رأي

«إسرائيل» لم تتغيّر يا دكتور مروان المعشّر

الخميس 09 تشرين الثاني 2017

في محاضرته في مؤسسة عبدالحميد شومان بعنوان «بناء الهوية الوطنية الجامعة» الإثنين الماضي، قال الدكتور مروان المعشر ردًا على سؤال أحد الحضور إن «إسرائيل التي تفاوضنا معها قبل ٢٥ سنة ليست هي إسرائيل اليوم» وإنه وهو الذي كان عضوًا في الوفد المفاوض لم يعد مقتنعًا أن «إسرائيل جادّة في موضوع السلام».

هذا كلام يعني أن الدكتور المعشر مقتنع بأن إسرائيل كانت قبل ذلك معنية بالسّلام، وأنها لم تكن بهذا «التشدد والتطرف» إلا بعد الهجرات اليهودية من دول الاتحاد السوفييتي السابق، بحسب قوله في المحاضرة.

ألم تكن إسرائيل «متطرفة» في دير ياسين وفي الهجوم على قرية السموع وصبرا وشاتيلا؟ ألم تكن أكثر تطرفًا عندما اقتلعت السكان العرب من فلسطين من بيوتهم؟ هل كانت إسرائيل «معنية بالسلام» في حروب الهاجاناه وفي كل المجازر التي ارتكبتها منذ بدايات القرن الماضي حتى الآن؟ ألم تكن اسرائيل أكثر تشددًا في الفترة التي سبقت معاهدات السلام – التي كان الدكتور المعشر جزءًا منها – عندما قمعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بسياسة تكسير عظام الشباب الفلسطيني ومواجهة الحجارة بالرصاص؟ ألم تكن إسرائيل أكثر توحشًا عام 1996 عندما قامت بمجزرة قانا بينما كان المعشر يتبوّأ منصب السفير الأردني في إسرائيل؟  

هل كانت إسرائيل قبل أن «تتغير» بحسب المعشر قد وافقت أو التزمت حتى بالسلام القائم على برنامج الحد الأدنى الذي قدّمه النظام الرسمي العربي – ولا أقول الشعوب – والقائم على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من حزيران عام 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار مجلس الأمن رقم 194، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو حزيران في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية؟

هل كانت إسرائيل التي فاوضتها يا دكتور وكنت سفيرًا لديها ملتزمة بكل ذلك قبل أن تتغير وتتشدد في السنوات الأخيرة فقط؟

إسرائيل يا دكتور لم تتغير. إسرائيل هي المشروع القائم على أساس احتلال أراضي الغير بالقوة والاستيطان الإحلالي. إسرائيل قامت على أساس اقتلاع وقتل وتشريد السكّان الأصليين وإقامة وطن قومي ديني لليهود على أراضيهم. إسرائيل تتعامل بموجب استراتيجيات ثابتة ومرسومة منذ ما قبل نشوئها ولا تزال مُستمرة وعلى ذات النهج لتحقيق أهدافها، وما يجري في وطننا العربي اليوم جزء لا يتجزأ من مُخططات هذا المشروع الصهيوني.

قال الدكتور في محاضرته أيضًا إن المجتمع الإسرائيلي قبل 25 عامًا كان منقسمًا بين معسكرين، «يساري» يريد السلام ويميني يرفضه، وأضاف: «العملية السلمية عند المجتمع الإسرائيلي ليست ذات اعتبار، لا عند المعسكر اليميني، ولا عند المعسكر – بطّل فيه معسكر يساري، ولا عند المعسكر الآخر، معسكر حزب العمل». وهو في هذا يتمسّك بأسطورة أن حزب العمل الإسرائيلي يختلف عن حزب الليكود، وينسى أن كافة الحروب العربية الإسرائيلية من عام 1948 حتى عام 1973 جرت بينما كان حزب العمل حاكمًا، في حين تم توقيع أول اتفاقية سلام – بين مصر وإسرائيل في كامب دايفيد – عندما كان الليكود حاكمًا بقيادة مناحيم بيغن. جوهر المشروع الصهيوني لم يختلف يومًا بين الليكود والعمل، لكن وللأسف الشديد استخدمت هذه الفكرة كثيرًا في سنوات المفاوضات وبعدها لتبرير التطبيع والتعامل مع جهات «مسالمة» في المجتمع الإسرائيلي والتخلّي عن النضال في سبيل التحرر من هذا الاستعمار.

كان حريّاً بك يا دكتور، بدلًا من اعتبار كل مجازر إسرائيل في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن أقل توحشًا من «إسرائيل اليوم»، أن تعتذر عن خطأ موقفك عندما شاركت في المفاوضات ووافقت أن تصبح أول سفير أردني لديها، لا أن تغيّر الحقائق التاريخية لتبرير بعض التبدّل في آرائك تجاه هذا الكيان المحتل.

إن  تفاعل عدد كبير من الحاضرين مع رد المعشر بالتصفيق والتأييد، يدل على التحدي الذي نواجهه في الأردن اليوم من حيث الرّبط الممنهج بين المطالبة بالدولة المدنية المُستندة إلى المواطنة المتساوية، وتقبّل المشروع الصهيوني (وما المنتدى العالمي للعلوم الذي يقام في الأردن بمشاركة إسرائيلية تحت شعار السلام وبحضور عدد كبير من دعاة الدولة المدنية سوى مثال آخر على ذلك). ما نراه اليوم هو أن نسبة كبيرة من النخب التي تتبنّى مشروع الدولة المدنية تنشر أيضًا ثقافة التسامح مع التطبيع  والتعامل مع العدو الذي لا يزال يحتل الأرض وما عليها ويقتل الإنسان ويبني مشروعه الذي لم يتغير يومًا في إقامة إسرائيل الكبرى.


نشر هذا المقال على مدونة هلمّ جرًّا.