمثل في المشاركة في عزل «إسرائيل»، والبحث عن سبل أخرى للتلاقي والتضامن لا تهدد بإفشال جهودهم في قطع الطريق على التطبيع.

في الكلمة الافتتاحية لاحتفالية فلسطين للأدب لهذا العام، وهي كلمة جميلة في الواقع، تمر جملة «إنّ ما يقع تحت الحصار اليوم هو قدرتنا على التخيّل». فلنتخيل إذن طرقًا أخرى لكسر الحصار.