رشيدة طليب وأخواتها: سياسات الهوية وخيبات اليسار الأمريكي

رشيدة طليب تحتفل بفوزها بمقعد في الكونجرس الأمريكي، مع والدتها. المصدر النيويورك تايمز

رأي

رشيدة طليب وأخواتها: سياسات الهوية وخيبات اليسار الأمريكي

الثلاثاء 28 آب 2018

خيبات ليبرالية

سارع كثير من الأمريكيين ذوي الأصل العربي إلى تهنئة بعضهم البعض بنبأ فوز أول «امرأة مسلمة» بمقعد في الكونجرس حين أتاهم نبأ فوز الأمريكية من أصل فلسطيني رشيدة طليب في الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي، ففوزها بالمقعد أصبح أمرًا مسلّمًا في غياب منافس جمهوري في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في تشرين الثاني/نوفمبر القادم. بدا للبعض أن ما يحدث بادرة أمل وإيذان بانقلاب الحال من أمريكا العنصرية والإمبريالية الممثلة في الرئيس دونالد ترامب، إلى أمريكا جديدة منفتحة على الأقليات وعلى غير الأمريكيين، ممثلة في الرعيل الجديد من الديمقراطيين ذوي الأصول العرقية المختلفة وحاملي الأجندات التقدمية.

وبدا لوهلة كما لو أن جهود بعض الناشطين اليساريين الذين حاولوا استمالة الحزب الديمقراطي بعد الهزيمة التي مُنِيَ بها في انتخابات الرئاسة قد بدأت تؤتي ثمارها.

ثم تحطمت كل تلك الآمال حين تبين أن جزءًا من تمويل حملة طليب يأتي عبر تبرعات تجمعها منظمة جي ستريت الصهيونية[1] وعلى صفحة جمع التبرعات لها على موقع جي ستريت، نجد طليب مؤيدة لاستمرار المساعدات لدولة إسرائيل، وكذلك لسلطة محمود عباس، ونرى حديثًا كثيرًا على لسانها يلتزم بعملية السلام بأجندتها الأمريكية، ويوازي بين الطرف الفلسطيني والطرف الإسرائيلي (تمت إزالة الصفحة وسحب تأييد جي ستريت لطليب لأنها أصدرت بعد ذلك تصريحات تناقض بعض المواقف التي تعزوها إليها تلك الصفحة، وإن لم تحد عن الموازاة بين «طرفي النزاع»).

ومن قبل، حدث أمر مشابه مع المرشحة الديمقراطية أليخاندرا أوكاسيو كورتيس إذ تغنى بعض الناشطين الأمريكيين الديمقراطيين واليساريين بالذات من ذوي الأصول العربية[2] بوصول مرشحة امرأة وشابّة ومن أصل بورتوريكي وتحمل أجندة اشتراكية إلى الكونغرس وأخذوا يذكروننا بدورها في التضامن ضد الاستعمار عمومًا ومع القضية الفلسطينية خصوصًا، ثم نقضت هي كل ذلك بعد أن أصبحت مرشحة للكونغرس؛ ففي حديث على قناة (PBS) «بي بي إس»، التي تقف على يسار بقية القنوات الأمريكية، قالت بدون لبس إنها مع حق إسرائيل في الوجود. وحين فلتت منها كلمة «احتلال فلسطين» بدا الاستياء على وجه المذيعة التي سألتها بخبث «قلتِ احتلال فلسطين، ماذا تعنين بهذا؟» (وكأن الأمر بحاجة إلى بيان) فتلعثمت كورتيس ثم قالت إنها تعني انتشار المستوطنات «هناك» ثم مع مزيد من الأسئلة من المذيعة تلعثمت كورتيس أكثر وبدأت تضحك وتقول «ربما لا أستخدم المصطلحات السليمة» وأضافت إنها على استعداد لأن «تتعلم وتتطور». لا مانع، فيما يبدو أن تتراجع الناشطة النسوية البورتوريكية إلى نمط المرأة المتلعثمة والضاحكة التي تنتظر من الرجال أن يشرحوا لها الأمور الكبيرة والمعقدة، أو إلى نمط «غير الأوروبي» الجاهل الذي ينتظر العلم والحضارة والنظرة الثاقبة إلى الأمور من ذوي العرق الأوروبي ومن مؤسساتهم السياسية والمالية، ما دامت سياسات الهوية قد منحتها من خلال أصلها البورتوريكي صك البراءة مقدمًا، وإن بدت تلك القراءة تجنيًا منّا فلنتذكر أن محتوى كلامها كذلك كان أنها، وهي الناشطة السياسية وابنة منطقة البرونكس الفقيرة، جاهلة لا تعرف المصطلحات السليمة أو الأبعاد المختلفة للسياسة وأنها تنتظر أن تتعلم من الكبار في الكونغرس وفي جماعات الضغط الكلام السليم والمفاهيم الصحيحة.

منذ السبعينيات من القرن الماضي، بدأت الرأسمالية الأمريكية التي تعرضت لعدة صدمات ولتحدي الحركات الاحتجاجية في إنقاذ نفسها من تلك المخاطر عن طريق إضفاء طابع «التعدد الثقافي» على هيمنتها

لم يختلف ذلك كثيرًا عما حدث مع بيرني ساندرز، إذ هلل المهللون للمرشح الأمريكي الاشتراكي (الذي تعلم الاشتراكية، كما يدعي، في كيبوتز شاعار هاماكيم الإسرائيلي) والذي سيأتي ليتضامن مع الفقراء من شعوب العالم وسيغيّر السياسة الأمريكية. ومن الناس من رأوه نصيرًا محتملًا للقضية الفلسطينية متجاهلين ماضيه الصهيوني[3]، حتى حطم أوهامهم حين أعلنها صريحة «أنا مؤيد لإسرائيل 100%» ثم أضاف: «لقد عشت في إسرائيل، ولي أهل في إسرائيل، إسرائيل لها الحق ليس فقط في أن تحيا في سلام وأمن وإنما أن تعرف أيضًا أن وجودها سيحظى بحماية حكومة الولايات المتحدة». ولم يتوقف ساندرز عن اتخاذ المواقف الصهيونية الصريحة بعد الانتخابات الرئاسية، ففي شباط/فبراير من العام الماضي، وفي حديث أمام منظمة جي ستريت (ذاتها) تحدث ساندرز عن أهمية «أن يعتنق التقدميون الصهيونية». وبدلًا من أن يداري الليبراليون العرب في أمريكا وفي بلداننا العربية خيبتهم أو يعترفوا بها، قدموا التبريرات وأقحموا التفسيرات على تصريحات ساندرز وكأن المرشح الرئاسي الأمريكي لم يع ما يقول واحتاج إلى حفنة من الليبراليين العرب ليفسروا له كلامه أو كأنه فلسطيني باطني يمالئ اللوبي الصهيوني جهرًا ويخطط لتحرير فلسطين سرًا.[4] زوى هؤلاء رؤوسهم خجلًا أو تظاهروا بالصدمة حين تمادى ساندرز في صهيونيته فأضاف توقيعه إلى رسالة أرسلها أعضاء الكونغرس إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للتنديد بتنديدها بإسرائيل.[5]

وعلى العكس من بعض النشطاء الذين يتعاملون مع هذه الخيبات بمنطق «هذه المرة»، هذه المرة خُذلنا، هذه المرة لم ننجح في فرض الرقابة على مرشحنا، هذه المرة نجحت الصهيونية في إغواء وإفساد ناشطين واعدين، أرى أن هذه الخيبات كلها تنبع من صميم النظام الأمريكي الرأسمالي والعنصري والإمبريالي، الذي يفترس المعارضة بحجة استيعابها، والذي يرتبط عضويًا بإسرائيل حتى من قبل وجود جماعات ضعط صهيونية قوية،[6] والذي لن يسمح بتفكيك الإمبراطورية، سواء بمعارضة تغول رأس المال، أو بتحجيم السياسات الاستعمارية الأمريكية، أو بالضرر بمصالح المراكز الإمبراطورية الوسيطة ومنها دولة إسرائيل. قد لا يتسع المجال في هذا المقال لتحليل النظام السياسي الأمريكي وقدرته على استيعاب وافتراس معارضيه أو تقديم الحجة الكاملة على أن مواجهة الصهيونية والإمبريالية لا تنفصلان عن مواجهة أمريكا كمشروع استعماري استيطاني وتوسعي، ولكن يمكننا على الأقل أن نقدم تحليلًا لفشل محاولات «اليسار» وحركة التضامن الفلسطيني في استمالة «العناصر التقدمية» في الحزب الديمقراطي وكيف لعبت «سياسات الهوية» دورًا محوريًا في هذا الفشل.

نحو جبهة ديمقراطية؟

في أعقاب نجاح ترامب وشعور كثير من الديمقراطيين بالصدمة، بل وبخيبة الأمل من الحزب الديمقراطي الذي لم يكن على مستوى الحدث، والذي تلاعب بانتخاباته الأولية لتصعد هيلاري كلينتون على حساب بيرني ساندرز، ساد اعتقاد بين كثيرين مما يسمى باليسار الأمريكي ومن حركة التضامن مع فلسطين بأن المحبطين الكثر من أنصار الحزب الديمقراطي يتجهون يسارًا. صوروا لنا أن البيئة أصبحت مواتية لكي يعتنق هؤلاء أجندات اشتراكية وأممية معادية للاستعمار وللصهيونية، ودعوا إلى إدماج هؤلاء الديمقراطيين المؤلفة قلوبهم في حركة نضالية واسعة ضد فاشية ترامب بحجة أن هذا الإدماج سيسحب هؤلاء إلى اليسار وإلى أجندة التضامن الأممي.

لا أنكر طبعا أن لا غنى للعمل السياسي عن بناء الجبهات. والعمل التضامني على الأرض حول قضية ما قد يكون له أثر تعليمي بالغ. بل إن كثيرًا من المتضامنين مع القضية الفلسطينية في أمريكا وحول العالم عرفوا القضية من خلال نضالات مشتركة. المشكلة أن محاولات إنشاء جبهة موحدة مع فلول الديمقراطيين لم توجه نقدًا كافيًا لليبرالية وللحزب الديمقراطي وسياساته وقيادته الحالية، بل ارتأت أن تحصر الهجوم على ترامب وعهده، بحجة توحيد الجهود وتأليف القلوب. وبالطبع فالصهيونية والإمبريالية، كما معظم السياسات الرأسمالية، هي من صميم عقيدة الحزب الديمقراطي؛ وهو تاريخيًا الحزب الذي عارض تحرير العبيد، وهو الذي ارتكب مجزرة القنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي وهو الذي اتخذ قرار إرسال قوات أمريكية إلى فيتنام، وحديثًا هو المسؤول عن جرائم مثل غارات الطائرات بدون طيار على اليمن وطرد أعداد غير مسبوقة من «المهاجرين غير الشرعيين» من الولايات المتحدة، ومرشحته هيلاري كلينتون كانت أكثر صقرية من صقور الحزب الجمهوري حتى أن كثيرا من المحافظين الجدد أيدوها هي لا ترامب.[7]

وعلى الرغم من سياساته البغيضة، قبلت الجبهة الوليدة بالحزب الديمقراطي عقيدة وتنظيمًا؛ فارتضت به حليفًا ونزلت النسويات من ذوات الأصول العرقية المختلفة إلى «تظاهرة النساء» جنبًا إلى جنب مع مشجعات هيلاري اللواتي أردن أن تحظى المرأة الأمريكية البيضاء بحق شن الحروب على شعوب العالم ورأين في ذلك ذروة النسوية. كما قبلت تلك الجبهة بالحزب الديمقراطي إطارًا تنظيميًا لتعيد طليبات وكورتيسات الحركة تنظيم أنفسهن فيه. وطبعًا أدت هذه السياسات إلى عكس ما وعدَنا به أنصار الجبهة الديمقراطية؛ فبدلًا من أن يتوافد الديمقراطيون «المؤلفة قلوبهم» إلى اليسار، حدث العكس تمامًا، إذ أن الحزب الديمقراطي تمكن من تجميل نفسه عن طريق هذه الشعارات الاشتراكية، التي لن يذهب بعيدًا في تطبيقها فهي تتعارض مع مصالح مموليه ناهيك عن مصالحه كحزب رأسمالي ديمقراطي وكجزء من نظام الحكم في دولة استعمار استيطاني، وسمح بصعود دمى تحمل البشرة السمراء واللهجات البورتريكية والعربية فأصبح الحزب الديمقراطي هو حامل لواء التعدد الثقافي الذي يغطي به أجندته التي لا تقل رجعية واستعمارية عن نظيره الجمهوري.[8] 

سياسات الهوية غطاءً أيديولوجيًا

منذ السبعينيات من القرن الماضي، بدأت الرأسمالية الأمريكية التي تعرضت لعدة صدمات ولتحدي الحركات الاحتجاجية التي اشتد عودها في نهاية الستينيات، في إنقاذ نفسها من تلك المخاطر عن طريق إضفاء طابع «التعدد الثقافي» على هيمنتها. وبدأت الليبرالية في ثوبها الجديد، بعد أن كانت قد أنتجت هويات مقهورة، في خلق مساحة صراع هوياتي لتغيّب الجانب المادي من الصراع بين المستكبرين والمستضعفين، ولتفصل الصراع الطبقي عن الصراع الهوياتي.[9]

الظاهرة التي نحن بصددها تختلف قليلًا عما يقول به نقّاد سياسات الهوية عن فصلها للصراع الهوياتي عن الصراع الطبقي. فسياسات الهوية هنا لا تغيّب فقط الصراع الطبقي بمعناه التقليدي ولكنها تغيّب أيضًا الأسس المادية للصراع الهوياتي ذاته. أليخاندرا كورتيس مثال واضح لهذا التغييب، فبينما تصبح لهجتها، التي تأتي من حواري البرونكس، أو حركتها أمام الكاميرا بالطريقة التي تميز نساء بورتوريكو في حد ذاتها انتصارات، يصبح وجود هذه الرموز البورتوريكية في الإعلام الأمريكي السائد وفي المؤسسات الأمريكية تكريسًا لنهائية الاحتلال الأمريكي لبورتوريكو؛ وهو احتلال لا تعارضه كورتيس التي قالت في معرض ردها على معايرة أحد العنصريين لها بأصلها البورتوريكي«بورتوريكو هي الولايات المتحدة»، بشكل يذكرنا بمقولة «الجزائر هي فرنسا» التي استند عليها الاحتلال الفرنسي. ولم يفت اليسار الهوياتي الأمريكي الاحتفاء برد المرأة البورتوريكية القوية، والذي يشرعن الاحتلال الأمريكي لجزيرتها (وإن كانت قد تلقت نقدا من البورتوريكيين المؤمنين بالتحرير الكامل، تمامًا كما تتلقى طليب نقدًا من العرب المؤمنين بالتحرير الكامل). ولم يفت كورتيس كذلك أن تضفي غلافًا من سياسات الهوية على ردتها الصهيونية وانكسارها أمام المؤسسة الحاكمة البيضاء الذكورية، فتصف في لقائها مع البي بي إس استعدادها لأن تتبنى وجهات نظر المؤسسات الكبيرة في واشنطن بـ«التعلم» و«التطور» وهي مصطلحات من صميم الخطاب النسوي الليبرالي. وحتى أصلها البورتوركي، الذي لو أرادت لجعلت منه مدخلًا للتضامن بين الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، استخدمته للتدليل على جهلها بالملف الفلسطيني، فقالت بأنها لا تعرف ما يكفي عن هذا الأمر لأنها بورتوريكية من البرونكس لم يدخل هذا الملف إلى بيتها. وعدا عما في ذلك من تدليس فهو كذب بواح، فالقضية الفلسطينية والقضايا العربية عامّة تحظى بتعاطف واسع ما بين البورتوريكيين، بالذات ما بين اليساريين والمؤمنين بلاهوت التحرير.

يلتقي الخطاب الهوياتي الفلسطيني والإسلامي مع الاحتفاء بأمريكا فينتجان مسخًا استعماريًا يستخدم هوية المستعمَر لتمرير وتبرير سياسات المستعمِر

وتمامًا كما أصبح الأصل البورتوريكي لكورتيس سبيلًا لتطبيع الاحتلال الأمريكي لجزيرتها وذريعة للتخلي عن القضية الفلسطينية، يُقدّم الأصل الفلسطيني لطليب كذريعة للتطبيع مع اللوبي الصهيوني ولدعم سياسات أمريكا الداعمة لإسرائيل. فصفحتها (البائدة) على موقع جي ستريت أخبرتنا أنها «تفهم المصاعب التي يقاسيها طرفا النزاع» لأنها «ابنة لأمريكيين فلسطينيين». والغريب أن هذا الأصل نفسه يقدم في موقع اللجنة العربية الأمريكية ضد التمييز حجة على وعيها باحتياجات المجتمع العربي.[10] تمامًا كما أصبح أصلها الفلسطيني ذريعة لتأييد حل الدولتين على الموقع الصهيوني ولحل الدولة الواحدة على موقع (In these Times) ذي الميل الاشتراكي.

وربما لا توجد صورة أكثر تعبيرًا عن تخفّي طليب، وتخفّي أجندتها الأمريكية الممالئة للصهيونية، وراء سياسات الهوية، من الصورة التي أخرجتها طليب بنفسها. فحين خرجت لتحتفل بفوزها الممول صهيونيًا أتت بأمها المتلحفة بعلم فلسطين في الخلفية (ولا ندري أننتقد طليب لأنها اتبعت النهج الوطني-الذكوري الذي يجعل المرأة مستودع التراث والهوية،[11] أم لأنها تاجرت بصورة «الختيارة» النابعة من صميم ثقافة المقاومة الفلسطينية) وهي الصورة التي يصر مناصروها على تذكيرنا بها كلما انتقدناها كأن التلحف بعلم فلسطين يبرر السياسات المتصالحة مع إسرائيل. وفي لقائها مع القناة الرابعة البريطانية، والذي أصرت فيه أنها لا تريد أن تنحاز لفلسطين على حساب إسرائيل أو العكس، قالت إن الناس حين يرونها (ويبدو من السياق أنها تقصد الفلسطينيين حول العالم) يرون فيها «ابنتهم وأمهم، وعماتهم أو خالاتهم، يرون أنفسهم والمكان الذي جاءوا منه». وفي غياب أي نقد لسياسات أمريكا التوسعية أو علاقتها الوطيدة بالصهيونية، يعني كلام طليب أنها تريد من الفلسطينيين أن يروا أمريكا تشبههم، أن يتماهوا معها، من دون أن تغيّر أمريكا هذه أيا من سياساتها الاستعمارية. ومثلما فعلت كورتيس حين احتمت بالصورة النمطية والذكورية للمرأة المتلعثمة الساذجة، احتمت طليب من أسئلة المذيع البريطاني المتعلقة بفلسطين بالصورة العنصرية الذكورية للمرأة التي لا تحسن الحديث، خاصة وإن كانت من أصول غير أوروبية، فعندما سألها المذيع إن كانت ستصوت ضد المساعدات الأمريكية لإسرائيل، في البداية قالت «بالطبع» ثم عادت وتلعثمت وردت بسيل من المقاطع المبعثرة والكلمات المرصوصة التي لا تكوّن جملة مفيدة ولا يفهم منها شيء. فيما بعد ستقول بأنها ضد تقديم المساعدات لـ«إسرائيل نتنياهو» (ربما لأنها تنتمي لحزب استيطاني ليبرالي وهو الحزب الديمقراطي الأمريكي لا ترى غضاضة في المصالحة مع الجناح الليبرالي واليساري من المشروع الاستيطاني في فلسطين المحتلة) ثم ستقول بأن جي ستريت تؤيدها لأنها تأخذ صف الإنسانية (وهكذا بمناورة لفظية جعلت اللوبي الصهيوني نصيرًا للإنسانية) وأخيرًا ستقول بأنها مع حق الناس في تبني خيار مقاطعة إسرائيل، دون أن تحدد موقفها هي من المقاطعة، ولكن حتى هذا الموقف الذي يعد تقدمًا عن مواقفها على صفحة جي ستريت لا يأتي من دون أن يكون تجميلًا لأمريكا فتقول: «إن كنت لا تؤمن بحرية الرأي فأنت في البلد الخطأ».[12]

يلتقي الخطاب الهوياتي الفلسطيني والإسلامي مع الاحتفاء بأمريكا فينتجان مسخًا استعماريًا يستخدم هوية المستعمَر لتمرير وتبرير سياسات المستعمِر. فقد أعلنت طليب بأنها ستؤدي قسم الولاء على «قرآن جيفرسون» (أي المصحف الذي امتلكه ثوماس جيفرسون أحد آباء أمريكا المؤسسين ورئيسها الثالث والذي أرسل الأسطول الأمريكي لغزو ليبيا في أول حرب تشنها أمريكا على الشعوب المسلمة، كما كان أول من انتهج سياسة تهجير السكان الأصليين)، ثم أضافت إنها ستفعل ذلك مرتدية ثوب أمها الفلسطيني. لا وجه للاعتراض، طبعًا، على أن تفتخر امرأة من أصل فلسطيني بالقشور الثقافية التي تنبع من هذا الأصل، ولا أن تقدم مرشحة أمريكية خطابا يفهمه الأمريكيون، ولكن المشكلة أن يصبح الخطاب الهوياتي تجميلًا لمشاريع عنصرية استعمارية واستيطانية، سواء في الولايات المتحدة أم فلسطين المحتلة. وبعد أن احتمت طليب بالرموز الفلسطينية والإسلامية للتهرب من حملة المساءلة التي بدأها الناشط الأمريكي-الفلسطيني علي أبو نعمة، محرر صفحة الانتفاضة الإلكترونية، صعّدت الخطاب فقالت إن أي هجوم عليها هو هجوم على فلسطين، وإمعانًا في سياسات الهوية كتبت كلمة فلسطين كما تنطق بالعربية (Falastine) في حين أن بقية الجملة وبقية السجال كانا بالإنجليزية.[13] وهكذا بفعل سياسات الهوية تصبح إدانة التعامل مع اللوبي الصهيوني هجومًا على فلسطين.

لا أقول بأن سياسات الهوية لا يمكن توظيفها في الصراع المادي من أجل التحرير: كل من استمع إلى الغناء الفلسطيني يعرف دور سياسات الهوية في تكريس أجندة التحرير الوطني، وكل من شارك في نشاط سياسي تضامني يعرف دور الغناء والشعر والصور الجذابة والشعارات المنغومة في بناء حركة التضامن. ولكني أقول بأن كل هذه الرموز قد تصبح عذرًا للتخلي عن المعركة الحقيقية إن انتزعت من سياقها وتم تصويرها على إنها هي وحدها المعركة، فيصبح التطريز الفلسطيني و«قرآن جيفرسون» أعذارًا للتنسيق مع اللوبي الصهيوني. لا نلقي باللوم على طليب وحدها طبعًا، فما تفعله ليس سوى انعكاس لمجتمع أمريكي يظهر الاحتفاء بالاختلاف بينما يقمع هذا الاختلاف بشراسة أو يستخدمه عذرًا للاستشراس في سياسات التمييز. وهو انعكاس كذلك لعملية السلام، أمريكية الصنع، التي تجعل التلويح بالعلم الفلسطيني بديلًا عن النضال لتحرير كامل التراب الفلسطيني.

  • الهوامش والمراجع

    الهوامش:

    1- Ali Abunimah, «Why Does Rashida Tlaib Support US Military Aid to Israel?» The Electronic Intifada.

    2- حتى قالت لندا صرصور، عضوة الحزب الديمقراطي التي تقدم نفسها كيسارية تارة وكليبرالية تارة، وكمعارضة لهيلاري كلنتون تارة ومؤيدة لها ولترشحها تارة، بأن كورتيس «هي الأمل الذي كنا في انتظاره».

    3- من أجل سرد مفصل لصهيونية ساندز عبر تاريخه السياسي ينظر شفاء ياسر، «الشرق الأوسط بعيون بيرني ساندرز: من العدو»، إضاءات، و محمد علي صالح، «بيرني ساندرز: ظاهرة أمريكية أقلياتية بامتياز»، الشرق الأوسط.

    4- للمزيد حول اختلاق بعض العرب الأعذار لأمريكا ولسياسييها عن طريق إلقاء اللائمة على اللوبي الصهيوني وكأن أمريكا ليست في حد ذاتها دولة إمبريالية واستعمارية، ينظر مقال جوزيف مسعد في الأهرام ويكلي عن الموضوع والذي كُتب قبل صعود ظاهرة بيرني ساندرز بعقد ونيف.

    5- Michael Brown, «Bernie Sanders Throws Palestinians Under the Bus,» The Electronic Intifiada.

    6- Joseph Massad, «Blaming the Lobby,» Al-Ahram Weekly.

    7- وحتى إن افترضنا أن هؤلاء أيدوها كرهًا في ترامب لا حبًا فيها، فلا نغفل أن عقيدة التدخل العسكري و«نشر الديمقراطية» شكلت أرضية مشتركة بينهم وبينها، وهذه العقيدة هي في الأساس عقيدة الحزب الديمقراطي الذي شكل الحاضنة الأولى للمحافظين الجدد قبل أن ينشقوا ويصبحوا جمهوريين. أما ترامب فلوهلة بدا كما لو كان يمثل الانعزالية الأولى للحزب الجمهوري التي كانت تفضل تفادي الانخراط في صراعات دولية، وإن كان آداؤه كرئيس قد برهن على استعداده لحمل إرث التدخل العسكري الذي يجتمع عليه الحزبان.

    8- يوضح الناشط اليساري خوان فيري كيف استخدم الحزب الديمقراطي كورتيس لتجميل صورته وإضفاء التعددية عليها في Juan Cruz Ferre, «Does Alexandria Ocasio-Cortez Represent the Politics of the DSA?» Left Voice. وفيه يقدم أيضا نقدًا مفصلًا لمواقف كورتيس المتهاونة (ومنها تراجعها أمام الصهيونية) وتلبيسها السياسات اليمينية بلبوس يساري.

    9- ينظر في ذلك كتاب ليزا دوجان في نقد الفصل بين سياسات الهوية وبين السياسات المادية الاقتصادية في أجندة الأطياف المختلفة لليسار الأمريكي Lisa Dugan, The Twilight of Inequality? Neoliberalism, Cultural Politics, and the Attack on Democracy. ينظر أيضا لقاء جوزيف مسعد مع جريدة الأخبار في مئوية الثورة البولشفية والذي استفاض فيه في بالحدبث عن سياسات الهوية ودورها في تغييب المعارك المادية.

    10- Abunimah, «Why Does Rashida Tlaib Support US Military Aid to Israel

    11- Joseph Massad, «Conceiving the Masculine: Gender and Palestinian Nationalism,» in The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians.

    12- Valerie Vande Panne, «Rashida Tlaib on Democratic Socialism and Why She Supports the Palestinian Right of Return,» In these Times. Ali Abunimah, «RashidaTlaib Repudiates Views of Israel Lobby Group J Street,»

    13- Ali Abunimah, «Rashida Tlaib Dodges Questions about pro-Israel Endorsement,» The Electronic Intifada./span>