ملاحقة خطاب الكراهية: من أين نبدأ؟

الأحد 15 تشرين الأول 2017
الصورة من الفيلم الوثائقي Free Speech Fear Free.

لم يكن ناهض حتّر ليتوقع بأن حياته ستكون ثمنا لضغطه على زرّ إعادة النشر لرسم يسخر من «رب داعش»، بعدما طالبت صفحات فيسبوكية بـ«إعدامه» أو بـ«محاكمته»، معتبرة ذلك مطلبًا شعبيًا. اعتُقل حتر بتهمة «إهانة الشعور الديني»، ثم كُفِّل، ثم اغتيل، ثم أُعدم قاتله. اختفى حتّر واختفت معه تلك الصفحات التي حرّضت على محاسبته وإعدامه دون أن يُلاحق أيّ من القائمين عليها، بحسب محاميه.

قبل حوالي أسبوعين، اقترح مجلس الوزراء مشروع قانون يجرّم خطاب الكراهية ويعرّفه على أنه: «كل قول أو فعل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الإقليمية أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات»، أما العقوبة المقترحة فالحبْس من عام إلى خمسة أعوام، وغرامة ما بين ألف وخمسة آلاف دينار لـ«كل من قام بنشر أو أعاد نشر ما يُعدّ خطابا للكراهية عبر الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أنظمة المعلومات». وهكذا  ينضمّ «خطاب الكراهية» إلى مجموعة الجرائم المقيّدة لحرية التعبير في الأردن.

محليًا، كان اغتيال حتر أكثر الأمثلة تطرفًا على ما يمكن أن يؤدي إليه التحريض ضد فرد أو جماعة، وقد ولّد قلقا مشروعًا حول حدود الخطاب المؤذي الذي يجب أن ُيلاحق أصحابه قانونيًا. أما عالميًا، فهناك أمثلة كثيرة تشير إلى الأثر الفتّاك الذي قد يتركه خطاب الكراهية، ففي عام 1994، أدانت المحكمة الجنائية الدولية ثلاثة من العاملين في الراديو الرواندي (RTLM) لتحريضهم من خلاله على إبادة جماعة التوتسو في رواندا.

إننا نعيش في بيئة يُلاحق فيها كل من «أطال لسانه»، وتربط بين التعبير اللفظي و«تقويض نظام الحكم».

الأصل في حرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومات هو الإتاحة، أما التّقييد فهو الاستثناء. فإذا اتفقنا أن بعض «خطاب الكراهية» قد يكون هو الاستثناء، فلَنا أن نسأل عن النقطة التي يجب الانطلاق منها لتعريف الخطاب الذي وجبَ تقييده وتجريم صاحبه، خاصّة أننا نعيش في بيئة طاردة لحريات التعبير، بيئة تشترط ترخيص المواقع الإلكترونية إن كان لمحتواها أن يصل إلى الجمهور في الأردن، ويُلاحق فيها كل من «أطال لسانه»، وتربط ربطًا مباشرًا بين التعبير اللفظي و«تقويض نظام الحكم» أو «تعكير العلاقات مع دولة شقيقة» أو «الترويج لجماعات إرهابية». فهل يمكن الوثوق بأنظمة شمولية، تعادي حرية التعبير ولا تقوم بأي حوار شعبي قبل إقرار القوانين، في حماية المجتمع من خطاب الكراهية؟ وما هي الأدوات التي يستطيع المجتمع المدني الاستعانة بها لمحاربة خطاب الكراهية من دون فرض مزيد من القيود على حرية التعبير؟

بيئة حاضنة لخطاب الكراهية

تُرجع وحدة الجرائم الإلكترونية سبب انتشار خطاب الكراهية لخاصية إخفاء الهوية التي «يتوارى هؤلاء خلفها» فيبثون «سمومهم من وراء الشاشات والأجهزة». ويصف رئيس مجلس الأعيان، فيصل الفايز، خطاب الكراهية  بممارسة «غير مألوفة ولا تنسجم مع عاداتنا وأعرافنا»، بينما يصفه العين حسين المجالي «بالدخيل»، ويربط الاثنان انحدار الأخلاق على وسائل التواصل الاجتماعي بالربيع العربي. تماما كما يقف أب ينهر أولاده على سلوكياتهم السلبية دون النظر لدوره في توليدها، تقف الدولة بعيدًا عن خطاب الكراهية.

نسألُ حسب تعريف خطاب الكراهية المُقترح: هل تعدّ الأعمال التي تتخذها الحكومة والتي قد تشيطن بها فئة من فئات المجتمع أو تحرم مجموعات من حرياتهم الأساسية جزءًا من الأعمال المؤججة لخطاب الكراهية؟ لنأخذ مثلا رفض وزارة التنمية السياسية طلب تأسيس حزب بسبب «لون البشرة الداكنة»، أو منع المحافظ إقامة حفل «مشروع ليلى» الذي أجج خطابا يساوي المثليين في المجتمع الأردني بـ«الشواذ» كما وصفهم وزير الداخلية، أو منع المحافظ لحفل تأبين «أبو علي مصطفى» أو حتى اعتقال ناهض حتر بتهمة «إهانة الأديان السماوية». نسأل عن دور هذه الأعمال والقرارات بتأسيس بيئة مشحونة تشيطن من يتم منعهم من ممارسة حقوقهم الدستورية، وتشرعن الاعتداء المجتمعي عليهم كما في حالة اغتيال حتر؟

خطاب الكراهية يتأجج في بيئة سياسية طاردة للتعددية.

هددت دائرة الجرائم الإلكترونية عدة مرات بملاحقة من «يثير النعرات الطائفية»، أو يستخدم «خطاب الكراهية»، سواء بإعلان إطلاق الدوريات الإلكترونية أو التلويح بصلاحية الضابطة العدلية أو القبض على من أسمتهم «مثيري الفتن» بعد اغتيال حتر، كما لبّت أيضا شكوى قدمها كتّاب الرأي زليخة أبو ريشة وباسل الرفايعة ولاحقت شخصا وجه رسالة فيسبوكية تتنبأ لهم بمستقبل حتر. لكن في كل مرة ترفع الدولة سبابتها متوعدة من يثير ما تسميه «خطاب الكراهية» علينا أن نرجع للمسلّمات والأصول، بأن الخطاب ضد مجموعات دينية أو عرقية أو جنسية يتأجج في بيئة سياسية طاردة للتعدّدية وفي ظل غياب مشاركة مجتمعية في تعريف هذا الخطاب.

تعريف خطاب الكراهية

الآن وأكثر من أي وقت مضى، وحتى في أكثر الدول تقديسًا لحق التعبير، يحضر الجدل حول القيود التي يجب وضعها لتفادي ضرر خطاب الكراهية على المجتمع، خاصة بعد وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في أوروبا والولايات المتحدة.

بدأ التجاذب حول معايير تجريم خطاب الكراهية في 1961 مع ظهور «الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري» (CERD)، والتي كانت أول اتفاقية دولية تجرّم بشكل مباشر «خطاب الكراهية». وحُظر مجددًا في المادة 20-2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) التي «تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف». رغم تحفظ بعض الدول التي رأت في نص المادة تناقضًا مع الحق في التعبير بحرية.

في 2008، وخلال مؤتمر الرباط حضّرت منظمة (Article 19) اختبارًا من ستّ نقاط لتقدير حالات خطاب الكراهية التي على القانون تقييدها أو ملاحقتها دوليّا1. ليس كل خطاب كراهية مُجرّمًا، بحسب معايير الاختبار. إن أثرَ الخطاب على حدوث «عنف أو تمييز أو عداء مجتمعي» هو نقطة الانطلاق التي تؤهل خطاب الكراهية  للملاحقة وتقييد الحق الأساسي في التعبير.

في الجزء الآتي من هذا المقال نذكر هذه المحددات لنوضّح التعقيد الذي تواجهه المحاكم في تعريف الخطاب الخاضع للتقييد، خاصة في غياب تعريف ثقافي ومجتمعي لخطاب الكراهية، وهي ليست إرشادات مسلّم بها:

أولا، سياق الخطاب: تقييم فداحة الخطاب من خلال تقييم السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للفئة التي استهدفها الخطاب، والتي تأخذ بعين الاعتبار مدى تواجد حوادث عنف ضد الفئة المستهدفة، ومدى تمييز المؤسسات لهذه الفئة، وتواجد بيئة سياسية أو إعلامية تميز ضدّها.

ثانيا، تأثير المتحدث: موقف المتكلم وما لديه من سلطة أو تأثير على جمهوره. وهنا تؤخذ اعتبارات خاصة إن كان المتكلم سياسيًا، أو عضوًا بارزًا في حزب، أو موظفًا عامًّا، أو أشخاصًا لديهم تأثير مشابه.

ثالثا، قصد أو نية المتحدث: يجب أن يكون لدى المتحدث قصدٌ واضح في الانخراط لحشد الكراهية، واستهداف فئة على أساس العرق أو اللون أو الدين، وأن يكون مدركًا للعواقب التي يمكن أن يُحدثها خطابه. آخدين بعين الاعتبار اللغة المستخدمة ومدى تكرار الخطاب.

في 1994، أدانت المحكمة الدنماركية مذيع برنامج تلفزيوني لبثّه رسائل مثقلة بالكراهية من مجموعات عنصرية متطرفة دنماركية. عارضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرار المحكمة الدنماركية ورأت فيه تعدٍّ على حق الصحفي في التعبير بعد أن أخذت بعين الاعتبار أن التصريحات العنصرية بُثت في برنامج يهدف إلى كشف أوجه العنصرية في الدنمارك والتناول الجدّي لقضايا سياسية واجتماعية.

إن نيّة المتحدث بحشد مشاعر الكراهية والتحريض ضد جماعة معينة هو شرطٌ مذكور في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأيضا في الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان (AHCR).

رابعا، محتوى الخطاب: مدى دعوة الخطاب المباشرة أو غير المباشرة للتّمييز أو العنف أو العِداء المجتمعي ضد فئة مستهدفة.

في 1998، أدانت المحكمة التركية رئيس وزراء تركيا الأسبق نجم الدين أربكان بتهمة «التحريض على الكراهية والعنف»، وحكمت عليه بالسجن لمدة سنة بسبب خطاب عامّ له خلال حملته الانتخابية فرّقَ فيه بين «المؤمنين» و«غير المؤمنين». ولكن، بعد مراجعة الحُكم في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، عام 2006، أقرّت بأن أربكان قلّص التعددية إلى قسمة بسيطة بين «المؤمنين» و«غير المؤمنين»، إلّا أن ذلك لم يكن سببا مقنعا لإدانته2.

خامسا، نطاق الخطاب وشدة تردده: على تقييم الخطاب أن يدرس الوسيلة التي بث أو نشر من خلالها الخطاب ومدى شدته وتردده. مثلا، هل بُث الخطاب في منشور واحد، أم بُث ونُشر في الإعلام السائد؟ وهل بُث أو نُشر مرة واحدة أم نشر مرارًا مع الإصرار على تكراره؟

سادسا، احتمالية وقوع ضرر: مدى ارتباط الخطاب بضرر وقع كنتيجة له أو على وشك أن يقع، كما في الحالة الرواندية.

ختاما، الدولة التي تحمل على عاتقها حماية المجتمع من خطاب الكراهية هي ذاتها التي تستخدم أدوات القانون الفضفاض لوَسمِ مواطنين بالإجرام لمجرد تعبيرهم عن رأيهم، لتكسب بذلك شعبية ما في لحظة استقطاب حرجة، أو لتمنع كل خطاب لا يشبه، أو يتعارض مع خطابها.

إن كانت الدولة جادّة في محاربة خطاب الكراهية، فعليها مراجعة تأثير سياساتها وقراراتها في خلق بيئة مشجّعة لمثل هذا الخطاب، وإشراك مؤسسات المجتمع المدني والهيئات المستقلة من أجل الوصول إلى تعريف أكثر تحديدًا لخطاب الكراهية الواجب ملاحقته قانونيًا. فالتعريف المقترح في مسودة قانون الجرائم الإلكترونية ليس فضفاضًا ومجحفا فحسب، بل فيه أيضًا هدرٌ لموارد الدولة حيث ستُحجز زنزانة من سنة إلى خمس سنوات لكل من نشر نكتة على الفيسبوك تسخر من التابوهات المجتمعية.


1) «دليل خطاب الكراهية»، ٢٠١٥، منظمة Article 19.

2) IRIS 2006-8/1 European Court of Human Rights: Case of Erbakan v. Turkey