رأي

زكاة النفط: عواصم لا تعصم إلا «إسرائيل»

الأربعاء 29 تشرين الثاني 2017
مصدر الصورة: موقع المركز الفلسطيني للإعلام.

على رأس وفد رسمي، انطلق بنيامين نتنياهو صباح الأمس (الثلاثاء) إلى نيروبي، للمشاركة في احتفالات إعادة انتخاب الرئيس الكيني «أوهورو كينياتا». هذه، بالمناسبة، هي الزيارة الثالثة التي يقوم بها نتنياهو إلى إفريقيا خلال أقل من عامين، وفيها يعزز تطبيعًا من نوع حثيث يجرى العمل على بنائه بجد مع الأنظمة الإفريقية. يحاول نتنياهو مدّ جسور نفوذه إلى القارة الإفريقية مقابل إمداد أنظمتها بالسلاح، وبالتنمية (للعلم: يُعمل على تحقيق «التنمية الإسرائيلية» في القارة السوداء بجِدّ: رشاوى، كارتيلات سلاح، وتمويل عصابات متمردة وأنظمة قمعية. وهي تشبه إلى حد بعيد التنمية التي تقوم بها «إسرائيل» في مصر ما بعد كامب ديفيد، والأردن ما بعد وادي عربة: تدعيم ركائز النظام، تقديم الدعم الاستخباري في ملاحقة أعداء النظام، حماية أمن «إسرائيل»، واستغلال الثروات الخام الضحلة أو القوة الشرائية الضعيفة في البلاد. أحد الأمثلة على ذلك: أن تشتري إسرائيل الغاز من مصر، وتبيع الغاز «الإسرائيلي» للأردن.

قال نتنياهو، في مقطع الفيديو الذي بثه من المطار، أنه «ذاهب من أجل التقاء الرئيس الذي تمّت إعادة انتخابه «هناك»، وأيضًا «من أجل الالتقاء بـ«نحو» عشرة زعماء أفارقة».

خطّ، لو سمحتم، تحت كلمتي «هناك» و «نحو». فهؤلاء الأفارقة، في نظر شريك نظام الأبارتهايد السابق، وريثه الحالي، لا أسماء لهم. و«هؤلاء» يتم تعدادهم برقم تقريبي. «نحو» عشرة رؤساء لـ«نحو» عشرة دول، كان ثمن «انتخاب»/ توريث/ انقلاب كل واحد فيهم مئات الآلاف من الأرواح التي أزهقت. من يحصي؟!
تخطو إفريقيا اليوم، كما تخطو أنظمة الخليج، خطوات واثبة باتجاه تطبيع العلاقات مع «إسرائيل». والدافع الرسمي إلى التهاوي في الموقف الإفريقي، عمليًا، هو تهاوي «الموقف العربي» من «إسرائيل». بدأ الأمر في مفاوضات أوسلو. ومفاعيله حتى الآن تتسارع بشكل غير مسبوق.

نفطٌ يتيح تقويض أية بنية محتملة لمقاومة أمريكا، ولتوفير الحماية لمصالح الطغمة الحاكمة ولمن فوق هذه الطغمة، أمريكا وإسرائيل.

حجة الأنظمة الإفريقية، التي كانت تقف في الماضي صفّا خلف «الموقف العربي» (عمليًا، خلف الموقف النفطي العربي. والمثال على ذلك هو التحولات في الموقف الأوغندي، مثلا)، هو أن العرب، أصحاب القضية، قد اعترفوا بـ«إسرائيل». أمّا حجّة العرب الذين اعترفوا عمليا بـ«إسرائيل» فهو أن الفلسطينيين قد اعترفوا بها. حدث هذا على مدار زمن طويل تم فيه تطويع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وإغراقها بالمال، بحيث صارت مكونًا عضويًا في النظام العربي، وفيما بعد، صارت طريق هذه القيادة نحو التطبيع ونحو «السلام» مفروشة بالبترودولار وبالبراغماتية التي تنظر إلى هذا العالم- المزبلة، نظرة إيجابية. رأس جسر التطبيع كان موجودا طيلة الوقت في تونس (مقر منظمة التحرير) ولاحقًا صار في الأرض المحتلة، أمّا من قام بترسيم دعائم هذا الجسر، فهو معروف للجميع. وهو يمتلك ما يمتلك من أموال يلعب فيها في أفغانستان، أو في الضفة الغربية، أو في مصر و سوريا. لا يهم مدى «الخسائر» التي مُني بها صاحب المال، طالما تقذف الأرض نفطًا في الوجوه. نفط يتيح تحويل زكاته إلى مصارفها الشرعية: والمصارف الشرعية هنا هي تقويض أية بنية محتملة لمقاومة أمريكا في هذا الكوكب، ولتوفير الحماية لمصالح الطغمة الحاكمة ولمن فوق هذه الطغمة، أمريكا وإسرائيل. وخلال الأسابيع الماضية، انفغرت الهوّة المغطّاة بحسن النوايا بين نشطاء فلسطينيين وآخرين من الجزيرة العربية، بخصوص موضوع التطبيع. أحد الأمثلة على الأمر تغريدات أحد المؤثرين في صياغة «الرأي العام» في الجزيرة العربية. يعمل ذاك المؤثر أيضًا بوظيفة «موديل» لعرض أفضل ما أنتجته نهضة التصنيع، التي يدّعي حكّام الرياض تحقيقها، من أثواب على تويتر، وهو يقف اليوم، على ما يبدو، على رأس المدافعين عن تطبيع العلاقات بـ«إسرائيل». آخرون قطعوا طريق الاعتراض بالبرهان الخارق، فقد كتب هؤلاء أن الفلسطينيين ناكرو جميل، ولذا فإن التطبيع مع الكيان الإسرائيلي واجب. وبناء على كل ما تقدّم يتوجب قطع الدعم المادي الذي يرسل لفلسطينيين يحرمونهم من التنمية الكامنة في العلاقات مع إسرائيل.

هكذا إذًا، وعلى منوال زيارة نتنياهو اليوم إلى إفريقيا، لعلّنا نلفي إلى أنفسنا في الغد، لنشاهد مقطع فيديو لنتنياهو، يبلغنا فيه بأنه في طريقه إلى الاحتفال بعيد الجلوس الملكي في البحرين، لكي «يلتقي بالملك الذي جلس على العرش هناك» ولكي «يلتقي ببضعة زعماء عرب». ويقوم بتنميتهم كما يشتهي.

الدعم السعودي في غالبه مخصص لبناء مؤسسات السلطة، والقوة الأمنية الفلسطينية.

حين فكّرت بالمليارات التي أنفقها الإخوة على شعبنا منذ سبعين عاما، وقف شعر بدني، الحقيقة. جولة في شوارع رام الله التحتى، أو مخيم الأمعري أو جباليا، تثير فيك شعورا غامض الأسباب، مفاده أن المال لم يتم استثماره، مثلا، في القضاء على الفقر، أو في تحسين صمود بيوت اللاجئين من الأمطار، أو في تسليح الخلايا الفقيرة التي تحمل الكارلو في شوارع الضفة. (أما الشوارع، فبحمد الله، قامت وكالة اليو أس إيد بتعبيدها).

أنا والله في حيرة من أمري. عصرت جبهتي لأحاول التفكير في مآلات التمويل السعودي لفلسطين. فلم أجد سوى سجّاد للأقصى (سجّاد إن غاص كعبك فيه يغبّ دمًا، الحقيقة)، وهراوات للأجهزة الأمنية الفلسطينية. الدعم السعودي في غالبه مخصص لبناء مؤسسات السلطة، والقوة الأمنية الفلسطينية (المعروف أن هذه القوة، في ظل التنسيق الأمني، تستهلك المال في أمرين: حماية أمن «إسرائيل» و طموحها إلى التحول، بحكم ثبات الرواتب، إلى مصدر جذب وظيفي للشباب الفلسطيني، بعيدا عن الاشتباك).

صحيح، الأنظمة العربيّة، وتحديدا أنظمة النفط، أرسلت أموالا إلى فلسطين. فعلت ذلك حين موّلت بناء المؤسسة البيروقراطية الفلسطينية في الخارج، لتنتقل الثورة من الحدود والكمائن إلى خلق جهاز إعلامي ومؤسساتي بيروقراطي ضخم فيه موظفين يتلقون رواتب شهرية (وقد حدث، للمرة الأولى في تاريخ الثورات العالمية، أن ثوارًا قد أعلنوا إضرابًا نقابيًا في بداية التسعينيات، نتيجة عدم تلقيهم رواتبهم من الثورة. حيث أضرب جنود «جيش التحرير الفلسطيني» عن العمل، العمل في ماذا؟ في التحرير؟؟ لا يهم، فزكاة النفط قد وصلت إلى مآلاتها الأخيرة: حماية أمن إسرائيل، بتحويل الثوار إلى موظفين يطالبون بتحسين ظروف العمل).

في بداية التسعينيات، وبعد قرب انتصار «مشروعه» في أفغانستان، بمآلاته المفزعة التي لا تزال البلاد تعاني من تبعاتها حتى اليوم، وجد النظام السعودي ثغرة أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة. تمويل المشروع الإسلامي في وجه مشروع منظمة التحرير الفلسطينية، صحيح أن الإسلام السياسي في فلسطين هو تيار أصيل نبت في مخيمات اللجوء وفي مناطق الاشتباك، لكن الزكاة النفطية قد حققت نجاحات لها على الأرض أيضًا. فقد نشأ لحماس مثلا جهاز بيروقراطي (وإن اختلفت الظروف) وصارت حركة بحاجة إلى رواتب، وإلى مقايضة بعض مواقف لها مقابل السماح بدفقة الرواتب هذه في الوصول إلى جهازها البيروقراطي (بحسب موقع الجزيرة، تدفع السلطة رواتب أكثر من 83 ألف موظف أمني في الضفة والقطاع… ولمن يظن أننا نشعر بالأمان في فلسطين نظرا لهذا العدد الهائل من المجندين، يكفي النظر إلى عمليات الاقتحام الإسرائيلية الليلية التي تجري تحت سمع وأبصار رجال الأمن هؤلاء، لاعتقال الفتية الفلسطينيين). باختصار: المال النفطي وجد مصارف له في فلسطين أيضًا: تمويل جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية. بحيث يتحولان إلى جهازين إداريين، متخليين، بمناسيب تتفاوت، عن الدور الأساسي وراء وجودهما، والمتمثل في إنهاء وجود الاحتلال. هنا يحقّ لنا أن نتساءل: ألم يكن الحري بالنظام السعودي، بدلا من إفقار أهل البلاد وتصدير «أفكار» النظام إلى فلسطين وغيرها، أن يستثمر المال حقا فيما هو في مصلحة أهل البلد؟ هذا أمر نتفق فيه، على كلّ حال، مع المدونين والناشطين الذين يمنّون علينا بالمال المسلوب من صحّة أطفالهم، ومن شرايين اقتصادهم. ويطلبون منّا مقابله أن نسكت على ما لا يُسكَت عليه: القبول بإسرائيل. هذا النقاش يا إخوان ليس نقاشا أكاديميا معزولا عن الواقع. بل إننا ندفع ثمنه دما من أطفالنا: فالقبول بوجود إسرائيل يعني أمرا واحدا، أن إسرائيل ستستأسد علينا بأكثر مما تفعل اليوم. وهي إن أنجزت في القدس، فستواصل نحو خيبر.

المال النفطي وجد مصارف له في فلسطين: تمويل جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية. بحيث يتحولان إلى جهازين إداريين، متخليين، بمناسيب تتفاوت، عن الدور الأساسي وراء وجودهما

نتائج زكاة النفط هذه لا تنحصر في فلسطين وحدها. فالنظر إلى الحال في أفغانستان، أو إلى حال الفصائل السورية التي أكرمها أمراء نجد والحجاز وسائر دويلات الخليج ببترودولارهم، يكفي لكي يقول المرء: يُحسن الإخوة في الخليج إن طالبوا أنظمتهم بالبحث عن مواضع أخرى في هذا الكوكب للاستثمار (أن يتم صرف هذه الزكاة عليهم هم، مثلا، حتى لا تغرق أحياء كاملة بالأمطار كلّما احتقن الغيم فوق جدّة). أرجوكم. توقفوا عن دعمنا قبل أن نموت!. آه.. وأمر آخر: أعيدوا لنا عزمي بشارة. يلزمنا هنا، لو سمحتم.

لهؤلاء نقول: إن من ينتقد المطبّعين في الجزيرة العربية هو ذاته من ينتقد التطبيع والمطبّعين في فلسطين. هؤلاء غالبا ناشطون عانوا الأمرّين في زنازين الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي يدعمها نظامكم بكل تلك الأموال التي تمنّون بها عليه. وعانى الأمرين في زنازين الاحتلال بكل هذا الغطاء الذي يوفره النظام العربي الرسمي لـ«إسرائيل». معركتنا واحدة. نحن هنا ندافع عنّا وعنكم. ليس في باحات الأقصى وحده. بل وفي قلب بلادكم أيضًا: إننا نحميكم من الوقوف أمام السفارات الإسرائيلية المستقبلية التي يسعى حكّامكم إلى فتحها في عواصمكم التي لم تعد تعصم أحدا إلا «إسرائيل».