بالصور: قصص عائلات أربعة شهداء من فلسطين

بالصور: قصص عائلات أربعة شهداء من فلسطين

الخميس 03 كانون الأول 2015

تقرير وصور آن باك، ترجمة تقوى مساعدة

(شاركت ألاء قنديل في كتابة النص)

معتز كان يحلم بحياة دون الاحتلال الإسرائيلي. حصل على لمحة لما يمكن أن تكون عليه عندما زار عمّه في فرنسا. أحب الوضع هناك كثيرًا، لكنه عاد إلى فلسطين. قتل معتز برصاص جندي إسرائيلي أثناء مشاركته في مظاهرة في بيت لحم.

سعد، ١٩ عامًا، كان لديه أحلام أيضًا، أبسط بكثير: كان يحلم بإنهاء دراسته والحصول على وظيفة والزواج وتأسيس عائلة. أطلق عليه جنود إسرائيليون النار عدّة مرات على أحد الحواجز. وصلت سيّارة إسعاف إسرائيلية إلى الموقع لكنّها لم تقدّم أي مساعدة لمدة عشرين دقيقة وتُرك سعد لينزف حتى الموت.

قبل ذلك بيوم، وعلى بعد ١٥٠ مترًا من المكان الذي قتل فيه سعد، احتسى شرطي إسرائيلي قهوته وهو يتفرّج على دانيا، ذات السبعة عشر عامًا، وهي تفارق الحياة. بعد أيّام من مقتلها، عندما زار صحفيون منزل عائلتها، أرتهم والدتها رسومات لزهور وعرائس بحر وخط عربي – مجرّد رسم بسيط لطالبة في الثانوية، وقالت لهم «أريد استعادة جثّتها».

مصطفى كان مهووسًا بالسيارات وتصميمها، وكان لديه خطّة: سيذهب إلى ألمانيا ليدرس الهندسة الميكانيكية ويعمل مع شركة مرسيدس. أطلق جنود إسرائيليون النار على مصطفى لدى باب الأسباط، إحدى بوابات المدينة القديمة في القدس. كان قد فارق الحياة عندما مر جنود آخرون وأطلقوا المزيد من الرصاص على جثته، بحسب شاهد في المنطقة. ومن ثم عرّوا جثته وصوّروه.

دانيا، معتز، سعد، ومصطفى هم أربعة من بين أكثر من تسعين فلسطينياً قتلوا على أيدي قوّات الاحتلال الإسرائيلي فيما وصفته وسائل الإعلام بـ«تجدد موجة العنف». لكن بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، لا يوجد جديد في هذا العنف. فالاعتداءات والضرب والقتل والاعتقالات وهدم البيوت وتدمير الممتلكات الذي يتعرض له الفلسطينيون على أيدي الجيش الإسرائيلي والشرطة والمستوطنين بات جزءًا من حياتهم اليومية على مدى عقود. وكما كتبت الصحفية الفلسطينية مريم البرغوثي، فإن الهجمات الأخيرة بالسكاكين والسيارات التي قام بها فلسطينيون فقط تجعل واقع الاحتلال أكثر وضوحًا.

منذ بداية تشرين أول/أكتوبر، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ١١٩٥ فلسطينيًا، بينهم ١٧٧ طفلًا. غالبية الفلسطينيين الذين قتلوا هم من المدينتين اللتين وجدتا نفسهما في عين العاصفة: القدس والخليل، وهي ليست مصادفة، فهاتان المدينتان يسكن المستوطنون الإسرائيليون في وسطهما تحت حماية مشددة من الجيش الإسرائيلي.

دانيا ارشيد

02_paq7284
أمل، والدة دانيا، تجلس بجانب زي ابنتها المدرسي. تقول: «أنا خائفة على بقية أولادي، أنهم يومًا ما لن يعودوا إلى المنزل. أريد إبقاءهم في الداخل».

تجلس والدة دانيا، أمل، مع نساء أخريات في غرفة المعيشة، وتحيط بهنّ ملصقات عليها صور دانيا وهديل هشلمون ذات الثماني عشرة عامًا وبيان أحمد عسيلة ذات الستة عشر عامًا، اللتين قُتلتا مؤخراً على يد جنود إسرائيليين في مدينة الخليل.

اتفاق سنة 1997 قسّم مدينة الخليل إلى منطقتين، المنطقة الأكبر هي (هـ 1) ، تقع تحت السيطرة الفلسطينية، ومنطقة هـ 2 التي تشمل قلب البلدة القديمة والمستوطنات الإسرائيلية تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

خلف أحد الحواجز الواقعة ضمن منطقة (هـ 2) تقع المنطقة الأكثر عنفاً في الخليل، وهي منطقة الحرم الإبراهيمي، وهو مكان مقدس للمصلين اليهود أيضاً، يُعرف لديهم باسم كهف البطاركة.

كغيرها من الفلسطينيين جاءت دانيا من منطقة (هـ 1) لتصلي في الحرم الإبراهيمي، وكان عليها أن تمرّ من الحاجز. وكما حصل مع الشبان الآخرين الذين قُتلوا، ادّعى الجنود الإسرائيليون أن دانيا حاولت أن تهاجمهم بسكّين. إلا أن تقريراً لمنظمة العفو الدولي يشكك في هذه الرواية، حيث نقل التقرير عن أحد شهود العيان أن الجندي الإسرائيلي عند حاجز الحرم الإبراهيمي فتّش حقيبتها وصاح بها قائلاً: أين هي سكّينك؟ مما دفع دانيا لرفع ذراعيها، وبحسب هذا الشاهد فقد ظلت دانيا تكرّر: «ليس معي سكّين!»، قبل أن يأخذوها بعيداً عن الأنظار ويُسمع صوت إطلاق نار، وعندما أطلق الجنود النار قرب قدميها تراجعت إلى الخلف وهي تكرر أنها لا تحمل سكّينًا. بعدها أطلقوا عليها 8 أو 10 رصاصات، ثم تُركت دانيا لتنزف، ومُنعتْ سيارة إسعاف فلسطينية من دخول المنطقة.

ترفض عائلة دانيا أن تصدّق أنها كانت تريد أن تهاجم الجنود، حيث قالت أمها «لم تكن تريد أن تفعل أي شيء، كانت تريد فقط أن تصلي وقتلوها»، وبينما كنا نتحدث مع أمها فاض البيت بعشرات الذين جاؤوا لتقديم العزاء لأهل الشهيدة.
وصفتها أمها بأنها «كانت فتاة عادية، كان لديها صديقات وكانت تدرس كثيرًا، وكانت فتاة خدومة». رفضُ السلطات الإسرائيلية الإفراج عن جثة دانيا عمّق فجيعة أمها، وظلّت تكررّ «أريد جثتها».

شوارع الخليل خلَت من المارّة منذ تصاعد التوتر، وصار الفلسطينون الذين يعيشون قرب البلدة القديمة يخشون على أنفسهم ولا يغادرون بيوتهم إلا للضرورة. إلا أن آلاف الأشخاص بدأوا يخرجون في مسيرات احتجاجية منتظمة منذ نهاية شهر تشرين الأول، مطالبين بالإفراج عن جثث من تتهمهم إسرائيل بشن الهجمات أو محاولة شنّها، ومن بينهم دانيا. كان هنالك امرأة في المظاهرة تحمل صورة دانيا، ومعها صورة أخرى لسعد الأطرش، وهو شاب فلسطيني آخر قُتل بعد دانيا بيوم واحد وتقريباً في نفس المكان.

01_paq7278
عشرات النساء يأتين لتقديم العزاء لعائلة دانيا ارشيد، ابنة السبعة عشر عامًا التي أطلق جنود إسرائيليون النار عليها وقتلوها عندما كانت في طريقها إلى المسجد الابراهيمي.
03_paq7291
جارور دانيا يبدو كجارور أي مراهقة في العالم: أدوات تجميل، ربطات شعر، نظارات شمس. دانيا كانت تحب الرسم، خاصة الورود.
133A7294
شقيقة دانيا، سجا، ١٢ عامًا.

سعد الأطرش

10_paq7739
نجاة، والدة سعد، تحمل لوحة بصورة ابنها خلال مظاهرة للمطالبة باستعادة جثث الشهداء التي ترفض السلطات الإسرائيلية تسليمها. حتى وقت نشر هذا التقرير، لم تكن عائلة الأطرش قد استلمت جثة ابنها بعد.

بعد أسبوع، حصلت أمل وأخيرًا على جثة ابنتها، أما نجاة الأطرش والدة سعد ما زال عليها أن تنتظر. شاركت نجاة في مظاهرة لأول مرة في حياتها، وأوضحت «لم أذهب إلى المظاهرة من أجل سعد فقط، بل من أجل العائلات الأخرى. رسالتنا واضحة: أعطونا شهداءنا. لا يمكنني أن أكف عن التفكير في الموضوع، يجب أن ندفنه».

سعد كان الأخ الأصغر بين أحد عشر أخاً، وكان مدللاً بالضرورة. ربما لهذا السبب كان كثير المزاح ولم تكن الابتسامة تفارق وجهه. بعد وفاة والده، رسب سعد في امتحان الثانوية العامة، مع ذلك ظلّ إيجابياً وبدلاً من الالتحاق بالجامعة التحق بتدريب تقني لفنيي الكهرباء.

يقع مركز التدريب المهني الذي التحق به على الجانب الآخر من الخليل، والطريق الأقصر من بيته يمر بالمنطقة H2. كان هنالك طريق آخر أطول إلا أنه أقل خطورة يمرّ حول المنطقة H2. إلا أن كلفة الباص كانت أكثر مما يمكن لعائلة الأطرش أن تتحمله.

في السادس والعشرين من تشرين الأول، كان سعد يمرّ من المنطقة كعادته، وعند الحاجز طلب منه جندي أن يريه هويته، وبحسب أحد الشهود الذين تحدثوا مع منظمة العفو الدولية، عندما مدّ سعد يده إلى جيبه أطلق جندي آخر الرصاص عليه عدة مرات، وبحسب الرواية نفسها فإن الجنود تركوا سعد ينزف حتى الموت طوال أربعين دقيقة، ثم وضعوا سّكيناً قرب جثته.

أخوه رائد أرانا صورة على هاتفه النقّال كان قد أخذها من موقع إسرائيلي، تُظهر سعد على الأرض ولم يكن هنالك سكين إلى جواره، وأضاف «قالوا لي أن سعد هاجم الجنود، قلت لهم: حسناً، إن كان الأمر كذلك دعوني أرى تسجيل الفيديو. أنا أعرف هذه المنطقة، لقد مررت من هناك كثيراً ولاحظت كل تلك الكاميرات، أين التسجيلات التي تثبت أن الهجوم قد حصل؟ ولم يكن لديهم رد على أسئلتي».

سعد كان يريد أن يتخرج وأن يجد عملًا، وأن يبني بيتًا صغيراً على أراضي أهله وأن يكوّن أسرة، حتى أنه طلب من أمه نجاة أن تبحث له عن عروس. وأضاف رائد الذي بات بعد مرور السنين بمثابة أب لسعد «هذه الخطط طبيعية في كل العالم، أما هنا فهي أحلام. أبسط الأشياء، كأن يتزوّج المرء وأن يكون له بيت ووظيفة عادية، كلها تبدو أموراً صعبة التحقُّق».

08_paq8193
قمصان سعد الأطرش في منزله في الخليل.
09_paq8200
صورة سعد على هاتف شقيقه. قتل سعد برصاص جنود إسرائيليين يوم ٢٦ تشرين أول في منطقة (H2) في الخليل. قال الجيش الإسرائيلي أن سعد هاجم جنديًا، لكن منظمة العفو الدولية ترفض هذه الرواية.

معتز الزواهرة

07_paq7681
ابراهيم، والد معتز، يقف أمام منزلهم بجانب لوحة لمعتز وقصيدة مهداة له. «نعلم أن الحجر لن يعيد بلدنا ولكن هذه طريقتنا في رفض الاحتلال»، يقول ابراهيم.

معتز ابن الثامنة والعشرين كان يريد أن يتزوج أيضًا، لذلك كان يعمل على التكسي الذي يملكه والده ليكسب القليل من المال ليجدّد شقة صغيرة كان ينوي أن يكوّن فيها أسرةً.

كان معتز يعمل في فندق «قصر جاسر» في بيت لحم القريب من مسجد بلال بن رباح، في الموقع الذي يعرف عند اليهود بـ«قبر راحيل»، وكانت عائلته تغطي احتياجاتها الأساسية براتبه. وأثناء خدمته للطاولات في الفندق، عادةً ما كان يسمع انفجار القنابل الصوتية وضجيج إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، وقد يكون شمّ رائحة الغاز، ولا بدّ أنه سعل وسالت دموعه بسببه، فالغاز الذي يطلقه الجنود الإسرائيليون بسخاء يجد طريقه عبر شقوق الأبواب وعبر مصاريع النوافذ ليدخل إلى البيوت المجاورة.

فندق بيت جاسر هو أحد أفخم الأماكن في مدينة بيت لحم – تحول إلى فندق الانتركونتنتال – يقع في منطقة حساسة، قريباً من مخيمين من مخيمات اللاجئين، وقريباً من جدار العزل الإسرائيلي الإسمنتي الذي يرتفع لاثني عشر متراً.

خلف ألواح الإسمنت يختفي الموقع المقدّس للديانات التوحيدية الثلاثة، إلا أنه محجوز الآن للمصلين اليهود فقط، ويحرسهم جنود في برجٍ ملاصق، وعلى مرّ السنين أصبح الموقع مكاناً تقليدياً للمواجهات بين الجيش الإسرائيلي والمتظاهرين الفلسطينيين.

لم تكن هذه المواجهات غريبةً على معتز، فهو ابن مخيم الدهيشة الذي يقع جنوب مدينة بيت لحم، والمخيم يفتخر بتاريخه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. جدران البيون مغطاة بملصقات لشهداء الانتفاضة الثانية، وعائلة معتزّ تنتمي إلى هذا التاريخ المُقاوِم.

والد معتز ابراهيم الزواهرة (64 عاماً) أصيب واعتقل عدة مرات من قِبل القوات الإسرائيلية لمشاركته في المقاومة ولانضمامه إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أما زوجته نجية فقد شاركت في المظاهرات وأُخِذت للتحقيق في الانتفاضة الأولى.

اثنان من أبنائهما أُصيبا في مواجهات، أما ابنهم غسان فهو أسيرٌ دخل إضرابًا عن الطعام لمدة 41 يومًا احتجاجًا على الاعتقال الإداري، وهي ممارسة تنتهجها إسرائيل، تعتقل بها الأشخاص دون توجيه أي تهمٍ إليه وبدون محامٍ، لفترات يمكن تمديدها إلى ما لا نهاية. ويوضح إبراهيم أن «كل الرجال قد اعتُقلوا ما عدا معتز. حتى أخته اعتُقلت».

كان معتز يحلم بأن يعيش حياةً بدون الاحتلال، فقد ذاق طعم هذه الحياة، عندما رافق عمه ناجي الذي يسافر عادةً إلى فرنسا لأنه يعمل كمنسّق للتعاون بين منظمة في مخيم الدهيشة ومجموعات تضامنية في فرنسا.

لقد أحبّ الحياة هناك. فهو لم يتمكن يوماً من الوصول إلى البحر المتوسط الذي يبُعد ساعًة واحدة فقط عن مخيم الدهيشة. للوصول إلى البحر يحتاج معتز والفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية إلى تصريح خاص تُصدره حكومة إسرائيل العسكرية التي تسيطر على الأراضي المحتلة، والحصول على هذا التصريح ليس سهلًا، خاصة للشبّان.

أما في فرنسا كان بإمكانه أن يصل البحر دون أي مانع، وصار عنده أصدقاء هناك، ورغم أنه رغب في البقاء إلا أنه لم يحتمل فكرة ترك عائلته، فأخوه الأسير غسان كان قد بدأ لتوه الإضراب عن الطعام، وكلما تدهورت صحته أكثر كانت العائلة تهيّء نفسها للأسوأ.

عاد معتز خشية أن تفوته جنازة أخيه، ولم يخطر بباله أن العكس هو الذي سيحصل، حيث سيُطلق سراح غسان في الثلاثين من تشرين الثاني.

يستذكر والد معتز أنه عمل لوقت طويل، وأخيراً حصل على عطلةٍ يوم الثلاثاء الثالث عشر من تشرين الأول، الذي أعلنته الفصائل الفلسطينية «يوم غضب»، وبدلاً من أن يسمع أصوات الاشتباكات التي تحدث بالقرب من عمله، تمكن معتز من أن ينضم للشبان الذي أتوا من مخيمات الدهيشة ومخيمي عزة وعايدة ليتظاهروا ضد موجة القمع الأخيرة التي يتعرض لها الفلسطينيون.

يومها خرج المئات من الناس من بيت لحم باتجاه منطقة المواجهات المعتادة، وكان معتز في المقدّمة، وكان من أوائل من حاولوا أن يصيبوا الجنود بحجارتهم، وبعد ساعات أصابه الجنود الإسرائيليون في صدره بالذخيرة الحية.

ونقلت وكالة معاً أنه عندما أحاط به أصدقاؤه وحملوه إلى سيارة الإسعاف كان يغني «يا ام الشهيد وزغردي، كل الشباب ولادكي».

جدار غرفة الجلوس في بيت عائلة الزواهرة كان مغطىً بصور تحتفي بالأسير غسان، وبعمّهم الذي استشهد في الانتفاضة الثانية سنة 2002، والآن التحق بهم معتز.

جمعتْ جنازة معتز آلاف المشيعين من مخيم الدهيشة ومن مناطق أخرى كثيرة. عمه ناجي قال «دم معتز وحّدنا، وهنالك آلافٌ كمعتز في الشوارع»، ناجي عاد إلى فرنسا، وأخذ معه ملفاً عن قتل معتز مع مطالبة بالعدالة.

ورغم كل ما تحملته عائلته، إلا أن إبراهيم ما يزال مصرّاً على دعم المقاومة، ويضيف «طالما أن الاحتلال موجود، فلا يمكنني أن أقول لأي أحد ألا يقاوم، ولا حتى لأولادي، ولولا أنني مريض لذهبت إلى المظاهرات بنفسي».

04_paq5788
يافطة لنعي معتز زواهرة توضع فوق قبره، في يوم جنازته، ١٤ تشرين أول.
05_paq6311
شاب فلسطيني مشارك في مظاهرة بعد تشييع جثمان معتز، يرتدي تي شيرت عليها صورة التقطت لمعتز قبل يوم واحد فقط. شارك آلاف الفلسطينيون في الجنازة، من جميع أنحاء الضفة الغربية، وتبعها اشتباكات عنيفة عند الموقع الذي قتل فيه.
06_paq7684
صور لمعتز تغطي جدران منزل العائلة. في بيت الزواهرة، التلفاز دائمًا مفتوح على الأخبار. منذ بداية تشرين أول، قتل أكثر من ٩٠ فلسطينيًا.

مصطفى الخطيب

11_paq9877
صورة لمصطفى الخطيب مع والده عادل. قتل مصطفى يوم ١٢ تشرين أول من قبل الجيش الإسرائيلي عند باب الأسباط، بالقرب من مدخل المسجد الأقصى.

كان مصطفى ومجموعة من أصدقائه يذهبون كل جمعة إلى الأقصى ليصلوا الفجر، وأحياناً كان والده عادل يوصلهم إلى هناك بالسيارة ويصلي مع الأولاد. وكانوا يذهبون إلى الأقصى ليدرسوا ثم يذهبون للعب كرة القدم ولأكل كعك القدس في المدينة القديمة.

السلطات الإسرائيلية أبقت المسجد مغلقاً في وجه الشبّان لأسابيع قبل مقتل معتز، وفي اليوم الذي قُتل فيه كانت قد أعلنت أن المسجد سيُفتح من جديد أمام الناس من كل الأعمار ابتداءً من الصباح.

كالعادة، أوصل مصطفى إخوته الصغار إلى مدارسهم، وقال لأخته منيا «لا تقلقي، سأراك لاحقًا». كان ما يزال أمامه متسع من الوقت قبل أن تبدأ حصصه، حيث كانت الساعة قد تجاوزت السابعة ببضع دقائق، ولعله كان يريد الدخول ليصلي.

كان عادل في اجتماع عملٍ عندما رنّ هاتفه. تجاهل المكالمة، ولكنه بدأ يقلق عندما جاءته مكالمة أخرى، فخرج من الاجتماع ليردّ. كان مدير مدرسة مصطفى على الخط، وأبلغ خالد بأن ابنه لم يأت إلى الدوام اليوم رغم أن سيارته موجودة في مصفّ سيارات المدرسة.

«أرسلت رسالةً لمصطفى على الواتساب، وسألته أين هو، وعندما لم يأتني أي رد منه ساورني القلق»، يقول عادل مستذكراً. «غادرت الاجتماع وذهبت إلى مدرسته. كانوا قد أذاعوا في الأخبار أن شاباً قد قُتل بالرصاص عند باب الأسباط. وعندما رآني زملاؤه بدأوا يقدمون لي التعازي، كانوا يعرفون أنه هو الشاب الذي قُتل عند باب الأسباط، ولكنني لم أصدّق. اتصلت بميسا وقلت لها ألا تقلق، فلا بد أن هذا ليس ابننا، اتصلت بالشرطة، فقط لأتأكد».

بعد استشهاد مصطفى بثلاثة أسابيع، استجمع والداه قوتهما ليذهبا إلى المكان الذي قُتل فيه. تحدثا مع أبو محمود وهو صاحب محل عند باب الأسباط. في صباح يوم الأحد الذي استشهد فيه مصطفى، كان أبو محمود جالسًا أمام محله يشرب القهوة، وفجأة رأى ثلاثة جنود يركضون باتجاه شاب طويلٍ يمشي ويداه في جيوبه.
يقول والده أن مصطفى كان دائماً يمشي ويداه في جيوبه، وتقول أمه «هذا صار الآن ممنوعًا».

وبحسب أبو محمود فإن مصطفى قد حاول أن يبتعد عن طريق الجنود الراكضين. لم يكن مُدرِكاً أنهم كانوا آتين نحوه، وعندما وصلوه حاول أحد الجنود أن يمسك بمصطفى، فدفعه مصطفى بعيداً كردة فعل طبيعية. ثم أطلق جنديٌ آخر النار على جسده، عشر مرات. فسقط على وجهه. أضاف والداه «كانت هذه هي أول صورة رأيناها لابننا الميت».

وعندما سألنا ميساء عمّا تريد أن يعرفه الناس في الخارج عن ابنها المتوفي، قالت أنه كان جميلاً، وصاحب ابتسامة حزينة، توقفت قليلاً ثم أضافت أنه كان رقيقاً. صمتت لبضع ثوانٍ لتفكر، ثم عادت تقول لي أنهما كانا يغيظان بعضهما كثيراً بطريقة حنونة وطيبة. لقد كان مصطفى وميساء قريبين من بعضهما ولم يكونا مجرد أم وابن، بل كانا صديقين عزيزين.
عادل يتأخر عادة في العمل، وعندما كان يعود إلى البيت كان يجد مصطفى جالساً مع ميساء ليؤنسها.
كان مصطفى، في السابعة عشر من عمره، أكبر الإخوة الثلاثة، أحمد بلغ الحادية عشرة مؤخراً، أما منيا فهي في التاسعة من عمرها. قال والداها أنها خائفة ولكنها كانت ترفض الحديث عن الموضوع، إلا أنها كتبت مؤخراً عمّا يثير ذعرها: إنها تخشى أن يجتاح الجنود غرفتهم، وترى كابوساً متكرراً تتعرّض فيه العائلة كاملةً للاعتقال.

تشتكي العائلة من أنهم وسط الاهتمام الإعلامي وزيارات المعزّين من الأهل والصدقاء، لم يجدوا وقتاً ليستشعروا إحساسهم بالحزن.

يقول عادل «كنا نرى العائلات التي مرّت بوضع مشابه لوضعنا على التلفزيون، وكنا نشعر بالحزن وبالتعاطف، أما عندما حدثت المأساة لنا فقد وجدنا أن الوضع مختلف، الأمر أكثر تعقيداً، ليس لدينا وقت لنحزن، ولنستوعب خسارتنا».

مع ذلك، يوافقون على الحديث عمّا جرى، لأنهم يريدون أن يعرف العالم ما الذي يحصل لعائلة فلسطينية عندما يُقتل ابنهم، خاصةً عائلة من القدس.
كانت عائلة الخطيب تسكن في جبل المكبر، حيث كانوا يستأجرون شقة، واضطروا بعد مقتل مصطفى إلى ترك البيت، لأن الجيش الإسرائيلي والشرطة هاجموا البيت، وقلبوه رأساً على عقب، مبررين هجومهم بأنهم يبحثون عن المزيد من الأدلة، أو بأنهم يتخذون احتياطات استعداداً لهدم البيت.
وشرح عادل أنهم «يأتون بقوى كبيرة تتكون من حوالي 30 أو 40 شخصاً، محاولين إخافة الشبان واستفزازهم». ولحماية البيت من الهدم اضطرت العائلة للرحيل، ويضيف عادل «ما زالوا يضايقون صاحب البيت، رغم أنه من الواضح أننا ما عدنا نسكن هناك». انتقلت عائلة الخطيب للسكن في فندق لمدة أسبوعين، وقالوا أن الجميع يخشى أن يؤجّرهم بيته. أما مكان سكنهم الآن فيبقونه سرًا حتى لا يتسببوا بالمشاكل لصاحب البيت. ويخشون أن تخسر ميساء الحق في السكن في القدس لأنها من حملة هوية الضفة الغربية.

أمّا عائلات الأطفال المتهمين من قبل السلطات الإسرائيلية بارتكاب هجمات فإنهم يتعرضون للمضايقات، حيث يُعاد فتح ملفات ضريبية قديمة، وتتهدد إقامتهم في القدس، ومنهم من طُردوا من أعمالهم، حيث روى عادل قصة عمه «طُرد من عمله لأنه أخذ يبكي عندما سمع خبرَ مقتل مصطفى. تخيل! بعد 21 عاماً من العمل، طردوه في الحال».

بعد أن قُتل ابنهم، شعرت العائلة بالضياع، فإلى أين يذهب المرء بعد أن يمرّ بمثل هذه المأساة؟ ما هي المنظمات التي تساعد في حالة التهديد بهدم بيت العائلة؟ كيف تجدُ محامياً؟ ومن يمكن أن يمد يد العون بخصوص حالة الأطفال النفسية؟ تبيّن سريعاً أن هنالك عائلات أخرى كثيرة تعاني مثل ما يعانون، منها أربع عائلات من جيرانهم السابقين في جبل المكبر، وهم بالمجموع إحدى عشرة عائلة من القدس. كانوا يبحثون عن طريقةً لاسترداد جثث أحبائهم من السلطات الإسرائيلية وكوّنوا مجموعة دعم غير رسمية.
يقول عادل «حتى الآن لم يطلقوا سراح 32 جثة، 10 جثث منها من القدس». اجتمعت العائلات الأسبوع الماضي عند باب الأسباط لإحياء ذكرى من قُتِلوا، وأحضروا معهم صور أبنائهم ويافطة كتبوا عليها: «الشهداء وحّدوا فلسطين بدمائهم»، وبغض النظر عن الاختلافات السياسية والطبقية، فقد وقف أهالي الشهداء معاً بعد أن وحّدهم ألمهم.

12_paq9880
والدا مصطفى، عادل وميساء، يقولان أنهما انتقلا وأبناؤهما للعيش في موقع سري خوفًا من مضايقات الجيش الإسرائيلي.
13_paq9909
مقعد مصطفى الخالي في صفّه. «كانت صدمة للجميع»، يقول عبدالسلام، مدير المدرسة الابراهيمية في القدس حيث كان مصطفى يدرس. «كان مصطفى لطيفًا وذكيًا ومبتسمًا دائمًا. كان لديه أصدقاء كثيرون. أغلقنا المدرسة سبعة أيام حدادًا عليه. التقينا مع طلاب صفه وتحدثنا معهم عن الذي حدث. زرع أصدقاؤه شجرة زيتون في ساحة المدرسة تخليدًا لذكراه».
133A9919
الطريق إلى باب الأسباط عبر المقبرة. هذا هو الطريق الذي سلكه مصطفى قبل أن يقتل.