حين يُخطئ لينين: حق تقرير المصير في عالم السوق المفتوح والكيانات الوظيفية

حين يُخطئ لينين: حق تقرير المصير في عالم السوق المفتوح والكيانات الوظيفية

الثلاثاء 24 تشرين الأول 2017

في مقدّمة مقالته الهامّة: «حقّ الشّعوب في تقرير المصير» (1914)، يضع فلاديمير إليتش لينين، المنظّر الماركسيّ، والقائد السياسيّ للبلاشفة، وأحد زعماء ثورة أكتوبر الاشتراكيّة، ولاحقًا: رأس الدولة السوفييتيّة، نفسه في مواجهة النقد (أو الهجوم) الذي تعرّض له البند التاسع من برنامج الماركسيّين الرّوس (المنضوين في حزب العمّال الاجتماعيّ الديمقراطيّ)، ونصّه (بعد التعهّد بالإطاحة بالأوتوقراطيّة القيصريّة، وإنشاء جمهوريّة ديمقراطيّة بدلًا منها، يضمن دستورها عدّة أمور منها): 9- حق تقرير المصير لجميع الشّعوب التي تشملها حدود الدّولة [الروسيّة العظمى].

لم تُساور لينين أيّة شكوك، ولم توجد لديه أدنى ذرّة من التردّد، حين تعلّق الأمر بتفسير معنى عبارة «تقرير المصير»، التي قيل عنها أنها «ضبابيّة»، و«غير محدّدة». كان لينين غير مواربٍ على الإطلاق حين أكّد مرارًا بأن: حقّ تقرير المصير يعني حقّ الانفصال، وتأسيس كيان سياسيّ منفصل.

خاض لينين معركة نظريّة حادة لتثبيت هذا الموقف ضد روزا لوكسمبورغ، والاشتراكيين البولنديين، الذين كانوا يرفضون انفصال بولندا عن روسيا القيصريّة، باعتباره أمرًا يوتوبيًّا غير قابل للتحقّق، وتعزيزًا للنزعات القوميّة/الوطنيّة التي يفترض بالماركسيين أن يقاوموها لصالح الأمميّة، وباعتبار أن بولندا داخل دولة أكبر ستسير بشكل أسرع نحو البرجوازية الديمقراطيّة (التّصنيع، والتحوّل إلى دولة رأسماليّة)، وستتمكن طبقتها العاملة من التطوّر، وبناء تحالفات طبقيّة أوسع، وبالتالي تحقّق مكاسب أكبر للبرنامج الاشتراكيّ على المدى الطويل.

في هذه المقالة، سأعرض أطروحات لينين (المتقدّمة حقًّا) حول حقّ تقرير المصير، وأنقُدُها إذ أطبّقها على عالم اليوم، وبعض نماذجه المعاصرة (كردستان، كاتالونيا، وغيرها)؛ آخذًا بعين الاعتبار التغيّرات الموضوعيّة التي استجدّت عن نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مُؤكّدًا -في ذات الوقت- على شجاعة لينين، وتقدّميّته، في أخذ هذا الموقف الحادّ لصالح حريّة الشّعوب من الهيمنة، في وقت كانت فيه روسيا القيصريّة (دولته) تمسك بقبضتها المُهيمنة العديد من الشعوب؛ وفي وقت كان الاستعمار يمدّ أذرعه الطويلة النّاهبة في كافة أنحاء جنوب العالم.

قبل أن نبدأ: حول المصطلحات وضبطها ودلالاتها

تواجه الباحث والقارئ إشكاليات كبيرة عند التعامل مع مصطلحات لا يوجد لها رديف عربيّ مناسب، إذ لا توجد في العربيّة كلمات مختلفة، محدّدة وواضحة، للتّعبير عن المصطلحات التالية: (patriotism،  nation national، nationalist) وهي كلّها كلمات مهمّة في سياق البحث، وتختلف في الدلالة، وأحيانًا: تختلف دلالتها بحسب سياق النصّ.

بالإضافة إلى هذه الإشكاليّات، استخدم المترجمون كلمتين مختلفتين للدلالة على مصطلح واحد هو: (national)، فالقوميّون يترجمونها: «القوميّة»، بينما يترجمها غيرهم: «الوطنيّة»، والاثنان يستخدمان ذات الكلمة للدلالة على (nationalist) أيضًا، مع الفارق الكبير بينهما، إذ لا توجد أداة لغويّة عربيّة للتفريق بين كلمة (national) التي تحيل إلى مرجعية وطنيّة أو قوميّة دون نزعة أيديولوجيّة مرافقة، و(nationalist) التي تحيل إلى مرجعيّة أيديولوجيّة وطنيّة أو قوميّة، وهذه تختلط بـ(patriotism) التي تحيل إلى مرجعيّة أيديولوجيّة وطنيّة معنيّة بدولة بعينها، مثل الوطنيّة الأميركيّة.

في تعبيراتنا التي رسخت، نستخدم كلمة «الوطنيّة» للإشارة إلى الانتماءات المرتبطة بالكيانات الناشئة بعد الاستعمار، فنعرّف الانتماء إلى القطر الأردني أو الفلسطيني أو المصري أو السعودي بأنّه انتماء «وطنيّ»، أمّا كلمة «القوميّة» فتعبّر عن الانتماء إلى الإطار العربيّ، أو «الأمّة العربيّة». هذه التعبيرات نتجت عن عقود من دعاية وتأثير خطاب الحركات القوميّة، وتحمل التباسات متعدّدة ليس هذا مقام تفصيلها، تُضاف إلى الالتباسات الدلاليّة التي تحدّثت عنها، لذا سأستخدم المصطلحات التالية في هذه المقالة، منعًا لكل هذه الالتباسات، وللفصل بين المفاهيم، وتصحيح الدّلالات: (اضغط\ي على المصطلح ليظهر الشرح والمعنى)

  • شعب وشعوب
    للتعبير عن كلمة nation/s (ما يسميّه القوميّون «أمّة» و«أمم»)؛ فكلمة nation لا تحمل عادةً أبعادًا أيديولوجيّة قوميّة إلا إن وردت في سياق خطاب الحركات القوميّة حصرًا، أو في سياق الإشارة إلى دولة كبرى مُهيمنة (حيث تأخذ أبعادًا اقتصاديّة-سياسيّة-ثقافيّة)؛ أما كلمة «الأمّة» بالعربيّة فهي تحمل معنىً أيديولوجيًّا قوميًّا داخلها بالضرورة، بغض النظر عن الموقع الذي ترد فيه، لذا سأستعيض عنها بكلمة: «شعب»، إن كانت الدلالة خالية من الأيديولوجيا القوميّة، وأستخدم كلمة: «أمّة»، إن كنت أشير إلى المصطلح في سياقه الأيديولوجي القوميّ، أو سياق الدّولة المُهيمنة.
  • الموطنيّ والموطنيّة
    للتعبير عن كلمة national، الخالية إلى حدّ كبير من الحمولات الأيديولوجيّة، فالموطن هو أي مكان يعتبره شخص (أو مجموعة) مكان عيشه الطبيعيّ؛ أما كلمة «الوطن» فتُحمِّل معانٍ أيديولوجيّة على هذا الاعتبار البسيط (الوطن العربيّ، الوطن الكرديّ.. الخ). طبعًا، لا يجب أن نُغفل هنا الإمكانيّات الكامنة لتحوّل الموطنيّ إلى قوميّ.
  • القوميّ والقوميّة
    للتعبير عن كلمة nationalist التي تشير إلى نزعة أيديولوجيّة قوميّة، تتعلّق بالعرق، أو الثقافة، أو غيرها من الأمور المُخترعة أو المُتخيّلة، التي تُحوّل جماعة بشريّة ما إلى جماعة «مُتميّزة» عن غيرها، وتحوّلهم في ذات السّياق من شعب إلى «أمّة»، وتحوّل موطنهم (الذي غالبًا ما يتشاركون فيه مع آخرين) إلى «وطن».
  • القُطريّة والانتماء القُطريّ
    للدلالة على الانتماء المؤدلج إلى الكيانات القُطريّة الوظيفيّة التي أنشأها الاستعمار في المنطقة العربيّة، ما يعرف عادة بـ«الوطنيّة»، وهذه الكلمة الأخيرة تدمج قسريًّا بين الموطن كمفهومٍ معطى سلفًا، بديهيّ، طبيعيّ، حميم، وبين الكيانات القطريّة العربيّة، التي هي عكس كل ذلك: مصطنعة، مفروضة، قسريّة..

ستمرّ معنا أيضًا بعض المصطلحات الماركسيّة التقنيّة التي ينبغي شرحها، حتى لا يُظنّ أنّها نوع من الكلمات الكبيرة العصيّة على الفهم:

  • البرجوازيّة الموطنيّة
    وهم أصحاب رؤوس الأموال في مجتمع ما ممن يهتمّون في الاستثمار فيه وتنميته لتحقيق الأرباح من خلال إغلاقه (بالحواجز الجمركيّة والحماية) وإنشاء «السوق الموطنيّ». ينطبق هذا الوصف على البرجوازيّات الأوروبيّة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التي أسّست الدول الأوروبيّة الموطنيّة وأسواقها، واندفعت بعدها لاستعمار العالم لتوفير الموارد والأسواق لصناعاتها؛ وعلى بعض البرجوازيّات في المنطقة العربيّة التي حاولت إنشاء مشاريع تصنيعيّة محليّة، وأسواقًا موطنيّة، في فترات تاريخيّة مختلفة. هذه البرجوازيّات تدفع مجتمعاتها إلى طريق التطوّر الرأسمالي. بإمكاننا القول (ومع تحول الرأسمالية إلى حقبة العولمة والسّوق المفتوح على مستوى العالم كلّه) أن هذه الطبقة تحوّلت كثيرًا، لتُشكّل (في مراكز العالم الرأسمالي) ما قد نسميّه «البرجوازيّة العابرة للحدود»، مع الانتباه إلى أن «الموطن الأصليّ» لرأس المال، أي دولته، ما يزال يلعب دورًا كبيرًا من خلال التدخّل السياسيّ أو العسكريّ أو الاقتصاديّ لصالح برجوازيّته، وحماية مصالحها. أما في الأطراف، فقد اضمحلّت وانتهت البرجوازيّات الموطنيّة لعدّة أسباب ترد داخل المقالة، ونشأت بدلًا منها برجوازيّات كمبرادوريّة.
  • البرجوازيّة الكمبرادوريّة
    طبقة تعتاش على كونها «وكيلة» أو «عميلة» (agent) لرأس مال خارجيّ أو سلع خارجيّة، وتحقّق أرباحها من هذه الوكالة بالذات، لذلك فهي غير معنيّة بالاستثمار الانتاجيّ داخل مواطنها، أو حماية صناعاتها المحليّة، بالعكس: هي معنيّة بفتح أسواق مواطنها وتدمير الصناعات المحليّة لأن هذه الأخيرة تهدّد مصالحها وأرباحها المرتبطة بالاستيراد من الخارج. تشكّل هذه البرجوازيّة جلّ المجموعات الحاكمة في المنطقة العربيّة والعالم الثالث، وتهيمن –غالبًا- على كيانات وظيفيّة تشتقّ وظيفيّتها (كليًّا أو جزئيًّا) من هذه «الكمبرادوريّة» والتبعيّة.
  • الثورة البرجوازيّة الديمقراطيّة
    أي الانتقال من حقبة الإقطاع، إلى حقبة الإنتاج الرأسماليّ الصّناعيّ.
  • البروليتاريا
    الطّبقة العاملة الصناعيّة. رأت الماركسيّة أن هذه أكثر طبقات العمّال «وعيًا طبقيًّا» (أي فهمًا لطبيعة الاستغلال الواقع على العمّال من قبل أصحاب رؤوس الأموال)، وأنها هي التي ستعمّق «الاستقطاب الطبقيّ» (بين العمّال وبقية قطاعات الناس الواقع عليهم الاستغلال – الأكثريّة السّاحقة، وبين المُستغلِّين من أصحاب رؤوس الأموال – الأقليّة) وتقود «الثّورة»، أي التحوّل من النظام الرأسماليّ الاستغلاليّ إلى مجتمع ينتفي فيه الاستغلال بالكامل: المجتمع الشّيوعيّ. مع التطوّرات المعاصرة الحاصلة في أشكال العمل، وأشكال التبعيّة، وعدم وجود صناعات حقيقيّة في أطراف العالم، يمكن الاستعاضة عن عبارة «الطّبقة العاملة» بـ«القطاعات المُستغَلّة» أو «المضطهَدة» حيثما وردت، دون أن يتغيّر الكثير.

الانتقال من أنماط الإنتاج البدائيّة إلى الرأسماليّة: دولة السّوق الموطنيّة

«ليتحقّق الانتصار التام للإنتاج السلعيّ [أي للرأسماليّة]»، يقول لينين، «يجب على البرجوازية [التي تُنتَج السّلع في مصانعها] أن تستحوذ على السوق المحليّة، وأن تكون هناك مناطق موحّدة سياسيًّا يتحدّث سكّانها لغة واحدة، وأن تُزال كلّ العقبات لتطوّر تلك اللغة وتوطّدها من خلال الآداب. بهذا يكمن الأساس الاقتصادي للحركات الموطنيّة».

 التوجّه الموطنيّ برجوازيّ في الأساس، متعلّق بطبقة تُنتَج السّلع في مصانع تملكها، وتريد أن تُصرّف هذه السّلع في سوق (مساحة جغرافيّة معيّنة) دون منافسة «خارجيّة»، لينمو رأس مالها ويحقّق الأرباح. هكذا نشأت الحدود السياسيّة للدّول الرأسماليّة: حدود نفوذ البرجوازيّة المحليّة التي، ومن خلال وحدة اللّغة التي تسهّل وتيسّر المعاملات التجارية والإداريّة والسياسيّة، رسمت حاجزًا جمركيًّا يُعيق (أو يُنظّم) دخول السّلع من خارجها بما يضمن مصالح البرجوازيّة المحليّة وأرباحها. مَثّل هذا (في أوروبّا الغربيّة نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر) ما يُسمّى «الثّورة البرجوازيّة الديمقراطيّة»: الانتقال من الإقطاع إلى عصر الصّناعة الرأسمالية الحديثة، وعبارة «الديمقراطيّة» هنا نسبيّة، تشير إلى «تحرّر» أغلب النّاس من وضعية «الأقنان» (لدى الإقطاعيّ) إلى «أفراد» قادرين على بيع قوّة عملهم في السّوق (للرأسماليّ)، وتَحوّلهم من «أصفار» -بالمعنى السياسيّ- إلى «مُصوّتين» داخل بنية وقواعد الدّولة البرجوازيّة، التي تستفيد من وضعيّة «الفرد» عبر استغلاله من جانب (شراء قوّة عمله بأقل من قيمتها الحقيقيّة لتحقيق «فرق القيمة»، أي الرّبح المتحّقق على السّلعة التي أنتجها العامل)، فيما تُغلِّف هذا الاستغلال بشراكة سياسيّة لا تتحقّق فيها العدالة، إذ يضمن الفارق الاقتصاديّ دائمًا قوّة أكبر، ونفوذًا أعمق، للبرجوازيّة، من جانب آخر.

وفي نفس الوقت الذي يُحقّق فيه الانتقال من الإقطاع إلى الرأسماليّة أرباحًا كبيرةً للرأسماليين، ويعزّز اللامساواة والفارق الاقتصاديّ (وبالتالي السياسيّ) الكبير بين أصحاب رؤوس الأموال (الأقليّة) وبقية قطاعات المجتمع المستغلَّة (الأكثرية السّاحقة)، راهن الماركسيّون على أن هذا الانتقال (والاستغلال المترتّب عليه) سيزيد من الاستقطاب والأزمة الطبقيّتان بين جزء وازن من هؤلاء المُستغَلّين: الطبقة العاملة الصناعيّة (البروليتاريا)، وبين أصحاب رؤوس الأموال، الأمر الذي سيعزّز الوعي الطّبقي عند هؤلاء العمّال، ماحيًا، بالتالي، أيّة فروقات إثنية أو قوميّة أو موطنيّة بينهم، إذ يوحّدهم استغلالهم في طبقة واحدة، ذات مصالح واحدة، هي التحرّر من الاستغلال، ويدفعهم باتجاه الثّورة من أجل تغيير، ومن ثم تصفية، نظام الاستغلال، وإنهاء البنية المُنتجة له: أي الرأسماليّة.

دور الشعوب المُضطهَدة والمُستعمَرة في سياق الرأسماليّة: تقرير المصير كضربة لهيمنة القوى العظمى، وضربة للنّزعات القوميّة في آن معًا

التشخيص أعلاه انطبق على البلدان التي أنهت الانتقال إلى الشكل الإقتصاديّ الجديد (حقّقت ثورتها البرجوازيّة الديمقراطيّة، مثل أوروبا الغربيّة) حيث مهمّة العمّال (المُضطهَدين) الثوريّة تكمن في وحدتهم الطبقيّة، نبذ الخلافات الموطنيّة أو القوميّة أو الدينيّة أو العرقيّة وغيرها، وتركيز الجهود في مواجهة الاستغلال الرأسمالي، فماذا عن البلدان التي لم تحقّق ثورتها البرجوازيّة بعد؟ هذه البلدان والشعوب القاطنة فيها تنقسم إلى جزئين: جزء مُهيمن (مثلًا: روسيا القيصريّة، الامبراطوريّة العثمانيّة) يضمن تحت جناحه شعوبًا عدّة مُهيمنًا عليها.

إن التردّد في دعم الجهود التحرريّة للشعوب المضطهَدة يعني دعم برجوازيّة أكبر، وأشد هولًا وتأثيرًا، هي برجوازيّة الدولة العظمى المُهيمِنة.

رأى لينين أن مهمّة الاشتراكيين الديمقراطيّين يجب أن تكون الدّفع باتجاه استكمال التحوّل نحو البرجوازيّة الديمقراطيّة (استكمال التحوّل نحو الرأسماليّة والتّصنيع) من جهة، ودعم حقّ الشعوب المُضطهدَة بتقرير المصير (الانفصال السياسي) بشكل كامل، لأن هذا سيسرّع تحوّل تلك الشعوب إلى التصنيع وإنجاز ثوراتها البرجوازيّة الخاصة، ويقوّي طبقتها العاملة، وفي نفس الوقت، سيُضعف هيمنة الدولة الكبرى المُسيطرة، ويسهّل بالتالي التثوير ضدّها والحشد لمواجهتها من قبل الطبقة العاملة لهذه الأخيرة.

أمام الحُجج التي قدّمها خصومه بأن دعم انفصال الشعوب المهيمَن عليها سيخدم بشكل أساسيّ برجوازيّات تلك الشعوب، لا عمّالها، شخّص لينين (بشكل صائب ودقيق) أن التردّد في دعم الجهود التحرريّة للشعوب المضطهَدة يعني بالنتيجة النهائيّة دعم برجوازيّة أكبر، وأشد هولًا وتأثيرًا، هي برجوازيّة الدولة العظمى المُهيمِنة، وشوفينيّتها القوميّة؛ إلغاء رغبات الشعوب المقهورة، يعني تعزيز وضعيّة الدولة القاهرة وطبقتها الحاكمة. يقول لينين: «عدم دعم الحقّ في تقرير المصير لا يعني عدم دعم برجوازيّة المقموعين، بل يعني دعم برجوازيّة القامعين».

يَعرِف لينين إمكانيّة تحول النزعات الموطنيّة إلى نزعات قوميّة، ويَعرِف أيضًا كيف يمكن أن تستغلّ برجوازيّات الشعوب المضطهَدة الصّراع من أجل تقرير المصير لصالحها، ولصالح إعادة تحالف هذه الأخيرة (بعد الانفصال) مع برجوازيّة الدولة العظمى التي تمّ الانفصال عنها، أو مع برجوازيّة دولة عظمى أخرى منافسة، لذا يطرح لينين مبادئ أساسيّة ثلاثة للاشتراكيّين الديمقراطيّين في هذا السياق:

المبدأ الأوّل: «طالما تحارب برجوازيّةُ الشّعوب المقموعة القامع، فنحن في كلّ الحالات، وأكثر من الآخرين، معها، لأننا [كماركسيّين] أشرس أعداء القمع وأكثرهم اتّساقًا مع الذات، لكن، وحيثما وقفت برجوازيّة الأمم المقموعة لتدافع عن برجوازيّتها الموطنيّة الذاتيّة [أي عن مصالحها الذاتيّة]، فنحن نقف ضدّها».

المبدأ الثاني: «نقاتل ضد الامتيازات والعنف الذي تقوم عليه الأمّة القامعة [الدولة العظمى المُهيمِنة]، ولا نوافق بأي شكل من الأشكال على التطلّعات للحصول على الامتيازات عند [برجوازيّة] الأُمم المقموعة».

المبدأ الثالث: «لا يمكن تحقيق وحدة المضطهَدين دون محاربة كل النّزعات القوميّة، وتأكيد المساواة بين كلّ الشّعوب». وهذه يجعلها لينين إحدى المهمّات الأساسيّة للطبقة العاملة عند الشعوب المقموعة، والطبقة العاملة في المركز المهيمن، سواءً بسواء، فالنّضال من أجل تقرير المصير (الإنفصال عن الأمّة القامعة) يجب أن يتوازى مع نضال لتوحيد عمّال جميع الشعوب لمواجهة الرأسمالية، وهذا لا يتحقّق دون مواجهة النزعات القوميّة بشكل واضح وحاسم.

يخلص لينين في نهاية المقالة إلى النتيجة التالية: «تواجه البروليتاريا في روسيا مهمّة مزدوجة، أو ذات وجهين: محاربة القوميّة من كل نوع، وخصوصًا قوميّة روسيا العظمى، والاعتراف ليس فقط بالحقوق المتساوية الكاملة لكل الشعوب بشكل عام، ولكن أيضًا بالحقوق المتساوية فيما يتعلق بالكيانيّة السياسيّة، أي حق الشّعوب بتقرير المصير؛ بالانفصال. وفي ذات الوقت، فإن مهمّتهم أيضًا -من أجل نضال ناجح ضد كل، وجميع، أنواع النزعات القوميّة عند كل الشعوب- الحفاظ على وحدة النّضال البروليتاريّ [العماليّ، نضال المُضطهَدين]، ووحدة التّنظيمات البروليتاريّة، ودمج هذه التّنظيمات بمؤسسة عالميّة، على الرغم من مساعي البرجوازيّة لـ[تثبيت] الحصريّة القوميّة».

خطأ لينين: هل يشبه العالم المعاصر عالم بداية القرن العشرين؟

يؤكد لينين دومًا أن هناك نزوعًا لدى كل حركة موطنيّة (national movement) لتشكيل الدولة الموطنيّة (national state) حيث يمكن تحقيق متطلّبات التحوّل إلى الرأسماليّة، وأن «أفضل الظروف لتطوّر الرأسماليّة [في منطقةٍ ما] توفّرها –بلا شكّ- الدّولة الموطنيّة»، وهذا كلام صحيح، لكن في سياق تاريخيّ محدّد لم يعد قائمًا اليوم. والغريب أن لينين، الذي رأى عالم اليوم في كتابه «الإمبرياليّة، أعلى مراحل الرأسماليّة» (1916)، لم يطبّق هذه الرؤية لاحقًا على تحوّلات الأطراف، ومصير شعوبها.

ترك الاستعمار خلفه كيانات سياسية تحكمها مجموعات حاكمة فاسدة وإقصائية، تحقق أرباحها من خلال السمسرة على بيع البضائع الخارجية، لا من خلال تنمية الصناعة المحلية.

في بدايات القرن العشرين، لم تلعب العولمة الرأسماليّة وأدواتها، وانفتاح الأسواق عالميًّا أمام رأس المال العابر للحدود والدول، دورًا هائلًا وكبيرًا ومحدِّدًا كما تفعل اليوم. لا يمكن الحديث اليوم عن نشوء برجوازيّات موطنيّة، أو عن دول موطنيّة، خارج الاقتصاد العالمي. انهارت أغلب مشاريع التّنمية والتّصنيع والتحوّل الرأسمالي المُنتِج في دول الأطراف، والكيانات القطريّة، بفعل الموروث الاستعماري العميق المعيق للتنمية، والفعاليّة التدخليّة الامبرياليّة اللاحقة، إذ ترك الاستعمار خلفه كيانات سياسيّة مُفرغة من أيّة إمكانيّات تحرريّة، تحكمها مجموعات حاكمة فاسدة وإقصائية، مرتبطة به، وكمبرادوريّة، أي وكيلة لمصالح خارجيّة، تتحقّق أرباحها لا من خلال تنميّة الصناعة المحليّة وحمايتها، وخلق سوق موطنيّة لسلعها، بل من خلال سمسرتها على بيع البضائع والسّلع والخدمات الخارجيّة القادمة من المراكز الرأسماليّة الكبرى، وتسهيل حركة رأس المال الخارجي لاستغلال موارد الداخل وعمّاله (تشجيع الاستثمار). تكمن مصالح «البرجوازيّة الكمبرادوريّة» في تدمير التحوّل الرأسمالي الدّاخلي (إعاقة نشوء صناعة، وتطوّر صناعي، وما يتطلّبه ذلك من حماية بواسطة الحواجز الجمركيّة – الحدود السياسيّة للدولة)، والإبقاء على حالة التبعيّة والوكالة للخارج؛ وحيثما نشأت بوادر لنشوء «تطوّر رأسماليّ» تصنيعيّ أو تنمويّ في الأطراف، تدخّلت المراكز بأدوات مختلفة، سياسية (دعم انقلابات مثلًا) واقتصاديّة (الحصار الاقتصادي، برامج إعادة الهيكلة لقاء الإقراض من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) وعسكريّة (القصف والغزو والاحتلال).

«تحرّر» المستعمرات لم يضع أغلبها على طريق التطوّر الرأسماليّ، بل حوّلها إلى كيانات وظيفيّة استمرّ فيها النهب، وتصريف بضائع المراكز، في حين حُطّمت فيها التنمية، ووضِعت على رأسها (ودُعمت) مجموعات حاكمة فاسدة ترتبط مصالحها بالمراكز الرأسماليّة المهيمنة أكثر بكثير من ارتباطها بشعبها و«موطنها». البرجوازيّات المحليّة التي تدفع المجتمع نحو التطوّر الرأسمالي في الدول المقموعة، والتي كان لينين يتوقّع بروزها بعد الانفصال عن الدول الكبرى، الاستعماريّة، القامعة، لم تنشأ، فشرط نشوئها واستمرارها وتطوّرها مرتبطٌ (حتى عند لينين) بالتحوّلات العمّالية العالميّة المُفترضة: انتصارات عمّالية في المراكز تُضعف رأسماليّتها، بل تُنهيها، وتضمن بيئة موائمة لتطوّر الأطراف. كان لينين يتوقّع انتصار العمّال ضمن فترة زمنيّة قريبة نسبيًّا، وكان يُسمّي مرحلّة التكوّن الكامل للدولة الرأسماليّة (التي تمّت في المراكز الرأسمالية الكبرى، خصوصًا إنجلترا في ذلك الوقت، حيث يفترض أن يكون التنافر والاستقطاب على أشدّه بين البرجوازيّة، صاحبة رأس المال، المستغِلّة؛ وبين الطبقة العاملة، المستغَلّة، التي لا شيء بعد تخسره سوى قيودها): «ليلة سقوط الرأسماليّة».

لم تسقط الرأسماليّة، وعلى العكس من توقّعات لينين، لم يتبلور الصّراع الطبقيّ بالشكل الحادّ الحاسم حتى اليوم، ولم تندلع ثورات العمّال في المراكز الرأسماليّة، ولم ينتصروا فيها، واستمرّت الرأسماليّة قائمة كنظام عالميّ مُحكم، شرس، وعنيف، طردت من لم يتواءم معها في الأطراف: فصُفّيت مشاريع التّنمية الذاتيّة التي تقودها الدّولة (مثل تلك التي مثّلها محمّد مصدّق في إيران، أو جمال عبد الناصر في مصر) بالاحتواء أو بالقوّة، فيما تحوّلت دولة اشتراكيّة عظمى، هي الصين، إلى اقتصاد السوق الرأسمالي بالكامل، وأعلنت عن نفسها مؤخّرًا قائدة للتّجارة الحرّة، والمدافعة الأولى عن العولمة الرأسماليّة.

هناك أيضًا مشكلة إعاقة المراكز الرأسماليّة الكبرى للتّنمية والتصنيع والتحوّل الرأسمالي في البلدان التابعة، من خلال آليات العولمة ومؤسّساتها (الأسواق المفتوحة، التدخّل الاقتصادي والسياسي والعسكري، صندوق النقد الدّولي، والبنك الدّولي، ومنظّمة التجارة العالميّة). هذه الآليّات والمؤسّسات تمنع شعوب الأطراف من سلوك ذات الطريق التنمويّ الذي سلكته الدول الرأسماليّة لتصبح بلدانًا صناعيّة؛ طريق يتضمّن بشكل أساسي حماية الصناعة المحليّة وتشجيعها عبر فرض الضرائب على المستوردات، ومعاملة السلع المحليّة معاملة تفضيليّة، وتقديم الدّعم المالي لها (subsidization).

هكذا طوّرت الدول الصناعيّة صناعاتها، لكنّها الآن ترفض أن تسلك الدول الأخرى نفس الطريق، عبر «إسقاط السلّم» الذي يؤدّي إلى الصعود الإقتصاديّ (بحسب تعبير ها-جون تشانج في كتابيه: Bad Samaritans  وKicking Away the Ladder) بترويجها لرفع الحماية وإلغاء الدّعم، وفتح الأسواق، باختصار: خرافة التجارة «الحرّة» التي تعني فعليًّا حريّة باتجاه واحد: حريّة دخول سلع الدّول الكبرى إلى أسواق بلدان الأطراف.

وفوق كلّ هذا، وعلى فرض اتخاذ دولة ما لقرار يرمي إلى الانفصال عن السوق العالمي (مع صعوبة، أو استحالة هذا القرار)، والسّير في درب التطوّر الرأسمالي الذاتيّ أو الداخليّ أو المستقلّ، سنواجه مشكلة حاسمة مفادها أن الدّول الصغيرة لا يمكن أن تشكّل لوحدها سوقًا مُكتفيًا بذاته ولذاته، أي تصنيعًا سلعيًّا شاملًا لكلّ احتياجاته (أو أغلبها)، ويحقّق أرباحه وعوائده من التصريف السلعيّ الدّاخلي لكل ما ينتجه (أو أغلبه)، هذا ممكن فقط في الدّول الكبيرة ذات المساحات الشّاسعة والتّعداد السّكاني الكبير (الولايات المتحدة، أوروبا، الصين). الدول الأخرى، الصغيرة، عليها أن تنخرط في منظومة الاقتصاد العالمية، وتأخذ بالتالي، ومباشرة، وضعيّة التابع، لأن الدول الكبرى تسبقها من جهة، وتعطّل تطوّرها من الجهة الثانية.

يقول لينين: «الدولة الموطنيّة هي [الأمر] القياسي والطبيعي في العالم الرأسماليّ»، وأنه «لا يوجد شكّ بأن كل الدول المعاصرة هي ذات طبيعة مشتركة رأسماليّة، وبالتالي تخضع لقوانين تطوّر مشتركة»، وأن «أفضل الظروف لتطوّر الرأسماليّة توفّرها –بلا شكّ- الدولة الموطنيّة»، كلّ هذا صحيح نسبيًّا، إن كان موقع الدّولة المعنيّة في أعلى هرم الرأسماليّة، أو في موقع قريب من ذلك المكان؛ لدول قاع الهرم، الأمر مختلف تمامًا.

نعم، بقيت مركزيّة الدّولة، أو الكيانيّة السياسيّة، ودورها المحوريّ، لكن الوظيفة اختلفت. صارت الدولة، في المراكز الرأسماليّة، أداة تدخّل عابرة للمواطن، مهمّتها فتح الأسواق والهيمنة على الموارد وضمان إعاقة صعود المنافسين بالمعنيين الاقتصادي والجيو-استراتيجي؛ أما في الأطراف فتأخذ الدولة شكل الكيان البوليسيّ التنفيذيّ الذي يضمن تطبيق السياسات الإقتصاديّة للمراكز (وصفات صندوق النقد الدّولي مثلًا)، وامتصاص الآثار الاجتماعيّة والسياسيّة (الاحتجاجيّة) الناتجة عن ذلك بالقمع والمنع والاحتواء، وتعتاش من خلال نهب الداخل (إذ هي تضمن وجودها بدعم الخارج لها، بغض النظر عن فسادها وجرائمها)، ومن خلال وظيفتها الكمبرادوريّة لرأس المال الخارجي. هذا يؤكد أن «قوانين تطوّر» هذين النّوعين من الدول/الكيانات ليسا مُشتركين، وأن الثانية لن «تتطوّر»، بحصولها فقط على حق تقرير المصير، إلى الأولى. التطوّر ليس بهذه الأوتوماتيكية الحتميّة كما تخيّله لينين، ولا بهذه السّهولة، والقوانين الناظمة لأشكال التطور تختلف في المراكز عنها في الأطراف.

العمالة المباشرة بدلًا من العمالة لوسيط: دوافع تقرير المصير في القرن الحادي والعشرين

بهذا التفريق نخلص إلى دوافع مختلفة للشّعوب التي تريد حق تقرير المصير في عصرنا الحاليّ، تختلف في الدول الرأسماليّة، أو بين المجموعات المعنيّة داخل إطار الدولة الرأسماليّة، عنها في كيانات الأطراف، المهمّشة. مثلًا: أسباب انفصال واستقلال كاتالونيا عن إسبانيا، تختلف بشكل كبير عن أسباب انفصال واستقلال الجزء العراقيّ من كردستان عن العراق. في حين يشترك الاثنان بالدوافع التاريخيّة والثقافيّة والهويّاتيّة، إلا أن الاختلاف الاقتصاديّ كبير: كاتالونيا هي مركز الصّناعة في إسبانيا، وهي «تدفع» (كضرائب) في الاقتصاد الإسبانيّ أكثر مما «تتلقّى» (كحصّة من الموازنة العامة)، واستقلال كتالونيا سينقلها إلى مزيد من التطوّر الرأسمالي. ذات العامل الاقتصاديّ الإيجابيّ (تطوّر رأسماليّة الإقليم) ينطبق على دوافع بعض الفلمنكيّين لاستقلال إقليمهم عن بلجيكا، أو بعض الكاليفورنيّين لاستقلال ولايتهم عن أميركا، أو اسكتلندا التي تريد الانفصال عن بريطانيا والعودة إلى الاتحاد الأوروبي، أو انفصال بادانيا عن إيطاليا، حتّى إقليم الباسك -ذو النّزعات القوميّة المتأصّلة- من أفضل الأقاليم الإسبانيّة اقتصاديًّا. الاستثناء الأوروبيّ الوحيد هو كورسيكا، حيث تلعب عوامل القمع الثقافيّ والتّهميش الاقتصاديّ دورًا أكبر في نزعاتها الانفصاليّة، فهي أقل مناطق فرنسا تطوّرًا بالمعنى الاقتصادي، بأقل ناتج محلي إجمالي بين مناطق فرنسا الأخرى.

«المشاعر القوميّة»، والفظائع التي ارتكبت بحق الشعوب المقموعة، تستخدمها المجموعات الحاكمة كغطاء دعائيّ، لتجييش مشاعر الناس والضّحك عليهم.

 في الأطراف، تلعب الدوافع الثقافيّة، القوميّة، دورًا أكبر بكثير، على الأقل على مستوى السطح؛ ليس ثمة مكاسب «اقتصاديّة» (بمعنى الدفع باتجاه المزيد من التطوّر الرأسمالي، أو تسريع الانتقال إلى الرأسماليّة) فالبرجوازيّة الموطنيّة (بالمعنى الماركسيّ) غير موجودة، الموجود هو برجوازيّة كمبرادوريّة لا تريد الدفع إلا باتجاه المزيد من التبعيّة. النقلة الحقيقيّة هنا هي التخلّص من الوساطة التي يلعبها الكيان المركزي، البرجوازيّة الكمبرادوريّة المركزيّة، في سلسلة التبعيّة، والانتقال من مرتبة أدنى في هذه السلسلة، إلى مرتبة أعلى. لماذا يجب على البرجوازيّة الكمبرادوريّة الكرديّة (مثلًا) التعامل مع «الرُّعاة» بوساطة البرجوازيّة الكمبرادوريّة في بغداد؟ لماذا يجب أن تذهب الحصص الناتجة عن اعطاء امتيازات استخراج النفط لشركات خارجية تتبع المراكز الرأسماليّة الكبرى إلى برجوازيّة بغداد الكمبرادوريّة أولًا، لتعطي بدورها الفتات للبرجوازيّة الكمبرادوريّة الكرديّة؟ «نحن قادرون على لعب هذا الدور بأنفسنا، وأن نكون نحن العملاء المباشرين»، يقول لسان حال برجوازيّي شعوب الأطراف المقهورة؛ هكذا يحقّقون «أرباحًا» أكبر. العامل الاقتصاديّ هنا هو عامل سلبيّ، إذ يسير الكيان المعنيّ في الاتجاه المضادّ لمسار التطوّر الرأسماليّ.

إضافة إلى كل ما سبق، الثروة «السّهلة» اليوم لا تأتي من الصّناعة التي تستلزم هيمنة على السّوق الموطنيّة، ونشوء برجوازيّة موطنيّة تدفع باتّجاه دولة موطنيّة، الثروة تأتي من الاستثمارات الماليّة والمضاربات، وما يستلزمه ذلك من عالم «مفتوح» ماليًّا، وبالتالي، فالبرجوازيّات القائمة اليوم معنية بالانفتاح وحريّة حركة الأموال (فتح السوق)، وليست معنيّة بالإنتاج والتّشغيل وتصريف السّلع داخليًّا (إغلاق وحماية السوق).

صار دافع الانفصال عند برجوازيّة الشعوب المقموعة في الأطراف يكمن في أمر آخر مختلف تمامًا، لم يخطر على بال لينين: التحوّل إلى كيان وظيفي، والاضطلاع بدور أكثر مباشرة في سلسلة التبعيّة، والارتقاء من العمالة لوسيط، إلى عمالة مباشرة لصاحب الأمر، مع عديد الفوائد المتحقّقة عن هذه النقلة لصالح تكريس النزعة الكمبرادوريّة عند المجموعة الحاكمة. «المشاعر القوميّة» والخطاب المنبثق عنها، والفظائع الحقيقيّة التي ارتكبت بحق الشعوب المقموعة، تستخدمها المجموعات الحاكمة هنا كغطاء دعائيّ، لتجييش مشاعر الناس والضّحك عليهم، وتتحوّل بشكل شبه أوتوماتيكيّ إلى شوفينيّة قوميّة للشحن الدوغمائيّ (العرب في مواجهة الكرد والعكس، في حالة كردستان مثلًا)، ففي غياب مشروع تأسيس سوق موطنيّة تلعب فيه البرجوازيّة الموطنية دورًا رئيسيًّا، يصبح الشحن القوميّ الشوفينيّ هو الأداة الوحيدة لتبرير مشروع البرجوازيّة الكمبرادوريّة التي لا مشروع لها سوى الصعود في سلسلة الوساطة والتبعيّة، هكذا نخسر أيضًا تضامن المُضطهَدين، التضامن الطبقيّ الذي كان يُفترض أن ينشأ مع نشوء الدّولة الموطنيّة بعد تقرير المصير والانفصال.

تقرير المصير (بالمفهوم اللينينيّ) لم يتحقّق، فما العمل؟

يقول لينين: «تعي الجماهير جيّدًا قيمة الروابط الجغرافيّة والاقتصاديّة، وأفضليّات السّوق الكبير والدولة الكبيرة، لذا فهم يلجؤون إلى الانفصال عندما يُحوّل القمع القومي، والاحتكاكات القوميّة، الحياة المشتركة إلى أمر لا يمكن احتماله، مما يعيق أي، وكلّ، العلاقات الاقتصاديّة. في هذه الحالة، فإن مصالح التطوّر الرأسمالي، وحريّة الصّراع الطبقيّ، ستُخدم بشكل أفضل بالانفصال».

في عالم اليوم، عالم السوق المفتوح والرأسماليّة التدخليّة ودول الأطراف الوظيفيّة ومجموعاته الحاكمة الكمبرادوريّة، تغيّر نطاق تأثير المراكز الرأسماليّة ليشمل العالم بأكمله، ولم يعدّ ثمّة إمكانيّة لإنجاز دولة السّوق الموطنيّة في مساحات سياسيّة لا يمكن حمايتها بحدود جمركية، والدّفاع عنها بفعاليّة ضد التدخّل الاقتصادي والسياسي والعسكري. بهذا المعنى يبدو «حق تقرير المصير» بالنسبة لشعوب الأطراف، بالطريقة التي عرّفها لينين: الانفصال السياسي وتشكيل دولة، أمرًا لا يحمل إمكانيّات تغييريّة كبرى: لا يخدم «مصالح التطوّر الرأسمالي»، ولا «حريّة الصراع الطبقي»، بل يحمل في طيّاته أخطار تطوّر الشوفينيّة القوميّة والعرقيّة والدينيّة والمذهبيّة وغيرها من الشوفينيّات، الضروريّة لاستمرار البرجوازيّة الكمبرادوريّة في موقعها، واستمرار هيمنة المراكز الرأسماليّة على الأطراف.

في عالم اليوم، نجحت الرأسماليّة، وبمرونة كبيرة، ليس فقط في احتواء الثورات العمّالية التي توقّعها لينين، بل وفي وضع العمّال بعضهم في مواجهة بعض (عمّال الشّمال ضد عمّال الجنوب)، وفي احتواء وتفكيك النقابات العمّالية، والأحزاب العماليّة، وإضعاف اليسار، كما نجحت في تخفيف الاستقطاب بين أعلى الهرم الرأسمالي الاستغلالي وأسفله بعدّة آليات، منها الشكل الشركاتيّ لإدارة العمل (طبقات كثيرة من أعلى إلى أسفل يكون فيها المرؤوس رئيسًا على من هم أدنى منه)، وتعزيز الأمل (الوهم) بالصعود، وتعزيز الأنانيّة في بيئة تنافسيّة ينقلب فيها سبب الفقر والفشل والبؤس، من انعدام عدالة متأصّل في النّظام، إلى فشل فرديّ في التقدّم لا يلوم الشّخص فيه سوى نفسه؛ وتعزيز الفرديّة والاستهلاك اللّذين حوّلا المنظور عن مجتمع تكمن سعادته بالعدالة والمساواة بين أفراده، إلى مجتمع مفكّك إلى أفراد، يريد كلّ فرد أن يحقّق رغباته ونزواته الخاصّة بالاستحواذ على السّلع.

الأمر اللازم هو؛ مواجهة الاستعمار الاستيطاني، والتدخل الاقتصادي، والسياسي، والعسكري، وإسقاط الدّول الوظيفيّة ومجموعاتها الحاكمة.

ترمي الشيوعيّة -في التصوّر النهائيّ- إلى إنهاء الاستغلال، وتحقيق العدالة والمساواة لجميع البشر، وتصفية الدّولة (حيث تتركّز السّلطة) من حيث هي أداة الهيمنة والقمع التي تمارس بها المجموعة الحاكمة دكتاتوريّتها على الآخرين؛ في عالم نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان الطريق إلى هذا العالم العادل يمرّ من خلال دفع جميع البلدان نحو «التطوّر الرأسمالي» (من خلال حقّ تقرير المصير لجميع الشعوب المقموعة)، الأمر الذي سيعزّز الاستقطاب الطبقيّ بين المستغِلّين والمستغَلّين، ويسرّع بنشوء طبقة عمّاليّة عالميّة موحّدة (تواجه رأس المال الذي يشتغل فعليًّا على مستوى العالم)، مما سيؤدي في النهاية إلى ثورة عمّاليّة تقلب النظام الرأسمالي رأسًا على عقب.

اليوم، يبدو الطريق إلى العالم العادل أكثر صعوبة، لكنّه –بنظري- يجب أن يمرّ بمسارات مختلفة تحدث بالتّزامن: 1- تفكّك دول المراكز الرأسماليّة الكبرى، حيث يجب أن تُدعم كل التحرّكات الرامية لتقرير المصير (الانفصال السياسي) فيها؛ 2- أما في الأطراف، فيبدو أن مواجهة الاستعمار الاستيطاني، والتدخل الاقتصادي، والسياسي، والعسكري، وإسقاط الدّول الوظيفيّة ومجموعاتها الحاكمة، هو الأمر اللازم، ممّا يتطلّب بناء جبهة موحدّة للمضطهَدين، المتضرّرين، عابرة للإثنيّات والقوميّات والأديان والطائفيّات والعشائريّات، في الأطراف المفكّكة والمرّشحة إلى المزيد من التّفكيك، (أي المزيد من الكيانات الوظيفيّة). هذه الوحدة تتم في ظل الصّراع ضدّ الكيانات الوظيفيّة بالذّات، ومجموعاتها الحاكمة، لا من أجلها، سواءً كانت هذه الكيانات الوظيفيّة قائمة، أو ستقوم.

شكّلت الانتفاضات العربيّة (في بداياتها) نوعًا بدائيًّا، مؤقّتًا، من هذه الوحدة، سميّتها في مقالة سابقة: الطبقة المؤقّتة المناهضة للنّظام، لم تطرح سوى «إسقاط النظام» (وأحيانًا رأسه فقط)، دون بديل، ودون تشكيل (تنظيم) سياسي، ودون استهداف الكيانيّة الوظيفيّة التي تُنتج التبعيّة وتحفظها سليمة، لأن العناصر والمجموعات المشكلة لهذه الطبقة تختلف مصالحها في كلّ شيء آخر سوى شعار: إسقاط (رأس) النّظام.

الماركسيّة ماديّة: تستند إلى الوقائع، تُشدّد على «الموضوعيّة»، وعلى تحليل «المصالح الطبقيّة» التي تربط شريحة اجتماعيّة ما بعضها ببعض، وتقودها إلى الحركة السياسيّة. هكذا يكون الجزء الأول من أطروحتي أعلاه ممكن، حاصل وسيحصل، وله دوافع ماديّة موضوعيّة، ومصالح وحوامل اجتماعيّة تدفع باتّجاهه، ناتجة أساسًا عن ارتدادات الأزمة الماليّة العالميّة لأعوام 2007 – 2008. أما الجزء الثّاني من أطروحتي فمغرق في المثاليّة، تنقصه الموضوعيّة، ولا حوامل اجتماعيّة له. يحول تناقض المصالح في المجموعات المشوّهة، المُشكِّلة لمجتمع الكيانات الوظيفيّة، من تشكّلها الطبقي. أفضل ما حصلنا عليه كان نشوء طبقة مؤقتّة انحلّت لاحقًا وأكل بعضها بعضًا، واستمر «الوضع القائم»، والوظيفيّة، ببرجوازيّة كمبرادوريّة جديدة. الأمر يحتاج لكثير من التّفكير الإضافيّ.


مراجع وإحالات وقراءات مقترحة:

I. Lenin, The Right of Nations to Self-Determination, February-May 1914. اضغط/ي هنا.

I. Lenin, The Socialist Revolution and the Right of Nations to Self-Determination, January-February 1916. اضغط/ي هنا.

Russian Social-Democratic Labour Party, Programme of the Social-Democratic Workers’ Party, 1903. اضغط/ي هنا.

Rosa Luxemburg, The Polish Question at the International Congress in London, 1896. اضغط/ي هنا.

Rosa Luxemburg, The National Question, 1909. اضغط/ي هنا.

James Petras, The Centrality of the State in the Contemporary World, CSCAweb, 2002. اضغط/ي هنا.

I. Lenin, Imperialism, the Highest Stage of Capitalism, 1916. اضغط/ي هنا.

هشام البستاني، الهيمنة المستدامة: الانتخابات كأداة لتعزيز احتكار السلطة، حبر، 28 آب 2016. اضغط/ي هنا.

Benedict Anderson, Imagined Communities, Verso, 2006

Ha-Joon Chang, Bad Samaritans: The Guilty Secrets of Rich Nations and the Threat to Global Prosperity, Random House, 2008

Ha-Joon Chang, Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective, Anthem Press, 2002

  • random

    مقال مميز و مفيد جدا لكن فيه مغالطتان اثنتان:
    – الأولى هي الثناء العظيم على لينين وشجاعته في حق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت نير الإمبراطورية الروسية رغم تعارض هذا مع مصلحته. ربما ينبطق هذا على التنظير اللينيني (على الأقل حسب المقال فلست مطلعا على أدبيات لينين لأتمكن من إصدار حكم على وجهة نظره) غير أن النظر إلى التطبيق يشف عكس ذلك. الاتحاد السوفيتي الذي أنشئ على يد لينين ضم عديد من الدول التي هي اليوم دول مستقلة والتي تسكنها شعوب مختلفة تماما عن الروس (مثل دول آسيا الوسطى و أوكرانيا و جمهوريات البلطيق و غيرها). الاتحاد السوفيتي لم يكتف باستعمار هذه الدول بل صدر إليها مواطنيه من الروس من أجل التلاعب في ديموغرافياتها و هو ما نرى نتائجه اليوم في أوكرانيا مثلا (أوزباكستان و كازخستان فيهما نسبة لا يستهان بها من العرقية الروسية و بعضهم يعتبر نفسهم روسا ولا يملكون أي شعور وطني تجاه هذه البلاد فهم بالتالي يدفعون لتكريس الهيمنة الروسية عليها). أضف على ذلك أن جمهورية روسيا الموجودة اليوم بحد ذاتها قائمة على أراض شعوب كثيرة لا تنتمي للقومية الروسية مثل القوقاز (الشيشان و أنغوشيا و داغستان و غيرها) أو الجزء الآسيوي من روسيا.
    – الثانية هي تقسيم العالم تقسيما ثنائيا إلى شمال و جنوب أو مركز و أطراف و استنباط نتائج و برامج مبنية على هذا التقسيم. برأيي أن الواقع أصعب بكثير من هذا التصنيف الثنائي فمثلا من الصعب تصنيف دول مثل إسبانيا و اليونان و تركيا و إيران بل و حتى إيطاليا إلى دول شمال أو جنوب كون كل منها تحمل ملامح من الطرفين