مناقشة البيان الوزاري: هكذا تحدّث النواب

مناقشة البيان الوزاري: هكذا تحدّث النواب

الإثنين 23 تموز 2018

تصميم مايا عامر، برمجة أحمد مسعود

بعد خمسة أيّام من النقاش في مجلس النواب الأردني لبيان حكومة رئيس الوزراء عمر الرزّاز، حصلت الحكومة على الثقة نهاية الأسبوع الماضي بأغلبية 79 نائبًا. وتطرّق النواب في كلماتهم لمواضيع عديدة، منها ما ذكروه باقتضاب، ومنها ما تحدثوا عنه باستفاضة فيما قدم بعضهم بشأنه مقترحاتٍ ومطالبات محددة.

تناول النواب خلال مناقشتهم البيان الوزاري ما يزيد عن 60 موضوعًا، وعلى تنوعها وتفاوتها في الوزن من حيث التركيز عليها، إلا أن رصد هذه المواضيع قد يكوّن مؤشرًا -إلى حد ما- على مزاجٍ عام حاول النواب التعبير عنه. ترصد* هذه المادة جزءًا من المواضيع التي تركّزت حولها كلمات النواب.

الفساد والفقر والبطالة الأكثر تناولًا

كان الفساد الموضوع الأكثر تناولًا في كلمات النواب، حيث تطرق 79 نائبًا، من أصل 120 كانوا قد تحدثوا في جلسات المناقشة، للفساد كمسألة يجب على الحكومة التعامل معها بحزم والعمل على محاربتها. تناولت العديد من كلمات النواب الفساد بعمومية دون تفصيل يشير إلى الجهة المسؤولة عنه، بينما ربط بعض النواب الفساد بضعف المنظومة القانونية التي اعتبرها حسين القيسي، رئيس اللجنة القانونية في المجلس، «ما زالت قاصرة تشريعيًّا عن معالجة حالات الفساد التي تمت بالسابق، الأمر الذي يستدعي تعديلا تشريعيًا على قانون الكسب غير المشروع بحيث يتضمن البحث في أسباب كسب الثروة».

وأشار الرزاز إلى هذا الموضوع في رده على مناقشات النواب بالقول إن الحكومة وضعت محاربة الفساد في مقدمة أولوياتها من خلال تطوير منظومة التشريعات والأنظمة المكافحة له، بما فيه قانون الكسب غير المشروع. لكنه أضاف أنه يجب «عدم المبالغة في تضخيم حالات الفساد، فالفساد موجود في كل دول العالم والأردن ليس استثناءً عليها لكننا لا نرضى بالصغير منه ولا بالكبير».

وجاء «الفقر والبطالة» في المرتبة الثانية، بعد الفساد، من حيث عدد النواب الذين تطرقوا له في كلماتهم. وكان نواب دوائر البدو الثلاث (الشمال والوسط والجنوب) من أكثر النواب تطرقًا للموضوع، حيث تحدث 11 نائبا من أصل 12 يمثلون دوائر البدو عن موضوع الفقر والبطالة الذي تعاني منه دوائرهم.

وتحدث 70 نائبًا عن الجيش والأجهزة الأمنية، بنسبة 58% من المتحدثين، تركزت معظم مداخلاتهم على الإشادة بالجيش، وامتداح أداء الأجهزة الأمنية خلال الاحتجاجات على الدوار الرابع، مع المطالبة بتحسين رواتب منتسبيهم ومتقاعديهم، فيما تطرق بعض النواب إلى موضوع صندوق إسكان متقاعدي الأمن العام.

من جانب آخر، دعت النائبة هدى العتوم إلى «التحرر من القبضة الأمنية التي لا يزال فيها من يمارس السياسة». أما رئيس كتلة الإصلاح النيابية النائب عبد الله العكايلة فقد اقترح «إنشاء وزارة الأمن القومي تكون مسؤولة عن شؤون المخابرات العامة ويكون وزيرها عضوًا في مجلس الوزراء ليمثل أمام هذا المجلس لكي يحاسب على كل أعمال وزارته»، كما اقترح إنشاء وزارة مستقلة للدفاع، وإعادة هيكلة وزارة الداخلية. كما طالب العكايلة «بإلغاء قرار تسجيل أراضي الخزينة باسم القوات المسلحة (..) وبسط رقابة ديوان المحاسبة على كل مؤسسات الدولة مدنيةً وعسكريةً وأمنية».

وفيما يتعلق بالتشكيلة الوزارية، فقد انتقد العديد من النواب ما أسموه «وزراء التأزيم» لكن الانتقاد الأكبر الذي وجهوه تجاه التشكيلة كان لعودة 15 وزيرًا من حكومة هاني الملقي التي استقالت على خلفية احتجاجات هبّة حزيران.

في الشأن الاقتصادي

تطرق 43 نائبًا في كلماتهم إلى المديونية والنفقات، وأشار بعضهم في الحديث عن هذا الموضوع إلى إنشاء قناة المملكة متسائلين عن مدى ضرورتها في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية. من هؤلاء النائب عبد الكريم الدغمي الذي اعتبر أن إنشاء القناة هدرٌ للمال، متسائلًا: «هل نحن في بحبوحة يا دولة الرئيس؟ هل هذه دولة عاقلة؟ هل هذا صرفٌ صحيح في هذه الظروف؟ هل تتجرأ يا دولة الرئيس على شطب هذه الموازنة لهذا التلفزيون». وقالت النائبة إنصاف الخوالدة أنه كان من الأولى الارتقاء بمستوى التلفزيون الأردني بدلًا من إنفاق هذه المبالغ على قناة جديدة: «عنا عجز، عنا مديونية، ندفع مصاري على قناة، شو بنستفيد منها؟ عنا التلفزيون الأردني، ليش ما حسّناه؟ هاي القناة مرفوضة تمامًا، لمين هي هاي القناة؟ ومين صاحبها؟ وكيف التعيينات اللي فيها؟».

وفي الشأن الاقتصادي ذاته، حازت الهيئات المستقلة والعلاقة مع صندوق النقد الدولي على مساحة من نقاشات العديد من النواب. حيث تضمنت 32 كلمة من كلمات النواب الحديث عن الهيئات المستقلة، وطالب معظمهم بدمجها مع وزارات ومؤسسات الدولة من أجل ضبط الإنفاق وإلغاء مزايا الإدارات العليا فيها مع وقف التعيين خارج نظام الخدمة المدنية. وطالبت رسمية الكعابنة النائبة عن بدو الوسط بدمج الكثير من مؤسسات الدولة وقدمت مقترحًا بدمج مؤسسة النزاهة والشفافية وديوان المظالم وديوان المحاسبة في مؤسسة واحدة. وعبر 27 نائبًا عن عدم رضاهم عن العلاقة مع صندوق النقد والبنك الدوليين وسياساتهما المالية وأثرها على الاقتصاد الأردني، ووصفت النائبة إنصاف الخوالدة المنح والقروض الخارجية بأنها «احتلال مبطن».

وفي ما يتعلق برد رئيس الوزراء على هذه المواضيع، فقد تجاهل الرزاز الحديث عن قناة المملكة والعلاقة مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وعزا أسباب ارتفاع المديونية إلى الأزمة الاقتصادية العالمية (2007-2011) والظروف الاقليمية التي مرّت بها المنطقة خلال ما سمي بالربيع العربي وما رافقها من أحداث أثرت على الاقتصاد كانقطاع الغاز المصري، واستقبال موجات كبيرة من اللاجئين السوريين وزيادة الإنفاق على متطلبات الأمن والدفاع والحماية، وفقدان عدد من الأسواق بسبب إغلاق الحدود مع بعض دول الجوار، إضافة إلى زيادة النفقات بشكل مبالغ فيه والترهل الإداري والمبالغ المتعلقة بخدمة الدين العام. وتعهد بضم عدد من الوزارات والدوائر والهيئات المستقلة خلال 100 يوم من تشكيل الحكومة، لكنه أكد في الوقت نفسه على أن الدمج قد لا يحقق الوفر المالي المرجوّ منه نظرًا لوجود ما أسماه بـ«حقوق مكتسبة» للعاملين فيها.

(يبيّن هذا التمثيل البياني أبرز المواضيع التي تناولتها المناقشة بحسب النواب. انقر/ي على الموضوع لمعرفة التفاصيل)

العقد الاجتماعي، وقانون الانتخاب، والولاية العامة

تناول 34 نائبًا في كلماتهم مفهوم «العقد الاجتماعي» الذي تضمنه البيان الوزاري. وفي الوقت الذي وجه فيه بعض النواب انتقاداتٍ لهذا المفهوم، تساءل البعض الآخر عن معناه ومدى توافقه مع الدستور. وربطت النائبة صباح الشعار بين الظروف الاقتصادية والمعيشية للناس وإمكانية تحقيق هذا العقد الاجتماعي متسائلة «كيف لهذا العقد أن يتحقق وهناك فقر وبطالة وجوع؟». ودعا الرزاز في رده إلى «التريث قبل إطلاق الأحكام المسبقة» على هذا التعبير، باعتبار أنه قد ورد في كتاب تكليفه ولا يتعارض مع مبادئ الدستور الأردني بحسبه.

وفي سياق آخر، تحدث 22 نائبًا عن قانون الانتخاب، واعتبر بعضهم تعديل القانون الحالي مدخلًا رئيسيًا للإصلاح السياسي في البلاد. حيث دعا عبدالله العكايلة، في كلمة كتلة الإصلاح، إلى العمل على قانون انتخاب «يأخذ بالحسبان إطلاق إرادة المواطن محررة من اختزالها بالصوت الواحد، أو بأي صيغة أخرى، تدور في فلك الصوت الواحد، وتحويل دوائر البدو إلى دوائر جغرافية، ينطبق عليها ما ينطبق على كافة الدوائر الانتخابية في المملكة». فيما قال النائب عبدالله الزريقات إن «الإصلاح السياسي يعني قانون انتخاب يتفق عليه الأردنيون بكل القوى، الإصلاح السياسي يعني الأحزاب التي تشارك في تحمل مسؤولية إدارة الدولة». ودعا النائب خالد رمضان إلى تبني قانون انتخاب يضمن تمثيل المرأة في البرلمان بنسبة 50%.

أما في ما يتعلق بالولاية العامة للحكومة فقد جاءت الطفيلة في المرتبة الأولى من حيث نسبة نوابها الذين تحدثوا عن هذا الموضوع، 60% منهم. بينما كانت البلقاء وعمّان الأعلى من حيث عدد النواب، إذ تحدث أربعة نواب في كل منهما عن الموضوع.

وكانت كتلة الإصلاح أكثر كتلة تطرق نوابها في كلماتهم للولاية العامة. إذ تحدث ستة نواب من الكتلة بشكل واضح عن هذا الموضوع، من أصل 24 نائبًا في المجلس تطرقوا له، كما أفرد رئيس الكتلة عبدالله العكايلة حوالي 21 دقيقة، من نصف الساعة المخصصة للكتلة نفسها، للحديث عن أهمية الركن النيابي في نظام الحكم، وعن الإصلاح السياسي باعتباره لازمًا لأي إصلاحات أخرى، وعن الولاية العامة مُقترِحًا العمل على تعديلات دستورية تثبت الولاية بيد رئيس الحكومة من خلال مجلس النواب. وطالب العكايلة بتعديل المادة 40 كي تعود عملية تعيين قائد الجيش ومدير المخابرات ومدير الدرك بقرار من مجلس الوزراء وبإرادة ملكية يوقعها رئيس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصون، ثم يأتي بعد ذلك توقيع الملك. كما دعت النائبة هدى العتوم من كتلة الإصلاح إلى «العمل على التعديلات الدستورية التي تعيد المساءلة لكل أجهزة الدولة وتبسط الولاية العامة عليه».

من جهتها ربطت النائبة وفاء بني مصطفى، عضو كتلة المبادرة، بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، معتبرة أن «الحكومات المنتخبة وحدها تصبح قادرة على تقديم خطط إصلاح مالي واقتصادي»، داعية إلى «الانتقال إلى حكومات برلمانية تحمل برنامجها من الشارع إلى البرلمان ثم إلى إدارة الدولة عبر الحكومة ليحاسبها الشعب بعد ذلك على نجاحها أو فشلها عبر صناديق الاقتراع».

بالمقابل، لم يتطرق الرزاز في رده على النواب إلى الولاية العامة، واكتفى بإلقاء اللوم على «ضعف العمل الحزبي» بوصفه سببًا لتعطّل مطلب الحكومات البرلمانية، وأضاف أن «عدم القدرة على تشكيل حزب أكثرية أو تكوين ائتلافات حزبية هو السبب الرئيس في إخضاع التشكيلة الحكومية لاجتهاد شخصي من كل رئيس وزراء أيًّا كان»، مدافعًا عن تشكيلة حكومته التي قال إنه اختارها وفقا لقناعاته واجتهاداته وإيمانه الكبير بقدرات أعضائها وخبراتهم.

(يبين هذا التمثيل البياني أبرز المواضيع التي تطرق لها النواب بحسب المحافظات. انقر/ي على الموضوع لمعرفة التفاصيل)

العلاقة مع دولة الاحتلال

حاز عدد من المواضيع المتعلقة بالعلاقة مع «إسرائيل» على نسبة من كلمات النواب كذلك، وكان أهمها صفقة القرن واتفاقية استيراد الغاز وقضية أراضي الباقورة والغمر. فقد تحدث 36 نائبًا عن صفقة القرن، بما نسبته 30% من النواب المتحدثين، مُبدين تخوفاتهم من إمكانية فرضها في المنطقة ومطالبين الحكومة بتوضيح حقيقة الصفقة وتفاصيلها، والموقف الأردني منها. ولم يأتِ رد الرزاز على هذه النقطة بجديد، إذ قال إن «كل ما يقال حول صفقة القرن أو الوطن البديل أو المصطلحات التي تخرج علينا، يتبخر أمام الثوابت الأردنية»، وأكد تمسك الحكومة بحل الدولتين بوصفه الطريق الواضح للسلام، على حد تعبيره.

كما تطرق 16 نائبًا لقضية الباقورة والغمر، 10 منهم من نواب العاصمة، مطالبين الحكومة باتخاذ موقف بشأن النظام الخاص الذي تخضع هذه الأراضي له بحسب معاهدة وادي عربة. وجاء رد الرزاز على هذه المسألة شبيهًا بآخر تصريح صدر بشأنها من حكومة الملقي على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي، حيث قال الرزاز إن قرار تجديد النظام الخاص من عدمه «هو قرارٌ أردني خالص» سيسعى لتكريس «السيادة الأردنية على هاتين المنطقتين ووفقًا لمصالحنا العليا وأولوياتنا الوطنية»، دون أن يحدد الاتجاه الذي سيذهب فيه القرار.

أما بخصوص اتفاقية الغاز، فلم يرد الرزاز على كلمات النواب الذين تطرقوا لها، حيث تحدث 18 نائبًا عن الاتفاقية، 10 منهم من نواب العاصمة، وطالبوا بإلغاء الاتفاقية أو عرضها على مجلس النواب وتوضيح بنودها وشروطها.

بعد خمسة أيام من مناقشات مجلس النواب للبيان الوزاري لحكومة عمر الرزاز، منح 79 نائبا الثقة للحكومة، بما نسبته 61٪ من أصوات النواب، بينما حجبها 42 نائبًا، فيما امتنع نائبان عن التصويت، وغاب 6 نواب عن جلسة التصويت.

وبالمقارنة مع تصويت مجلس النواب نفسه على الثقة بحكومة هاني الملقي الثانية، تكون حكومة الملقي قد حازت على ثقة أعلى بفارق بسيط عن حكومة الرزاز، إذ حازت حكومة الملقي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 على ثقة 65٪ من النواب، قبل أن تنخفض نسبة الثقة فيها إلى 52٪ عندما رفض المجلس طلبًا لحجب الثقة عنها في شباط/ فبراير الماضي.


*ساعدت في الرصد الزميلة دعاء علي