رأي

الربيع العربي: ثورات سياقيّة لا قياسية

الخميس 25 كانون الثاني 2018
الصورة من حساب سيريانا 2011 على موقع فليكر

بعد سبعة أعوام من اندلاع الانتفاضات العربية، يبدو أنه هناك القليل الذي يمكن الجزم به، في شأن وضع نهاية لحقبتها، وبالتالي استخلاص نتائج نهائية فيما يتعلق بتحليلها. ففي تونس، واكبت الذكرى السنوية لثورتها هذا العام، احتجاجات عنيفة، بطول البلاد وعرضها، بعد سلسلة طويلة من التظاهرات والاعتصامات والإضرابات النقابية، على مدى الأعوام القليلة الماضية. وبالتوازي، اجتاحت إيران مظاهرات أكثر عنفا تجاوزت المطالب الاقتصادية إلى إسقاط النظام السياسي، وذهبت إلى ما هو أبعد من مطالب «الثورة الخضراء» في 2009. بينما لحقت السودان بمظاهرات محدودة ذات مطالب اقتصادية واجتماعية، أقل جذرية في أهدافها، لكنها الاحتجاجات الأوسع منذ سنوات. في مصر، وبينما لا يشك أحد في انكسار ثورتها، وعودة السلطوية بشكل ربما أكثر قسوة وانحطاطًا من الماضي، فإن الانتخابات الرئاسية المقبلة، بدت وقد حرّكت المياه الراكدة، مع عودة شعارات الثورة، وطرح بدائل تستلهمها. ليبيا، تظل على حافة الحرب الأهلية، وإن كانت أفضل حالًا مما آلت إليه الثورة في كل من سوريا واليمن، فالمظاهرات التي خرجت تنادي بالكرامة والحرية انتهت إلى صراعات أهلية هي الأكثر دموية في تاريخ المنطقة، وحروب بالوكالة تجاوزت صراعات القوى الإقليمية إلى تمثيل صراعات القوى الغربية.

يبقى من الصعب التشكيك في أن الربيع العربي حمل معه آفاقًا لإمكانيات التغيير، ومسارات للصراع، وسلسلة من الهزائم الفادحة، حصيلتها مئات الألوف من القتلى، وملايين من اللاجئين والجوعى، وقليل من الانتصارات المتفرقة والناقصة، تبدو جميعها في بداياتها، وبلا علامات للحسم النهائي. لكن السؤال الذي يبدو جديرًا بالطرح هنا هو: «إذا كان لا يوجد شيء كالثورة، يتطلب الأمل، ويلهمه كما يخيبه في نفس الوقت، فما الحكمة إذًا في الانخراط في ثورات ربما تنتهي بنا إلى اليأس؟ هل الثورات تستحق كل هذه الجهود الاستثنائية لتحقيقها؟».

يطرح الباحث آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع والدراسات الشرق أوسطية في جامعة إلينوي، تلك الأسئلة في الفصل الأخير من كتابه، «ثورة بلا ثوار»، الصادر العام الماضي. لا يكتفي بيات بتحليل الثورات العربية ومحاولة فهمها، ولا التساؤل عن جدواها فقط، بل يسعى في نفس الوقت للمساهمة في التنظيرات الاجتماعية المتعلقة بمفاهيم الثورة والإصلاح والراديكالية والإسلام السياسي والصياغة النيوليبرالية للحيز الحضري. لا يتشابه كتاب بيات مع كتاب فواز طرابلسي الذي يحمل نفس الاسم، «ثورة بلا ثوار»، سوى في العنوان، لكن خطوطه الرئيسية تبدو شديدة التشابه مع كتاب جلبير الأشقر، «انتكاسة الانتفاضات العربية: أعراض مرضية». فكلاهما يحلّل الربيع العربي في سياقه التاريخي، بموضعة ثوراته في علاقتها بما سبقها من ثورات القرن العشرين، ومقارنتها بها، لا لفهم الربيع العربي فقط، بل وأيضًا لفهم ما طرأ على مفهوم الثورة نفسه من تحولات.

يتحايل الأشقر على معضلة التعريف، باللجوء لتسمية «الانتفاضات»، فيما يقبل بيات بتسمية «الثورة»، لكن بنزع الثوار والثورية أيضًا عنها.

هذا التوتر الذي يتعلق بتسمية «الثورات» العربية، ليس مسألة هامشية، بل هو جوهر تحليل بيّات للربيع العربي. ففي مقال سابق في جريدة الشروق، عام 2015، يشير بيات لأحداث الربيع العربي، بوصفها «ثوراح»، دامجًا لفظتي الثورة والإصلاح، لوصف ما يشير إليه في كتابه بـ«ثورات التفاوض»، و«الثورات الإصلاحية» و«المغامرة القانونية». يبرر بيات تسمية «الثوراح» بالرجوع إلى ثورات القرن العشرين، وبالأخص حقبة السبعينات، والثورة الإيرانية، حيث تميّز الحراك الثوري، بأسس أيديولوجية راسخة، ورؤية لمسارات الثورة المستقبلية، ومشاريع للسيطرة على مؤسسات الحكم، واحتلالها، وتصورات بديلة لبنية الاقتصاد وعلاقاته، وأشكال توزيع الملكية الخاصة وأدوات الإنتاج.

يسهب بيات في وصف الأسس النظرية الإسلامية-الماركسية، للثورة الإيرانية، ومنظّريها وبالأخص علي شريعتي، والطبيعة الراديكالية التي شهدتها أحداث الـ18 شهرًا الأولى لها. وينتقل بعد هذا لمقارنتها بالربيع العربي، الذي، بحسبه، كما كان محرومًا من الأسس الأيدلوجية والمرجعيات الفكرية، والرؤية الواضحة لمساراته، فإنه كان مفتقدًا للحد الأدنى من التنظيم المؤسسي، والقيادة الملهمة.

نجحت ثورتا تونس ومصر، نجاحًا استثنائيًا في «الحراك»، لكن نتائجها كانت شديدة التواضع فيما يخص «التغيير».

بيّات الذي يركز في كتابه على النموذجين المصري والتونسي، يرى أن أهداف الثورات العربية المعلنة، التي اقتصرت على إسقاط النظام، وتحديدًا رأس النظام، افتقدت إلى الراديكالية، وسلّمت بأن تقوم النخب المهيمنة بالفعل بعملية إصلاح فوقي، بنفسها، أو عبر تفاوض بينها وبين قوى محافظة مثل تيار الإسلام السياسي، بهدف الوصول لإصلاحات قانونية ودستورية لا أكثر. كان ما يدعوه بيات بـ«الاستثنائية العربية»، بتأثير من وجود النفط في المنطقة و«إسرائيل»، سببًا إضافيًا لهشاشة الثورات العربية، سمح بتدخل القوى الإقليمية لتقويضها. لكن السبب الأكثر تأثيرًا، فيما يبدو، لسقوطها ضحية الثورة المضادة هو افتقادها لأي رؤية مغايرة للوضع القائم فيما يخص توزيع الملكية الخاصة أو إدارة أدوات الإنتاج، وفصلها للسياسة عن الاقتصاد، وحصرها للسياسي في شقه القانوني والدستوري، وانفصالها بالتالي عن السياسة اليومية، وطموحات الطبقات المحرومة وغير الممثلة.

يلجأ بيات إلى أكثر من محور لتفسير الاختلافات الجوهرية التي ميزت ثورات الربيع العربي، مقارنة بثورات القرن العشرين التي سبقتها. فمن جانب، قاد سقوط الاتحاد السوفيتي، بعد تداعي أنظمة ما بعد الاستقلال الوطنية في العالم الثالث إلى سلطويات فاسدة وقمعية، إلى تراجع مفهوم «الثورة»، بل وربما اختفائه من الخطابات السياسية والنظرية. على الجانب الآخر، فإن «نهاية التاريخ» التي كُللت بما بدا الانتصار النهائي للرأسمالية، قادت لتحولات جذرية في مجتمعات الجنوب، والمنطقة بالأخص، وتم خلال العقود الثلاثة الماضية إعادة هيكلة نيوليبرالية لاقتصاديات دول المنطقة وبنيتها الاجتماعية.

يخصص بيات فصلًا بعنوان، «مدن التمرد» للنظر في تأثير سياسات النيوليبرالية على الحيز الحضري، والدفع بأحشاء المدن إلى خارجها، حيث تداعى في مدن كالقاهرة وطهران، الفاصل بين العام والخاص. وأضحت الشوارع وأرصفتها ونواصيها حيّزًا لعمليات التبادل والإنتاج الاقتصادي، والانخراط والتفاعل الاجتماعي، والسكن، والتضامن المشترك، لملايين المهمشين الذين يعيشون على حواف القانون أو دونه. أنتج ذلك الواقع الجديد، ما يسميه بيات «سياسات الشارع» أو «شارع السياسات»، والتي ينتجها مهمشو الحضر، والنازحون من الريف، مع طبقة فقراء الطبقة الوسطى الهابطة، في عمليات معقدة من تحدٍ لسلطة الدولة، وتحايل على القانون، في صراع يومي على البقاء. تقدم «مقاومة اللاحركات» تلك، والتي لا تعتمد تنظيمًا مؤسسيًا، بل تضامنًا لينًا عبر شبكات من علاقات الشخصية والجيرة والنشاطات الاقتصادية المتراكبة، والإيماءات والإشارات اليومية، الأسس اللازمة للانتظام في الحد الأدنى من صور التمرد في المدن النيوليبرالية. إلّا أن فرادة أطروحة بيات الأساسية تكمن في أنها كما تطرح النيوليبرالية كمحور لخلق شروط موضوعية للتمرد، فإنها هي ذاتها تقوم بتدجين هذا التمرد، وتفرغه من أي إمكانات راديكالية.

يخصص بيّات الفصل الرابع من كتابه، للنظر في تحولات أيديولوجيا حركات الإسلام السياسي، ووصولها إلى ما يدعوه «ما بعد الإسلامية». فالقبول بالواقع النيوليبرالي، وتماهي خطاب «الدعاة الجدد» التلفزيوني مع اقتصاد السوق، وتوأمة التقوى بالثروة، والإيمان بالنجاح العملي، انتهى بالخطاب الإسلامي، إلى التركيز على إصلاح الذات، والعمل الخيري، متجاوزًا الخطابات الراديكالية الأكثر اجتماعية. وبالتوازي مع التحولات في الخطاب الإسلامي، فإن ترويج الحكومات والمؤسسات الغربية، ودعمها الفني والمالي لمؤسسات المجتمع المدني، وخطابات التغيير الديمقراطي السلمي، قادت لتحول النضال السياسي، لمحض نشاط حقوقي، تقوم به منظمات أهلية، تقبل باقتصاد السوق والليبرالية الديمقراطية كمعطى، غير قابل للمناقشة.

الآليات التدجينية لخطابات النيوليبرالية، المتمثلة في «ما بعد الإسلامية»، و«المجتمع المدني» كانت كفيلة بتسطيح مطالب حركة التمرد، وتفريغها من العمق الراديكالي والإيديولوجي.

هكذا فإن ثورات الربيع العربي، هي ثورات نيوليبرالية بامتياز، وإن كان بيّات لا يقول هذا نصًا. فالتناقضات التي تطرحها النيوليبرالية، بتعاظم الفوارق الطبقية، وارتفاع معدلات البطالة، وانكماش دور الدولة في الضمان الاجتماعي والخدمات الأساسية، كانت الدوافع التي أشعلت الثورات العربية، ومكّنتها من الانتشار من خلال شبكات «التمرد اللاحركية» (nonmovement)، التي تجسدت في تشكّل اللجان الشعبية، والهجمات المتزامنة ضد قوات الأمن، بشكل خاطف وفعال. لكن الآليات التدجينية لخطابات النيوليبرالية، المتمثلة في «ما بعد الإسلامية»، و«المجتمع المدني» كانت كفيلة بتسطيح مطالب حركة التمرد، وتفريغها من العمق الراديكالي والإيديولوجي.

تبدو أطروحة بيات، مع ما تحمله من نوستالجيا إلى «الزمن الجميل» للثورات الراديكالية، متسقة ومقنعة. لكن بيّات يتجاهل عمدًا، النموذج السوري والليبي، وكذلك اليمني، ويكتفى بإشارات عابرة لكلٍ منها. ففي سوريا وليبيا على الأقل، دفع العنف الهمجي للنظام إلى عسكرة الحراك الاحتجاجي، وإفراز قيادات محلية، وأجهزة إدارة ذاتية وبديلة، وعملية استيلاء وإعادة توزيع للملكية الخاصة ووسائل الإنتاج وإدارتها بشكل جماعي، في بعض المناطق، ولفترات قصرت أو طالت. ليس هذا ما يتجاهله فقط بيات في تحليله، ففي قراءته لثورات القرن العشرين، يتوقف عند حقبة السبعينات، مسقطًا تمامًا ما عرف بالـ«ثورات الملونة» في شرق أوروبا، ونموذج التحول السلمي في جنوب أفريقيا، وبورما وغيرها.

ما يتعثر فيه بيات أيضًا، هو عدم اعتباره للمرجعيات الإصلاحية للثورات العربية، في بداياتها، كأسس فكرية، متهمًا الربيع العربي بافتقاده لأي أسس فكرية وتنظيرية. فالتعويل على أن التحول إلى الديمقراطية وعلى أن التداول السلمي للسلطة عبر المؤسسات التمثيلية المنتخبة، وأن الشفافية والحكم الرشيد، كفيلة بحل كافة معضلات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، تظل مرجعية فكرية، وأساسًا نظريًا، حتى لو اختلفنا في موقفنا منها، أو مدى فاعليتها.

يعود بيات في الفصلين الأخيرين من كتابه للإقرار بأن طبيعة ثورات الربيع العربي الإصلاحية، هي نتاج سياقها، والخطابات المهيمنة من حولها، ونتيجة تراكم تجارب تاريخية، كانت شاهدة على الأثمان الباهظة للراديكالية في ثورات القرن العشرين وعلى مصائر الملايين من ضحاياها، وكذلك على النتائج الإيجابية التدريجية في حالات كثيرة لحركات الاحتجاج السلمي والإصلاح التفاوضي والفوقي. يطرح بيات «الثوراح» بوصفها أكثر تعددية، وأقل كلفة في نجاحها وفشلها في أحيان كثيرة أيضًا، وفي الوقت نفسه فإن تلك التعددية هي نقطة ضعفها وهشاشتها أمام الثورات المضادة.

نجحت ثورتا تونس ومصر، نجاحًا استثنائيًا في «الحراك»، لكن نتائجها كانت شديدة التواضع فيما يخص «التغيير». لكن وبالرغم من هذا يختم بيات كتابه بكثير من الأمل، فالثورة تحدث عندما لا يكون هناك مخرجٌ غيرها، أي أننا نادرًا ما نقرر أن نقوم بثورة بكامل إرادتنا، وبشكل طوعي، لكن وعندما تحدث، بأي حال، فإن ما علينا فعله هو أن نكون مستعدّين لها، بغية تجذيرها.

بالعودة للنظر إلى الأثمان الفادحة للثورة في سوريا، ومعها اليمن وليبيا، يبدو أن إصلاحية «ثوراح» تونس ومصر، مبرّرة ومفهومة، وربما أكثر حكمة، ونتاج تجارب تاريخية وتراكم خبرات الماضي المفزعة. صحيح، لا ترقى راديكالية الانتفاضات العربية للمعايير القياسية لبيات حين يعرّف ما هي «الثورة»، لكن هذا لا يجب أن يدفعنا لمحاولة إعادة إنتاج ثورات الماضي وراديكاليتها، في المستقبل، بل بالنظر إلى انتفاضات الأمس القريب بوصفها متجذرة في سياقها، وابنة عصرها، حتى يمكن الدفع بها نحو مشروع تحرّري للمستقبل، قادر على خلق بدائله، أيًا كانت درجة إصلاحيتها أو راديكاليتها، طالما كان قادرًا على حشد موارده نحو تحقيق أهدافه.