رأي

إرث أوباما: هل حقًا انتصر قرار ٢٣٣٤ لفلسطين؟

الأحد 25 كانون الأول 2016
مصدر الصورة شبكة msnbc

بقلم علي نصرالله

صوّت مجلس الأمن في الأمم المتحدة لصالح قرار يدين المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية وشرق القدس بنتيجة 14-0، بينما امتنعت الولايات المتحدة- العضو الخامس عشر- عن التصويت. اليوم، أصبح لدينا رقم جديد في عالم قرارات مجلس الأمن: 2334.

حصل القرار على تغطية إعلامية كبيرة، وجذبت الدراما الدبلوماسية أنظار العالم لحكومة نتنياهو وحكومة أوباما ودونالد ترامب، وحكومة السيسي التي تبنّت القرار لتسحبه لاحقًا. احتفل الكثيرون بالقرار الجديد الذي أكد أن الاستيطان الصهيوني غير قانوني. ونُسب الانتصار لجهود أوباما حيث أن الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت ولم تستخدم حق الفيتو لنقض القرار كما كان متوقعًا منها وكما فعلت من قبل. لكن أوباما صاحب الأسابيع المعدودة المتبقية كرئيس للولايات المتحدة نسّق هذه اللعبة لمصالحه الشخصية، حيث سينسب له هذا القرار ويعزز من إرثه كرئيس حاول حماية الكيان الصهيوني من تدمير نفسه وتدمير حلم الدولة اليهودية الديمقراطية من خلال إعادة إحياء حل الدولتين. كما يريد أوباما أن يتذكره العالم كرئيس للولايات المتحدة دافع عن حقوق الفلسطينيين الواضحة ضد الظلم الواقع عليهم. توقيت هذه الحركة كان محسوبًا بدقة من أوباما، حيث أنه لن يواجه تبعات مقارعة الكيان الصهيوني بالتأكد من تطبيق القرار، حيث أنه سيرحل قريبًا.

ولتوفير بضع دقائق من وقتكم في قراءة القرار 2334، فالخلاصة هي أن القرار غير مفيد أبدًا، ولا يجلب أي جديد بخصوص القضية الفلسطينية ولا قانونية المستوطنات، ويمكن تشبيهه بقرار للأمم المتحدة يستنكر الاغتصاب.

يدين القرار الجديد بناء المستعمرات الصهيونية، وهو أمر عُبِّر عنه بقرارات أممية سابقة كثيرة. من الأمثلة على القرارات المماثلة قرار رقم 446 في عام 1979 الذي ينُص على أن «سياسة إسرائيل وممارساتها في إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة منذ عام 1967 ليس لها شرعية قانونية وتشكل عقبة أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط». لكن هذا القرار الجديد ضعيف مقارنة بقرارات أكثر جدية مثل قرار رقم 465 الذي يؤكد على نقاط محورية مثل: «ندعو الحكومة والمواطنين الإسرائيليين بفسخ هذه الإجراءات، وتفكيك المستوطنات القائمة»، إضافة إلى الحديث عن عدم شرعية سرقة الكيان الصهيوني للموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة وخاصةً الماء. القرار الجديد يحاول بيأس إعادة إحياء حل الدولتين الذي فشل من زمنٍ طويل في إنهاء «الخلاف الفلسطيني-الاسرائيلي».

يمكن رؤية النقاط السابقة بسهولة في خطاب ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية للأمم المتحدة سامانثا باور عندما قالت: «بما أن هذا المنتدى كان وما زال متحيزًا ضد إسرائيل، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية لا توافق هذا القرار بكل كلمة ذكرت فيه، قررت الولايات المتحدة الأمريكية ألا تصوت لصالحه. لكن لأن هذا القرار يعكس الحقائق على الأرض، ولأنه يتماشى مع السياسات المتبعة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال تاريخ دولة إسرائيل عبر الحكومات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، قررت الولايات المتحدة ألا تستخدم حق الفيتو لنقض مشروع القرار». ثم تكمل باور في جزء لاحق: «لقد أصبحت مشكلة المستعمرات أسوأ بكثير، والآن تضع هذه المشكلة قابلية حل الدولتين في خطر كبير».  

القرار 2334 ما هو إلّا محاولة متأخرة من أوباما لتحسين سمعته وترك إرث يفتخر به

يتميز البشر بذاكرة قصيرة نسبيًا، فوجب التذكير. المستعمرات أصلًا غير قانونية. فاتفاقية جنيف الرابعة التي أبرمت عام 1949 وأصبحت جزءًا من القانون الدولي تنُص بوضوح في المادة 49 على أنه «لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءًا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها». يجب أن نتذكر أيضًا أن إسرائيل خالفت العشرات من قرارات الأمم المتحدة بالسابق. أما فيما يتعلق بإدارة أوباما، فقد وقّعت في شهر أيلول من العام الحالي -أي قبل ثلاثة أشهر- مذكرة تفاهم لتزويد الكيان الصهيوني بـ38 مليار دولار من المساعدات الأمنية خلال عشر سنوات قادمة، وهذه أكبر صفقة لمساعدات حربية في تاريخ الولايات المتحدة لأي دولة في العالم. كما أن إدارة أوباما أسقطت قرارًا مماثلًا في مجلس الأمن في الأمم المتحدة باستخدام حق الفيتو عام 2011.

أما نتنياهو – رئيس وزراء ووزير خارجية الكيان الصهيوني- فقد رفض القرار وقال إن الكيان الصهيوني لن يلتزم بشروطه ووصفه بأنه «مشين». حتى يكون قرار كهذا واقعيًا ومؤثرًا، يجب أن يتضمن آليات للمراقبة الحثيثة وروادع لدولة الاحتلال في حال عدم الالتزام. كان من الممكن اللجوء لخيار فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية كما رأينا سابقًا مع إيران، وكوريا الشمالية، وسوريا، ودول أخرى. لكن هذا القرار خالٍ من أي عواقب للكيان الصهيوني إن لم يتوقف عن بناء المستعمرات. محاولة أوباما جاءت متأخرة جدًا، وخالية من الإرادة الصادقة للتغيير الحقيقي، حيث أن أوباما كان لديه ثماني سنوات متواصلة لإنهاء المستعمرات وإجبار إسرائيل على الالتزام بقرار مماثل، لكنه لم يقرر أن يتحرك إلا الآن، في الوقت الضائع.

الفائدة الوحيدة التي قد تنتج عن هذا القرار هي استخدامه كنسخة محدثة من القرارات السابقة المماثلة لتعزيز نجاحات حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات العالمية (BDS). القرار الجديد يوثق أن قضية المستعمرات ما زالت حاضرة وذات صلة بالقضية الفلسطينية حتى اليوم، وأن الكيان الصهيوني ليس لديه أي نية بالتوصل إلى حل عادل، أو أي حل مع الفلسطينيين.

صعود اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية عبر فوز نتنياهو ودونالد ترامب يمثل طلقة الرحمة التي ستقتل بشكل نهائي حل الدولتين الذي أثبت عدم جدواه منذ فترة طويلة. القرار 2334 ما هو إلّا محاولة متأخرة من أوباما لتحسين سمعته وترك إرث يفتخر به بأنه وقف ضد المستعمرات وأنه دعم حل الدولتين الذي يضمن للكيان الصهيوني الهيمنة والحلم بدولة ديمقراطية يهودية.

ويستمر النضال.