رأي

ما الذي تعلمناه من احتجاجات إيران عن التنبؤ بالمستقبل؟

الأربعاء 10 كانون الثاني 2018
من الاحتجاجات، في طهران، على الانتخابات الرئاسية عام 2009. المصدر: ويكيميديا.

 في اليوم الثالث من اندلاع التظاهرات الإيرانية، مطلع الشهر الجاري، نشر موقع شبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأمريكية، مقالا بعنوان «احتجاجات إيران قوية وحقيقة، فلماذا تتردد وسائل الإعلام الرئيسية في تغطيتها؟». ذهب كاتب المقال، ستيفن ميلر، إلى أن الاحتجاجات، الساعية لإسقاط النظام، كما يراها، والتي من الممكن لها أن تقود إلى سقوط نظام الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، بحسبه أيضًا، لا تحظى بالتغطية المناسبة من وسائل الإعلام الأمريكية، بل وقد تم تجاهلها بالكامل من معظمها. فانتصار الاحتجاجات، وسقوط نظام الملالي، سيعني نصرًا كاسحًا للسياسية الخارجية الأمريكية، وهو أمر لا ترغب وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، أن تكون شاهدة عليه، بسبب عدائها المبدئي لترامب. وبالرغم من النظرية التآمرية التي تعتمد عليها المقالة، وهوس كاتبها بالمركزية الأمريكية، إلا أنها تظل تحمل كثيرًا من الصدق في رصدها للتغطية الإعلامية المترددة للاحتجاجات، وعجزها عن تقديم ما هو أبعد من «التفسير الاقتصادي» لها.

لا تُعد مسـألة تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للمظاهرات الإيرانية، شأنًا هامشيًا، لا يعنينا، أو متعلّقا بتوظيف الحدث في السياسية الداخلية للولايات المتحدة، فمعلوماتنا، نحن، عن الجمهورية الإسلامية، وتصوّراتنا عن أوضاعها، وعمّا يحدث داخلها، تظل معتمدة في معظمها، على ما تمدنا به وسائل الإعلام في الغرب، ومؤسساته الأكاديمية والبحثية. بل والأكثر من ذلك، هو أن موقف الكثيرين في منطقتنا، من الاحتجاجات الأخيرة، اعتمد على تقييمها في ضوء الموقف الأمريكي منها، بل وحتى ذهب في أحيانٍ ليست بالقليلة لإدانة الاحتجاجات، بوصفها مؤامرة أمريكية، أو تخدم النفوذ الأمريكي بشكل غير مباشر.

تحفّظ وسائل الإعلام الغربية في تغطيتها للأحداث الأخيرة، في إيران، وتعبير الكثير من كتاب الرأي في الصحافة، المكتوبة بالإنجليزية، عن حيْرتهم أو عدم قدرتهم على الجزم بشأن الطريقة التي انتشرت بها الاحتجاجات، ودوافعها، ومعناها، أو ما يمكن أن تفضي إليه، ليس بالضرورة، مدفوعًا فقط بعداء اليسار الغربي لإدارة ترامب، وإنما لأسباب، ربما تكون، أكثر تنوعًا وتعقيدًا.

قبل الاحتجاجات الأخيرة، لم يكن مُتصورًا أبدًا سقوط النظام في إيران، التي بات يُنظر لها منذ سنوات على أنها فاعل رئيس في صراع النفوذ في المنطقة، وخاصة في مواجهة السعودية وحلفائها. أمّا وسائل الإعلام الكبرى، والمراكز البحثية والأكاديمية، فقد استغرقت، خلال السنوات الماضية، وبعد الربيع العربي في رسم صورة معقّدة للصراع الإقليمي، وشبكات النفوذ، والحرب بالوكالة، والتوازنات الجيوسياسية، مع ترسيخ سردية تاريخية عن الصراع السني-الشيعي، وهي بهذا لم تترك إلّا مساحة محدودة لتصور المنطقة وصراعتها وتوازناتها دون الجمهورية الإسلامية، التي تقع في المركز من كل هذا. هذا التركيز، المبالغ فيه، على العلاقات الإيرانية الخارجية، جاء في مقابل طمس شبه كامل لزاوية الداخل، وعلاقاته، وتفريغ التصوّرات عن إيران من فكرة الجماهير والمجتمع ، باستثناء بعض التقارير شبه الدورية عن الشباب الإيراني المتمرد الذي يستمع لموسيقى الروك، أو يشارك في حفلات سرية راقصة مختلطة الجنس، وهكذا.

لا يقينيّتنا أمام  تلك الأحداث، وفي خضمها لا تعد نقصًا، بل انعكاسًا لرحابة التاريخ، وانفتاح المستقبل على أوسع مما نظنه اليوم الواقعي والمحتمل

هذا التردد أمام موجة الاحتجاجات الأخيرة، والتواضع فيما يخص ما يمكن قوله عنها، ليس أمرًا متعلقا بالشأن الإيراني حصرًا، بل بالطبيعة الاستثنائية والمفاجأة للانتفاضات الجماهيرية بشكل عام. فالأدوات المعرفية والتحليليّة التي تملكها وسائل الإعلام والدوائر البحثية، تعجز مرّة بعد أخرى عن التنبؤ، أو الرصد المبكر، أو حتى الإشارة إلى زاوية النظر الأكثر صلاحية في خضم الحدث، للحظات التحولات السياسية الجذرية وفرصها ومآلاتها.

وفي الحالة الإيرانية اكتفت المحاولات الأكثر رزانة لفهم الاحتجاجات إلى الاعتماد على التفسير المعتاد، والذي فقد معظم قيمته من فرط التكرار، فالأمر يعود للعوامل الاقتصادية-الاجتماعية: البطالة، والفساد، واتساع الفوارق الطبقية، والتضخم. لكن تلك الحكمة المعتادة بأثر رجعي، تعجز في كل مرة أن تخبرنا عن الطريقة التي تتقاطع بها كل تلك العوامل، في لحظة ما، وتتطور إلى انفجار شعبي، وفي أمكنة بعينها، وكيف ولماذا يتسع نطاقها من مدينة إلى أخرى، وتصمد أو لا تصمد أمام القمع، وتستمر أو تفقد جذوتها سريعًا. بل وحتى العامل الاقتصادي، الذي يتم توظيفه لفهم السياسي، يبدو معضلة في حد ذاته. فالأزمة المالية العالمية في 2008، غير أنها كانت دليلًا آخر على عجز علم الاقتصاد، والخبراء الماليين، ومعهما البنوك المركزية في دول العالم الأول عن القدرة على الحد الأدنى من استشراف أو التنبؤ بالحركات المفاجئة للسوق وانهياراته، فإنها كانت دافعًا أيضًا لإعادة إنتاج تفسيرات لذلك العجز، كان أكثرها شهرها مقولة «البجعة السوداء»، والتي أعاد فيها بروفسير إدارة المخاطر، نسيم نيكولاس طالب، تسويق مفهوم «اللا يقين» بخصوص الأحداث غير المحتمل حدوثها بشدة.

ورغم أنها أطروحة بديهية، أعني أطروحة طالب، عن أن الثورات مثل الأزمات الاقتصادية العالمية، «بجعات سوداء»، لا يمكن التنبؤ بها، إلا أنّ النجاح الاستثنائي لكتبه الثلاثة التي شرح فيها نظريته البسيطة تلك، تظل دليلًا على أنه ليس بتلك البديهية.

تأتي الاحتجاجات الإيرانية، بينما لم يكن أحدٌ مستعدًا لها، فالكل كان مشغولًا في تحليل تمدد النفوذ الإيراني، أو التجهز لخطر الجمهورية الإسلامية وحلفائها في المنطقة، وفي لحظة كان الكثيرين فيها يظنّون أن النظام الإيراني يتمتع فيها بأقوى وضع له على الساحة الخارجية، وفي علاقته مع الغرب منذ الثورة الإيرانية.

يعيدنا هذا العجز المعرفي أمام الحدث، وهشاشة التفسير الاقتصادي والتحليلات المعتمدة ثنائية التيار الإصلاحي- المحافظ المستهلكة، إلى الإقرار بمحدودية قدرة الأدوات التحليلية التي نملكها على الإلمام بلحظات التفجر الجماهيري في خضمها، وعصيانها أحيانا كثيرًا على محاولات العقلنة، التي تنجح فقط بأثر رجعي.

لا يعني هذا أن علينا التوقف عن وضع العالم داخل أطر عقلانية ومنطقية، لفهمه ومحاولة التنبؤ باحتمالات المستقبل، بل الإقرار بهشاشة محاولتنا تلك ومحدودية أدواتها.

اليوم، يظهر أن الاحتجاجات في إيران، وقد تم السيطرة عليها إلى حين، وأن فرضية تمددها لتصبح تهديدًا جذريًا للنظام أصبحت متواضعة جدًا. ربما تبدو تلك أخبارًا سارّة للبعض، ومبررًا لإحباط شديد لدى البعض الآخر، لكن الأكيد في كل هذا، أن لا يقينيّتنا أمام تلك الأحداث، وفي خضمها لا تعد نقصًا، بل انعكاسًا لرحابة التاريخ، وانفتاح المستقبل على أوسع مما نظنه اليوم الواقعي والمحتمل والممكن والمتوقع.