كلّهم مستوطنون: كيف تنبع الاعتداءات الاستيطانية من رحم العقيدة الصهيونية

الثلاثاء 13 تشرين الأول 2015

بقلم عبد الله محمد

بعد هبة البراق في عام 1929، خرجت أغنية نوح إبراهيم الشهيرة «من سجن عكا طلعت جنازة» إكرامًا لثلاثةٍ حَكَم عليهم الاستعمار البريطاني بالإعدام، هم محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. تلك الهبةُ أشعلت مدينة القدس في حينها عقب مظاهرة دعت إليها حركة «بيتار» الصهيونية هاتفةً «الحائط لنا»، أي حائط البراق. حركة بيتار تلك -التي ما زال  اسمها حاضرًا بفريق بيتار القدس لكرة القدم- كانت جزءًا من نواة الحركة الاستيطانية في المجتمع الصهيوني.

عام 2014، خرج حجازي آخر: معتز حجازي، الذي تمكن بأربع رصاصات من استهداف «مهندس اقتحامات المسجد الاقصى» ومدير جمعية تراث الهيكل «إيهودا غليك»، مشعلًا بذلك غضب المليشيات الاستيطانية التي ينتمي «غليك» إلى إحداها. ومذّاك تسارعت -ولا نقول بدأت- عمليات أتباع المليشيات الاستيطانية المسلحة وتفاوتت حدتها وشكلها، وقد كان من أبشعها حرق الشهيد الطفل محمد أبو خضير حيًّا، وقتل عائلة دوابشة في أسرّتهم حرقًا.

 عند دراسة اعتداءات مستوطني الضفة الغربية بما فيها القدس، فلا يمكن فصل الموجة الحالية عن سياقها الأكبر. فمنذ عام 2004، نفذ مستوطنو الضفة الغربية أكثر من 11 ألف اعتداء على القرى والمدن الفلسطينية، منها ما استهدف الأراضي الزراعية ومنها ما استهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية ومنها ما استهدف البشر، وهي اعتداءات رافقت الحركة الصهيونية الاستيطانية منذ وصولها فلسطين في أواسط القرن التاسع عشر.

التآكل الأيديولوجي: الدين إلى المقدمة

كانت الأرض وما زالت جوهر الصراع في فلسطين، وهي العنوان الرئيس للحركة الصهيونية في صراعها مع العرب والفلسطينيين. احتاجت الصهيونية كحركة استيطانية إحلالية إلى تدعيم البناء المادي بأساطير على غرار حركات استيطانية في أماكن أخرى كجنوب إفريقيا والجزائر وغيرها. لخص الباحث غابرييل بيتربيرغ تلك الأساطير بـ«نفي المنفى، والعودة إلى الأرض، والعودة إلى التاريخ»، أي أنه بالرغم من علمانية بل إلحاد معظم قادة الحركة الصهيونية في بدايتها، فقد وظفت الحركة الصهيونية الديانة اليهودية كأداة لخلق أساطير ارتبطت بالعودة إلى «أرض إسرائيل» و«الأرض الموعودة» و«الأحقية التاريخية لليهود في الأرض»، وغيرها من مقولات ساهمت في عمليات الاستحواذ على الأرض وطرد الفلسطينين. بل تحالف قادة الحركة الصهيونية مع تيارات دينية نشأت في أوساط القرن التاسع عشر كان من أهم منظريها الحاخام زفي هيرش كلايشير والحاخام موشيه شاميول غلاسنير والحاخام إفرهام إسحق كوك، تنبع أهميتهم من تمكنهم من خلط ومزج تعاليم الدين اليهودي وقانون الهلاخا (الشريعة اليهودية) بالأفكار المتصلة بالحركة الصهيونية العلمانية والعمالية في حينها.

يمكن القول إن ميليشات المستوطنين هي امتداد طبيعي للمؤسسة الرسمية وأداة لتلك المؤسسة في تنفيذ سياساتها في الضفة الغربية، كما أن الصهيوني الذي يسكن الضفة الغربية ليس أشد استيطانًا من الصهيوني يسكن تل أبيب.

 ورغم التشابه الكبير بين الحالة التي يعيشها الفلسطيني اليوم في القرى الفلسطينية وتلك التي عاشها قبيل النكبة في عام 1948، وبالرغم من التشابه العملي والعملياتي بين الحركة الصهيونية قبل النكبة وبين التيار الصهيوني الديني والمليشيات الاستيطانية المسلحة التي تشكل رأس الحربة في المواجهة مع الفلسطيني اليوم، تبقى بعض الاختلافات التي رافقت تغيرات بنيوية في طبيعية الكيان، من انتداب الفكر الاشتراكي-العمالي كأساس اقتصادي ناظم إلى انتداب النيوليبراية الاقتصادية والتي صاحبت صعود اليمين الصهيوني، ومن التغير الديمغرافي الذي رافق هذا الكيان منذ نشأته من هيمنة اليهود الأوروبيين (الأشكناز) في بدايات المشروع، إلى استجلاب يهود من مناطق مختلفة أبرزهم اليهود العرب، والأثيوبيون والروس، وما أفرزه ذلك أيدولوجيًا بعد حالة الاصطدام الأولى التي ولدتها عملية تلاقي ثقافات مختلفة والتهميش الذي تعرضت له هذه الفئات الجديدة الداخلة على المجتمع الصهيوني في إطار الهيمنة الأشكنازية في حينها.

لكن في النهاية، تظل هذه الاختلافات سطحية إن قيست بعلاقتها بالفلسطينيين، بل يمكن القول أن النواة الصلبة لعملية التوسع في الضفة الغربية والقدس هي امتداد طبيعي ومباشر لأوائل المستوطنين وتوجهاتهم الفكرية الجوهرية والتي تضمنت مفاهيم عدة، كان أهمها الاستحواذ والسيطرة على الأرض، والاستقلالية بمعناها الروحي، والطلائعية والاعتماد على القوة العسكرية في حماية المشروع الصهيوني، أو ما سمي بسياسة «الجدار الحديدي» تيمنًا بمقال كتبه المنظر الأول للتيار الصهيوني التصحيحي، زئيف جابوتنسكي، والمرونة التي تحتاجها دولة بحجم المشروع الصهيوني تحاول أن تتعايش في أطار محيط «معادٍ». يكمن سر الاختلاف اليوم في أن الطلائع التي تشكل النواة الصلبة والمسلّحة من المستوطنين باتت تستمد رموزها ومقولاتها وهويتها من التوارة والتلمود، مستبدلة بذلك كتب ماركس ولينين التي اعتمد عليها الصهيونيون الأوائل.

وظيفة المليشيات الاستيطانية اليوم هي ذاتها وظيفة النواة المشكّلة للحركة الصهيونية: الاستحواذ بقوة على الأرض. ولا يمكننا هنا الفصل ما بين المؤسسة الرسمية والمليشيات الاستيطانية، بل يمكن القول إن ميليشات المستوطنين هي امتداد طبيعي للمؤسسة الرسمية وأداة لتلك المؤسسة في تنفيذ سياساتها في الضفة الغربية، كما أن الصهيوني الذي يسكن الضفة الغربية ليس أشد استيطانًا من الصهيوني يسكن تل أبيب. ومن هنا يمكن فهم «فشل» الأجهزة الأمنية الصهيونية في إغلاق ملفات تتعلق بعمليات استهدفت فلسطينين بواقع 85.3% من مجموع القضايا، إذ أسفرت 7.4% فقط من التحقيقات عن لوائح اتهام ضد المشتبه بهم.

من التنظيم السري إلى الاقصى

لا تختلف المليشيات المسلحة الاستيطانية في ما بينها على أهدافها السياسية أو أطروحاتها الأيديولوجية، لكنها تختلف في أشكال عملها. هنالك مستويان من الاختلافات: الأول هو مدى تقبل مفهوم «دولة لليهود» تمزج ما بين «الديموقراطية» واليهودية بدلًا من «دولة يهودية». فجزء لا بأس به من هذه التيارات ترى أن «الشريعة اليهودية» (الهلاخا) يجب أن تحل محل التشريعات والقوانين المدنية داخل مؤسسات الدولة الصهيونية. المستوى الثاني هو أسلوب العمل وشكله وحدّية العنف المباشر في مواجهة الجيش والشرطة أو في مواجهة الفلسطيني. فبعض التيارات ترى أن العمل السياسي والإعلامي والمدني داخل مؤسسات الكيان من جيش وأجهزة أمنية ووزارات هو الطريق الأصح للتأثير. لذا، ليس غريبًا أن ثلاثة من أربعة قادة في الشاباك (الاستخبارات الداخلية) اليوم هم من هذا التيار. وليس غريبًا أيضًا أن يكون لدى المليشيات الاستيطانية تيارات داخل معظم الأحزاب الصهيونية، خصوصًا في الليكود والبيت اليهودي وإسرائيل بيتنا وشاس.

لا تختلف المليشيات المسلحة الاستيطانية في ما بينها على أهدافها السياسية أو أطروحاتها الأيديولوجية، لكنها تختلف في أشكال عملها.

أما الشق الآخر على هذا المستوى، فيرى أن براغماتية المؤسسة الصهيونية الرسمية تجعلها على استعداد للتنازل مقابل مكاسب ديبلوماسية أو اقتصادية، مستحضرًا تجربة الانسحاب من غزة وسيناء. هذا الشق مستعد لاستخدام العنف لأجل منع حدوث أي اتقاقية وعملية من طرف واحد قد تؤدي إلى لتخلي عن جزء من «أرض إسرائيل»، وهنا نتذكر عملية اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحق رابين عام 1995، ومجازر متكررة كان أهمها مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي أودت بحياة 29 فلسطيني، والتي أتت في سياق اتفاقيات أوسلو وخوف هذا التيار من ذهاب المؤسسة إلى تنازلات قد تحد من قدرته على التوسع.

لكن هذا لا يعني أن هذه العمليات بدأت بعد أوسلو، فقد انبثق «التنظيم اليهودي السري» عام 1979 عن مجموعة «غوش إيمنيوم» الاستيطانية، جاعلًا من تدمير المسجد الأقصى الهدف الأول على لائحته، كما برز اسمه بعد محاولات اغتيال رؤساء بلديات فلسطينيين عام 1980. كما تمكن في عام 1983 من قتل ثلاثة طلاب فلسطينيين وإصابة 33 آخرين في جامعة الخليل، بل أُحبطت إحدى خططه بتفجير خمس حافلات مقدسية في نيسان 1984. وتصاعدت وتيرة هذه الأعمال بعد اتفاقيات أوسلو إلى يومنا هذا، وإن كان معظمها يستهدف المنشآت أو الأراضي الزراعية التابعة في القرى الفلسطينية.

تركز هذه المجموعات على الحرم المقدسي الشريف وترى أن حسم قضية القدس لن يتم إلا من خلال استبدال الأقصى بالهيكل في محاولة لإثبات صدقية مقولاتها التلمودية. تكمن مصلحة الكيان في تجيير الأقصى كأداة احتواء وتطبيع مع المحيط العربي وكأداة سيطرة وتحكم بالفلسطينيين (عبر التصاريح وغيرها)، ولكن انتدابه للرموز الدينية اليهودية يضعه أمام مازق وحرب ذاتية، فيهودية الدولة تعني أيضًا إنشاء الهيكل، وهنا تكمن التجاذبات الراهنة داخل أروقة صنع القرار في الكيان.

إن الهجمة المستمرة من قبل هذه المجموعات تجعل من حتمية المواجهة في فلسطين مسألة وقت فقط، وما نراه اليوم على شاكلة الهبة الشعبية التي توسعت لتشمل الضفة وغزة والداخل إلى جانب القدس هو التفاعل الطبيعي مع سياسة التوسع التي تنبع من رحم الفكر الصهيوني وطبيعته الاستعمارية الإحلالية، ومن البنية التظيمية والأيديولوجية لميلشيات المستوطنين.

خاتمة

لقد رافق المعارك والحروب مع الكيان الصهيوني تشكّل أساطير مختلفة تغلغلت في الوعي العربي، ما بين تضخيم قدرات العدو وتصوير نجاحاته على أنها تجلي لقوة خيالية يصعب على العقل تنميطها وفهمها ومواجهتها من جهة، وتصوير الجندي الصهيوني بالجبن والضعف والتآكل الداخلي وأن ما يملكه من قوة هو الدعم الذي يتلقاه من مراكز القوة العالمية من جهة أخرى.

لكن معرفة العدو بدقة وعمق بعيدًا عن هذه الأساطير ركن أساسي في قدرة قوى المقاومة إن كان في شكلها الشعبي أو العسكري على توجيه الضربات إليه، والحفاظ على استمرارية الفعل المقاوم وقدرته على التطور والتغلل في البنى الاجتماعية الفلسطينية، واستيعاب الضرر الناتج عن الحرب، وتشكيل خطاب مُركز يخلق الشرخ اللازم بين المؤسسة العسكرية الصهيوني والمجتمع الحاضن لها.