رأي

لا صوت يعلو فوق صوت الأصول والمنابت

الخميس 01 أيلول 2016
المصدر: الغد.

بصفتي لا أنتمي إلى جبهة مقاطعي الانتخابات -مع إقراري بقوة حجتهم وحقهم في المقاطعة- وبما أنني أصنف في العادة مع التيّار الإيجابي، التقيت بمرشحي عدد من القوائم الانتخابية لأحسم قراري في الفترة الماضية.

قبل أيام، التقيت بمرشحين من قائمة «نعم» التي تخوض الانتخابات في الدائرة الثالثة في عمّان، حيث أقيم، والتي لم يسمع بها كثيرون. من بينهم المرشح السابق باسم تليلان، الذي استهل حديثه بتذكيرنا بأنه كان قد قدم طعنًا بقرار رفض ترشيحه، بسبب ترشحه في عمّان لا في دائرة بدو الوسط التي تُحسب عليها عشيرته، وينتظر الرد في اليوم التالي من اللقاء.

حينها، قال مستهزئًا بأن الدولة «اكتشفت فيه عرق بني صخر وقالت ما بيصير تختلط بأهل عمّان»، وسط استهجان من الحاضرين. ثم وضعنا الطعن جانبًا وبدأنا الحديث عن البرنامج. أعترف بأنني لم أفقد الأمل بعد، إذ ابتسمت حين سمعت الحديث عن المواطنة، والهوية الجامعة، والموقف الناقد من التعديلات الدستورية الأخيرة، والموقف المؤيد لمنح المرأة الأردنية حقها في منح الجنسية لأبنائها، والحلول الممكنة للبطالة، من أشخاص بدا لي أنهم يشبهونني ويشبهون الأردن الذي أراه في حياتي المهنية والاجتماعية.

لم أكن قد حسمت قراري بعد، ولكنني عُدت من هذا اللقاء مشحونةً بالأمل، وبدأت أفكر في دعوة أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والمعارف الذين لم يحسموا أمرهم بعد للتصويت. اتصلت بالعشرات وأرسلت رسائل قصيرة بروابط للقراءة للعشرات. وكلّما فكرت في صور نواب الدائرة الثالثة السابقين تملأ الشوارع، كدت أستعين بدفاتر هواتف «خطابّات» الصالونات المتواجدة في الدائرة الثالثة والاتصال بناخبين لم يحسموا أمرهم حتى لا أرى وجه أي من هؤلاء في المجلس القادم!

لن أذكّر الناخب بأن الانتخاب حقه الدستوري، فما من أحد اختار البقاء في المنزل أو السفر في يوم الاقتراع لأنه يعتقد أنه غير مؤهل للانتخاب. في العام الفائت وحده، سنحت لي الفرصة بلقاء العشرات من الأردنيين من مختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف المناطق، ولم يحدث أن عدت يومًا من لقائهم إلا مذهولة بالوعي الذي يخطئ من يظن أنه يقتصر على النخبة فقط. كلامهم الذي نمّ عن درجة عالية من الوعي لم يأتِ من مكاتب منظمات المجتمع المدني في العاصمة، ولم يأتِ باللغة الإنجليزية، بل جاء من سكان مناطق نائية عن المركز لا تنطلي على أحد بعد لقائهم مقولة «الشعب غير جاهز للديمقراطية بعد».

كنت سأحاول تذكير هؤلاء بأننا نستحق أفضل، وأننا لا نملك ترف الإحباط. ولكن الدولة الأردنية لم تمنحني الكثير من الوقت لأنظّر حول المواطنة وحلم المساواة والحكم على الكفاءة، وكانت الصفعة الأولى هي رد طعن تليلان بحجة أنه لا يجوز له الترشح خارج دوائر بدو الوسط. يحدث ذلك في عام 2016، بينما تقوم الهيئة المستقلة للانتخاب بخرق القانون علانيةً، بدعوتها أبناء وبنات دوائر البادية المسجلين خارجها «بالعودة إلى دوائرهم الأصلية»، بعد اعتماد جداول الناخبين رسميًا.

لم أكن قد حسمت قراري بعد، ولكن كيف أقنع المحبط الذي لم ينتخب يومًا في حياته أن يرافقني إلى مقر هذه القائمة أو غيرها وقد ذكرتنا الدولة للتو بأن لا صوت يعلو فوق صوت الأصول والمنابت؟

مصيبة الدعوة إلى المشاركة أنك يجب أن تكون شديد الحذر حتى لا تُحسب على جيوش المرتزقة الإلكترونيين الذين ينشطون في الدعوة إلى ما لا يملّون من تسميته بالعرس الديمقراطي. يجب أن تكون حذرًا ليُفهم بأنك فقط تحاول أن تسمع صوتًا يشبهك في البرلمان وأن الأصوات الحالية ترعبك من مستقبل قاتم.

لكن المصيبة الأكبر هي أن لا تترك لك الدولة حتى هذه المساحة، فيسودّ وجهك أمام من كنت ترجوهم ألا يجلسوا في البيت ويتركوا الساحة مفروشة بالورود لمن أبلوا بلاءً حسنًا في كل الدورات السابقة في حماية القدس والآن يواصلون مسيرتهم في إنقاذها!

أرجو من الدولة الأردنية في المرة القادمة التأكد من أصول المرشحين جيدًا قبل أن «أشطح» في الأحلام وأستميت في الدفاع عن حقنا بها.

  • هيثم الشيشاني

    يمكن لهذا السبب (استحالة ظهور صوت يشبهك في البرلمان) يرفض الكثير المشاركة. (حتى كلمة “مشاركة” لا تشي بخير بصراحة).
    لا أريد أن أخرج من إطار النص ولهذا لن أدعي أن الأسباب الموجبة أو الداعية لمقاطعة الانتخابات المزمعة تصب جميعها في إطار ضخ شرعية لنظام و/أو حكومة لا تلبي احتياجات لا الوطن (البلد؟) أو المواطنين. حجة المعوقات واقعية ولكنها ليست أصيلة.

    على كل حال اختزال المشاركة-المقاطعة كثنائية ذات بعد نهائي في حد ذاتها شيء مخيف. أقصد أنها ليست غاية تمسح ما سيأتي بعدها أ, حتى جزءًا منه. كيف لآلية/وسيلة/طريقة أن تنذر ولو بشرارة تغيير إذا كان ال(سيستم) هو من يؤطر لأبعادها وهوامشها وحتى مدركاتها! (هيئة مستقلة مين!)

    أنا شخصيًا فقدت الرغبة في الشطحان وبدأت في ترك العزلة والبحث عن وسائل ثانية لإيجاد صوت تحت (القبة) أو على الأقل تركيز الوقت والجهد في أولوية ثانية (عدا الانتخاب) تصب بشكل لا مباشر في (إحداث) صوت يشبهني