السودان: هل تدق الانتفاضة أبواب البشير؟

من مظاهرة مناوئة للحكومة السودانية في مدينة أمدرمان. تصوير خليل حمرة أسوشييتد برس.

السودان: هل تدق الانتفاضة أبواب البشير؟

الإثنين 24 كانون الأول 2018

قبل ما يقارب الشهرين، وقف السودانيون أمام محطات الوقود والبنوك، وحتى أمام منافذ بيع الخبز للحصول على حصصهم، دون جدوى. وجد الناس جيوبهم وبطونهم وحتى سياراتهم خاويةً، فيما استمرت الحكومة السودانية في إطلاق الوعود بأن الأزمة ستنجلي قريبًا. فكان الخيار لهذه الجموع هو النزول إلى الشوارع، مطالبين بتوفير احتياجاتهم الأساسية، في تظاهرات عمت أغلب المدن السودانية، وما لبثت أن رفعت شعار: «الشعب يريد إسقاط النظام». قوبلت هذه التظاهرات بعنف مفرط من الشرطة والأمن أدت لسقوط 22 قتيلًا بحسب رئيس حزب الأمة المعارض الصادق المهدي، في حين يصعب حصر القتلى بصورة دقيقة من جهات محايدة حتى الآن.

انتفاضة المدن

انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات في 13 ديسمبر/كانون الأول بمدينة الدمازين، جنوب شرق السودان، حيث خرج طلاب المدارس الثانوية في تظاهرة جابت أنحاء المدينة، تطالب بتوفير الخبز، تفاعل معها المواطنون، وسرعان ما قامت قوات الشرطة بتفريقها.

صباح يوم الأربعاء 19 ديسمبر/كانون الأول، انعدم الخبز في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، شمال السودان، ليخرج المواطنون في تظاهرات غاضبة أدت لحرق مقر المؤتمر الوطني، وهو الحزب الحاكم، وعدد من المقار الحكومية. أصيبت المدينة بالشلل التام، حيث استخدمت قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع، بجانب إطلاق النار على المتظاهرين، مما أدى لسقوط ثلاثة قتلى والعشرات من المصابين. تظاهرت كذلك البلدات المجاورة للمدينة، حيث أعلن الناطق الرسمي باسم حكومة نهر النيل إبراهيم مختار، مقتل شخصين بالعبيدية وبربر، لتعلن لجنة الأمن في الولاية فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال، لكن ذلك لم يمنع استمرار التظاهرات.

في اليوم نفسه، خرجت تظاهرات شعبية بولاية القضارف، شرق السودان، ووجهت بقمعٍ شديدٍ من قبل الأجهزة الأمنية التي استخدمت الأسلحة الرشاشة في مواجهة المتظاهرين مما أدى لسقوط ستة قتلى بحسب بيان لجنة الأطباء المركزية، بينهم طفل يبلغ من العمر 13 عامًا، أصيب بطلق ناري في الرأس، إضافةً لـ27 مصابًا أغلبهم أصيب بطلقات نارية، بحسب بيان اللجنة. كما أحرِق مقر المؤتمر الوطني، وأعلن عن فرض حالة الطوارئ بالمدينة وتعطيل الدراسة في المدارس.

امتدت التظاهرات لتصل العاصمة السودانية الخرطوم، حيث خرج طلاب الجامعات في وسط العاصمة وانضم لهم مواطنون، لتنتقل التظاهرات للأحياء في أنحاء متفرقة من العاصمة، واجهتها الأجهزة الأمنية كذلك بإطلاق الغاز المسيل للدموع.

حين حل مساء يوم الأربعاء الماضي، كان السودان يشهد ما يمكن وصفه بالانتفاضة الشعبية، رفع فيها الشعار الأساسي: «الشعب يريد إسقاط النظام»، وانتهى هذا اليوم بإعلان حالة الطوارئ في أربع مدن.

في اليوم التالي، 20 ديسمبر/كانون الأول، استمرت التظاهرات في مدن متفرقة في السودان، شملت عطبرة، وبورتسودان، والمتمة، وكريمة، وربك، والقضارف، وسنار، والأبيض، والباوقة والدامر. وبالنظر لخارطة السودان نجد أن هذه المدن تتوزع بين الشمال وشرق وغرب السودان.

خريظة تظهر أبرز المدن السودانية التي خرجت فيها مظاهرات معارضة للنظام.

أزمة حقيقية

انفصل إقليم جنوب السودان في 2011 نتيجة استفتاء لتقرير المصير، عقب اتفاق سلام وُقّع في 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة دكتور جون قرنق، وتصويت أغلب الجنوبيين للانفصال عن السودان وتكوين دولة، بعد حرب أهلية استمرت لمدة خمسة عقود. بسبب ذلك، فقد السودان 85% من حقول البترول، التي تتواجد في الإقليم المنفصل. ومنذ تلك الفترة، أصبح الوضع الاقتصادي في تراجع مستمرٍ بسبب الاعتماد الشديد في السابق على البترول وإهمال بقية القطاعات، خاصةً الزراعة. أدى ذلك لانهيار سعر الصرف للعملة، فقد كان الدولار الأمريكي يساوي جنيهيْن سودانييْن اثنين قبل خروج بترول جنوب السودان. لكن بعد تدهور سعر الصرف، وصل الدولار الأمريكي في ديسمبر/كانون الأول الحالي لـ60 جنيهًا سودانيًا، وقد يصل في السوق السوداء لأكثر من ذلك. هذا إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم بنسبة 66.82% في سبتمبر/أيلول الماضي بحسب الجهاز المركزي للإحصاء.

خلال الأشهر الستة الماضية، شهدت البنوك السودانية أزمة سيولة لعجز بنك السودان المركزي عن ضخ أموال للبنوك. لذا، أصبح من المعتاد وقوف المواطنين في صفوف طويلة أمام الصرافات الآلية، دون جدوى.

ونظرًا لشح العملات الصعبة، عجزت الحكومة عن توفير المواد البترولية، لحقها أزمة في توفير دقيق الخبز، مما أدى لرفع السعر لجنيهيْن للقطعة الواحدة بعد وقف الحكومة دعمها للقمح. ومع ذلك، فشلت المطاحن في تسليم الحصص للمخابز، لتضرب العاصمة الخرطوم وعددًا من الولايات أزمةُ خبز ساهمت في زيادة غضب الشارع.

جمعة الغضب

استمرت التظاهرات في مختلف المدن السودانية يوم الجمعة 21 ديسمبر/كانون الأول، ولكن اللافت كان اتساع حجم مشاركة المواطنين فيها، خاصةً بعد سقوط قتلى في الأيام الماضية، مِما زاد من غضب الناس، لا سيما في العاصمة الخرطوم، حيث انتظمت التظاهرات عقب صلاة الجمعة في مدن العاصمة الثلاث (الخرطوم، والخرطوم بحري، وأمدرمان)، عملت الأجهزة الأمنية على تفريقها بالقوة، واعتقلت العشرات، كما استمرت التظاهرات في مدن أخرى.

اكتفى الجانب الحكومي بهذه التصريحات التي شابهت تبريرات الأنظمة العربية خلال الربيع العربي. وعلى مستوى الشارع السوداني، لم تجد مثل هذه العبارات آذانًا صاغية، وقوبلت بموجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي أول تعليق رسمي، قال الناطق الرسمي باسم الحكومة بشارة جمعة في بيان، إن الأمن تعامل بصورة حضارية مع التظاهرات التي خرجت، ولكنها انحرفت عن مسارها وتحولت بفعل مندسين إلى نشاط تخريبي استهدف المؤسسات والممتلكات العامة، متهمًا جهات سياسية بمحاولة استغلال الأوضاع لزعزعة الأمن والاستقرار.

كما عقد مدير جهاز الأمن والمخابرات، صلاح قوش، مؤتمرًا صحفيًا قال فيه إن هنالك عناصر مندسة وسط المتظاهرين تتبع لحركة تحرير السودان، جناح عبد الواحد محمد نور (وهي حركة تقاتل الحكومة السودانية في إقليم دارفور الذي يشهد حربًا منذ العام 2003)، قائلًا إن هذه العناصر تم تدريبها من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي لإحداث تخريب في البلاد.

اكتفى الجانب الحكومي بهذه التصريحات التي شابهت تبريرات الأنظمة العربية خلال الربيع العربي. وعلى مستوى الشارع السوداني، لم تجد مثل هذه العبارات آذانًا صاغية، وقوبلت بموجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي الوقت الذي تشتد فيه التظاهرات في مناطق لا تبعد سوى كيلو متر واحد عن القصر الجمهوري، لا يزال الرئيس السوداني عمر البشير يلوذ بالصمت، ولم يظهر في وسائل الإعلام منذ اندلاع الأزمة، ولم يدلِ بأي تصريحٍ.

تكتيكات الأزمة

منذ تفجر التظاهرات في المدن السودانية، كان طلاب الجامعات والمدارس الثانوية محركها الأساسي. لذلك، كان أول قرار حكومي ردًا على التظاهرات هو تعليق الدراسة في ولاية الخرطوم فيها لأجل غير مسمى. لكن هذا الأمر جاء بنتائج عكسية، حيث عاد الطلاب لمنازلهم وأصبحوا يقودون التظاهرات من الأحياء السكنية.

الحكومة أيضًا فرضت رقابة أمنية على الصحف الورقية، حيث أصبحت الصحف تراجَع من قبل ضباط يتبعون للأمن ويتم حذف أي مواد لها علاقة بالتظاهرات. وطالبت شبكة الصحفيين السودانيين، وهي منظمة مستقلة، في بيان، الصحفيين بمواصلة عملهم في تغطية التظاهرات ونشر الأخبار في مواقع التواصل الاجتماعي.

كان أول قرار حكومي ردًا على التظاهرات هو تعليق الدراسة في ولاية الخرطوم فيها لأجل غير مسمى. لكن هذا الأمر جاء بنتائج عكسية.

في يوم الجمعة، كان وسم #مدن_السودان_تنتفض قد تصدر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تدفقت عبره أخبار التظاهرات وفيديوهات للاعتقالات وإطلاق الرصاص وسقوط القتلى والمصابين في مختلف المدن السودانية. لذلك، حظرت الحكومة هذه المنصات من العمل (فيسبوك، وتويتر، وواتس آب)، لكن هذا الأمر لم يحد من التفاعل عبر هذه المنصات، وسارع النشطاء للدعوة لاستخدام التطبيقات التي تكسر هذا الحظر.

يوم السبت 22 ديسمبر/كانون الأول، انخفض حجم التظاهرات نتيجة للإجراءات التي اتخذتها الحكومة بإعلان حالة الطوارئ في خمس مدن، إلى جانب تعطيل الدراسة ونشر قوات مشتركة من الجيش وجهاز الأمن وقوات الشرطة في الأحياء السكنية والميادين العامة. لكن رغم ذلك، شهدت مناطق متفرقة بالعاصمة الخرطوم تظاهرات، فضلًا مدينتي الأبيض والرهد غربي السودان، حيث تم حرق مقار الحزب الحاكم هنالك.

الحدث الفارق يوم السبت كان بدء سلسلة اعتقالات لقادة من القوى السياسية، حيث داهمت قوة من الأمن مقر حزب البعث في الخرطوم أثناء اجتماع لعدد من الأحزاب، وتم اعتقال 14 من القيادات المتواجدة فيه بحسب وكالة رويترز، وهي خطوة تأتي في استشعار جهاز الأمن والمخابرات بأن القوى السياسية تجري ترتيبات للاستفادة من التظاهرات والسعي لإعادة تنظيمها واستمراريتها.

كذلك، من الملاحظ اتساع دائرة المدن التي يخرج فيها المواطنون للشوارع مثل مدينة أم روابة غربي السودان والترتر ومحلية التضامن بولاية جنوب كردفان.

جاء يوم الأحد لتهدأ المظاهرات في بعض المدن وتخرج مدن جديدة. كما  تواصلت الاعتقالات بالقبض على محمد مختار الخطيب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني. ولكن كانت الأنظار تتجه لمساء ذلك اليوم، حيث خرجت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لإحياء تظاهرات أثناء مباراة الهلال السوداني والإفريقي التونسي، المقامة بمدينة أمدرمان بالعاصمة الخرطوم، التي انتهت بخروج الهلال من بطولة أبطال أفريقيا. خرجت الجماهير بعدها في مظاهرة ليلية كبيرة وصلت قرب من مبنى البرلمان. وكانت الجموع تريد قطع الجسر الذي يربط مدينة أمدرمان بالخرطوم، ولكن قوات الشرطة أغلقته واستخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع.

المعارضة تتفرج

وسط زخم الاحتجاجات الشعبية الواسعة، كان من الملاحظ غياب رموز المعارضة السودانية التي اكتفت بإصدار بيان تحث فيها المواطنين على مواصلة التظاهر وتدين استخدام الحكومة للعنف. ويمكن إيجاد عدد من التفسيرات لهذا الموقف، بدءًا من النظر لبنية المعارضة نفسها وانقساماتها. فمن جهة هناك تكتل ما يعرف بـ«نداء السودان»، وهو تجمع لعدد من الأحزاب المدنية والحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة السودانية في ثلاثة أقاليم (النيل الأزرق، وجنوب كردفان ودارفور) ويتزعم هذا التكتل رئيس حزب الأمة الصادق المهدي. ويقابله من جهة أخرى تحالف «قوى الإجماع الوطني»، الذي يضم عددًا من الأحزاب المدنية يقودها الحزب الشيوعي. يختلف التكتلان على كيفية التعامل مع الحكومة السودانية، حيث يعمل «نداء السودان» على خيارين، أولهما تغيير النظام عبر تسوية سياسية تفضي لإقامة حكومة انتقالية، وفي هذا بدأت سلسلة من الحوارات مع الحكومة السودانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا استمرت ثلاث سنوات ولا تزال مستمرة دون التوصل لأية نتائج تذكر. فيما تقف أحزاب «قوى الإجماع الوطني» على خيارٍ واحدٍ وهو إسقاط النظام، بجانب رفضها لأي حوار أو إجراء تسوية سياسية.

يبدو أن ضغط الشارع قد يساعد في مقبل الأيام على الوصول إلى اتفاق بالحد الأدنى بين مكونات قوى المعارضة.

تفسير آخر لعدم نزول أحزاب المعارضة لمساندة الجماهير في الشارع قد يعود لانتظارها للكيفية التي سوف تتطور بها الأحداث، وهذا قد يسنده حديث الصادق المهدي خلال مؤتمر صحفي عقده السبت، بقوله إنهم يريدون معرفة إلى أين تذهب الأحداث، داعيًا لإقامة موكب يقدم مذكرة للحكومة تحتوي على ما أسماه مشروع النظام الجديد البديل، وإن هذا الأمر سينقل الواقع السياسي من التلقائية إلى التخطيط، ليقابل هذا الحديث بانتقاد من النشطاء خاصةً على مواقع التواصل الاجتماعي، واصفين هذا الموقف بالتخاذل عن دعم التظاهرات.

يبدو أن ضغط الشارع قد يساعد في مقبل الأيام على الوصول إلى اتفاق بالحد الأدنى بين مكونات قوى المعارضة، خاصة وأن هنالك دعوات تحديدًا من رئيس حزب المؤتمر السوداني المعارض، عمر الدقير، لضرورة إقامة مركز موحد للمعارضة، يجمع نداء السودان وقوى الإجماع الوطني، ولكن موقف الصادق المهدي الأخير قد يعرقل هذه الخطوة.

مأزق البشير

منذ انقلاب الجنرال عمر البشير على الحكم الديمقراطي في السودان العام 1989، وهو انقلاب نتج عن تحالف بين ضباط بالجيش والإسلاميين بقيادة حسن الترابي، دخلت البلاد في دوامة من العنف، حيث استمرت الحرب في إقليم جنوب السودان، واشتعلت في إقليم دارفور، نتيجة للتهميش الاقتصادي والسياسي لتلك المناطق. ونتيجة لذلك، أصبح البشير مطلوبًا لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور.

استمر البشير طوال السنين الماضية معتمدًا على الجيش ودعم الإسلاميين، إلى جانب بناء تحالفات إقليمية، تحديدًا مع روسيا والصين وإيران وقطر. كما استفاد من التناقضات الإقليمية في تثبيت أركان حكمه، ثم عمل مؤخرًا على قطع علاقته مع إيران والانضمام للتحالف الذي يضم السعودية والإمارات مقابل مساعدات مالية. ووصل ذلك لحد إرسال وحدات من الجيش السوداني للقتال مع السعودية في اليمن.

مأزق البشير الأكبر وهو ما قد يجعله يتمسك بالسلطة لآخر لحظة هو مذكرة القبض الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكابه جرائم حرب في إقليم دارفور.

وفي هذه الأيام التي ينتظر فيها البشير رد الجميل من دول الخليج، لم يصدر حتى هذه اللحظة أي موقف داعم له من الرياض أو أبو ظبي، ولم تعلن أي منح أو قروض كما كان يحدث سابقًا عندما تشهد البلاد أزمة اقتصادية. ويبدو أن قطر تحاول استغلال هذه الفرصة، حيث أجرى الأمير القطري تميم بن حمد يوم السبت اتصالًا بالبشير، وتسربت أخبار بأن قطر تعهدت بدفع مليار دولار مساعدة عاجلة، ولكن لم يصرح أي مسؤول رسمي من البلدين بذلك حتى الآن. أما مصر، الجارة الشمالية للسودان، فلا تزال في حالة صمت رسمي حيال ما يحدث.

الصمت ذاته ينطبق على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويبدو أن هذه القوى الإقليمية والدولية في مرحلة الانتظار والتقييم لمعرفة إلى أي مسار ستذهب الأحداث، خاصة وأن هذه الدول عملت في الفترات السابقة على محاصرة البشير عبر العقوبات الدولية اقتصادية وحظر الاسلحة، ولكنها بعد تحولات السنوات الأخيرة في المنطقة وظهور عدد من الحركات الإرهابية، أصبحت تتعامل بحذر مع أية دعوات لتغيير كلي للنظام في السودان. إذ سعت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية للدعم عملية حوار وطني قد تحدث تغييرًا إصلاحيًا، لكن ذلك لم يتم نتيجة لعدم تقديم التنازلات الكافية من أطراف الصراع.

آخر الأوراق في يد البشير، التي ما زال يستخدمها بفعالية، هي الحل الأمني الذي يعتمد على جهاز الأمن والمخابرات بشكل أساسي. الجيش متواجد أيضًا، لكن البشير لا يثق به بشكل كلي، رغم أن أغلب القيادات فيه تدين بالولاء له. فتاريخيًا، في ثورات شعبية مثل ثورة أكتوبر 1964 التي أسقطت حكم الجنرال إبراهيم عبود، انحاز الجيش للشعب، ليعقب ذلك فترة من الحكم الديمقراطي، قبل أن يحدث انقلاب عسكري آخر بقيادة محمد جعفر نميري في 1969، انتهى بقيام ثورة شعبية عام 1985، انحاز فيها الجيش للشعب مجددًا، وتم تسليم السلطة لاحقًا لحكم ديمقراطي انتهى أيضًا بانقلاب البشير في 1989. نتيجة لهذا التراث، لا يثق البشير في ولاء الجيش كثيرًا، وحتى الآن هنالك دعوات كثيرة من النشطاء والقوى المعارضة للجيش لحماية المتظاهرين. وفي بعض المدن، كانت وحدات من الجيش تمنع الشرطة وجهاز الأمن من الاعتداء على المتظاهرين، كما أظهرت بعض الصور التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

مأزق البشير الأكبر وهو ما قد يجعله يتمسك بالسلطة لآخر لحظة هو مذكرة القبض الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكابه جرائم حرب في إقليم دارفور. ورغم وعود الصادق المهدي بإيجاد صيغة محلية لحل أزمة المحكمة الجنائية مقابل تنازل البشير عن السلطة، إلا أن الأخير لا يثق في هذا الأمر.

ماذا ننتظر؟

الخيارات كافة واردة اليوم في السودان أمام تطور التظاهرات، فقد تصل لحد إسقاط النظام، وقد تشمل تدخل الجيش أيضًا لحماية المواطنين إذا استمر سقوط القتلى. من جهة أخرى، إذا استمرت وتوسعت الإجراءات الأمنية من واعتقالات وحظر تجوال وإعلان حالة الطوارئ في بعض المناطق، فيمكن لها أن تسهم في تراجع المظاهرات خاصة وأن أحزاب المعارضة لم تعلن عن أي خطوات تصعيدية.

ينتظر السودانيون أيضًا يوم 25 ديسمبر/كانون الأول، حيث أعلن تجمع المهنيين السودانيين، وهو تحالف نقابي حديث التشكل، عن تسيير موكب للقصر الجمهوري لتسليم مذكرة تطالب الرئيس البشير بالتنحي وهذه الخطوة تجد الدعم من أحزاب المعارضة. لكن الإجراءات الأمنية، خاصة وسط الخرطوم، قد لاتسمح بالتجمع والتنظيم المطلوب لمثل هذه التحركات. لكن إذا نجحت هذه الخطوة قد تكون نقطة تحول في مسيرة المظاهرات وتحولها من تحركات عفوية ليس لها قيادة لعمل منظم يقوده تجمع مهني ويجد الدعم من أحزاب المعارضة.

بأي حال من الأحوال، من المؤكد أن ما يحدث الآن في السودان لم يعد تظاهرات من أجل الخبز والوقود، بل تطور إلى انتفاضة من أجل حريات سياسية وحقوق أساسية، ينبئ بأن السودان بعد هذه الأيام لن يكون كما كان قبلها، بشكل قد يهدد حكم البشير الذي يحكم السودان بقبضة حديدية منذ 29 عامًا.