دورة الخبز الناشف: من حاويات القمامة إلى علف المواشي

تصوير محمد زكريا في مخيم سوف في جرش.

دورة الخبز الناشف: من حاويات القمامة إلى علف المواشي

الأربعاء 12 كانون الأول 2018

هذا التقرير جزء من ملف مشترك بين مجموعة المواقع الإلكترونية العربية المستقلّة هي منشور، والجمهورية، وحبر، ومدى مصر، وكحل، والمفكرة القانونية، وصوت، وميغافون. للاطلاع على الملف كاملًا، اضغط/ي هنا.

«خبز ناشف للبيع مكسر ومدقوق بكافة الكميات. الخبز سوبر نظيف، للأغنام والأبقار».

هذا إعلان منشور على الموقع الإلكتروني «السوق المفتوح»، موجّه إلى مربي المواشي ممن يرغبون في شراء الخبز الناشف علفًا لمواشيهم. وهو واحد من عشرات الإعلانات المشابهة التي ينشرها، من مختلف محافظات المملكة، متعاملون في سوق الخبز الناشف، سواء كانوا تجارًا يعرضون ما لديهم، أو مربي مواش يعلنون عن حاجتهم.

هي سوق، يقول المتعاملون فيها، إنها رائجة. فمنذ سنوات طويلة، شكّل الخبز منفذًا لتقليل الكلفة على مربي المواشي، بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، بما فيها المدعومة حكوميًّا. وما زال، بحسبهم يلعب الدور نفسه، حتى بعد أن رفعت الحكومة دعمها عنه مطلع العام. إذ ما زال الخبز، بحسب شهادات هؤلاء، يتدفق إلى السوق من منافذه المختلفة، هي حاويات القمامة، وفوائض المخابز والمطاعم ومحلات السوبرماركت. وإن قلل رفع الدعم، بعض الشيء من هذه الكميات.

إبراهيم العواملة، من السلط، هو أحد مربي المواشي المعتمدين بشكل كبير على الخبز الناشف. يملك العواملة 200 رأس غنم. وحصته من الأعلاف المدعومة هي تقريبًا ثلاثة أطنان ونصف من الشعير والنخالة شهريًّا، يبلغ ثمنها 580 دينار تقريبًا. لكنه يقول إنه يتخلّى عن حقه في ثلثي هذه الكمية، ويستلم ثلثها فقط، يدفع مقابلها 190 دينارًا تقريبًا. ويعوض النقص من خلال الخبز الناشف، الذي يجد جزءًا منه مستعينًا بالإنترنت، لكن اعتماده الأساسي هو على مخبز تعاقد معه قبل سنوات على تزويده بالخبز التالف، أي الخبز الذي لم ينضج كما يجب، أو احترق بعضه، وذلك مقابل 150 دينارًا شهريًّا. وهو يحصل في المتوسط على 8 شوالات يوميًّا من الخبز الطري، يقول إنها بعد تجفيفها تصبح ستة شوالات، يزن الواحد منها 20 كيلو تقريبًا. وكان قبل رفع الدعم، يحصل على عشرة شوالات على الأقل يوميّا. يجرش العواملة هذا الخبز، بعد جفافه، مخلوطًا مع العلف، محققًا بذلك 280 دينارًا، وفرًا شهريًا.

أرغفة خبز مفرودة للتنشيف في مخيم سوف في جرش. تصوير محمد زكريا.

العواملة الذي ورث المهنة عن أبيه وجدّه، يقول إن الاعتماد على الخبز، وحتى على الأعلاف لم يكن بهذا القدر، في أيامهما، بالتحديد وقت جدّه في السبعينات، وقبلها، عندما كان هناك مساحات وفيرة نسبيًّا للرعي، وكان موسم الرعي يستمر لفترات طويلة من السنة، حتى أن «الحلال كان يظلّ من غير تعليف لشهر 10 و11». الآن، موسم الربيع بالغ القصر، وشحيح. والمراعي المتوفرة هي أراضٍ زرعها أصحابها بالشعير من أجل تضمينها للرعاة، ويتقاضون مقابل ذلك ما متوسطه 300 أو 400 دينار عن الموسم، وذلك مقابل السماح لهم بالرعي في مساحة قد لا تتعدى العشرة دونمات.

رغم اعتماده الكبير عليه، إلا أن العواملة يقرّ أن ما يفعله الخبز هو أنه يربي في الخراف كميات كبيرة من الشحوم، وليس اللحم، وأنه بمجرد إيقاف تغذيتها به، فإن وزنها ينزل مباشرة وبشكل كبير. في حين يؤكد المهندس الزراعي، والخبير في الإنتاج الحيواني، محمد السوالمة، أن استخدام الخبز في تغذية المواشي هو واحد من الأخطاء الشائعة في أوساط المربين، فالخبز «لا يساهم في تسمين اللحم ولا في إدرار الحليب، كما يفعل العلف. وبالتالي فإن الوفر المتحقق في سعر العلف، ينعكس ضعفّا على المردود من المواشي». إضافة إلى ذلك، يقول السوالمة، إن الكميات الكبيرة من الخمائر الموجودة في الخبز تؤدي إلى اضطرابات وانتفاخات في أمعاء المواشي.

وسطاء صغار وآخرون كبار

التعاقد المباشر بين مربي المواشي ومنتجي الخبز هو أحد أشكال تداول الخبز الناشف. لكن الشكل الذي يبدو أنه الأكثر شيوعًا هو تداوله من خلال وسيط. وقد يكون هذا الوسيط جامعًا صغيرًا ينجز المهمة بنفسه، أي يجمعه ويبيعه مباشرة إلى المربين، أو يبيعه إلى وسيط ثان أكبر يتعامل مع عدة جامعين صغار.

محمد المصري من الرمثا، هو صاحب إعلان السوق المفتوح الذي سبق ذكره، وهو مثال على وسيط صغير يعمل في الخبز الناشف على هامش عمله الأساسي، وهو بائع في محل ملابس. يقول إن بيع الخبز الناشف رافد إضافي للدخل، استدل عليه عندما كان، قبل عمله الحالي، عاملًا في مخبز، وعرف هناك عن آلية تصريف الخبز التالف: «المخبز بشتغل بالآلاف [الكيلوات] فإذا خربتلها عجنة بـ100 كيلو عادي، بتصير كثير».

بدأ المصري تجارة الخبز الناشف قبل خمسة أشهر. وأضاف إلى المخابز محلات سوبرماركت، تُصرّف بالطريقة نفسها الخبز «البايت». يقول إنه في حالات قليلة، يلجأ إلى من يجمعون الخبز من أطراف الشوارع، والأكياس المعلقة بحاويات القمامة، لكنه خيار مقصور على «وقت الزنقات، حتى أمشّي زبايني»، لأن مشكلة هذا الخبز في أحيان كثيرة، هو أنه يكون مصابًا بالعفن، وغير صالح لتغذية المواشي. لهذا يتفقّده بشكل جيد قبل الشراء. يشتري المصري الخبز بسعر يتراوح بين 8 و10 قروش للكيلو، يجففه ويكسره، ثم يعبئه في شوالات، ويبيعه بـ15 قرشًا للكيلو مباشرة إلى مربّي المواشي. وهو يسوّق ما يتراوح بين طنين إلى ثلاثة شهريًّا، ويلفت إلى أنها كمية قليلة مقارنة بوسطاء كبار يتداولون مئات الأطنان شهريًّا.

في مخيم سوف في جرش. تصوير محمد زكريا.

من هؤلاء الوسطاء حسين بنات، الذي يقيم في مخيم سوف، في محافظة جرش، والذي بدأ العمل في هذا المجال قبل سنتين، وأصبح مشروعه التجاري الذي تفرغ له بمعاونة أربعة عمال يشتغلون لديه. تقاعد بنات قبل عشر سنوات من عمله إداريًّا في الجامعة الأردنية، بعد خدمة 25 سنة. وعمل 8 سنوات في تجارة الأثاث المستعمل. وعندما أصبح هذا العمل منهكًا له، تحوّل إلى تجارة الخبز الناشف، الذي يأتي به من مصدرين أساسيين: المخابز، ونساء يمتهنّ جمعه وتجفيفه في بيوتهن. وهو يسوّق ما بين ثلاثة إلى أربعة أطنان يوميّا. يقول بنات إن رفع الدعم عن الخبز قلل إلى حدّ ما الكميات التي تهدرها المخابز، لكن السوق مع ذلك ما زالت رائجة بشكل كبير. أما الذي تأثر فهو سعر الشراء منها، فقد كان يشتري الكيلو بخمسة قروش، ارتفع بعد رفع الدعم إلى عشرة. ويبيعه هو بـ15 قرشًا.

يتعامل بنات بشكل أساسي مع المخابز التي تنتج خبز الشراك لصالح مطاعم الشاورما. هذه المخابز، كما يقول، تضطر قبل توريد الخبز إلى المطاعم إلى أن تقطع محيط كل رغيف لأنه يكون سميكًا، وتبقي فقط على منطقة الوسط الرقيقة. وهذا يعني أنه في نهاية اليوم يكون هناك كميات كبيرة من هذه البقايا، فيشتريها إضافة إلى فوائض الخبز العادي، الذي يقول إن بعضه يكون صالحًا للاستهلاك، فيوزعه، ويجفف الباقي في منزل قيد الإنشاء يعود لأخيه. هذا المنزل الذي توقف البناء فيه، وما زال من دون تقسيمات داخلية، يوفر المساحة اللازمة لعملية تنشيف الخبز التي يقوم بها العمال.

يقول بنات إن هناك طريقتين للبيع والشراء في سوق الخبز الناشف، الأكثر شيوعًا هي البيع بالشوال، وفيه في المتوسط 17 كيلو. حيث يشتريه الوسيط من الجامع الصغير بدينارين، ويبيعه إلى مربي الماشية بثلاثة. ولأن مواصفات شوال الخبز الجيد إضافة إلى كونه خاليًا من العفن، هو أن يكون «مدكوكًا»، أي مكسرًا بما يكفي، بحيث يسع الشوال كمية أكبر. فإن هذا يعني تفاوت الوزن بين شوال وآخر. لهذا يقول بنات إنه يفضل البيع والشراء بالوزن لأنه أكثر عدالة.

حسين بنات، وسط خبز يتم تنشيفه في مخيم سوف في جرش. تصوير محمد زكريا.

إضافة إلى المخابز، يأتي بنات بالخبز الناشف من بيوت تمتهن نساؤها العمل فيه. الأمر الذي يقول إنه يشكل ظاهرة منتشرة: «كثير بشتغلن هاي الشغلة، الله يعين الناس على حالها». بعد سنتين من العمل في المجال، يقول إن رقم هاتفه متداول الآن بين من يعملن في هذه المهنة. وهن يتصلن به عندما تتجمّع لديهن كميّة، وهناك دائما جديدات ينضممن: «النسوان بِدلّن بعض. مرات بكونوا [مجمّعات] شوالين أو ثلاثة، وفي بيوت بتكون مجمعة 40 أو 50 شوال».

تصوير محمد زكريا.

«بنجيبلك خبزات تتسلي فيهن»

من بين النساء اللواتي امتهن العمل في الخبز الناشف، الأختان السبعينيتان فاطمة ورسمية عبد العال من مخيم البقعة. تقيم الاثنتان في منزلين متقابلين في أحد أزقة المخيم، وتعملان في هذه المهنة منذ أكثر من عشر سنوات. كلتاهما ترملتا، وزوّجتا الأبناء الذين بالكاد يكفون عائلاتهم، وبيع الخبز الناشف باب للرزق، كما تقولان، شحيح، لكنه في حالتهما رديف أساسي للدخل، إذ يتجمع لدى كل واحدة شوالين أو ثلاثة يوميًا، تبيعان الواحد منها بدينارين.

الحاجة رسمية تفتت الخبز في مخيم البقعة. تصوير دلال سلامة.

رسمية هي من بدأت هذه المهنة، ففي أعقاب وفاة زوجها، أخبرها اثنان من أبنائها يعملان عمال نظافة في أمانة عمان، عن كميات الخبز التي يجدانها أثناء عملهما: «قالولي يمّة بنجيبلك خبزات تتسلي فيهن». استمر الاثنان يجلبان لها الخبز إلى ما قبل سنوات قليلة، ثم توقفا بسبب ما تقول إنه تعليقات الناس الذين كانوا يرونهما عائدين كل يوم من العمل محمّلين بأكياس الخبز. هنا انتقلت مهمة جلب الخبز إلى ابنتها هدى، وهي مصابة بإعاقة حركية، وتستعمل كرسيًّا متحركا، تقول رسمية إنها «تسرح» عليه يوميًّا وتجمع الخبز من المناطق المحيطة بالمخيم. بالتأكيد ليس من المخيم نفسه، الذي تقول أختها فاطمة إنه: «ولا لقمة زيادة بتلاقي فيه».

تقيم فاطمة أيضًا مع ابنة تتولى جمع الخبز. تعمل ابنتها وداد، آذنة في مدرسة في الجبيهة. وتقول إنها اتفقت مع ثلاثة مطاعم، ومحلي سوبرماركت أن «يحوّشوا» لها الخبز غير المباع، وبقايا استهلاك الزبائن. ويعطونها إياه مجانًّا. يضاف إلى ذلك، الخبز الذي يرسله إليها في المدرسة سكان الحي الذي تعمل فيه، والذين يعرفون أنها تجمعه. وكل بضعة أيام، تستأجر سيارة بيك اب، وتجول على هذه المحلات فتأخذ الخبز وتعود به إلى أمها في المخيم، وتنشره تحت الشمس على حصيرة بلاستيك بمحاذاة الزقاق. ليبدأ بعدها دور أمها المقعدة، التي تنزل الدرجات القليلة أمام بيتها زحفًا، لتصل حيث الخبز، وتبدأ بتفتيته لتسرع عملية تنشيفه. وعندما يجف تمامًا، ترسل أحد أحفادها إلى مخبز مجاور، ليشتري لها شوالات طحين فارغة، بسعر 10 قروش للشوال.

الحاجة فاطمة أمام منزلها في مخيم البقعة (يمين) وأختها الحاجة رسمية (يسار). تصوير دلال سلامة.

تأتي الكثير من المصاعب مع تنشيف الخبز بهذه الكميات، كما تؤكد فاطمة ورسمية، على رأسها، تحدّي تجفيفه في الشتاء، فهما تنشرانه في الشمس، وعندما يبدأ المطر بالتساقط تدخلانه بسرعة إلى المنزل، حيث تزيحان فرشات الجلوس، وتنشرانه مكانها، ثم تعيدانه إلى الشارع عندما يصحو الجو ثانية. تقول فاطمة إنه إضافة إلى رائحة الخبز الخانقة، في الجو المكتوم للمنزل وقت الشتاء، والتي سببها تعفن جزء منه في الجو الرطب، هناك مشكلة الفئران التي تتسلل إلى المنزل: «وبقرطن الفرشات قبل الخبزات».

في الحقيقة، فإن الخبز يجذب الفئران والذباب حتى في الصيف، وهذا ما يجعل ممارسة الاثنتين لهذه المهنة في الشارع مصدر تذمر في الحارة التي تسكنانها، حتى وصل الأمر حدّ الشكوى إلى المخفر، بالتحديد على فاطمة التي تنشف كميات أكبر بكثير مما تفعل أختها. تقول فاطمة إنها عندما ذهبت إلى المخفر: «قلت للضابط أنا بمشيش، بشيلوني شيل. يعني أشحد؟ قالي خلص روحي يا حجّة».

لكن فاطمة تصرّ على أن من اشتكى هم من عابري الطريق من خارج الحارة، لأن أبناء حارتها، حتى وهم يعلنون لها عن ضيقهم بالخبز المنشور طوال الوقت على قارعة الطريق، فإنهم يهرعون لإبعاده عن مياه الشطف التي تسيل فجأة من البيوت، ويطرقون بابها في الشتاء لينبهوها إلى أن المطر بدأ بالتساقط عليه.

تصوير محمد زكريا.