فرض رسوم على واتساب وسكايب: ما المشكلة؟

الأربعاء 30 كانون الأول 2015

فرضت طبيعة الإنترنت، المفتوحة دومًا على لاعبين جدد، واقعًا اقتصاديًّا رقميا جديدًا. وليس من المستغرب أن تنزعج شركات الاتصالات من هذا الواقع الجديد، إذ أن دخول شركاء جديد إلى مجال المنافسة بسبب الإنترنت سيقلل من أرباحها المعتمدة على الاتصالات، سيما مع انتشار تطبيقات الاتصالات الموفرة لخدمات المكالمات الصوتية والرسائل النصية عبر الإنترنت، أو ما يسمى Over the Top Services أو OTT. وتعمل شركات الاتصالات، منذ سنوات، من أجل إقناع هيئات تنظيم سوق الاتصالات حول العالم بحلول تشريعية ترسخ الوضع الراهن الذي يجعلها الرابح الأكبر.

وتدعي شركات الاتصالات أن خدمات مثل سكايب وفايبر وواتساب وMSN ماسنجر هي المسؤولة عن تدني معدل أرباح هذه الشركات. بسبب هجرة المستخدمين لشبكة الهاتف النقال (GSM) إلى تطبيقات الإنترنت التي تمكنهم من إجراء مكالمات صوتية وإرسال رسائل نصية بكلف أقل.

خلال الأيام الماضية، صدر عن هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الأردنية تصريح ينفي ما تداولته وسائل إعلام محلية حول التوجه الوشيك لفرض رسوم على المكالمات الصوتية عبر تطبيقات التراسل الفوري للهواتف الذكية مثل سكايب وفايبر وواتساب، والتي قال الناطق الإعلامي للهيئة، سالم الفاخوري «تقدمها شركات ليست مرخصة في السوق المحلية، وباتت تؤثر وتأخذ حصة كبيرة من إيرادات القطاع، معتمدة على بنية تحتية تستثمرها الشركات العاملة في السوق المحلية».

حتى وإن تم نفي القرار، فاحتمالية أن يتم النظر فيه ما زالت قائمة كون الهيئة لم تنفِ النقاشات حول «تنظيم هذه الخدمات»، وهي احتمالية خطيرة على مستقبل شبكة الإنترنت بالأردن. وكأن شركات الاتصالات ومزودي خدمة الإنترنت يقولون لنا أنه رغم أنهم الجهات الوحيدة ذات الصلاحيات القانونية في توسيع نطاق شبكتي الإنترنت والهاتف المحمول، إلا أنهم يودون لو أن تقنيات شبكة الإنترنت لم تتطور لمنافسة دور شبكة الهاتف النقال في تقديم نفس خدماتها، والتي تملكها نفس الشركة.

الأمر أشبه بالتالي: تخيل أنك قررت تسجيل صوتك على شريط كاسيت بدلًا من أن تجري مكالمة صوتية، وأرسلت هذا الشريط عبر شركة البريد إلى الشخص المعني. هل يحق لشركة البريد، إن كانت أيضًا المالكة لشركة الهاتف النقال، إضافة رسوم مكالمة على نقل طرد الكاسيت، فقط لأنك لم تستخدم شبكة الهاتف النقال؟

الرجوع للمسلّمات

يرجعنا تباكي شركات الاتصالات على تناقص نسبة مستخدمي شبكة الهاتف المحمول لإجراء المكالمات، وشكواها من عدم قدرتها المادية على تحديث أو توسيع شبكة الإنترنت بسبب هذه الخسارة إلى بعض المسلّمات.

شركات الاتصالات ومزودو الخدمة هي الجهات الوحيدة التي يمكن لها قانونياً توفير شبكة الإنترنت للمستخدمين، ويجرّم قانون الاتصالات تمديد أي شبكة غير مرخصة. في الأردن، تحتكر شركة «أورانج» -منذ تمت خصصتها- بنية شبكة النطاق العريض (ADSL) وترفض أن تفك ما يسمى «الدارة المحلية» للسماح للاعبين آخرين بتوصيل ADSL للبيوت دون الاعتماد على خط الهاتف الأرضي.

فمثلًا، لا تستطيع كمواطن أن تركب خط ADSL عن طريق شركة «زين» إن لم يكن لديك خط هاتف مركب من «أورانج». لكن، لماذا تمسكت هذه الشركة بعدم فك خطوط الهاتف الأرضي من ADSL، إن لم تكن الأرباح التي تجنيها شركة أورانج من تأجيرها ADSL للشركات الأخرى أكبر من تلك التي تخسرها بتمديد خطوط الهاتف التي يكاد لا يستخدمها أحد؟

تخيل أنك قررت تسجيل صوتك على شريط كاسيت بدلًا من أن تجري مكالمة صوتية، وأرسلت هذا الشريط عبر شركة البريد إلى الشخص المعني. هل يحق لشركة البريد، إن كانت أيضا المالكة لشركة الهاتف النقال، إضافة رسوم مكالمة على نقل طرد الكاسيت، فقط لأنك لم تستخدم شبكة الهاتف النقال؟

وإن كانت الشركات لم تخسر جرّاء انتقال المستخدمين من الهاتف الأرضي إلى الهاتف النقال، فإنها لن تخسر كذلك نتيجة إجراء المستخدمين لمكالماتهم عبر الإنترنت، وخصوصًا أن الشركات المزودة للإنترنت هي ذاتها شركات الهاتف المحمول.

وإن كانت خسائر هجرة المستخدمين من شبكة الجوال لشبكة الإنترنت حقيقية، فعلى شركات الاتصالات أن توفر تقارير شفافية تثبت ذلك. وعلى شركات الاتصالات تقديم معلومات عامة عن تكلفة توسع شبكاتها وتحسين جودتها متضمنة تكلفة شراء الإنترنت من البوابات الدولية إلى الأردن، أو تقارير عن حجم خسائرها. خاصة أن الخسائر الواقعة بسبب تقلص حجم المكالمات عبر شبكات الهاتف النقال، يقابلها ارتفاع في الأرباح التي تجنيها هذه الشركات عبر تزايد استخدام حزم البينات خاصة الأعلى تكلفة 3G/4G.

في جلسة حول النفاذ في المنطقة العربية في المؤتمرالعربي لحوكمة الإنترنت والذي عقد مطلع ديسمبر 2015، صرح ممثل شركة الاتصالات ألفا، مروان الحايك، بارتفاع سيل البيانات الشهرية على شبكة ألفا من حوالي 10-16 تيرابيات خلال 2011 ليصل إلى 800 تيرابيات في الشهر الحالي في لبنان مثلًا. كما أعلنت شركة جونيبر المقدمة لأبحاث الأسواق، عن إحصائية تفيد بأنه رغم أن الخسارة في أرباح شركات الاتصالات في أنحاء العالم في 2014 قدرت بحوالي 16 مليار دولار بسبب خدمات مثل Whatsapp وSkype وFacebook، إلا أن فرص الأرباح التي ستفتحها هذه الخدمات لشركات الاتصالات قد تقدر بـ66 مليار دولار في الخمس سنوات القادمة.

الاقتصاد الرقمي والبيئة التنافسية

تصنيف سعر البيانات التي تمر بالشبكة هو عبث بواحد من أهم المبادئ التي قامت عليها الشبكة، وهو مبدأ «حيادية الشبكة» والذي يعني معاملة جميع البيانات التي تسير عبر الإنترنت بمساواة. كما أن هذا التصنيف يُفقد رقم «نسبة انتشار الإنترنت» دلالته كمؤشر على جاهزية الدولة لتشجيع هذا الاقتصاد. وينتج عن هذا أن البعض قد يملك ثمن النفاذ إلى الإنترنت لكنه ربما يكون غير قادر على استعمال بعض خدماتها، مما سيخلق فئتين، فئة تملك النفاذ إلى الخدمة، وفئة لا تملك النفاذ، رغم أنهم جميعًا متصلون بالشبكة. إنه منحدر زلق، فبنفس المنطق، ما الذي يضمن بعدها ألّا تقوم شركات الاتصالات الأردنية بفرض رسوم على مواقع محلية لأنها تجني أرباحًا من المعلنين فيها؟

إذا يجب أن لا ننظر لخبر احتمالية فرض الرسوم على خدمات الصوت وكأنها خاصة بتلك الخدمات وحدها، بل هو باب سيُفتح على كل الخدمات الأخرى التي تتطلب جودة خدمة عالية عبر الشبكة سواء أكانت محلية أم عالمية.

تنسى شركات الاتصالات ومزوّدو خدمة الإنترنت أن أرباحهم تأتي من مستخدميهم الذين يقومون بدفع فاتورة شهرية مقابل النفاذ لشبكة الإنترنت، ويختلف حجم هذه الفاتورة باختلاف حزم البيانات والسرعة. فكلما زاد عدد «الجيجابايتس» التي تريد أن تستعملها، تزيد فاتورتك الشهرية كمستخدم سواء أكنا نتحدث عن ADSL أو 3G/4G.

وبنفس المنطق، تخيل أن تقوم شركة الكهرباء بفرض رسوم أعلى على الكهرباء التي يستخدمها جهاز غلي الماء مثلًا، لأنك تستخدمه في بيع شاي لجني الأرباح؟

أمثلة تنظيمية حول العالم

القلق التي سببته هذه الخدمات لشركات الاتصالات كان وراء قوانين ظهرت لحماية طبيعة الشبكة في الكثير من الدول. فنفس هذا الادعاء دفع هيئة تنظيم الاتصالات في الهند (Trai) إلى فتح باب الاستشارة العامة، عن طريق نشر ورقة استرشادية تقترح السماح لشركات الاتصالات بفرض «رسوم مميزة» على التطبيقات التي توفر خدمات اتصالات أو محتوى، وطلبت من الجماهير التعليق عليها. أُحبِطت محاولات تمرير هذه الورقة لهجوم المستخدمين والمجتمع المدني والإعلاميين عليها. وفي الولايات المتحدة، وضع مجلس الهيئة الفدرالي لتنظيم الاتصالات الأمريكي حدًا لدور مزودي الخدمة وشركات الاتصالات بتصنيفها شبكة الإنترنت على أنها «منفعة عامة» بدلًا من «خدمة معلوماتية» حتى لا تتمكن من تقديم معاملة تفضيلية لخدمة أو موقع على أخرى مقابل رسوم إضافية تطلبها من الخدمة.

بعد أن سمحت المفوضية الأوروبية لدول مثل إسبانيا و فرنسا بحجب خدمات مثل Skype للحفاظ على خط أرباح شركات الاتصالات ، أعلنت في 2015 في مشروع قانون نيتها أن ترسي قواعد حيادية الإنترنت لتشجيع الاقتصاد الرقمي. هذه القواعد جائت كعدوى من إعلان هيئة الاتصالات الفدرالية في الولايات المتحدة . وبهذا لن تستطيع شركات الاتصالات في أوروبا بعد نيسان 2016 أن تبطئ أو تحجب أو تطلب رسومًا إضافية لتفضيل خدمات على أخرى.

هولندا وتشيلي كانتا أول من منع شركات الاتصالات من العبث بإيصال هده الخدمات للحفاظ على حيادية الشبكة وتنافسيتها. بعض الدول منعت شركات الاتصالات حتى من عقد صفقات مع هذه الخدمات لمنحهم معاملة تفضيلية على الشبكة مقابل مبلغ مالي مثل هولندا وسلوفينا وكندا.

هناك حلول أخرى تم اقتراحها، كأن تركز شركات الاتصالات على الاتفاق مع هذه الخدمات من أجل المساهمة المادية بضمان جودة خدمة الشبكة. كما تم اقتراح أن تبني شركات الاتصالات ومزودو الإنترنت شبكة خاصة لتوصيل المحتوى (Content Delivery Networks) تضمن جودة محسنة فقط لخدمات المكالمات الصوتية والرسائل النصية عبر الإنترنت التي تطلبها.

لم يعد من المنطقي تمسك شركات الاتصالات بالوضع الراهن في بيئة كالإنترنت. بيئة يدخل ويخرج منها بشكل يومي لاعبون جدد يغيرون من المشهد الاقتصادي الرقمي. ولذا يجب أن لا ننظر لخبر احتمالية فرض الرسوم على خدمات الصوت وكأنها خاصة بتلك الخدمات وحدها، بل هو باب سيُفتح على كل الخدمات الأخرى التي تتطلب جودة خدمة عالية عبر الشبكة سواء أكانت محلية أم عالمية.

تقوم شركات الاتصالات اليوم بالتشاور مع هيئة تنظيم القطاع للوصول إلى حلٍ توافقي يرضي الجميع. لكن باب التشاور هذا مغلق في وجه المستخدم والمجتمع المدني والشركات الصغيرة التي يعتمد وجودها على الإنترنت وجودته. غياب آلية التشاور في مستقبل الاقتصاد الرقمي في الأردن، وحصرها بين شركات الاتصالات ومزودي الخدمة وهيئة التنظيم هو انحياز لمصالح شركات الاتصالات. ويتناقض مع رغبة الدولة في وضع استراتيجيات تشجع لاعبين ومبادرات أكبر للمشاركة في الاقتصاد الرقمي الذي يمكن أن تحققه الشبكة إذا التزمت بمبدأ الحياد. أما شركات الاتصالات فعليها أن تطور خطوطًا إبداعية أخرى لتوليد الربح، بدلًا من محاولة التشبت بدورها كمزود وحيد للمكالمات الصوتية والرسائل النصية.