في «دولة القانون والحريات»: معتقلون سياسيون بعد هبة حزيران

من اليمين لليسار: (أعلى) النشطاء صبري المشاعلة، سعد العلاوين، أحمد النعيمات، (أسفل) إسماعيل الوحواح، خالد الفاخري، كميل الزعبي.

في «دولة القانون والحريات»: معتقلون سياسيون بعد هبة حزيران

الأحد 09 كانون الأول 2018

في التاسع من تموز/ يوليو الماضي، وقف رئيس الوزراء عمر الرزاز أمام مجلس النواب وألقى بيانه الوزاري لطلب الثقة من المجلس، وقال إن الحكومة تنطلق في عملها من الالتزام بأحكام الدستور، ومبادئ الدولة الأردنية التي تشمل «العدالة والحرية والمساواة والوحدة الوطنية»، ويوجهها في هذا المسار منظومة قيم منها «التعددية والوسطية والتسامح واحترام الرأي والرأي الآخر». تحدّث الرزاز حينها عن «دولة القانون التي تُحترم فيها الحريات» مقتبسًا من كتاب التكليف الذي وجهه الملك عبدالله الأول إلى رئيس الحكومة عام 1946: «لا شك في أن الناس قد ولدوا أحرارًا، وليس لأحد أن ينتقص من حريتهم، أو يتجاوز على حقوقهم»، ثم أشار إلى احتجاجات هبّة حزيران/ يونيو الماضي معتبرًا إياها «ممارسة راشدة للحرية والمواطنة الفاعلة».

بعد أشهر من بيانها الوزاري، نشرت الحكومة في الـ20 من تشرين الثاني/ نوفمبر برنامج «مشروع النهضة الوطني» الذي تضمن أولويات عملها للعامين المقبلين 2019-2020، وجاءت «تنمية الحياة السياسية وصون الحريات العامة» على رأس أولوياتها «لتكريس مبدأ دولة القانون».

في ظل ذلك، كان عدد من الناشطين السياسيين يقبعون في السجون.

من بين هؤلاء، ستة نشطاء شاركوا بعد هبة حزيران الماضي في احتجاجات سلمية أو نشروا على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات سياسية، فاعتقلتهم الأجهزة الأمنية على إثرها، ثم وُجهت لهم تهم إطالة اللسان والتحريض على تقويض نظام الحكم، إضافة إلى تهم أخرى وجهت إلى بعضهم استنادًا إلى قانون منع الإرهاب. يرصد هذا التقرير أحوال هؤلاء الستة وتفاصيل القضايا بحقهم.

سعد العلاوين وصبري المشاعلة

في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نشرت مجموعة من النشطاء السياسيين، منهم متقاعدون عسكريون ونوّاب سابقون وغيرهم، أطلقت على نفسها اسم «لجنة المتابعة الوطنية» بيانًا عبّرت فيه عن رفض «الملكية المطلقة»، وطالبت بإصلاحات سياسية من خلال تفعيل «مبادئ دستورية ديمقراطية» كانتخاب مجلس الأمة بشقّيه، والتأسيس لحكومات برلمانية، وغيرها من المطالب. ودعت في ختام البيان لوقفة احتجاجية مقابل مستشفى الأردن يوم السبت، العشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وقّع سعد العلاوين على البيان، وساهم في جمع التواقيع على صفحته في الفيسبوك، ثم شارك في الوقفة يوم السبت. بعد يومين من الوقفة، اعتُقل في الطريق ما بين بلدة عيرا والغور، بالقرب من قناة الملك عبدالله، في 22 تشرين الأول/ أكتوبر.

بحسب بشار وبشير العلاوين، ابن سعد وأخيه، كان سبب اعتقال سعد توقيعه على بيان لجنة المتابعة الوطنية، وجمعه لمئات التواقيع أيضًا. يضيف بشار أن اعتقال سعد جاء بعد مشاركته في المظاهرة التي دعت لها لجنة المتابعة بيومين، حيث أوقفت قوة أمنية سيارة والده بالقرب من قناة الملك عبد الله (قناة الغور الشرقية)، بحسب ما أخبره أحد أصدقائه الذي يعمل بأحد الأجهزة الأمنية. عرفتْ عائلة سعد عن اختفائه لدى اتصال أحد الأشخاص من مكتبه ليطمئن عن سبب تغيّبه، لكنهم لم يعرفوا مكانه حتى اقتربت الساعة من الـ12 ظهرًا، عندما اتصل شخص من دائرة المخابرات الرئيسية في منطقة الجندويل مع بشير، وطلب أن ترسل العائلة نظارة سعد الطبيّة.

وُلد سعد العلاوين في بلدة عيرا قرب السلط عام 1960، درس الهندسة الميكانيكية في روسيا وأثناء دراسته فيها انضم إلى الحزب الشيوعي الأردني، وظل من وقتها ناشطًا سياسيًا. عمل سعد في مؤسسة التدريب المهني في الأغوار الوسطى. وبعد فترة تسلّم إدارة مركز التدريب.

يقول بشير العلاوين، شقيق سعد، إن نشاط أخيه السياسي بدأ في الأردن مع «انتفاضة الخبز» عام 1996، ويقول بشار العلاوين، ابن سعد، أن نشاط والده السياسي ازداد مع اعتقاله الأول آنذاك، إذ سجن حينها ما يزيد عن 20 يومًا، لتوزيعه منشورات عن رفع حكومة عبد الكريم الكباريتي لأسعار الخبز. وبعد خروجه من السجن تركز نشاطه السياسي في القطاع الزراعي فنظّم مظاهرات في الغور تخصّ القطاع الزراعي، عند حدوث مشاكل من قبيل إغلاق الحدود أو غلاء سعر المياه. وامتدّ نشاطه للمشاركة بمظاهرات 2011 وهبة تشرين 2013، بحسب بشّار، واستُدعي في تلك الفترات أكثر من مرة للتحقيق من قِبل المخابرات، دون حجزه لمدة تزيد عن 48 ساعة.

الاعتقال الثاني لسعد كان نهاية 2017، عند إعلان ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واندلاع احتجاجات واسعة في الأردن، حيث قال لأحد أفراد الأمن، بحسب بشير، أنه رئيس الجمهورية الأردنية ساخرًا. اعتُقل من بعدها ووُجهتْ له تهمة التحريض على تقويض نظام الحكم، إلا أنه خرج بكفالة، بحسب أخيه.

ويشير بشير إلى أن التهمة الموجهة لأخيه هي نفس التهمة التي لم تسقط عنه منذ اعتقاله نهاية 2017: التحريض على تقويض نظام الحكم. «بعد الإفراج عنه بشهر 12 قابلت مدير مخابرات السلط وحكالي إنه الدائرة تحترمكم، بس سعد كتابه مكتوب فيه [تهمة] تقويض نظام حكم. قلتله يا ابن الحلال قائد فرقة مدرعات هو؟ حَوّْلُوه على المحكمة وخلينا نخلص. شو تقويض نظام، قايد سلاح جو ما تتوجهله هالتهمة هاي».

بعد اعتقاله الحالي، لم يستطع أحد من أفراد عائلته مقابلته طيلة فترة احتجازه في سجن المخابرات. نُقل العلاوين إلى سجن ماركا بعد أن لوّح بالإضراب عن الطعام في سجن المخابرات بحسب ابنه. ومن ثم أعلن إضرابه عن الطعام يوم الإثنين 19 تشرين الثاني مطالبًا الإفراج عنه، ومحمّلًا «كافة المسؤولية إلى الملك والأمن ومدير المخابرات»، وفقًا لما جاء في رسالة نقلها عنه ابنه بشّار، إلا أنه اضطّر لتعليق إضرابه لأسباب صحيّة وأُخرج من الزنزانة الانفرادية، لكنه أُعيد إليها بعدها بأيام دون إبداء أسباب.

خرجت عدة مظاهرات في منطقة عيرا وفي ساحة العين في السلط لتطالب بالإفراج عن سعد، بالإضافة لنشر العديد من التكتلات السياسية والعشائرية والنقابية لبيانات تندد باعتقاله.

بعد هذه الاحتجاجات، قابل المحامي علي البريزات، المدعي العام، وتولّد لديه إحساس بقرب الإفراج عند سعد. إلّا أن سعد العلاوين ما زال في السجن إلى الآن.

في الوقفة ذاتها التي اعتُقل بعدها سعد العلاوين، كان صبري المشاعلة، الناشط السياسي في حراك ذيبان، يعتلي الأكتاف ويقود هتاف الوقفة في ساحة مستشفى الأردن. واعتُقل، مثل سعد أيضًا، بعد يومين من الوقفة، أمام طلابه في المدرسة الخاصة التي يعمل فيها، «غمّوا على عيوني بشي أسود، اعتقلوني وضلوا رايحين»، يقول صبري عندما تحدّثنا إليه بعد الإفراج عنه. وأكّد على أن أكثر ما أزعجه في الاعتقال هو أنه كان أمام طلابه.

وُجّهت لصبري تهمتا إطالة اللسان والتحريض على تقويض نظام الحكم بحسب محاميه علي بريزات، الذي التقى المشاعلة لأول مرة في مكتب مدعي عام أمن الدولة في دائرة المخابرات، يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بعد حوالي أسبوع من توقيفه سجن المخابرات الانفرادي. حيث تفقّد أحواله، وأحوال سعد العلاوين، الذي كان متواجدًا أيضًا، وتأكد من خلوّ جسديهما من أي آثار تعذيب. ووصف البريزات اللقاء بأنه إيجابي، وشعر بأن الإفراج عنهما بات قريبًا. إلا أن اعتقال صبري استمرّ 39 يوم قبل أن يُفرج عنه بكفالة يوم 29 تشرين الثاني، واعتقال سعد مستمرّ إلى اليوم دون محاكمة.

صبري، الذي تخرّج عام 2013 من الجامعة الأردنية بتخصص صحة وإرشاد نفسي، يعمل أستاذًا في مدرسة خاصة في عمّان، وكان قد عمل قبلها في مدرسة أخرى، وقبلها في مركز طبّي، بحسب أخيه صلاح المشاعلة.

وبرأي صلاح ومجموعة من أصدقاء صبري المقرّبين، فإن تلك التنقلات بين الوظائف كانت بسبب نشاطه السياسي، مما حدا ببعض مدرائه لأن يفصلوه من عمله. حيث أنهم يعتقدون بوجود ضغوطات سياسية على المدرسة كانت وراء تزامن إنهاء خدمات صبري من المركز مع مشاركته في خيمة المتعطلين عن العمل في ذيبان عام 2016.* ويقول صلاح إن مدير المدرسة الخاصة التي عمل فيها صبري بعد ذلك «أكّدله إنه تمت ترويحتُه عن طريق المخابرات. مدير المدرسة كان عليه ضغط وبعد هيك روَّحه».

بدأ نشاط صبري المشاعلة السياسي قبل الخيمة بكثير، تحديدًا أثناء دراسته في الجامعة، كما يقول زميله فايز بريزات، الذي يوضح أن الأمر بدأ عند تحرّك مجموعة من القوى الطلابية في الجامعة، من مختلف التوجهات السياسية، لتكوين جسم طلابي يهدف لدمج مطالب الحراك السياسية بمطالب الجامعة الخدماتية، تحت عنوان «تجمّع طلبة الجامعة الأردنية للإصلاح». خرج التجمّع في مظاهرات أسبوعية في الجامعة طالبت بالإفراج عن المعتقلين السياسيين فترة 2011 – 2012، وتعديل قانون انتخاب اتحاد الطلبة في الجامعة وغيرها. شعر فايز بتقرّب صبري المشاعلة من التجمّع، وتعرّف عليه أكثر مع الوقت. ويقول فايز إن اللحظة الفارقة في انخراط صبري المشاعلة بالنشاط السياسي كانت اعتصام 24 آذار 2011، والضرب الذي تعرّض له المعتصمون. واستمرّ بعد ذلك نشاطه، بعد أن أجّجته أحداث 24 آذار، على اختلاف الأحداث السياسية والطلّابية التي مرّت بها الأردن، وصار يقود المسيرات. وكان هتافه الأول بحسب فايز: «يا حكّام المسلمين، ضيّعتونا سنين وسنين».

اعتُقل صبري المشاعلة مرتين؛ الثانية كانت بعد وقفة لجنة المتابعة، أما الأولى فكانت على خلفية مشاركته في خيمة المتعطلين عن العمل عام 2016، حيث كان الناطق الإعلامي باسمها وممثلًا عن حراك ذيبان في الخيمة. وقتها أُوقف في سجن الكرك لأربعة أيام أُفرج عنه بعدها بحسب أخيه.

يرى بريزات أن توجيه تهمة مثل التحريض على تقويض نظام الحكم لأشخاص مثل سعد وصبري، لا يمتلكون أسلحة وذخائر، غير منطقية. بالإضافة إلى أن تهمة إطالة اللسان صارت تُنظر في المحاكم المدنية، لكن صبري يَمْثلُ أمام مدعي عام محكمة أمن الدولة لورود تهمة من اختصاصها في لائحة اتهامه.

ويستغرب صبري من اعتبار «توجيه الخطاب المُطالِب بالإصلاح نحو مديري النظام السياسي الفعليين، بعد توسّع الفجوة ما بين الشعب والحكومة ومجلس النواب، من خلال الهتافات أو المنشورات على فيسبوك، على أنها تحريض لتقويض نظام الحكم السياسي. إحنا منطالب بتغيير النهج من النظام السياسي».

قوبل اعتقال صبري وسعد بدعمٍ شعبي في معان والزرقاء، وخرج حراك ذيبان عدة مظاهرات تنديدًا باعتقال صبري، ونُصبت خيمة احتجاجية أكثر مرة، وفي إحدى المرّات التي نُصبت الخيمة فيها دُوهم الاعتصام وهُدمت الخيمة، إلا أن الفعاليات استمرت.

خالد الفاخري وكميل الزعبي وأحمد النعيمات

بتاريخ 25 آب، عُقدت وقفة دعا إليها مجموعة من الناشطين السياسيين عند إشارة النسر في منطقة دابوق في عمّان للاحتجاج على ارتفاع الأسعار والفساد، بالرغم من منع محافظ العاصمة لإقامة تلك الوقفة. واعتُقل أثناء الوقفة أحمد النعيمات.

أُدخل النعيمات سجن الجويدة، ومن ثم نُقل إلى سجن باب الهوى. ولا يزال هناك، حيث يُحاكم أمام محكمة أمن الدولة، بحسب محاميه طارق أبو الراغب، بتهم القيام بأعمال من شأنها تعريض المجتمع وأمنه للخطر، بالإضافة إلى إطالة اللسان على الملك.

قدّم أبو الراغب عشر طلبات كفالة على الأقل لأحمد النعيمات، آخرها كان بتاريخ 2 كانون أول، إلا أنها رُفضت، و«العسكري يرفض بدون أسباب الرفض» بحسبه، وبالتالي لا يمكن الاستئناف على أسباب الرفض كما هو الحال في المحاكم المدنيّة. وأضاف أن التهم التي أوكلت إليه استندت على مقطع فيديو نشره على صفحته في فيسبوك إضافة إلى مشاركته في وقفة إشارة النسر. ويقول أبو الراغب أن النعيمات يعاني من حالة نفسية سيئة، خصوصًا مع استمرار رفض تكفيله على الرغم من تكفيل عدد من المعتقلين السياسيين.

في نفس الوقفة التي اعتقل فيها النعيمات، شارك اثنان قدما من الرمثا هما خالد الفاخري وكميل الزعبي، سيرًا على الأقدام للتركيز على صورة الرمثا، بحسب إسلام ابن خالد.

بحسب أم إسلام، زوجة خالد، فبعد وقفة إشارة النسر، لم تنقطع دوريّات الأجهزة الأمنية عن المرور حول منطقة بيت خالد الفاخري ومحل المنظّفات الذي يعمل فيه كميل، اللذين يقعان في نفس الشارع. «نكون ماشيين بالسيارة وأبو إسلام يقولي هاظ بيكاب بحث أمن وقائي».

وبعد أيام قليلة من الوقفة، اتصل مدّعي عام محكمة أمن الدولة فواز العتوم بكميل الزعبي وطلب منه الحضور لمكتبه في دائرة المخابرات الرئيسية في الجندويل، إلا أن كميل رفض الحضور لاعتقاده بأنه لم يقترف ذنبًا يستدعي ذلك. ونشر كميل بعد ذلك محتوى هذه المكالمة، حيث أخبره المدعي العام: «إذا ما بدّك تيجي هذا وضع ثاني».

«إجا [كميل] وكان يشاور أبوي، يحكيله خايف فنجان القهوة هناك يطوّل»، يقول إسلام، ابن خالد.

جلس خالد وكميل لاحتساء فنجان قهوة آخر في مكتب أحمد أبو حسّان، شقيق النائب خالد أبو حسّان، في مول «إربد سيتي سنتر»، حيث يزورانه في مكتبه كثيرًا بحكم صداقتهم. تقول أم إسلام إنها هاتفت زوجها خالد وأخبرها أنه وكميل هناك. لكن عندما عاد إسلام من عمله إلى المنزل، أخبر الموجودين عن اعتقال أبيه. توجّهت العائلة إلى مكتب أبو حسّان، وأخبرهم أنهم خرجوا من مكتبه. ومساء ذلك اليوم، وصل إسلام الفيديو الذي يوثّق اعتقال أبيه وكميل مساء يوم اعتقاله.

في اليوم التالي، اتصل مكتب مدير مخابرات إربد مع عم إسلام، قاسم، شيخ عشيرة الفاخري، طالبًا منه الحضور مع وفد من العشيرة. حينها، قيل للوفد أن خالد وكميل في دائرة المخابرات الرئيسية، وسيظلّون «في ضيافة عدنان الجندي [مدير المخابرات] لفترة»، بحسب إسلام.

لم تتأخر كثيرًا أخبار المكان الذي احتُجز فيه كميل وخالد، إلا أن أحدًا لم يستطع زيارتهم. خرج أهاليهما إلى شوارع الرمثا مع العديد من المتضامنين، مطالبين بالإفراج عنهم، بعد أن علموا باعتقالهم. ومن ثم تلقّوا تطمينات بالإفراج عنهم فهدأت الاحتجاجات.

خلال محاولتها زيارة زوجها، أخبر مدعي عام أمن الدولة أم إسلام بالتهم الموجهة لزوجها ولكميل وهي: التحريض على القيام بأعمال إرهابية، والتحريض على تقويض نظام الحكم، والقيام بأعمال من شأنها إثارة الفتنة، إطالة اللسان على الملك والملكة، وأخيرًا ذمّ هيئة رسميّة.

نقل خالد إلى سجن ماركا، وفيه وضع في زنزانة انفرادية، و«نفسيته كانت ميتة» كما تقول أم إسلام بناءً على زيارتها له هناك. ظلّ في الحبس الانفرادي ما يزيد على الشهر ثم نقلوه للمهاجع، مما حسّن من نفسيّته، بحسب ابنه إسلام. أما كميل فقد نُقل إلى سجن السلط، وظل في الزنزانة الانفرادية إلى حين أُفرج عنه هو وخالد بكفالةٍ يوم 29/11، بعد أن قضيا 87 يومًا في الحبس. وذلك كان، بحسب كميل، بوساطة مجموعة من النواب وجهود العائلة والمتضامنين، وذلك بعد التعهّد على عدم المشاركة في المظاهرات.

الفاخري والزعبي صديقان مقربان منذ حوالي عامين، يقطنان مدينة الرمثا. خالد الفاخري متقاعد عسكري، عمل لمدة 20 عامًا في النقليات في القوات المسلحة، وتقاعد عام 2002 عمل بعدها على شاحنة لنقل المياه ثم عمل في مجال الشحن. أما كميل الزعبي، فقد درس بكالوريوس العلوم السياسية في لبنان، ويعمل في محل منظفات في الرمثا، كما تؤكد أم إسلام الفاخري، زوجة خالد والمقرّبة من عائلة كميل.

بدأ نشاط خالد الفاخري السياسي بسيطًا. وبحسب ابنه، فإنه كان يتحدث في أمور خدمية بحتة مثل الحفر في الشوارع وارتفاع الأسعار. لكن نشاط خالد وكميل ازداد كثافةً في شهر رمضان، الذي كان مشحونًا بسبب الحديث عن قانون ضريبة الدخل الجديد، مما أدّى في النهاية لقيام هبّة شعبية في نفس الشهر. تقول أم إسلام: «برمضان قعدوا 14 يوم يتظاهروا لحالهم» اعتراضًا على السياسات الاقتصادية للحكومة. لكنّ أعداد المتظاهرين على دوّار الرمثا أخذت في الازدياد مع الأيام حتى أن أعضاء في المجلس البلدي ونوّابًا شاركوا في المظاهرات.

بعد انتهاء الاحتجاجات الشعبية في حزيران، عاد خالد وكميل للتظاهر وحدهما، بحسب أم إسلام التي تقول: «كان بسام، ابن كميل، يصوّرهم. [كميل] كان يقول أني 100 ألف وأبو إسلام 100 ألف وبسام 50 [ألف واحد]». حيث كانوا يخرجون في وقفات لوحدهم ويبثّونها على فيسبوك. ثم تطوّر الأمر لبثّ سلسلة من الحلقات على فيسبوك، كان بعضها تحت عناوين مثل «قضية رأي عام»، و«أين المخابرات؟»، وغيرها من الفيديوهات التي تنتقد أداء مؤسسات الدولة.

حاولت عائلات ومعارف خالد الفاخري وكميل الزعبي، والمتضامنون من مناطق عدة، من خلال المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، الضغط على الدولة للإفراج عنهم، بالإضافة لزيارة العديد من النوّاب، وكان ذلك، بحسب ما أخبَرَنا كميل وخالد، عاملًا هامًّا في الإفراج عنهما. وعند حديث طارق أبو الراغب، محامي خالد وكميل، عن الانتهاكات القانونية بحقهم قال: «التوقيف بحد ذاته هو عقوبة قبل التجريم، ما بصير أوقّف واحد 60 يوم قبل الحكم. هاي أكبر عقوبة».

وانتقد أبو الراغب طريقة اعتقال الثلاثة، حيث اعتُقل كميل وخالد داخل مول تجاري، وكان ابن النعيمات معه حين اعتُقل في المخفر وجاء أحد أقربائه لأخذه. ويشير أبو الراغب أيضًا إلى أن التهم من قبيل تقويض نظام الحكم وقانون منع الإرهاب إجمالًا، المشرّع وضع هذه القوانين من أجل أفعال جرمية لم ترتقِ أفعال المتهمين إليها، ويتابع: «يعني اللي بيقرأ لائحة [اتهام] كميل وأبو إسلام يُصدَم؛ يظن إنهم عبارة عن تنظيم مسلح وعندهم جيش جاهز على الكبسة».

إسماعيل الوحواح

خلال تواجد الفاخري في الزنزانة الانفرادية في سجن ماركا، كان يتبادل الحديث مع سجين آخر في الزنزانة الانفرادية المقابلة هو إسماعيل الوحواح، الذي اعتقل من مطار الملكة علياء لدى وصوله إلى الأردن، قادمًا من أستراليا، حيث يعيش.

بعد اعتقاله من المطار، أُرسل إلى دائرة المخابرات العامة. لحظتها أبلغت زوجته التي كانت برفقته في المطار، «إخوانه» في حزب التحرير وبقية العائلة بأمر اعتقاله، حيث يعمل الوحواح كناطقٍ رسميّ باسم حزب التحرير في فرع أستراليا.

لم تنجح محاولات محامي الوحواح المتكررة في مقابلته إلّا بعد أسبوع على اعتقاله، حيث تعذّر أفراد المخابرات في كل مرّة بانشغال مدعي عام محكمة أمن الدولة، أو تغيّبه لارتباطٍ ما. كان اللقاء سريعًا، يقول المحامي موسى العبداللات، وبحضور المدعي العام، حيث وقّع الوحواح على أوراق الكفالة وانصرف. واحتوت لائحة اتهامه على التهم التالية: التحريض على تقويض نظام الحكم، والانتماء لجمعية غير مشروعة، وإطالة اللسان على الملك.

طالب الوحواح ومحاميه من المدعي العام الإفراج عنه لأنه لم يمارس أي نشاط سياسيّ في الأردن منذ خروجه منها عام 1996، بالإضافة إلى أن زملاءه في حزب التحرير يُحاكمون في المحاكم المدنية على انتمائهم «لجمعية غير مشروعة». ويشير العبداللات إلى أن تهمة إطالة اللسان كانت بسبب منشور علّق فيه الوحواح على ما يُعرف بصفقة القرن قائلًا «الحكّام العرب خونة»، مرفقًا صورًا لمحمود عباس والملك عبدالله الثاني والسيسي دون الإشارة لأحدهم بشكل مباشر. «الإطالة لازم تكون مباشرة»، يقول العبداللات، مضيفًا إن «ملايين من الناس بقوموا بانتقاد سياسات محمود عباس أو الملك أو أي زعيم عربي فبالتالي إنت بدك تحاكم كل الناس؟ لا يجوز».

لكنّ تلك المطالب قُوبلت بالرفض، وظل إسماعيل الوحواح في سجن المخابرات الانفرادي قرابة الشهر قبل أن يُنقل إلى سجن ماركا، ليرافق خالد الفاخري كما أخبرنا ابنه إسلام. نُقل الوحواح بعد ذلك إلى سجن الموقر 2 وظل في الحبس الانفرادي هناك أيضًا.

أبدى صديق الوحواح، نضال عبيد، استغرابه محاكمة أحد أفراد حزب التحرير في محكمة أمن الدولة، إذ أنه حزب يدعو لإقامة الخلافة بطريقة سلمية ومن خلال الحوار الفكري، مؤكدًا على أن حزب التحرير غير محظور في أستراليا، مكان نشاط الوحواح، ولم يُستدعَ الأخير هناك للمدعي العام أو أي محكمة لنشاطه في الدعوة.

حالة الوحواح الصحية ما دون المتوسطة بحسب محاميه، حيث يُمنع من إدخال أدويته إليه. بالإضافة للأثر النفسي الذي يعانيه شخص في الثامنة والخمسين من عمره من الزنزانة الانفرادية. وليس من المسموح زيارته إلا للأصول؛ الزوجة والأبناء، بالإضافة إلى أن بُعد مكان السجن عن أقاربه يؤثر على قدرتهم على زيارته.

بدأت محاكمة الوحواح قبل أكثر من شهر، وحاول المحامي العبداللات تقديم دفعٍ قانوني لعدم اختصاص محكمة أمن الدولة بالتهم المنوطة بموكلّه لكن طلبه قُوبل بالرفض، مما اضطره للاحتجاج وتعليق مشاركته بالجلسة الأولى. يقول عبيد إن عائلة الوحواح تواصلت مع السفارة الأسترالية، وقام وفد من السفارة بزيارته في السجن وحضور جلسات المحكمة. إلا أن العائلة، كما ينقل عبيد، لا تلتمس جديّة جهود السفارة في الإفراج عن الوحواح الذي يحمل الجنسيتين الأسترالية والأردنية.

يؤكد العبداللات على ضرورة نقل تهم التنظيمات [الإسلامية]، والتحريض على تقويض نظام الحكم، وتعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية إلى المحاكم المدنية على أقل تقدير. ويشير إلى أن اعتقال الوحواح مخالفة دستورية بتقييد حرية الرأي والتعبير، «لكن للأسف الشديد الكثير من القوانين، وخاصة الجرائم الإلكترونية وبعض القوانين الأخرى، تخالف الدستور الأردني وتخالف مواثيق حقوق الإنسان والشريعة الإسلامية».

تخرّج الوحواح من ألمانيا وانتسب لنقابة المهندسين الأردنيين في الثمانينات، بالإضافة لكونه من كوادر حزب التحرير، حيث شارك في أنشطة الحزب المختلفة. واتُهم عام 1994 مع مجموعة من الأشخاص في القضية التي عرفت بقضية مؤتة، حيث كانت التهمة محاولة اغتيال الملك حسين أثناء تخريج فوج عسكري في جامعة مؤتة. إلا أن محكمة التمييز حكمتْ ببراءته عام 1996 وعاش منذ ذلك العام في أستراليا مع زوجته وأبنائه.

خرجت عائلة الوحواح والمتضامنون معه في أستراليا بوقفات احتجاجية أمام السفارة الأردنية هناك، بالإضافة لمناشدة ما يزيد على 100 منظمة إنسانية للحكومة الأردنية بالإفراج عنه، بحسب العبداللات. من المتوقع أن يصدر حكم محكمة أمن الدولة، بحسب صفحة حملة الإفراج عن الوحواح، في الجلسة القادمة التي أُجّلت حتى إشعار آخر.

متظاهرون يطالبون بالإفراج عن معتقلين خلال مظاهرة قرب الدوار الرابع يوم الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر. تصوير ضحى الشقيرات.

توجهت حبر الأسبوع الماضي للناطقة باسم الحكومة، جمانة غنيمات، بأسئلة حول ملاحقة الحكومة للنشطاء السياسيين عمومًا، وحول قضايا النشطاء الستة المذكورين خصوصًا، لكنها لم تحصل على رد على هذه الأسئلة حتى اللحظة.

ووفقًا لتقرير حالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2017، تزايد عدد الشكاوى التي تلقاها المركز الوطني لحقوق الإنسان من 6 في عام 2016 إلى 12 في عام 2017، وشملت شكاوى متعلّقة بطول أمد التوقيف الذي قد يمتدّ في بعض الحالات إلى 90 يوم، ومنعِ المحتجزين أحيانًا من الاتصال بالعالم الخارجي مما يجعلهم بمعزلٍ عن أسرهم بقرارٍ من مدعي عام محكمة أمن الدولة بحجّة سرية التحقيق، ووضعهم في الزنازين الانفرادية.

يعلّق أستاذ القانون في جامعة البتراء، علي الدباس، على احتجاز الأردنيين في دائرة المخابرات العامة، أو في أي مكان آخر، بأنه يعدّ خرقًا لمبدأ أن المتهم بريء قبل ثبوت إدانته بحكم قطعيّ، قائلًا، إنه لا يجوز «حجز حريتهم أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي». ويؤكد الدباس على ضرورة اتباع «معايير المحاكمة العادلة التي تقتضي سرعة البت من القضاء في القضايا التي ينظرها، فالعدالةُ البطيئة انتهاك لحق الأفراد في المحاكمة العادلة». ووفقًا لتقارير المركز، فإن أعداد الموقوفين قضائيًّا في الأردن في الفترة ما بين 2013 – 2016 تتزايد.

ويشير الدبّاس إلى أن المشرّع الدستوري الأردني، في المادة 128، لم يجز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريّات على جوهر هذه الحقوق أو تمسّ أساسياتها. «إلا أنه لدى دراسة أحكام قوانين مثل قانون العقوبات ومنع الإرهاب والجرائم الإلكترونية، بتبيّن عدم التزامها بالصياغة الدقيقة التي تضمن الالتزام بالمبدأ السابق ذكره»، يضيف الدبّاس، وتتميّز هذه القوانين بالسعة والمرونة مما يضفي عليها عدم الدقة والوضوح. ويطرح الدباس، مثالًا على ذلك، المادة (3/هـ) من قانون منع الإرهاب وتعديلاته رقم (55) لسنة 2006، حيث توسّع القانون باستخدام مصطلحات فضفاضة تجرّم الأفعال التي قد تدخل ضمن نطاق حرية الرأي والتعبير، ولم يحتوِ تعريفات لكلمات مثل «جماعة إرهابية، يسوّق، يموّل، الترويج لأفكارها» مما يخضعها لتفسيرات مختلفة.

* ورد خطأً في نسخة سابقة من هذا التقرير أن عددًا من أصدقاء صبري المشاعلة قالوا بوجود ضغوطات سياسية وراء إنهاء خدمات صبري من المركز الطبي الذي عمل فيه، إلا أن صبري أكد بعد إطلاق سراحه أنه كان قد استقال من عمله في المركز قبل مشاركته في خيمة المتعطلين عن العمل عام 2016، وأن الجهة المقصودة بالضغوط هي المدرسة، لا المركز.