الاجتماعات العامة في الأردن: على أي أساس تُمنع؟

الأربعاء 02 آذار 2016
مظاهرة عمان درك

حين قدمت الحكومة الأردنية مقترحًا لتعديل قانون الاجتماعات العامة عام ٢٠١١، ضمن مجموعة تعديلات تشريعية ودستورية جاءت ردًا على الاحتجاحات المعارضة، قوبل المقترح باستحسان لاكتفائه بإخطار الحاكم الإداري عوضًا عن الحصول على موافقته على اجتماع عام. حينها، اعتبر تقرير لهيومن رايتس واتش لعام ٢٠١٣، أن الأردن حقق تقدمًا بإلغائه اشتراط الموافقة واستبداله بإخطار «بسيط».

لكن بعد خمس سنوات على ذلك التعديل، ما زالت القوات الأمنية تفض الاعتصامات بحجة عدم الحصول على تصريح، وما زالت الحكومة ترى أن منع المواطنين من التجمع للاحتجاج على ممارسات الكيان الصهيوني في ساحة الكالوتي هو «إجراء أمني» فوق المساءلة، وما زال الأفراد المجتمعون في مسيرة سلمية ومشروعة عرضة لـ«تلفونات» قبل أو بعد المسيرة ولبوكس الدرك أثناءها، حتى محاولات إجراء مناظرات أو حوارات حول أمور السياس%ياسات العامة قد تمنع عن العامة.

تصريح أم إخطار؟

حتى يكون الاجتماع العام مشروعًا على المنظمين إخطار الحاكم الإداري (المحافظ أو المتصرف) خطيًا قبل ثمانية وأربعين ساعة من الاجتماع بأسماء منظمي الاجتماع العام وعناوينهم وتواقيعهم والغاية من الاجتماع ومكانه وزمانه، مع العلم أن مكتب الحاكم الإداري لا يوفر أي نماذج للإخطار. من باب الحذر، أصبح منظمو الاجتماعات يطلبون ورقة وارد تثبت أنهم قد أخطروا الحاكم الإداري، حتى لا ينكر استلام الإخطار عند منع الاجتماع، حسبما أكدت أكثر من جهة عملت على تنظيم اجتماعات عامة. فما حصل في هذه الحالات هو أن منظمي الاجتماع قدموا الإخطار للحاكم الإداري قبل مدة من الإعتصام، ورفض مكتب الحاكم الإداري طلبهم بالحصول على نسخة عن وارد الإخطار، وكنتيجة، تراجع منظمو الاجتماع عنه أو أقاموه مع احتمال فض قوات الدرك له بحجة «عدم الحصول على تصريح».

بحسب المركز الوطني لحقوق الإنسان، فقد أصبح فض القوات الأمنية للاعتصامات السلمية ظاهرة متكررة، خاصةً في الآونة الأخيرة. ففي تشرين الأول ٢٠١٥، صدر قرار إداري بمنع مناظرة تنظمها مبادرة «ديوانية» في أحد مقاهي عمان حول عقوبة الإعدام. إذ تلقى المقهى تحذيرًا من المحافظ بملاحقته قضائيًا في حال إقامة المناظرة مع أن منظمي المناظرة قدموا إخطار ضمن المدد القانونية.

وفي يوم ٢١ شباط الماضي، اعتصم ناشطون من تيار التجديد الوطني، الذي يشمل عدة أحزاب وطنية،  أمام مجلس النواب مطالبين بمجموعة من التعديلات على قانون الانتخاب، لتفض القوات الأمنية الاعتصام بحجة أن «الاعتصام غير مصرح به من قبل الجهات المعنية»، حسبما أفاد مصدر مسؤول للغد، وفي المقابل أكد تيار التجديد الوطني في بيان رسمي أنه قدم إخطارًا خطيًا لمحافظ العاصمة قبل ثلاثة أيام من الاعتصام.

على صعيد آخر، قالت مصادر في مكتب محافظ العاصمة إن أي إجراءات يتم إتخاذها بما يتعلق بالاجتماعات العامة هي إجراءات تهدف للحفاظ على أمن الدولة والسلامة العامة خاصة في ظل الظروف الراهنة في المنطقة، وإن ٩٥٪ من الاجتماعات العامة تجري بدون أي عوائق، وإن قرار عدم التصريح بالاجتماع العام هو قرار إداري صحيح.

من وجهة نظر قانونية، يعد رفض التصريح بالاعتصام الذي قدم منظموه إخطارًا به في المدة القانونية قرارًا باطلًا لا أثر له في الواقع، لأن الموافقة أو الرفض على عقد اجتماع عام ليست من اختصاص الحاكم الإداري، ما يجعل هذا الرفض مخالفة صريحة لأحكام الدستور الذي نص على حق الاجتماع العام وقيده فقط بما ورد بقانون.

لم يمنح القانون الحاكم الإداري سلطة تقديرية بمنع الاجتماع العام، بل سلطة فض الاجتماعات العامة فقط في حال كانت مجريات أي منها قد تؤدي إلى تعريض الأرواح أو الممتلكات العامة أو الخاصة  للخطر، أو تمس بالسلامة العامة. انتُقد هذا النص على كونه يترك للحاكم سلطة تقدير مدى خطورة الوضع. وفي الواقع العملي امتدت السلطة التقديرية للحاكم الإداري إلى تصريح أو منع الاجتماع بغض النظر عن مجرياته وهذا ما لم ينص عليه القانون. لكن حتى تحت هذا النص، ما زال قرار فض الاعتصام السلمي أمام مجلس النواب أو قرار منع مناظرة عامة هي قرارت باطلة بما أن أيًا من هذه الاجتماعات لم يغرض الأرواح أو غيرها للخطر.

قانون الاجتماعات العامة-01

ما هو الاجتماع العام أصلًا؟

إلى جانب إشكالية الإخطار وشروط الفض، يشير المحامي والباحث القانوني د. ليث نصراوين في بحث حول هذا القانون أن مشكلته الرئيسية تكمن في تعريف ماهية الاجتماع العام. فوفقًا للقانون الأردني، يعرّف الاجتماع العام على أنه «أي اجتماع يتم عقده لبحث أمر ذي علاقة بالسياسة العامة للدولة». وفقًا لهذا التعريف تعد النقاشات السياسية لأفراد العائلة أثناء رحلة «هش ونش» على طريق المطار اجتماعًا عامًا يستلزم إخطار الحاكم الإداري. كغيره من القوانين التي تقيد حريات عامة نص عليها الدستور، كقانون محكمة أمن الدولة وقانون منع الإرهاب، يستخدم هذا القانون مصطلحات فضفاضة تُترك لتفسير الجهات الإدارية. فمثلًا، في ١٨ شباط الماضي، منع الأمن العام ١٥ ناشطًا من التظاهر أمام مسجد الكالوتي القريب من السفارة الكيان الصهيوني كونهم لم يحملوا تصريحًا من محافظ العاصمة لإقامة الفعالية واعتقل اثنان من المشاركين.

وبحسب ما أكدت إحدى العاملات في مؤسسة وطنية وأحد أرباب العمل في القطاع الخاص، فإن هذه القيود تمتد إلى الاجتماعات المغلقة داخل المقاهي أو الفنادق أو المؤسسات الثقافية، وقد أصبحت ممارسة منع الإجماعات المغلقة بحجة عدم الحصول على تصريح من الحاكم الإداري متكررة وفقًا لهذه الإفادات. ولأن معيار اختيار ماهية الاجتماعات التي يجب الإخطار بها غير واضح، يصعب التنبؤ بماهية الاجتماعات التي سيعترض عليها مكتب الحاكم الإداري. وبحسب السيدة العاملة في المؤسسة سابقة الذكر، فإن التكلف بإخطار الحاكم الإداري عند عقد كل اجتماع هو إجراء منهك وغير عملي، وينم عن حالة شك من قبل الحكومة بمؤسسات المجتمع الوطنية والمدنية والحزبية.

هذه الممارسات أثرت سلبًا على الجهات المنظمة، فمن ناحية أصبحت هذه المؤسسات تحتار في البحث عن مكان عقد اجتماعتها، ومن ناحية أخرى تضر هذه الممارسات بالمقاهي والمؤسسات الثقافية التي تضطر إلى شرح سبب إلغاء الاجتماعات لزبائنها.

قد تختلف الآراء حول ماهية الاجتماعات المثمرة من عدمها، لكن هذه الاختلافات لا تتيح للجهات الإدارية الحق بالتوسع في سلطاتها لمنع المواطنين من حقوق نص عليها الدستور، انطلاقًا من افتراض ثابت بسوء نية المواطن.

* تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).

 الصورة أعلاه لمظاهرة في عمان ضد تحرير أسعار المحروقات في ١٤ تشرين الثاني ٢٠١٢ (رويترز).