شعوبٌ في وجه الجدار: كيف تروي الجدران العازلة قصة الاستعمار الاستيطاني

الإثنين 25 شباط 2019
رجل أمام السياج على الحدود الأمريكية – المكسيكية، في تيوانا بالمكسيك، كانون الثاني 2019. تصوير جيرجوري بُل، أسوشييتد برس.

أصبح الجدار الذي يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بناءه على الحدود مع المكسيك حديث الساعة بعد أن أدى إلى إغلاق الحكومة الأمريكية لمدة 35 يومًا كانت فترة الإغلاق الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وكاد يغلقها مرة ثانية لولا أن وصل الحزبان الجمهوري والديمقراطي في آخر لحظة إلى تسوية. ولأن هذه التسوية لم تمنح الرئيس الأمريكي كل الأموال التي طلبها لإنشاء جدار على طول الحدود، أعلن دونالد ترامب حالة طوارئ تعطيه من الصلاحيات التنفيذية ما يخوله الاستيلاء على هذه الأموال من الميزانية العسكرية أو من ميزانية الكوارث؛ وهو الأمر الذي يعد الساحة الأمريكية لجولة جديدة من الصراع يتوقع أن تدور في أروقة المحاكم حول قانونية إجراءات الرئيس الأمريكي.

سمح هذا السجال لدونالد ترامب أن يظهر أمام أنصاره كما لو كان الرئيس القوي الذي سيبني الجدار على غير سابقة، وسمح للديمقراطيين أن يظهروا كما لو كانوا المعارضين الصناديد للجدار، إذ يصرون على تسييج الحدود بدلًا من بناء الجدران عليها (وهذه التفرقة ما بين «السياج» و«الجدار»، التي لا تعني الكثير لمن ستعيق الحدود حركتهم في الحالتين، هي الحجة نفسها التي التجأ إليها ليبراليو الصهاينة إذ زعموا أن ما تبنيه دولة «إسرائيل» إنما هو سياج وليس جدارًا). يخفي هذا السجال حقيقة أن الجدار قائم بالفعل –وإن كان لا يمتد متصلًا على طول الحدود كما يتمنى ترامب– وأن الديمقراطيين والجمهوريين كانوا لبعضهم ظهيرًا في بناء هذه الأسيجة والجدر، وأن الأسيجة والجدران على حدود المكسيك ليست الأولى في تاريخ الاستعمار الاستيطاني لأمريكا الشمالية.

وول ستريت: حكاية الجدار وشارعه

عام 1626، شرع المستوطنون الهولنديون في بناء مستعمرة «أمستردام الجديدة» في الشريط الجنوبي من جزيرة مانهاتا (أو مانهاتن كما سماها الغزاة) الواقعة فيما يعرف الآن بمدينة نيو يورك. ولكي يشرعنوا استيلاءهم على  الأرض، ادعوا شراء الجزيرة من سكانها الأصليين«الليني-لينابيه» (أو «اللينابيه» من باب الاختصار). كان مفهوم الملكية الفردية للأرض مفهومًا أوروبيًا غريبًا على أهل هذه البلاد، إذ كيف تمتلك الأرض وحدك؟ هل ستحملها في حقيبتك وتذهب؟ هل ستبني حولها جدرانًا لتعزلها عن بقية محيطها؟ ربما أخذ اللينابيه عقود الخرز –التي زعم الهولنديون أنهم اشتروا الأرض بها– على سبيل الهدية أو كبادرة لحسن النوايا، غير عالمين بعملية البيع التي كانت تجري في عقول الغزاة البيض وحدهم. أو ربما وافقوا على البيع ظانين أنه يعني أن يشاركوهم الأرض ويعيشوا فيها وسطهم، أما المستعمرون فقد رأوا أنهم، وإن كانوا لا يستطيعون أن يحملوا الأرض ويعودوا بها إلى أوروبا، فإن بإمكانهم أن يستعبدوا من فيها وأن يعزلوها، إن اقتضى الحال، بالجدران.

وبالفعل، بدأ الهولنديون في التعامل مع هذه الأرض على أنها لهم وحدهم، والتعامل مع أصحاب الأرض كما لو كانوا وافدين عليها. ووصلت سياسات الهولنديين إلى محاولة «منع» وجود اللينابيه على الجزيرة وتعيين مكافأة مالية لمن يقتل أحدًا من السكان الأصليين ويأتي برأسه أو برأسها إلى حاكم المستوطنة. إلا إن هذه الجهود باءت بالفشل ولم تؤد إلا إلى تفاقم العداوة بين اللينابيه والهولنديين. وعندما حاول بعض اللينابيه القادمين من مناطق أخرى اللجوء إلى لينابيه مانهاتا هربًا من اقتتال داخلي مع قبيلة أخرى من السكان الأصليين، رفض حاكم المستوطنة أن يسمح لهم بالدخول إلى جزيرتهم، فباتوا ليلتهم في بافونيا المجاورة (حيث تقع الآن ولاية نيو جيرسي). رأى حاكم المستوطنة خطرًا في تجمع اللاجئين قرب مانهاتا، وكان يخشى أن يكون تجمع اللينابيه إيذانًا بانتفاضة أصحاب الأرض ضد مستعمريهم، فهاجم مخيمات اللاجئين وهم نيام، واستمر التقتيل إلى نهار اليوم التالي. لم يسلم من المجزرة «لا محارب ولا امرأة، لا شيخ ولا طفل، لا أم ولا رضيع»، بحسب مؤرخ أمريكي، بينما تحدث آخرون عن اجتثاث الأطفال من أضرع أمهاتهم وتقطيعهم إربًا أمام ناظري ذويهم ثم إلقائهم إلى النار أو في النهر. و يقول شاهد من مستوطنة أمستردام الجديدة: «لم أشاهد سوى … صراخ الأهالي وهم يقتلون في نومهم».

الأسيجة والجدران على حدود المكسيك ليست الأولى في تاريخ الاستعمار الاستيطاني لأمريكا الشمالية.

هبت قبائل السكان الأصليين ونبذت خلافاتها الداخلية إثر هذا الهجوم الغادر، خاصة وأن الهولنديين بدأوا يطلبون الإذن من قيادتهم للشروع في مزيد من المجازر،[1] وأعدت شعوب أمريكا الأصلية قوة متحالفة زحفت إلى مستعمرة أمستردام الجديدة في خريف عام 1643. ولكن هذه القوة اكتفت بحصار المستوطنة بدلًا من اجتياحها، وعلى مدى عامين، فشلت كل جهود المستوطنين في كسر الحصار، إلى أن استأجر حاكم المستوطنة إنجليزيًا مرتزقًا يدعى جون أندرهيل. كان أندرهيل من الغلاة الإنجليز المعروفين بـ«المتزمتين» أو «التطهريين»وكان قد اكتسب شهرته العسكرية جراء المجازر المروعة التي ارتكبها ضد قبيلة البيكوات في عام 1637. تدخل أندرهيل لإنقاذ الهولنديين على طريقته، فأحرق قرى السكان الأصليين على أهلها، وإن اختلفت الروايات التاريخية في عدد المجازر المنسوبة إليه فإنها تتفق أنه قتل في ستمفورد وحدها (فيما يعرف الآن بولاية كونيتيكيت) ما بين 500-700 من السكان الأصليين، وأنه شبّه حملته وقتله لغير المحاربين من الشيوخ والنساء والأطفال بـ«حرب داود» وما فعله بنو إسرائيل بالعماليق في فلسطين بحسب التوراة، وأن جنوده صنعوا تلالًا من جثث القتلى، وأن مستوطنة أمستردام الجديدة أعلنت يوم المجزرة عيدًا للشكر.[2] 

وعلى الرغم من «النصر» الذي حققوه، فقد أضعفت هذه الحرب الهولنديين الذين انكفأوا في مستعمرتهم ورأوا أن يقيموا في شمالها جدارًا ليعزلها عن باقي الجزيرة وليمنع الشعوب الأصلية وباقي المستعمرين من التسلل إليها، وشرعوا في إنشائه في العام 1653. إلا إن هذا الجدار لم يمنع أصحاب الأرض من أن يستمروا في استهداف مستعمريهم، ففي عام 1655 أعدت قبيلة السوسكهانوك جيشًا قوامه من أمم وقبائل السكان الأصليين المختلفة ومن أهالي جزيرة مانهاتا وباغتت مستوطنة أمستردام الجديدة بينما كانت قيادتها منشغلة في اقتتالها مع المستوطنين السويديين. اجتاحت قوات السكان الأصليين المستعمرة ودمرت منشآتها الاقتصادية وعادت بـ150 أسيرًا، وقيل إنها فعلت ذلك دون أن تريق قطرة دم واحدة، في حين تذهب رواية أخرى إلى أنها حصدت أرواح 100 مستوطن.

شكلت هذه المعركة ضربة قاصمة للمستعمرة الهولندية، التي أصبحت منذئذ لقمة سائغة للمستوطنين الإنجليز. وعام 1664، استسلم الهولنديون للإنجليز الذين دخلوا أمستردام الجديدة وأعادوا تسميتها إلى يورك الجديدة، أو نيو يورك (تيمنًا بدوق يورك، شقيق ملكهم تشارلز الثاني وولي عهده)، وسموا الشارع الذي وجد فيه الجدار بشارع الجدار أو وول ستريت. وإن كان الجدار المادي قد زال حين آلت الأرض من مستعمريها الهولنديين إلى مستعمريها الإنجليز، فإن وول ستريت أصبحت مركز البورصة ومقر الشركات العملاقة لتصبح بذلك رمزًا على الجدار المعنوي الذي يفصل النخبة المالية عن سائر العالم.

جدار المكسيك: «نحن لم نعبر الحدود ولكن الحدود هي التي عبرتنا»

لا تنفصل قصة الجدار ما بين الولايات المتحدة والمكسيك كذلك عن قصة الاستعمار الأمريكي، فبالإضافة إلى كون كل أراضي الأمريكتين أرضًا محتلة، فإن ولايات جنوب غرب الولايات المتحدة الملاصقة للمكسيك (من تكساس إلى كاليفورنيا) هي أراض محتلة مرتين إذ استولت عليها الولايات المتحدة من المكسيك عام 1848.

سمحت المكسيك منذ نشأتها للمستوطنين البيض بالسكن  في تكساس حتى صاروا أغلبية. وجد المستوطنون في تكساس فرصة سانحة لتتكاثر إقطاعياتهم وعبيدهم. وفي عام 1829 حرمت المكسيك، التي كان يحكمها رئيس ينحدر من أمشاج أنساب أفريقية وأسبانية وأمريكية أصلية، العبودية في سائر أراضيها باستثناء تكساس التي مُنحت فرصة عام لإنهاء العبودية، كما سمحت للسادة البيض بتقنين وضع عبيدهم بأن يجعلوهم خدمًا. إلا إن المستوطنين البيض ثاروا على حكومة المكسيك وطالبوا بالاستقلال ثم احتموا بالجيش الأمريكي. وفي عام 1846 بدأت الحرب الأمريكية المكسيكية التي انتهت بعدها بعامين حين دخل الجيش الأمريكي إلى العاصمة المكسيكية وأجبر حكومتها على تسليم الولايات الحدودية إلى الولايات المتحدة.

طبعًا، كانت النتيجة أن الولايات المتحدة ورثت فيما ورثت شعبًا من ذوي الأصول المكسيكية كان يقطن هذه الولايات. وإن كانت الولايات المتحدة قد أعطتهم الخيار ما بين أن يحتفظوا بالجنسية المكسيكية أو يحصلوا على الجنسية الأمريكية، فإنها ظلت تتعامل معهم كما لو كانوا عالة عليها، ولم يسلموا من العنصرية التي تمارس ضد كل الأقليات العرقية في تلك البلاد. كما أدت الممارسات الحدودية إلى الفصل بينهم وبين بقية أهلهم في المكسيك أو إلى التمييز ضد هؤلاء الأهل إن جاءوا إلى الولايات المتحدة. مقابل ذلك، رفعت جمعيات المواطنين من أصل مكسيكي ومعها جمعيات حقوق المهاجرين شعار «نحن لم نعبر الحدود ولكن الحدود هي التي عبرتنا».

أصحاب الأرض: شعب الندي و«مقاومة الأباتشي»

لا يعني هذا أن المكسيك بريئة من السياسات الاستعمارية والاستيطانية التي وقعت هي ضحيتها في العام 1848. فقصة الحدود الأمريكية – المكسيكية ومن بعدها قصة الجدار هي أيضًا قصة التواطؤ الأمريكي المكسيكي على إخراج أصحاب الأرض من أرضهم.

تتعدد القبائل والشعوب التي عاشت في هذه الأرض قبل استيطان الأوروبيين، ومن أكبر هذه الشعوب قوم انتشروا من جنوب غرب الولايات المتحدة إلى شمال المكسيك يسمون أنفسهم بالندي (أي الشعب أو الناس) بينما سماهم الأنثروبولوجيون والمستعمرون بـ«الأباتشي» (وهو الاسم الذي كان أعداؤهم يطلقونه عليهم قبل الغزو). ظل شعب الندي عصيًا على سياسات التهجير والإبعاد اللذين مارستهما حكومات الولايات المتحدة والمكسيك؛ حتى كان آخر الشعوب الأصلية الأمريكية التي تلقي سلاحها (إذا استثنينا اعتصام «الحركة الهندية الأمريكية» بسلاحها في محمية «الركبة الجريحة» عام 1973، وحمل الموهوك السلاح في وجه حكومة الاحتلال الكندية لـ78 يومًا في أوكا عام 1990). وبينما أذعن بعض قيادات الندي، تحت وطأة المجازر الأمريكية تارة، وتحت تأثير وعود الأمريكيين ورِشاهم تارة أخرى، إلى معاهدات سلام أبعدتهم عن أرضهم وألجأتهم إلى محميات يحكمونها ذاتيًا تحت سمع وبصر الولايات المتحدة، كان الرد دائمًا على هذه المعاهدات هو خروج جماعات مقاومة شرسة. ظلت بندقية الندي مشهورة في وجه الولايات المتحدة حتى بعد سقوط قائد المقاومة التاريخي جيرونيمو في الأسر عام 1886. وظلت مشهورة حين اعتبرت حكومة الاحتلال أفراد الشيريكاوا (وهم فرع الندي الذي انتسب إليه جيرونيمو) بأسرهم سجناء من لحظة اعتقال جيرونيمو وحتى عام 1914 بعد موت قائدهم في الأسر، وبعد أن بنت منشآتها العسكرية على أراضيهم وهجرت منهم من هجرت. وبالرغم من هذه السياسات القمعية لم تتوقف «غارات الأباتشي» (التي حاولت الرواية الرسمية الأمريكية أن تصورها كما لو كانت من أجل سرقة الماشية فحسب)[3] في الولايات المتحدة إلا في العام 1924 واستمرت لعقد آخر في المكسيك.[4] وحتى بعد انتهاء الكفاح المسلح، ظل شعب الندي جزءًا من المقاومة السياسية والثقافية السلمية والمستمرة إلى الآن لشعوب أمريكا الأصلية في وجه السياسات الاستعمارية الأمريكية.

تضع الناشطة والأكاديمية، ابنة شعب الندي، مارغو تاميز الجدار الحدودي في سياق محاولة الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق سياسات الاحتجاز والاعتقال على الحياة اليومية للسكان الأصليين وغيرهم من المجتمعات المهمشة أو المقاومة للهيمنة الثقافية الأمريكية البيضاء.[5] فالجدار يلتهم مساحات من أراضي السكان الأصليين ويقسمها إلى نصفين، كما يفصل ما بين أبناء العائلة الواحدة على جانبي الحدود. وعلى هامش ندوة لمارغو تاميز في جامعة كولومبيا (في ربيع 2014) عن دور الجدران في السياسات الاستعمارية في أمريكا وفلسطين، قال لي أحد الحضور بعفوية (وكان من «الشيكانا» المنحدرين من أصول إسبانية وأمريكية-أصلية مختلطة): «ليس عدلًا أن يمنعوا أبناء عمومتي في المكسيك من زيارتي، هذه أرضنا!».

وسواء كانت أجهزة الرقابة التي يعج بها الجدار ونظامه الأمني موجهةً ضد شعب الندي أو سائر شعوب الأرض، فإن وجود هذا النظام الأمني في أراضي الندي يعني أن يعيشوا حياتهم في ظل نقاط تفتيش وأبراج مراقبة ومروحيات مراقبة تطير من دون طيار («الزنانات» كما يسميها أهلنا في غزة) وغيرها من مظاهر العسكرة. ويأتي الجدار متممًا لشبكة من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش التي تمتلئ بها مناطق الندي في جنوب غرب الولايات المتحدة. تخبرنا تاميز عن طفولتها خلف الحدود في تكساس قبل بناء الجدار وكيف كان الارتحال من بلدتها لزيارة أقاربها يعني التوقف على حواجز تفتيش الجيش الأمريكي، وكيف وعت من سن صغيرة أن بشرتها السمراء كانت كافية لإثارة حفيظة الجنود على الحاجز، وكيف أنها وأهلها كانوا يحتاجون أن يبرروا للجنود حاجتهم لزيارة أقاربهم، التي كانت تستتبع الشك بهم وبأقاربهم وما إذا كان ثمة خطب مريب يستدعي أن يزوروا أهلهم.[6] وفي محاضرة ضمن المؤتمر السنوي لجمعية «دراسات الشعوب الأمريكية الأصلية» (لعام 2012) أخبرتنا تاميز أنها كانت وهي طفلة تظن أن تلك العسكرة هي من طبائع الحياة، ولم تكتشف إلا بعد أن هاجرت من تكساس أن المرور بحواجز التفتيش العسكرية بصفة يومية ليس أمرًا طبيعيًا.

«العنصرية وانعدام الأخلاق»: الحواجز الحدودية من ترسيم الحدود إلى جدار ترامب

قرابة العام 1882، بدأت جهود ترسيم الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك لإنهاء حالة الكر والفر التي كانت تمارسها مقاومة الندي عبر الحدود.[7] رأى الطرفان الأمريكي والمكسيكي أن ترسيم الحدود ضروري لتنسيق جهود قواتهما المسلحة في تتبع عناصر المقاومة، وكذلك لملاحقة الندي غير المحاربين الذين فضلوا العيش في جبال المكسيك وكهوفها على الحياة في المحميات الأمريكية.[8] تطورت هذه الجهود بعد ذلك بغية التحكم في حركة المهاجرين والمهربين ولفرض الرسوم الجمركية، ولكي يتسنى معرفة مكان مقتل المهرب أو المهاجر غير الشرعي حين تطلق قوات حرس الحدود النار عليه. ولأن الطبيعة الوعرة والتوسع العسكري للولايات المتحدة تواطآ ليفرضا حدودًا معقدة ومتداخلة، ارتأى الطرفان أن الوسيلة الأنسب لترسيم الحدود تحديدها بسياج.[9] وتضمنت عملية ترسيم وتسييج الحدود كذلك عملية تشريعية لتحديد الفئات التي ستحول الحدود دون عبورهم إياها والتي تضمنت المجرمين السابقين والعاهرات والعمال المستقلين والصينيين والمختلين عقليًا ومتعددي الأزواج والفوضويين.

بدأ التسييج بالأخشاب والأسلاك الشائكة، ثم أضيفت لاحقًا في بعض المناطق ألواح الحديد والأسمنت. جيء بأسلاك شائكة من معسكرات الاعتقال التي كانت الحكومة الأمريكية قد جمعت واحتجزت فيها مواطنيها ذوي الأصل الياباني إبان الحرب العالمية الثانية. وجيء بألواح معدنية من مخلفات حرب فيتنام. وفي عام 1994، تبنى فتى الديمقراطيين الأغر بيل كلينتون سياسة حدودية جديدة سماها «عملية حارس البوابة» وجعل شعارها «المنع من خلال الردع»، أي ردع المهاجرين غير الشرعيين من عبور الحدود بدلًا من احتجازهم بعد أن يعبروا الحدود على ما كان معمولًا به قبلها. وبمقتضى العملية، دُججت الحدود بالدوريات العسكرية وأجهزة المراقبة والأسيجة والجدران. ونتيجة لهذه السياسة، التي أعلنتها نيابةً عن كلينتون المدعية العامة جانيت رينو (ديمقراطية الهوى والمرأة الأولى التي شغلت هذا المنصب) دُفع المهاجرون إلى سلوك النقاط الحدودية الخطرة، حتى وصفها أستاذ القانون بيل هينغ بـ«مصيدة الموت»، مذكرًا بأنها أدت إلى تضاعف حالات الوفاة أثناء محاولة عبور الحدود (حتى وصلت إلى ستة آلاف منذ إعلان هذه السياسة في 1994 وحتى مقال هينغ في 2015)، وبأن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين يأتون من أمريكا الوسطى هربًا من الدمار الذي أحدثته هناك سياسات الولايات المتحدة في المقام الأول، واصفًا «عملية حارس البوابة» بـ«العنصرية وانعدام الأخلاق». 

يعج الجدار بآليات التحكم والمراقبة: متى يفتح الباب، ومن يحق له العبور، ولأي فترة زمنية تعانق الأم طفلها، فضلًا عن الكاميرات والمجسات الإلكترونية والزنانات.

لم تتوقف عنصرية إدارة كلينتون وانعدام أخلاقها عند هذا الحد، ففي عام 1996 وقع كلينتون قانون «إصلاح الهجرة غير الشرعية ومساءلة المهاجرين» (والذي أقره الكونغرس بدعم جمهوري-ديمقراطي مشترك). خصص هذا القانون مبالغ إضافية لتعزيز وبناء الجدران الحدودية كما وسع من صلاحيات التهجير التي تمتلكها السلطات الأمريكية. لم يكن هذا كافيًا بالنسبة للجمهوريين ولبوش الابن، الذي سيوقع بعدها بعقد «قانون السياج الآمن». وبموجب هذا القانون، الذي مر أيضًا بدعم جمهوري-ديمقراطي مشترك، امتد السياج ليغطي 700 ميلٍ (أي حوالي 1126 كم) من الحدود. أصبح من الطبيعي أن ترى عائلة بأطفالها تقف أمام الجدار بانتظار فتح البوابات، أو أن ترى أمًا تحاول عبر الأسيجة أو الأسلاك الشائكة أو ألواح الحديد والأسمنت أن تلمس طفلها، أو أخًا يحاول أن يجد عبر فراغات الجدار أخاه، أو عمة تحاول أن تدفع إصبعها عبر السياج لتتلمس إبهام ابن أخيها الرضيع الذي ولد على الجانب الآخر من الحدود، وكلها تفاصيل حقيقية ترويها ألواح وأسلاك الجدار المختلفة، وترويها بالأخص «حديقة الصداقة» الواقعة على جانبي الجدار ما بين سان دييغو الأمريكية وتيوانا المكسيكية.

عام 1971، وأثناء إدارة ريتشارد نيكسون، زارت زوجته پات الحدود وساءتها الأسلاك الشائكة، فطالبت بفتح فجوة في الحدود تصبح مكانًا لالتقاء الشعبين، وبالفعل بنيت «حديقة الصداقة» في هذا المكان وأصبحت المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأهل بأهلهم من على جانبي الحدود. ولكن إدارة بيل كلينتون بنت سياجًا داخل الحديقة عام 1994 بموجب سياسة «حارس البوابة» وأصبح الناس لا يلتقون في الحديقة إلا من خلال الأسيجة. ثم أغلقت الحديقة تمامًا من الطرف الأمريكي عام 2009 (في حين أصبحت من الطرف المكسيكي مكانًا للقاءات فنية وثقافية وتضامنية ولزراعة الأشجار ورسم الجداريات وتلاوة الصلوات). أنشأت السلطات الأمريكية سلكًا شائكًا مزودًا بأجهزة المراقبة ومجسات الحركة بموازاة السياج الأول، ثم أعادت فتح الحديقة في العام 2012 ليومين فقط في الأسبوع لمدة أربع ساعات. ويشير الموقع الرسمي للطرف الأمريكي من الحديقة إلى سلسلة من القواعد الصارمة التي تمنع تبادل أي شيء، ولا حتى الرسائل وقصاصات الورق، ما بين طرفي السياج.

وفي 2013، قررت السلطات الأمريكية أن تسمح، بمناسبة «يوم الطفل» المكسيكي، لعدد محدود من المكسيكيين المقيمين في الولايات المتحدة بمعانقة أهليهم في المكسيك لمرة واحدة فقط عند البوابة الحدودية الواقعة في السياج داخل حديقة الصداقة. استفاد من هذه «الفرصة» بشكل خاص أبناء الأمهات المكسيكيات الذين هُجّرت أمهاتهم إلى المكسيك، إذ لا يستطيع هؤلاء الأبناء مغادرة الولايات المتحدة بموجب الإقامات المؤقتة التي «منحتهم» إياها إدارة باراك أوباما. اصطف عدد محدود من الأمهات اللاتي تحرت السلطات الأمريكية عنهن وسمحت لهن أخيرًا بمعانقة أطفالهن، واصطف أطفالهن على الجانب الآخر، وفتحت البوابة لتعانق كل أم طفلها لمدة لا تتعدى ثلاث دقائق تفرق قوى الأمن بعدها بينهم، مع تحذير الأطفال والأمهات بأن الأطفال لو خرجوا عن حدود الانضباط فستغلق البوابات وتلغى الزيارة وأنه سيكون من واجب الأمهات زجر أطفالهن إذا ركضوا ليعانقونهن قبل أن تأذن قوات الأمن.

عقلية الجدار

نرى في الجدران الأمريكية وفي نظيرها الإسرائيلي عوارض عقلية استعمارية تريد أن تحكم العالم وتختبئ منه وراء جدر. فجنبًا إلى جنب مع آليات الفصل والعزل، يعج الجدار بآليات التحكم والمراقبة: متى يفتح الباب، ومن يحق له العبور، ولأي فترة زمنية تعانق الأم طفلها، فضلًا عن الكاميرات والمجسات الإلكترونية والزنانات.

لا أتفق مع السياسيين والمعلقين (ومنهم ترامب نفسه) الذين يرون في الجدار نكوصًا إلى القرون الوسطى؛[10] فبالإضافة لما في هذه المقولة من مغالطة، كأننا نعارض الجدار لقروسطيته ولو كان حداثيًا لأيدناه، فإن الجدارين في أمريكا وفلسطين هما جزء من البنية التحتية لنظام رقابة متطور، يضم والحواجز والبوابات ومعسكرات الاعتقال وآليات الملاحقة إلى جانب الجدار، تديره وتعمل على تطويره في الحالتين شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية وتشاركها فيه شركات مثل هيوليت باكارد وموتورولا سولوشينز (في الحالتين الأمريكية والإسرائيلية) ومايكروسوفت  وأمازون (في الحالة الأمريكية، بالذات فيما يتعلق بمعسكرات اعتقال «المهاجرين غير الشرعيين»). ربما كان الجدار قروسطيًا فقط في حالة الهولنديين الذين لم يلحقوا بركب الاستعمار الحديث ولم تكن تقنياتهم الحربية كافية لمواجهة الإنجليز أو «الهنود الحمر».

إلا إن الجدران في مانهاتا وعلى حدود المكسيك وفي فلسطين المحتلة، مثلت انكفاءً لمشروع التوسع الاستيطاني. فأمستردام الجديدة التي حاولت أن تدعي ملكية جزيرة مانهاتن كلها وحاولت ذات يوم أن تفرض على سكانها الأصليين أن يعيشوا تحت وصاية الهولنديين أو يرحلوا، وجدت نفسها مضطرة لعزل نفسها عن سائر الجزيرة والاختباء من سكانها الأصليين ومن غيرهم من الغزاة، قبل أن تفكك مستوطنتها وترحل. وأمريكا التي رأت في توسعها في بقية القارة «قدرًا محققًا» اضطرت أمام مقاومة السكان الأصليين أن تسيج حدودها – تمامًا كما اضطرت «إسرائيل» التوسعية التي كانت ترى أن حدودها تقف حيث يقف آخر جندي صهيوني، إلى أن تعزل نفسها عن الأراضي التي تدعي أنها جزء من «يهودا والسامرة»التوراتية وتحتمي من هجمات المقاومة وراء الجدر في مستوطناتها المحصنة.

  • الهوامش

    [1] William Macleod, The American Indian Frontier, (New York: 1928).

    [2] المرجع السابق.

    [3] Margo Tamez, «Place and Perspective in the Shadow of the Wall: Recovering Nde Knowledge and Self-Determination in Texas,» Aztalan: A Journal of Chicano Studies, vol.38, no.1, Spring 2013.

    ونضيف هنا أن الماشية كانت جزءًا من ترسانة التوسع الاستيطاني الأمريكي ومن آليات سياساته العسكرية الوحشية ضد الشعوب الأصلية حتى أصبح راعي البقر على حصانه هو رمز المجزرة.

    [4] يمكن الاطلاع على فصول من مقاومة شعب الندي في كتب مثل: Joseph Jastrzembki, The Apache War: The Final Resistance و Paul Hutton, The Apache Wars أو في أفلام وثائقية مثل «Geronimo and the Apache Resistance» و«We Shall Remain: Part IV- Geronimo».

    [5] Margo Tamez, «Place and Perspective in the Shadow of the Wall.»

    [6] المرجع السابق.

    [7] ينظر كتاب: Rachel John, Line in the Sand: A History of the Western US- Mexico Border.

    [8] المرجع السابق.

    [9] المرجع السابق.

    [10] والمفارقة هي أنني أتفق مع نقد الواشنطن بوست لوصف الجدار بالقروسطية.