حارس جامعة بصلاحيات شرطي: محاربة للعنف الجامعي أم للحريات الطلابية؟

حارس جامعة بصلاحيات شرطي: محاربة للعنف الجامعي أم للحريات الطلابية؟

الأحد 04 آذار 2018

قريبًا، سيتمتع الحرّاس في الجامعات الأردنية  بصلاحيات رجال الأمن، بعد أن توافق مجلسا النواب والأعيان على مادة في مشروع قانون جديد للجامعات، تمنحهم صفة «الضابطة العدلية»، ما يخوّلهم حق التوقيف والتحقيق وتحرير الإفادات الأولية، في وقت تقتصر فيه صلاحياتهم الحالية على «التبليغ» عن المخالفات.

وزارة التعليم العالي تقول إن الصلاحيات الجديدة ستضمن دورًا أكثر فعالية لحرس الجامعات في مواجهة أحداث العنف الجامعي، في حين يقول معارضو القانون إن الهدف الحقيقي منه هو تقييد الحريات الطلابية، وليس مواجهة العنف الجامعي، الذي أثبتت أنظمة التأديب الجامعية أنها كفيلة بضبطه، عندما توفرت، بحسبهم، إرادة حقيقية لتطبيقها.

تنص المادة 27 من مشروع القانون الجديد على أنه «يكون للموظفين المفوضين خطيًّا من الرئيس والذين يعملون على حراسة الجامعة الرسمية وفروعها ومنشآتها وحفظ الأمن الداخلي فيها صفة الضابطة العدلية وذلك في حدود اختصاصاتهم».

ووفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن الموظفين الممنوحين صفة الضابطة العدلية: «مكلفون باستقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها وإحالتهم على المحاكم الموكول إليها أمر معاقبتهم».

وزير التعليم العالي، عادل الطويسي، نفى في مقابلة تلفزيونية، خلال الشهر الجاري، أنه سيكون من صلاحيات الحرس الجامعي توقيف الطلبة. وقال إن الهجوم على المادة المذكورة كان نتيجة قراءة مشوهة لها.

لكن هذا يناقض ما أعلنه الطويسي نفسه عام 2012، السنة التي بدأ فيها التلويح بضابطة عدلية في الجامعات. وهي، أيضًا، السنة التي شهدت سلسلة أحداث عنف طلابي، وقعت في جامعات «الأردنية» و«البلقاء» و«مؤتة» و«آل البيت» و«الهاشمية». وقتها، صرّح الطويسي، الذي كان رئيسًا للجامعة الأردنية آنذاك، أن حرس الجامعات سيمتلكون «صلاحيات التوقيف، وإلقاء القبض على المتسببين بأي مشادات ومشاجرات وإحداث قلق بالجامعات».

«حبر» لم تتمكن، رغم محاولات عديدة، من الحصول على توضيح بهذا الشأن من وزير التعليم العالي، أو أي مسؤول آخر في الوزارة، فقد ذكر الناطق الإعلامي للوزارة، محمود الخلايلة، أن الوزير هو من يصرّح في هذه القضية. لكن مدير مكتب الوزير، طارق رحال، أبلغ «حبر» اعتذاره عن الإجابة عن الأسئلة لانشغاله.

في الأثناء، يؤكد المحامي في القضايا الشرطية والجزائية ، الدكتور عادل سقف الحيط لـ«حبر»، أن «التوقيف» هو أحد صلاحيات الضابطة العدلية. وقال إن حارس الجامعة الذي تقتصر صلاحياته الحالية، في حال حدوث انتهاك للقانون، على الاتصال بالضابطة العدلية كي يأتي ممثلوها لتنفيذ القانون، ويكون هو، في العادة، شاهدًا على الواقعة، سيكون وفق الوضع الجديد هو الجهة التي تتولى الإجراءات التي يتولاها الشرطي قبل تحويل القضية إلى المدعي العام، وهي التفتيش، والتوقيف، والتحقيق الابتدائي، وكتابة الإفادة الأولية. ولأن حرس الجامعة لا يتواجدون فقط على مداخلها، بل يكونون داخلها أيضًا، فإن هذا يعني، كما يقول سقف الحيط، أنه، عمليًّا، سيكون هناك «تواجد أمني داخل حرم الجامعة».

بين الضابطة العدلية وأنظمة التأديب الجامعية

بعد سنتين من إعلان التوجه نحو منح الضابطة العدلية لحرس الجامعات، تحولت الفكرة العام 2014 إلى مشروع قانون وافق عليه مجلس النواب، لكن مجلس الأعيان لم يتخذ فيه أي إجراء، لأن الحكومة أعلنت وقتها أنها بصدد إصدار قانون جديد.

وخلال الست سنوات الماضية، كانت الفكرة تظهر مع كل مشاجرة جامعية جديدة، ثم تختفي في مواجهة الأصوات المعارضة. لكن لا يبدو أن هذا سيحدث هذه المرة، فقد وافق «الأعيان» على هذه المادة، مع إضافة توصية بتأهيل الحرس الجامعي بما يمكنه من ممارسة صلاحياته الجديدة. وذلك وفق النائب هدى العتوم، عضو لجنة التربية والتعليم والثقافة في مجلس النواب.

في جلسة لجنة «التربية» النيابية التي أقرت منح صفة الضابطة العدلية لحرس الجامعة، برّر الطويسي ذلك بقصور صلاحيات الحارس الحالية في مواجهة حوادث العنف الجامعي، التي قال إنه يقف أمامها «مكتوف الأيدي». وأكّد على ذلك لـ«حبر» مقرر اللجنة، الدكتور حسن السعود، الذي قال إن الحارس في الوضع الحالي «غير محمي قانونيًّا»، ويخاف، في حالة الاحتكاك بالطالب المخالف، أن يشتكي عليه الأخير، ما قد يتسبب بسجنه. في حين أن تمتع الحارس بهذه الصلاحية سيشكل نوعًا من «الردع» لدى الطلبة الذين سيدركون، كما يقول السعود، أن تصرفاتهم «السلوكية واللفظية كلها مراقبة» من «أشخاص موجودين داخل حرم الجامعة». ويقول السعود، الذي عمل أستاذًا جامعيًّا، منذ العام 1990 إلى 2016، تولى خلالها مناصب قيادية في عمادتي شؤون الطلبة في جامعتي مؤتة والأردنية، إنه، من واقع خبرته الأكاديمية، متأكد من أن هذا سـ«يخفف من وطأة المشاكل والعنف الجامعي».

وزير التعليم العالي السابق، الدكتور وليد المعاني، الذي كان أعلن، في وقت سابق، معارضته لمنح حرس الجامعات صفة الضابطة العدلية، يقول إنه لا يرى، الآن، مشكلة في إعطاء هذه الصلاحية لحرس الجامعات، بل هو توجّه تحتّمه التغيرات التي طرأت على المجتمع، منها ازدياد الميل إلى العنف، ومنها أيضا ازدياد أعداد طلبة الجامعات، واتساع مساحاتها. فالجامعة الأردنية، على سبيل المثال، لم يكن عدد طلبتها، في وقت ما، يتجاوز بضع مئات. وظلت، كما يقول المعاني، إلى السبعينيات من دون أسوار. لكن الأمر تغيّر الآن في الجامعة التي أصبحت تمتّد على مساحة 1200 دونم.

المعاني الذي يلفت إلى عدم وجود «عرف أو توافق دولي» في ما يتعلّق بالتواجد الأمني في الجامعات، يدعو إلى أبعد من الضابطة العدلية، ويقول إنه لا مانع من وجود رجال الأمن أنفسهم في الجامعة. فبحسبه، هناك جامعات تُعدّ من بين الأفضل في العالم، ومنها جامعات في بريطانيا والولايات المتحدة، لا يتواجد في حرمها موظفو أمن جامعي مسلحون فقط، بل يوجد فيها مراكز للشرطة نفسها. ذلك أن الأمن، كما يقول، أصبح الآن من بين أبرز الأسباب التي على أساسها يختار الطلاب الجامعة: «أنت تقدم خدمة، وتريد لمن تخدمه أن يشعر بالأمن والاطمئنان وهو عندك».

ويقول المعاني إنه يمكن، في النهاية، التعامل مع مسألة منح الحرس هذه الصلاحية بوصفها «تجربة» تتسم بـ«الديناميكية»، يمكن التغيير فيها، بناء على التغيّرات في المجتمع الطلابي، والمجتمع بشكل عام.

لكن العتوم، التي كانت مع النائب عليا أبو هليّل، المعترضتين الوحيدتين على المادة، من بين الأعضاء العشرة الذين حضروا جلسة لجنة «التربية» التي أوصت بالموافقة على الضابطة العدلية، تصف الخطوة بأنها جزء من «سياسة الاستقواء على الطلاب». وتقول إن المادة، التي صوّت ضدها 24 نائبًا، لم تحظ أثناء عرضها على المجلس للتصويت بـ«نقاش حقيقي». ورغم أن بعض النواب تحدثوا معترضين، كما تقول، لكن: «هناك مشكلة في المجلس، وهي أن التصويت، في العادة، يكون لصالح ما أقرته اللجنة [المختصة]».

ويوافقها الرأي، العميد السابق لكلية الحصن الجامعية، التابعة لجامعة البلقاء التطبيقية، الدكتور يحيا خريسات، الذي يقول إنه لا يرى حاجة لمنح صفة الضابطة العدلية، لأن أنظمة التأديب الجامعية، بحسبه، أنظمة «صارمة جدًّا»، وكفيلة «في حال طُبّقت» ليس فقط بضبط الأمن داخل الجامعات، بل بضبط مختلف أنواع المخالفات، فمثلا: «حمل الطالب آلة حادة داخل الجامعة قد يتسبب له بفصل نهائي (…) والطالب الذي يثبت أنه غش في امتحان، يُعتبر تسجيله في ذلك الفصل لاغيًا، ويمنع تسجيله في الفصل اللاحق، ويرسب في المادة».

وجميع العقوبات بحسب خريسات، غير قابلة للاستئناف، باستثناء الفصل النهائي. وبذلك فإن نظام عقوبات كهذا، كما يقول، كفيل بجعل الطالب: «قبل ما يعمل أي مشكلة، يفكر إنو ممكن يروّح».

المشكلة، كما يقول خريسات، هي قصور تطبيق أنظمة التأديب، نتيجة الضغوطات الخارجية التي تقع على مسؤولي الجامعات، من أجل تخفيف العقوبات أو التراجع عنها، الأمر الذي «يؤدي إلى عرقلة تطبيق النظام، وينعكس بشكل سلبي على منظومة الأمن في الجامعات».

ما سبق يؤكد عليه منسق الحملة الوطنية لحقوق الطلبة (ذبحتونا)، الدكتور فاخر دعاس، الذي قال لـ«حبر» إن فعالية أنظمة التأديب أُثبِتت عمليًّا خلال الفترة الماضية، فالعقوبات التي أوقعت على الطلبة المتورطين في أحداث العنف التي شهدتها الجامعة الأردنية العام 2016، نُفذت بصرامة، ولم يحدث، ما يقول إنه «كان يحدث في أحداث العنف السابقة، من رضوخ للوساطات، التي كان يعود بعدها المشتركون في الشغب إلى الجامعة». هذا كان، باعتقاده، العامل الأساسي في أن الفترة التي تلت تلك الأحداث، كانت، نسبيًّا، خالية من العنف.

وكان الطويسي قد لفت في المقابلة، المشار إليها سابقًا، إلى تراجع العنف الجامعي. وقال إن «العام 2017 كان عاما خاليًا من العنف». لكنه استدرك بأنه «إذا وقع العنف الجامعي، يجب التعامل معه بمهنية. والمهنية جزء منها أن تعطي صفة الضابطة العدلية للحرس الجامعي».

تطبيق صفة الضابطة العدلية في وقتٍ تراجع فيه العنف، يقول وزير التعليم العالي السابق، الدكتور وجيه عويس، إنه يجعل توقيت القرار خاطئًا، فهو يرسل «إشارات سلبية» في وقت يجب أن يحدث العكس.

عويس الذي يقول إنه يحترم، مع ذلك، قرار الأغلبية في مشروع القانون الذي يسير الآن في مراحله الدستورية الأخيرة، مؤمن بأن مشاكل الجامعة يجب أن تُحلّ داخل الجامعة. ويقول إن إيمان الطلبة بأن مشاكلهم عندما تصل إلى رئاسة الجامعة ستعامل بعدالة، سيساعد على الحدّ من العنف: «دائمًا كنت أقول إن سبب لجوء الطالب إلى عشيرته وبلده عند المشاجرات هو فقدان الثقة في إدارة الجامعة أن تحل مشكلته».

وهنا، يشير عويس إلى الأثر الإيجابي، الذي يقول إنه قد أحدثته مساقات لتعليم السلوك طرحتها الجامعات في إطار مكافحتها العنف الطلابي، لكن: «ما حدث هو أن رئيس الحكومة السابقة، اجتمع مع الأكاديميين قبل سنتين، وأثيرت هذه القضية [العنف الجامعي]، وللأسف بعض رؤساء الجامعات طلبوا ضابطة عدلية».

يتساءل دعاس عن الحكمة في إعادة طرح قضية الضابطة العدلية في هذا الوقت بالذات. ويقول إن الأمر، لا يتعلق بالعنف الجامعي، بل بالتوجه نحو فرض المزيد من القيود على الحريات الطلابية. ويخصّ، بالتحديد، قرارات متوقعة لرفع رسوم الجامعات. ويقول إن منح الحرس صلاحيات الشرطة يهدف إلى قمع احتجاجات طلابية متوقعة على هذه القرارات.

وهذا ما يؤكد عليه الناشط الطلابي، ليث العلاونة، وهو طالب طب في السنة الخامسة، في الجامعة الأردنية، الذي قال إن هناك رابطًا بين جديّة التوجهات الأخيرة بفرض صفة الضابطة العدلية على الجامعات وموجة المطالبات الحقوقية التي قادها الطلبة في عدة جامعات، خلال السنتين الأخيرتين، وتمثّلت في اعتصامات الطلبة في جامعات «الأردنية» و«البوليتكنك» و«الهاشمية»: «هذا ما وضع إدارات الجامعات أمام مفصل، هو أنه يجب أن يكون هناك ضابطة عدلية لتكون قادرة على قمع هذه التحركات».

وهو أمر لا يستبعده سقف الحيط، الذي يقول إنه من الممكن أن يتوسع الحرس في تعريف ما يُعدّ انتهاكا للأمن الجامعي، ليمتد ذلك إلى المظاهرات والاعتصامات السلمية: «أنظمة التأديب لا تفرّق بين العنف والمسيرة والملصق الذي يوزع. كلها تُعتبر مخالفة للأنظمة. [ووفقها] من حق الحرس الجامعي أن يراها مخالفة للأمن الجامعي، ومن حقه بالتالي أن يرسل الطالب إلى المخفر، حتى لو كان على توزيع منشور».

«الضابطة العدلية» في صيغتها الأولى

تقييد الحريات الطلابية، لم يكن في الذهن عندما بدأت بلورة فكرة الضابطة العدلية، الذي قال رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الدكتور موسى الشتيوي لـ«حبر» إنه كان من أوائل المطالبين بها، وكان ذلك أثناء الإعداد للاستراتيجية الوطنية للحد من العنف الجامعي التي أطلقت العام 2012.

لم يكن الأمر آنذاك، وفق شتيوي، متعلقًا حصريًّا بالعنف، بل كانت فكرة الضابطة العدلية جزءًا من من رؤية متكاملة لمفهوم موظف الأمن الجامعي، وقدرته على التعامل مع مختلف التحديات في جامعات هي الآن «مدن صغيرة».

يقول شتيوي إن جامعة تضم 40 ألف طالب، هي عمليًّا «مدينة صغيرة»، تحدث فيها كل أنواع المخالفات التي تحدث خارجها. لهذا كان هناك اقتراح باستحداث «شرطة جامعية»، يكون العنصر النسائي جزءًا منها، وتستقطب أفرادًا متعلمين، يتمتعون بالتأهيل النفسي والاجتماعي والقانوني، ولديهم مهارات التعامل مع المخالفات المختلفة، التي ليس لها بالضرورة صبغة أكاديمية أو سياسية. لكن، من دون أن يكون هناك أي مساس بالحريات الطلابية.

منح صفة الضابطة العدلية، يقول شتيوي، يساعد في توفير حماية قانونية للحرس الذين حدث كثيرًا أن اشتكى عليهم طلبة قالوا إن الحرس تجاوز عليهم، وكانت النتيجة أن عانى هؤلاء في المحاكم.

لكن شتيوي يؤكد أن هذه الصلاحية مرتبطة بـ«برنامج متكامل»، ولا يجوز أن «تُجتزأ» منه، فمنح صفة الضابطة العدلية لحرس الجامعات «وحدها ليست الحل».

يؤكد السعود على «كفاءة» حرس الجامعات للنهوض بمسؤولية الضابطة العدلية، ويقول إن هؤلاء يمتلكون ميزتي «العمر والخبرة»، وبذلك هم «ناضجين انفعاليًّا»، بحيث أنه «حتى لو الطلاب أساؤوا أدبهم معهم بِتْحمّلوا، يعني بضبطوا مشاعرهم».

لكن ليس هذا ما يقوله شتيوي، الذي لفت إلى أنه أثناء المناقشات لبلورة مفهوم «الشرطة الجامعية»، كان هناك اتفاق، أن الحرس الجامعي بتركيبته الحالية، ورغم وجود بعض الاستثناءات، غير مؤهلين لتولي هذه المهمة: «أجرينا دراسة، وجدنا أن الحرس في بعض الجوانب جزء من المشكلة. أغلبهم بيجوا من المجتمعات المحلية بصير إلهم مواقف مع المتشاجرين، أو ضد المتشاجرين، وبصيروا جزء من المشكلة، بدل ما يكونوا جزء من الحل».

هذا، ما كان الطويسي، قد لفت إليه في تصريح صحفي عام 2012، عندما قال إنه كانت هناك: «أحداث ظهر فيها أن الأمن الجامعي كان متواطئًا ومساعدًا في توتر الأجواء بالعديد من المشاجرات»، عازيًا هذه الأسباب الى «سوء التعيينات لبعض أفراد الحرس الجامعي، وعدم إخضاعهم لمقاييس الكفاءة»، مضيفًا أن هناك «إشكاليات عديدة حصلت خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بقضايا الحرس الجامعي من تدخلات وخوف وإثارة البلبلة بين صفوف الطلبة والتعاون لصالح فئة دون أخرى». ولفت الطويسي، يومها، إلى أن الجامعة أخضعت الحرس إلى «دورات مختلفة، وتبدو الأمور وقد شهدت اختلافًا بسيطًا بشكل أو بآخر».

لكن قريبين من الميدان لا يشيرون إلى أن الوضع مختلف حاليًّا. يقول علاونة إن: «الحرس الجامعي من دون ضابطة عدلية يمارس سطوته على العمل الطلابي. وإعطاؤهم سلطة أكثر مما يملكونه سيزيد المشكلة سوءًا». وتلفت العتوم إلى ما تقول إنه «تنمّر» يطبع تعامل الكثير من موظفي الأمن في الجامعات تجاه الطلبة. في حين يقول خريسات إنه في ما يتعلق بمشكلة العنف الجامعي، فإن الكثير من حرس الجامعات «جزء من المشكلة»، إذ «يفتقرون إلى المهارات الأساسية في التعامل مع الطلبة»، وهذا يعمّق، كما يقول، إشكالية منحهم هذه السلطة.

يُذكر أن مشاجرة العام 2016 في الجامعة الأردنية، التي وقعت بين مجموعتين تنتميان إلى منطقتين مختلفتين، اشترك فيها المئات من أقارب الطرفين من خارج الجامعة، كانت، كما رواها رئيس الجامعة، الدكتور عزمي محافظة، في مقابلة تلفزيونية، نتيجة مشادة بين حارس وطالبين، قام بعدها الحارس باستدعاء أشخاص من خارج الجامعة.

«التأهيل» استعدادًا لممارسة الصلاحيات الجديدة

هناك الكثير من الكلام العام عن أن منح صفة الضابطة العدلية لمن سيتم اختيارهم من حرس الجامعات سيسبقه «تأهيلهم». ووفق السعود، فإن الصلاحيات الجديدة لن تمنح لجميع أفراد الحرس الجامعي، بل سيتم الاختيار من بينهم من يتمتعون بـ«سعة الصدر»، و«المصداقية»، و«الموضوعية». وستكون لمن لديه «خبرة عسكرية في حقل الضبط والربط».

ما عدا ذلك، لم يصدر عن أي جهة أي معالم واضحة لمعايير الاختيار، ولا لنوع التدريب الذي سيتلقاه هؤلاء، ومدته، والجهات التي ستتولّاه. ولا ما إذا كان هناك تصوّر لأي خطوات عملية ستتخذ على الأرض، خصوصًا أن مشروع القانون على وشك إنهاء مراحله القانونية.

وتبدو المعضلة الأساسية في القضية، هي في غموض وجود أي تصوّر لمواجهة حقيقة أن الغالبية الساحقة من المشاجرات الجامعية مطبوعة بالعشائرية والمناطقية، ومن هنا، فإن السؤال هو: كيف يمكن منح هذه السلطة القانونية للحرس الجامعي، الذي سجلت على العديد من أفراده حالات انحياز على هذه الخلفية.

وفق السعود، فإن هذه الإشكالية بالذات، سيحلها منح الحرس صفة الضابطة العدلية. ويوضح أنه بسبب أن «العشائرية مسيطرة علينا»، فإن «الواسطة والمحسوبية» تدفع الحارس أحيانًا إلى أن يغير أقواله، و«يخفي الحقيقة». لكن في حال تمتعه بالضابطة العدلية، فإنه سيكون تحت ثقل مسؤولية أن التقرير الذي يقدمه هو «تقرير أمني»، وهو «مسؤول أمام القضاء» عنه، وبذلك سيكون مضطرًا لتحري الدقة فيه: «بدك تعطي تقريرك صح، بدك تضبط صح». بهذا المعنى، فإن صفة الضابطة العدلية، التي ستعمل، كما يقول السعود، رادعًا للطالب، ستكون، أيضًا، رادعًا للحارس.

وبحسب السعود، فإن هذه الإمكانية أمام الحراس لتغيير أقوالهم، هي ما يجعل، أنظمة التأديب غير كافية، فـ«رجل الأمن سهل جدًّا يغير التقرير تبعه (…) بقول أنا ما شفت، بس يعني حتى لو شاف بعينه، ما عليه ضربة لازم». في حين أنه مع صفة الضابطة العدلية، فهو «مسؤول عن كل كلمة بحكيها».

سقف الحيط يقول إن مسألة «التأهيل» لتولي مهام الضابطة العدلية ليست بهذه البساطة: «رجل الضابطة العدلية يتعامل مباشرة مع الحقوق الطبيعية اللصيقة بالإنسان، ومنها الحق في سلامة الجسد، الخصوصية، حرية الرأي والتعبير، والكرامة الإنسانية. ومن يتعامل معها يجب أن يكون على أعلى درجات التأهيل». وهذا النوع من التأهيل، يقول، يكون من خلال الدراسة «المكثفة» في كلية أمنية، أو كلية حقوق. وهو ما لا يمكن اختزاله في دورة تدريبية.

لكن علاونة يقول إن الجسم الطلابي حريص على «عدم الانجرار» إلى مناقشة معايير الاختيار وآلية التأهيل التي ستُعتمد، فهذا برأيه، يعني اعترافًا ضمنيًّا بأن الأمر أصبح واقعًا، وأن القضية الآن هي مجرد مناقشة للتفاصيل «التقنية» التي ستنظمه. في حين أن منح صفة الضابطة العدلية لحرس الجامعات، والذي يعني شرعنة التواجد الأمني في الجامعات «مرفوض من ناحية المبدأ».

__________________________________________________________________________

تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).