ما بين هبّتي نيسان وتشرين: تحولات الدولة الأردنية

مسيرة في وسط البلد يوم ١٦ تشرين ثاني ٢٠١٢، بعدسة علي السعدي.

ما بين هبّتي نيسان وتشرين: تحولات الدولة الأردنية

الأحد 15 تشرين الثاني 2015

لم تكن مظاهرات تشرين الثاني عام 2012، أو ما بات يُعرف بهبة تشرين، وليدة عوامل طارئة أو ظروف آنية، حتى لو كان الفعل المباشر المحرك لها هو قرار حكومة عبد الله النسور رفع الدعم عن المحروقات، بل هي نتاج طبيعي للتشوه البنيوي التاريخي في تكوين الاقتصاد الأردني الذي أصبح قائمًا على الاعتماد المفرط على المساعدات والقروض.

المهمشون الذين خرجوا في هبّة تشرين صنعتهم الدولة بتجاهلها للأزمة الاقتصادية البنيوية، محاصرةً إياهم في فئات فقيرة تعيش على هامش المجتمع بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فئات لا تسمع النخبة السياسية صوتها، وتعتبرها أحزاب المعارضة «ظواهر» يجب دراستها من أجل استقطابها؛ فئاتٌ لا تغطي أخبارها جريدة الرأي أو التلفزيون الأردني، فئاتٌ تنظر إليها فضائية رؤيا -قناة الطبقة الوسطى- كآخرٍ مجهول في عالم بحاجة لمغامرة مثيرة لاكتشافه؛ فئاتٌ ما زالت منظمات المجتمع المدني تبحث عنها دون جدوى؛ فئات لم تسمع بعد بمصطلحات مثل «التمكين» و«التنمية المستدامة»؛ فئات لفظها القطاع العام أو ما زالت تعيش على هامشه، فباتت صاحبة الأعمال اليدوية والحرفية في اقتصاد الخدمات.

في ذكرى هبّة تشرين، كيف نتذكرها والذي مثّلته فعليًا؟ هل تؤشر الهبّة لتحول مفصلي في قدرة الدولة الأردنية على الهيمنة الاجتماعية من خلال إقناع المحكومين بقبول منظومة الحكم بجاذبية فاعلة لا تعتمد على آليات القسر والإملاء فحسب، بل على الإخضاع الأيديولوجي؟ هل كشفت الهبّة اعتماد الدولة على التخويف والترهيب باستخدام القوة القسرية لسلطة الدولة على حساب قوة إقناع المحكومين بضرورة دوام هذه السلطة؟

الخصخصة وخلق الطبقة المسيطرة

يصوّر الأردن، كما يقول المفكر المصري نزيه الأيوبي «الحالة التي لا يكون المراقب فيها شاهدًا على دولة تشرع بتطبيق برنامج للتصنيع من أجل التصنيع، بقدر ما هو شاهد على برنامج تصنيع يستهدف بصورة رئيسية بناء الدولة».

كان الهدف الرئيس لبناء مؤسسات القطاع العام الأردني خلق قاعدة اجتماعية لدولة تفتقر إلى «شرعية» تاريخية. لذلك، وعلى الرغم من تبني الأردن منذ بداية الثمانينيات سياسة اقتصادية منفتحة، بقي تدخل الحكومة في الاقتصاد كبيرًا جدًا، وبقيت سياسة التسعير والدعم حاضرة بقوة، بالإضافة إلى أن مجمل نشاطات القطاع الخاص كانت تنظم من قبل الحكومة. وحتى نهاية الثمانينيات كان هناك اهتمام كبير بالقطاعات المنتجة للسلع، خصوصًا في مجال الصناعات الخفيفة والمتوسطة، حيث تراوح متوسط الإنفاقات في الميزانية ما بين 40% و50% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة، وهذا يعكس الاستثمارات في الصناعة والبنية التحتية ودعم الأسعار. أما حصة الاستثمار المخطط في مجمل تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، فوصلت إلى 55% في منتصف الثمانينيات، ومن الناحية المؤسساتية، فإن هذه النشاطات أدت إلى ظهور قطاع عام ضخم ضم حوالي 40 مؤسسة عامة، كالفوسفات، والصناعة، والكهرباء، والأشغال المعدنية، والزراعة، والنقل، والاتصالات، والتجهيزات، والتموين، وغيرها. جزء كبير منها كان مملوك للدولة ملكية كاملة، وبعضها الآخر كانت حصة الدولة من رأسمالها تزيد عن 50%، فكانت إدارتها خاضعة لسيطرة الحكومة، حسبما يوضح الأيوبي في كتابه «تضخيم الدولة العربية» (الصادر عن المؤسسة العربية للترجمة عام 2010).

بالفعل، نجحت الدولة من خلال مؤسسات القطاع العام في بناء قاعدة اجتماعية لها، إذ حققت ما يقارب الالتحام بين المجتمع -«الشرق أردني» على الأقل- وبين الدولة، حسب الكاتب وهيب الشاعر في كتابه «الأردن إلى أين»، حيث وصلت نسبة العاملين في القطاع العام إلى 60% من مجمل القوى العاملة، ومنذ بداية السبعينيات بدأت ملامح هذه القاعدة تظهر، وتفرز على أساس هوياتي.

منذ برنامج التكيف المتوسط المدى (1989-1993)(1) الذي شكل الأساس لاتفاقية الأردن مع صندوق النقد الدولي لبرنامج التحول الاقتصادي عام 2001، الذي فتح بدوره الباب على مصرعيه أمام الخصخصة تحت مسمى «إعادة هيكلة الاقتصاد»، بدأت الأزمة المالية تأخذ منحى دراماتيكيًا، تحديدًا بعد التمسك بخيار الخصخصة كمخرج من «الأزمة المالية للدولة» من جانب، وتحت ضغط أو إغراء وكالات النظام الرأسمالي ومؤسساته الدولية من جانب آخر.

الجدول أدناه يبين كيف تنازلت الدولة عن ملكيتها لبعض أبرز مؤسساتها من خلال بيعها لشركات خاصة في السنوات العشرين الأخيرة، وفقًا لما نُشر في صحيفة الرأي.

هبة تشرين-01

بين نيسان 1989 وتشرين الثاني 2012، ازدادت الأزمة تعقيدًا بسبب تجاهل السلطة السياسية للطبيعة الهيكلية للأزمة –التي صنعتها هي- والتعامل معها باعتبارها مجرد ركود عابر يمكن التصدي له من خلال امتصاصه أو التكيف معه. لكن الامتصاص والتكيف لا يحدثان إلا في اقتصاد مرن وعميق ذو قطاعات إنتاجية تؤهله لهما، والاقتصاد الأردني أصبح أبعد ما يكون عن هذا الشكل من الاقتصاد، لذا فقد لجأت السلطة السياسية إلى سياسة ترحيل الأزمة، فتفاقمت وبدأت تظهر ملامحها على البنية الاجتماعية للمجتمع الأردني.

تجلى هذا المنطق النيوليبرالي منذ بداية الألفية في حثّ الأغلبية الساحقة في المجتمع على تقديم التضحيات بحجة التوازن الاقتصادي، في حين أن النتيجة تتلخص فقط في توليد أقصى الأرباح لفائدة ضئيلة، لينشأ ما يسمى بتأثير مَتّى.(2)

هذا الشكل من الاقتصاد القائم الخصخصة والانفتاح الاقتصادي أنشأ طبقة جديدة تتكون من الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة وتحديدًا الأمن والمخابرات الذي دخلوا الحقل السياسي وتحولوا خلال العقدين الماضيين من موظفين إلى شركاء في الحكم، بالإضافة إلى رجال الأعمال. وعبر رغبة هذا الثالوث في مراكمة الثروات، نشأت علاقات قرابة وصداقة قائمة على شبكة مصالح ضخمة ومتشعبة، شكلت الأساس لطبقة جديدة، ذات ثقافة محدودة تتظاهر بحب الفن والموسيقى، معرفة أبنائها عن الهالوين تفوق بأضعاف معرفتهم عن معركة الكرامة، ومن هواياتهم الصيفية «اكتشاف» الأردن وتقوية اللغة العربية.

التحول في بنية العشيرة وتراجع هيمنة الدولة على قاعدتها الاجتماعية

استمر تغلغل الدولة في مجتمع «الشرق أردنيين» عن طريق تفكيك الكثير من منظومات الإنتاج البسيطة وشبكات التبادل الريفية، مقابل إدماج «الأفراد» في مؤسسات الدولة. هذا الفعل من تنظيم وتقسيم العمل الاجتماعي الذي فرضته الدولة أنتج تقسيمًا اجتماعيًا قائمًا على «التفريد»(3) ولو بشكل محدود، وذلك بتحويل النظم الاجتماعية-الاقتصادية إلى أفراد/أشخاص/ذوات. ومع تفكك أنماط إنتاج «مجتمع العشيرة» واندماجه أكثر فأكثر بالسوق، بدأت روابطه الاجتماعية التقليدية تتحلل، وتعمق التمايز والفرز الاجتماعيين داخله، باتجاه المزيد من تآكل العلاقات البطريركية والعشائرية لصالح تبلور متزايد للعلاقات الاجتماعية القائمة على الوضع الاقتصادي.

يتقاضى ابن الطفيلة الذي يعمل أستاذًا في مدرسة حكومية راتبًا قدره 7,000 دولار سنويًا، لكنه يشتري لتر البنزين بنفس السعر الذي يشتريه به موظف في شركة غوغل في كاليفورنيا يتقاضى راتب 90,000 دولار سنويًا.

لكن التحول الأكثر انعكاسًا على مجمل القاعدة الاجتماعية للدولة، والذي انعكس مباشرة على بنية العشيرة، كان انسحاب الدولة شيئًا فشيئًا من القطاع العام، وتخلي الحكومة عن ملكيتها للعديد من الشركات لمصلحة القطاع الخاص، وهو ما بدأ يظهر بوضوح منذ بداية الألفية مع نشأة ما يسمى «برنامج التحول الاقتصادي». فالقاعدة الاجتماعية للدولة التي بدأت تتململ منذ نهاية الثمانينيات، صارت تهتز وتتخلخل وتضعف قدرة هيمنة الدولة عليها(4) أولًا بسبب عدم قدرة الدولة على استيعاب أفراد جدد داخل القطاع العام بنفس الوتيرة السابقة، لأسباب لها علاقة بطبيعة القطاعات الخدماتية للقطاع العام، بعد تخلي الدولة عن القطاعات الإنتاجية لمصلحة رأس المال الخاص، الذي له معاييره الخاصة المتعلقة بالتوظيف، والتى تختلف كليًا عن معايير الدولة، وهذا أدى إلى تفاقم نسب البطالة تحديدًا عند فئة الشباب.

والسبب الثاني لتراجع هيمنة الدولة تمثل في عدم قدرة موظف القطاع العام الذي ظل يتقاضى رواتب دولة «ما قبل الانفتاح» على مجاراة سوق دولة «الانفتاح وتحرر الأسعار». فعلى سبيل المثال، يتقاضى ابن الطفيلة الذي يعمل أستاذًا في مدرسة حكومية راتبًا قدره 7,000 دولار سنويًا، لكنه يشتري لتر البنزين بنفس السعر الذي يشتريه به موظف في شركة غوغل في كاليفورنيا يتقاضى راتب 90,000 دولار سنويًا.

منذ بداية الحراك الأردني، ظهرت انقسامات واضحة داخل العشيرة الواحدة مع الحراك أو ضده، وبلغ هذا الانقسام ذروته في هبّة تشرين إثر الهتافات التي طالت العائلة المالكة، فبدأ الخلاف داخل العشيرة على شرعية نظام الحكم نفسه، على عكس ما جرى هبّة نيسان حين لم تطرح شرعية نظام الحكم للنقاش، بالتالي لم تنعكس الهبّة بخلاف داخل العشيرة.

بالعودة إلى أرشيف وثائق هبّة نيسان، اطلعت على أكثر من 40 وثيقة تحمل اسم مذكرة أو بيان من أهالي أو نقابات أو قبيلة أو فعاليات أو وجهاء عشائر أو شخصيات وطنية أو لجان نسائية أو عمالية، لم تشر أيّ منها على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد إلى شرعية نظام الحكم ممثلة بالعائلة المالكة. إذ كانت معظم المطالب تتمحور حول استقالة حكومة زيد الرفاعي، وإلغاء قرار رفع الأسعار ورفع الأحكام العرفية والبيانات المضادة كانت تستنكر فقط أعمال العنف(5). في المقابل، نستطيع أن نرصد منذ هبّة تشرين 2012 وحتى مسيرة «ائتلاف العشائر» في حزيران 2013 عشرات البيانات التي تصدر تحت مسمى أبناء قبيلة أو أبناء عشيرة، لتستنكر الهتافات المعارضة للنظام، وتتبرأ من مطلقيها من أبناء العشيرة، وتعلن ولاءها وانتمائها للقيادة الهاشمية، أي أن الخلاف الاجتماعي- الاقتصادي داخل العشيرة بدأ يأخذ بعدًا سياسيًا، بالخلاف على شرعية نظام الحكم.

هبّة تشرين أبرزت تآكل نفوذ الزعامات العشائرية، وعجزها عن التأثير المباشر في إحكام السيطرة على قواعدها التقليدية، لكنها أبرزت أيضًا انحسار قدرة سلطة الدولة على التعبئة السياسية والأيديولوجية لقواعدها الاجتماعية التقليدية.

فشلت الدولة في إحكام السيطرة على قواعدها التقليدية من خلال محاولة استغلال نفوذ الزعامات العشائرية، تحديدًا فيما يتعلق بمسألة الهتاف، وبدا هذا الفشل واضحًا في التدرج في سقف الهتاف خلال 22 شهرًا سبقت الهبّة، مع ذلك بقيت الهتافات ذات السقف المرتفع محصورة بمجموعة من الحراكيين. لكن التحول الذي حدث كان في هتافات هبّة تشرين التي طالت العائلة الهاشمية والملك نفسه، إذ أن ما يميز هذه الهتافات إلى جانب إلى سقفها، هو أن من أطلقها هم «أناس عاديون»، أبناء فئات كانت مقصاة تمامًا عن الفعل والتأثير السياسي. واستمر الهتافات بسقفها هذا منذ هبّة تشرين وصولًا إلى مسيرة «ائتلاف العشائر» التي تم الدعوة لها وتسميتها لمحاولة لمجابهة مساعي الدولة لإحكام السيطرة على الشارع عبر سلطة الزعامات العشائرية ، ونستطيع أن نلمس هذا من خلال العودة إلى هتافات المسيرة، باعتبارها بالمجموع خطابًا يعبر عن واقع ما، وبالأخص تلك التي تتضمن ربطًا واضحًا بين سياسات الدولة وتفكيك بنية العشيرة.

هبّة تشرين أبرزت تآكل نفوذ الزعامات العشائرية، وعجزها عن التأثير المباشر في إحكام السيطرة على قواعدها التقليدية، لكنها أبرزت أيضًا انحسار قدرة سلطة الدولة على التعبئة السياسية والأيديولوجية لقواعدها الاجتماعية التقليدية.

عجز الدولة على الاستمرار في عزل الأردنيين من أصل فلسطيني عن الفعل السياسي المحلي

في نيسان 1989، وجّه ياسر عرفات رسالة إلى فلسطينيي الأردن، بثها آنذاك الإعلام الرسمي الأردني، وخلاصتها أن ما يحدث في الأردن شأن داخلي لا علاقة لهم به، وأن النظام الأردني هو «خير صديق للفلسطينيين».

وفعلًا، كما يشير هاني الحوراني في مقال بعنوان « انتفاضة نيسان: دروس وعبر» في مجلّة الأردن الجديد، فقد «نأت الجماهير الفلسطينية بنفسها عن المشاركة في تحركات نيسان الاحتجاجية، انطلاقًا من وعيها بضرورة أن تحتفظ هذه التحركات بوجهها الأردني الصرف (…) إدراكًا منها أن مشاركتها هذه المرة سوف تُستثمَر من جانب الأوساط الحاكمة لحرف الأنظار عن طبيعتها الحقيقية، كحركة اقتصادية – سياسية دفاعًا عن المصالح المعيشية والديمقراطية لأوسع الجماهير، أو لإجهاض وشق حركة الجماهير المنتفضة من خلال تأجيج النزعات الإقليمية وإثارة المخاوف المفتعلة في صفوف الجماهير الأردنية من (الخطر الفلسطيني) المزعوم».

في هبّة تشرين، تجاوز المهمشون من أبناء المخيمات والتجمعات ذات الكثافة السكانية للأردنيين من أصول فلسطينية، الخطاب السياسي القائم على ثنائية «الحقوق المنقوصة» و«فك الارتباط». حيث تحركت الكتلة التي طالما أطلق عليها البعض اسم «الكتلة الصامتة»، معلنةً مشاركتها لأول مرة في هبّة محلية. حدث هذا في عزّ العدوان الإسرائيلي على غزة خلال ما سُمي بعملية «عامود السحاب»، وفي أي عودة لشريط الهتافات ستجد هتاف «يا غزة حقك علينا، واحنا اللي فينا مكفينا» واحدًا من الهتافات المتكررة باستمرار خلال الهبّة.

سارت المخيمات على خطى المحافظات، بنفس الوتيرة وشكل التحرك وطبيعة الهتافات، وتعرضت لنفس القمع الذي تعرضت لها المحافظات، واستمرت على ذلك إلى أن انحصرت الهبّة الشعبية في المحافظات. أذكر أنه في اتصال هاتفي مع أحد الأصدقاء في مخيم الحصن في إربد، قال لي إن «هناك إجماعًا تستطيع أن تلمسه بوضوح عند أبناء المخيم بأن حركتنا مرتبطة بالكامل بحركة أبناء المحافظات، نستمر إذا استمروا، ونتوقف عندما يتوقفون».

وكما أبرزت هبّة تشرين فشل الدولة في استغلال نفوذ الزعامات العشائرية، فقد أبرزت كذلك الفشل في استغلال نفوذ المخاتير ووجهاء المخيمات وحتى الشخصيات الوطنية التي لها تأثير على مجتمع الأردنيين من أصول فلسطينية، بالمحافظة على حيادهم تجاه الشأن المحلي. رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، ابن مدينة نابلس، عبّر أكثر من مرة عن ضرورة أن ينأى أبناء المخيمات بأنفسهم عن الحراك الأردني، حيث صرّح في شباط 2012، خلال جلسة حوارية، بأن إدخال المخيمات إلى الحراك «أمر مرفوض»، مشيرًا إلى أن أبناء المخيمات لديهم «وضع خاص» حيث يحملون الجنسية الأردنية، «لكن يحتفظون بحقهم بالعودة (..) وهذا الخيط الرفيع بين أردنيتهم وحق العودة يجب أن يبقى وأن نحافظ عليه».

لقد أثرت سياسات الانفتاح واللبرلة تأثيرًا مباشرًا على الوضع الاقتصادي-الاجتماعي لأبناء المخيمات والتجمعات ذات الكثافة السكانية للأردنيين من أصول فلسطينية، فمن يعمل منهم كحرفي أو أستاذ مدرسة أو سائق تاكسي أو صاحب بقالة -وهي نسبة كبيرة منهم- كان يعيش بالحد الأدنى. ومع الارتفاع المستمر للأسعار المحروقات والسلع الأساسية، بات يشعر بالغبن الاجتماعي الشديد جراء هذه الحالة الاقتصادية التي تهدده هو وعائلته تهديدًا مباشرًا .

ومن جهة أخرى، فإن غياب المشروع الوطني الفلسطيني والمرجعية الفلسطينية المؤثرة، وانسداد الأفق السياسي، جعلا الكلام عن العودة بالنسبة لابن المخيم أشبه بأفيون مخدّر، وأسهما في نشوء جيل متصالح مع هويته المركبة من جهة، ولا يستطيع بحكم الواقع الاقتصادي أن يتجاهل القضايا الاجتماعية المحلية من جهة أخرى.

التحول في طبيعة الدولة نفسها

إذا كان للدولة، كما يقول ألتوسير، جهاز قمعي واحد يتفرع إلى البوليس، والمحاكم، والسجون… إلخ، فإن لها أجهزة أيديولوجية متعددة، كالجهاز الديني (المسجد والكنيسة) والجهاز التعليمي (المدرسة والجامعة) والجهاز الإعلامي (الراديو، والتلفزيون، والصحف) والجهاز السياسي (النظام السياسي بما فيه الأحزاب)(6). وكلها أجهزة تنتج الدولة خطابها وتعيد إنتاجه من خلالها، عن طريق وظائف هذه الأجهزة المتعددة وأهمها وظيفتها التربوية. وكل منظومة تربوية، كما يقول فوكو، هي «عبارة عن طريقة سياسية للإبقاء على تملك الخطابات أو لتعديل ذلك التملك، بجانب ما تحمله هذه الخطابات من معارف وسلط»(7).

في هبّة نيسان، استخدمت الدولة أجهزتها القمعية والأيديولوجية معًا. حيث مارست الدولة أثناء الهبّة قمعًا شديدًا، وفي الوقت ذاته أطلقت العنان لأجهزتها الأيديولوجية لتمارس وظيفتها على أكمل وجه. فقد تعهد الملك حسين في خطاب متلفز مساء 26 نيسان 1989 بأن «يجري الحكم مراجعة شاملة ومعالجة جذرية لأسباب الاستياء والاحتجاج، ويتحرك في خطى سريعة لإجراء انتخابات نيابية تهدف إلى تقوية أسس مشاركة الشعب، ووعد بمراجعة ما حدث أسبابًا ومسببات، واستخلاص النتائج والعبر، من أجل إعادة البناء في مختلف المجالات، الإدارية والاقتصادية والمالية»، حسبما كتب هاني الحوراني. ومع استقالة حكومة زيد الرفاعي وتكليف الشريف زيد بن شاكر بتأليف حكومة جديدة، تضمن كتاب التكليف «إجراء مراجعة شاملة لسياسات الدولة على مختلف الصعد باستعادة قنوات الحوار مع الشعب»(8)، وأُعلن عما عرف بـ«الميثاق الوطني الأردني»(9) الذي شارك في صياغته قرابة مئة شخصية سياسية. وحتى لو كان الهدف من كل هذا امتصاص الحالة الشعبية، والالتفاف على المطالب الرئيسية لهبة نيسان المتعلقة بشكل أساسي بالوضع الاقتصادي، فإن هذه الخطوات كانت مؤشرًا هامًا لقياس قدرة أجهزة الدولة الأيديولوجية على العمل.

مؤتمر صحفي استمر لمدة ساعة تقريبًا، قام بالكامل على شيطنة الآخر من أجل نزع الصفة «الإنسانية» عنه تمهيدًا لقمعه، وترهيب الناس وتخويفهم من الانجرار وراء هؤلاء «الأشرار»

في المقابل، في هبّة تشرين، وبعد صمت رسمي لأكثر من 48 ساعة، ارتأت الدولة أن تلجأ لحسين هزاع المجالي – مدير الأمن العام آنذاك – ناطقًا باسمها، فخرج على الناس بزيه الأمني يهدد ويتوعد «بالضرب بيدٍ من حديد لكل من تسول له نفسه بالاعتداء على دستور المملكة، ورمزية المملكة، وتاريخ المملكة، وشرف المملكة»، مكرسًا مقولة «الحرب أولها الكلام»، ومعتبرًا نفسه مرةً رجل قانون ومرةً يد القانون نفسها. تحدث المجالي حينها عن الديمقراطية التي نقيضها «الجريمة بعينها» كما قال، نافيًا عن نفسه شبهة الحديث في السياسة، بل هو حديث في المنطق، ناطقًا باسم الأخلاق باعتباره هو (الدولة) الخير المطلق الذي يحارب «المجرمين» و«أصحاب السوابق». مؤتمر صحفي استمر لمدة ساعة تقريبًا، قام بالكامل على شيطنة الآخر من أجل نزع الصفة «الإنسانية» عنه تمهيدًا لقمعه، وترهيب الناس وتخويفهم من الانجرار وراء هؤلاء «الأشرار»؛ الانجرار الذي قد يودي بهم إلى مصير شبيه بمصير لاجئي مخيم الزعتري.

منذ هبّة تشرين وحتى يومنا هذا، اختارت الدولة طريق العضلات، حيث أدارت الدولة ظهرها للناس وللأحزاب واغتالت السياسة ولجأت إلى العنف والاملاء والترهيب لفرض وتثبيت مصادر الشرعية بعد أن فشلت أجهزتها الأيديولوجية بفعل هذا.

تتحرك الدولة اليوم بعقلية أمنية تأخذ أشكالًا ثأرية في بعض الأحيان، فقد كشفت هبّة تشرين عن التلف الذي أصاب أجهزة الدولة الأيديولوجية، وعدم قدرتها على إعادة إنتاج خطاب الدولة الذي كان مهيمنًا على قاعدة اجتماعية واسعة، لأسباب عديدة أهمها التحول في بنية القطاع العام الذي كان مصدرًا أساسيًا من مصادر الشرعية. لذلك تتمسك الدولة بمعادلة «أنا أو الفوضى» أو «أنا أو التطرف» كأداة واحدة ووحيدة للسيطرة.

فرض ما يسمى بـ«هيبة الدولة» بالقوة ما هو إلا دليل على ضعفها، فالدولة القوية لا تحتاج إلى هذا القدر من العنف المرئي والملموس لتكريس سلطتها، بل تفسح المجال لأجهزتها الأيديولوجية لتأمين ديمومة السلطة بالاعتماد على مصادر الشرعية. الدولة القوية لا تخيّر شعبها بين أن يكونوا جوعى آمنين أو أن يتحولوا إلى لاجئين، ولا تعتقل شخصًا بسبب تعليق على الفيسبوك، أو تلاحق من يعارضها بتهمة إطالة اللسان، ولا تستمد قوّتها من القدرة على إخافة الناس وتكميم الأفواه، وتسييج الدواوير والساحات.

——

(1) لمعرفة الاختلالات الهيكلية التي عاناها الاقتصاد الأردني والتي على إثرها وضع برنامج التكيف المتوسط المدى (1989-1993)، راجع ثناء عبد الله، الدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001، ص 38-40.

(2) تأثير مَتّى يعبر عن ظاهرة أن الأفضليات هي ذات طبيعة تراكمية في أغلب الأحيان، وأن من هم أغنياء يصبحون أكثر غنى في المستقبل، ومن هم فقراء يزدادون فقرًا. وهي تسمية عالم الاجتماع روبرت ميرتون، في إشارة إلى آية من إنجيل متّى تقول: «لأنه سنعطي كل من له، وسيكون في الوفرة، ولكن لمن ليس له، فحتى الذي عنده يؤخذ منه». راجع كتاب ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي، مجموعة مؤلفين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص 330.

(3) استعير مصطلح «التفريد» من نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، بيروت، دار التنوير، 2007، ص 60-61.

(4) أقصد بمفهوم «الهيمنة» كما يراها غرامشي «هي علاقة، ليست علاقة تسلط بالقوة، بل علاقة موافقة وقبول بوسائل قيادة سياسية وأيدولوجية، إنها تنظيم للقبول والموافقة». راجع كتاب الأمير الحديث وكراسات السجن، أنطونيو غرامشي.

(5) حسين أبو رمان، وثائق انتفاضة نيسان الأردنية عام 1989، مجلة الأردن الجديد، العدد 14، ص 56-94.

(6) لويس آلتوسير، الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية، دراسات لا إنسانوية، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.

(7) ميشيل فوكو، نظام الخطاب وإرادة المعرفة، الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1985، ص30.

(8) هاني الحوراني، «هبة نيسان: دروس وعبر»، مجلة الأردن الجديد، عدد 14، ص 26.

(9) أشار «الميثاق الوطني الأردني» في النقطة 14 إلى أن «الاقتصاد الأردني المتحرر من التبعية دعامة حقيقية من دعائم استقلال الوطن وأمنه وتقدمه، وهو يتحقق بالاعتماد على الذات وتطوير القدرات الوطنية الكامنة وترشيد استثمار ثروات الوطن وموارده وتقوية قاعدة الإنتاج بجميع عناصرها (..) ضمن إطار العدالة الاجتماعية».