عامان على «مؤتمر لندن»: هل فعلًا تم تحويل أزمة اللاجئين السوريين إلى فرصة للتنمية؟

مخيم الزعتري. تصوير خالد بشير

عامان على «مؤتمر لندن»: هل فعلًا تم تحويل أزمة اللاجئين السوريين إلى فرصة للتنمية؟

الثلاثاء 13 شباط 2018

تقرير: دانييل هاودن، وهانا باتشت، وتشارلوت ألفريد

ترجمة: نذير ملكاوي وعمر فارس*

راجعت الترجمة: سوار مسنّات

(نشر هذا التقرير في موقع نيوز ديبلي، وتمّت ترجمته بالاتفاق معهم)

القسم الأول: نشأة نموذج الاتفاق

في أيلول من عام 2015، وبينما كانت أوروبا تتأرجح ما بين الخوف والتعاطف كرد فعل على أزمة اللاجئين، نُشرتْ خلاصة إصلاح راديكالي لسياسة التعامل مع اللاجئين في مجلة فورين أفيرز. اقترح مؤلفاه – بول كوليير، اقتصادي نافذ في اقتصاد التنمية، وألكزاندر بتس، وهو عالم اجتماع كان حينها مدير مركز دراسات اللاجئين في جامعة أوكسفورد – طريقًا لإدخال اللاجئين السوريين في سوق العمل الأردني.

تُظهر مقالتهما السوريين على أنهم القوة العاملة التي تحتاجها المملكة الهاشمية لتحقيق حلمها نحو [الانتقال إلى] التصنيع. أيضًا، أدان بتس وكوليير رد الفعل العالمي على أزمة اللاجئين على أنه «متحجر ومشحون بالذعر».

كان الذعر واضحًا، ومتمركزًا بشكل كبير في أوروبا. أرقام قياسية من اللاجئين وصلتْ إلى الجزر الإيجية اليونانية منذ حزيران من ذلك العام، وانتشرت شمال وغرب البلقان. جعل التدفق قادة أوروبا يبدون واهنين.

بداية أيلول ذاك، عدّلت الصور القاسية لإيلان الكردي، الطفل الكردي – السوري الذي غرق أثناء محاولة عائلته العبور من تركيا إلى اليونان، كفّة ميزان الرأي العام من الخوف من المهاجرين إلى التعاطف مع اللاجئين لمدة قصيرة. إلا أن التعاطف الذي مصدره موت الطفل لم يرجح على مسائل أخرى لوقت طويل.

اعتمد الادعاء «المتحجر» على الفصل المستمر ما بين المساعدة الإنسانية المعنية بالتعامل مع الأزمات ذات المدى القريب، والمساعدة التنموية، المعنية بالتقليل من الفقر على المدى البعيد. رفض بتس وكوليير ما رأوه المنطق السائد الذي يقول أن «المانحين يكتبون الشيكات» والدول التي استقبلت لاجئين توافق على إيوائهم، في معظم الأحيان داخل خيام. بالمقابل طالب الكاتبان بأن يتم التعامل مع أوضاع اللاجئين المستمرة (أو طويلة الأمد) على أنها تحديات تنموية.

وصول الاقتصاديين إلى «نادي المحامين»

عيّنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ((UNHCR)) اقتصاديّها الأول، وبدأت بالابتعاد عن لقبها كـ«نادٍ للمحامين». حاول متخصصون في التنمية والحقول الإنسانية بالفعل أن يُبدعوا من جعبتهم. لكن طالما ظلت الغالبية العظمى من اللاجئين داخل ما تسمى ببلدان الملاذ، من كينيا والباكستان ووصولًا إلى لبنان والأردن، لم يكن هنالك من الضغط الكافي ما ما يدفعهم نحو الإبداع الحقيقي. لم يكن وراء البدء في تغيير الأمور سوى حجم أزمة اللاجئين السوريين وتهديدها المحسوس لوضع أوروبا الراهن.

إن صلب مقالة الفورين أفيرز كان أن «على سياسةٍ فعّالة للتعامل مع اللاجئين أن تحسّن حياتهم في المدى القريب، وإمكانات المنطقة على المدى البعيد». عوَّل الاقتراح على الزعتري، أكبر مخيمات اللاجئين في الأردن، كونه على مسافة قصيرة فقط من إحدى المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs) المحتضرة في المملكة. ماذا لو كان لسكّان إحداها دور محوري في إطلاق إمكانات التنمية للأخريات؟ كان من المقدّر لهذا التقارب أن يُلحظ لأول مرة، وبصدفة كريمة، أثناء زيارة ميدانية أجراها المؤلفان في نيسان من العام 2015.

في الواقع، طُرحت مسألة إمكانية إقامة صلة ما بين اللاجئين والمناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs) للنقاش في اجتماع مبكر احتضنه معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا (Wana)، وهي مؤسسة بحثية مرتبطة بالعائلة المالكة. واستعرض موظف حكومي أردني من رتبة متوسطة بعض الشرائح التقديمية التي تبيّن خطة تربط بين وظائف للاجئين والمناطق الاقتصاديّة التي سيُعاد إحياؤها. قال دبلوماسي بريطاني حضر الاجتماع، عن الحدث أنه «لحظة بلو بيتر» -إحالةٌ لبرنامج أطفال تلفزيونيّ حيث يبدأ المقدّمون بتحضير وجبة طعام، ومن ثم، قبل أن ينتهوا، يُخرجون طبقًا جاهزًا من الفرن قائلين: «ها هي وجبة أعددناها مسبقًا».

في ذلك الوقت، كانت وزارة المملكة المتحدة للتنمية الدولية (DFID) تضبط الدور البريطاني كالمانح الأول في مسألة الاستجابة للأزمة السورية رفقة إحجام حكومتها عن إعادة توطين أعداد هائلة من اللاجئين. كانت وزارة التنمية الدولية قد وجدت بالفعل حليفًا لها في البنك الدولي، الذي ذهب كبار موظفيه إلى اعتبار اللاجئين منفعة عامة دولية، على المجتمع الدولي أن يتشارك كلفة الحفاظ عليها. لكن الأردن ولبنان، اللتين من المقدر أنهن تستضيفان أكثر من مليوني لاجئ سوري فيما بينها، تُعتَبرُ دولَ دخل متوسط وغير مؤهلة، بالتالي، لمعونة ميسّرة – وهي قروض ذات فوائد منخفضة تذهب لدول فقيرة حرفيًّا.

كان الأردن أصلًا غارقًا بالديون، لذا كانت [فكرة] اقتراض المال بمعدلات تجارية لمساعدة اللاجئين مجهضة منذ البداية. وكانت لبنان بحالٍ أسوأ إذ عند النظر إلى نسبة دينها إلى معدل ناتجها المحلي الإجمالي نجد أنها ثالثُ أعلى نسبة في العالم. خيار الديون الميسّرة أعجب الدولتين. خلف الكواليس، رأى مسؤولون من وزارة التنمية الدولية في الحكومة البريطانية فرصة لاحتضان اتفاق غير مسبوق من شأنه تهدئة المأخذ الرئيسي لقادتهم السياسيين: خوفهم من أن اللاّجئين في الأردنّ ولبنان قد يتوجهون أفواجًا إلى أوروبا. كولير، الذي أوضحَ في كتابه السابق «الخروج» أنه يفضّل مساعدة اللاجئين في منطقتهم، اعتُبِرَ مدافعًا مفيدًا يصغي له ديفيد كاميرون، الذي كان رئيس الوزراء البريطاني آنذاك.

بحسب مسؤول كبير في المفوضية السامية للاجئين، فإنه لا وجود لبيانات تدعم فكرة حصول خروجٍ سوريٍ من الأردن ولبنان [باتجاه أوروبا]، إلّا أن هذا «الافتراض الخاطئ» أثبت جدواه، إذ: «لو لم يصل أحد إلى أوروبا في ذلك الصيف، هل كان سيكون هنالك اتفاق؟ لا».

اتفاقية أخذتْ شكلها في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة

تُوّجت مناورات ما وراء الكواليس باجتماع [كلٍّ من] رئيس البنك الدولي، جيم يونغ كيم، والملك عبد الله، وكاميرون على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول من عام 2015. بدعمهم، ظهرت الخطوط العريضة لاتفاق جديد يرى أن على الأردن استلام قروض ميسّرة من البنك الدولي – مدعّمةٍ بمنحٍ دولية – مقابل إزالة بعض الحواجز التي تمنع اللاجئين السوريين من دخول سوق العمل [هناك].

[صورة: لاجئ سوري يقرأ كتيّبًا في مكتب الزعتري للتوظيف. تصوير خليل مزرعاوي\AFP]

ستُستخدم القروض في تطوير البنية التحتية والمناطق الخاصة، في الأردن ومن ثم في لبنان، ومن أجل توظيف مزيج من اللاجئين والسكّان المحليين في شركات سوف يسمح لمنتوجاتها أن تدخل الاتحاد الأوروبي بشروطٍ تفضيلية. كانت العقبة الأخيرة هي المفوضية الأوروبية التي ترددت في البدء بتقديم صفقة تفاهم تجاري. لكن، في النهاية، تم إقناعها بالموافقة بعد العثور على واقعة سابقة تم فيها تقديم شروط تفضيلية لباكستان أثناء التعافي من الفيضانات المميتة عام 2010.

وقام موظفون من البنك الدولي وإدارة التّنمية الدّوليّة البريطانية بمناقشة التّفاصيل، بالتّعاون مع وزير التّخطيط الأردنيّ عماد فاخوري، الذي تعيّن عليه الاضطلاع بالمهمّة الصعبة المتمثّلة بالتّعامل مع معارضةِ إعطاءِ الوظائفِ للاّجئين في ظلِّ اقتصادٍ فيه الكثير من الأردنيين العاطلين عن العمل. أيضًا، زارتْ بيروتَ وفودٌ من إدارة التنمية الدولية البريطانية والبنك الدولي لكن سرعان ما أدركت أن صفقة مشابهة مع لبنان لم تكن ممكنة. على عكس الأردن، الذي تغيرت فيه الحكومات إلا أن السلطة ظلت بيد الملك، كانت لبنان فراغًا فوضويًّ سياسيًا. لم تكن لبنان [حينها] بدون رئيس فقط – وضعية استمرّت من أيار عام 2014 حتى تشرين الأول من عام 2015 – وإنما كان سياسيّوها يشكّلون لوبيات من أجل الدفع نحو إخراج السوريين من البلد.

تم اتخاذ القرار بالإبقاء على المحادثات مع لبنان وتركيز الجهود الدولية نحو الأردن. بحلول موعد مؤتمر المانحين حول سوريا في لندن في شباط/فبراير 2016، تمّ التعهُّد بتقديم 12 مليار دولار لمساعدة اللّاجئين السّوريين، وعُرِفَت الخطة باسم «اتّفاق الأردن». واشتملت البنود على تقديم مبلغ 1.7 مليار دولار على شكل منح وعلى مدى ثلاث سنوات من أجل دعم مشاريع البنية التحتية؛ وإعفاء لعشر سنوات من قواعد الاتّحاد الأوروبّي للمنشأ (حاجز للتعرفة الجمركيّة) للمُنْتِجين في الأردن الذين يستوفون حصّة عمالةٍ من اللاّجئين السوريين، والتزام الحكومة الأردنية بخلق مئتي ألف «فرصة عمل» للسوريين. تمت الموافقة بعد حين على اتفاق لبنانيّ، تضمن معونة أوروبية تقدّر بـ470 مليون دولار مع انخفاض ملحوظ في الجعجعة وازدياد كبير في الشروط الغامضة.

خلقتْ مركزية صنع القرار في الأردن وحالة اقتصاده الكليّ المزرية، بالإضافة إلى خوف القادة الأوروبيين من تدفقٍ للاجئين، المساحة لتجربة اقتصادية لم يتوقعها الكثيرون. لخّص المفاجأة باري شوري، خبير سبل المعيشة في لجنة الإنقاذ الدولية (IRC)، وهي وكالة عونٍ تقع في نيويورك، قائلًا: «انتقلنا من مرحلة في 2013 حيث لم نكن نستطيع التحدث عن سبل معيشة للاجئين في الأردن إلى عقد اتفاق».

القسم الثاني: أراضي الاتّفاق في الأردن

في كلّ يوم، يتّجه شرقًا ما يقارب 280 شاحنة من العاصمة الأردنيّة عبر البادية الشمالية، مارّة عن قطعان من الغنم وأبراج الكهرباء. مخلّفة وراءها دربًا من القمامة يرسم دربها. وجهتها الأخيرة مكبّ نفايات الغباوي؛ مزبلة متمدّدة تخفي ملايين الأطنان من النفايات الصلبة خلّفها سكّان عمّان والبلدات المحيطة بها.

ثلاثة أرباع مكبّ النفايات باتت ممتلئة الآن، والخليّة الأخيرة ستصل حدّها في ظرف شهور. يقدّر المسؤولون في الموقع إنّ نسبة الزيادة في القمامة ارتفعت 20% سنويًا منذ 2014. [يُعزى] جزءٌ من أسباب التسارع هذا إلى نصف مليون من السوريين الذين باتوا يعيشون في عمّان وما حولها.

[الحاصل في] الغباوي ليس إلّا إشارة واحدة على الحِمل المتزايد على الأردن. في بلدٍ صغير يحوي موارد طبيعية قليلة ومياه شحيحة، فاقم وفود ما يصل إلى 1.3 مليون لاجئ سوري الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة الأردنية. كما أثّر وفودهم أيضًا على سوق العمل المتسم ببطالة متزايدة وتنامٍ في أعداد السكّان من فئة الشّباب. لخّص تقرير للبنك الدولي في 2016 الضغوط الخارجية والداخلية المتزايدة التي تواجهها الأردن، مشبّهًا إياها بـ«بهلوانٍ على حبلٍ معرّض لعصف الرياح».

كانت هذه هي الضغوط التي سعى الوفد الأردني إلى تخفيفها في مؤتمر سوريا في لندن عام 2016. [ومن هنا] جيءَ بفكرة اتفاق الأردن، الذي وعد بتحويل الأزمة في سوريا إلى فرصة للتنمية: تعهّدات بمنح 1.7 مليار دولار وضمان بتمويل ميسّر، بما فيها 700 مليون دولار لتمويل الاستجابة الأردنية لعام 2016 – مجموعة من التدخلات لدعم مجالات مثل الخدمات البلديّة والبنية التحتيّة.

بالمقابل، ستسعى الأردن لتوفير 200,000 فرصة عمل للاجئين السوريين. على أن يكون حوالي 50,000 منها في قطاعات يتجنّبها الأردنيّون تمامًا، مثل الزراعة والبناء. وعلى أن تستحدث بقيّة الوظائف في المناطق الاقتصادية الأردنيّة الخاصّة (SEZs)، وسيزيل الاتّحاد الأوروبي التعرفة الجمركية على البضائع المصنّعة في تلك المناطق لتحفيز استثمارات ووظائف جديدة. تمّ التأكيد على هذه النبرة الطموحة من قبل الملك عبدالله، الذي وعد الأردنيين بدوره أنّه مقابل كلّ وظيفة تستحدث للسوريين، خمسة وظائف تستحدث للأردنيين.

الأرباح المبكرة من هذا الاتفاق ذهبت إلى مكبّ نفايات الغباوي. تمّ تخصيص التمويل القادم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتطوير ووزارة بريطانيا للتنمية الدولية، لبناء خليّة خامسة تُمكّن من استيعاب القمامة المتراكمة بسرعة.

عمّان، مدينة اللاجئين

في وسط البلد، يجلس سمير حجّاوي، حسن المظهر، خلف الكاونتر في مطعمه، يرتدي قميصًا أسودَ مكويًا وربطة عنق حمراء، ويراقب صخبَ وقت الغداء. لطالما كان مطعم القاهرة، منذ افتتاحه عام 1953، وجهة معتادة لأجيال من اللاجئين الذين استقروا في الأردن.

[صورة: اللاجئة السورية حكمت عصام، ذات الـ51 عام، تمشي نحو منزلها المؤقت في حظيرة دجاج مُعاد تأهيلها، في المفرق، الأردن. المبنى شبه مهجور إلا أن العائلات تدفع 180 دينار (250 دولار) شهريًّا].

ثمّة صورة للملك عبد الله معلقة خلف سمير، وصورة غير واضحة لأبيه، الذي قام بتسمية مطعمه في الـ1956 على شرف النصر الذي حققه جمال عبد الناصر في أزمة السويس. طفرة النفط في السبعينات كانت كريمة مع [مطعم] القاهرة، إذ أثمرت باتّساع المطعم واحتلاله ثلاثة طوابق. يوظف المطعم 30 شخص الآن، ستة منهم لاجئون سوريّون.

يقول سمير أنّه لا يمانع توظيف مزيد من الأردنيين، لكنّهم يميلون إلى الوظائف الحكومية: «لا يعمل الأردنيون هنا إلا إذا كانوا في وضع صعب». باقي الطاقم، ومنهم من عمل معه لعقود، مصريّون. «نفهم بعضنا البعض»، يضيف.

سمير لاجئ أيضًا وقدم إلى الأردن من فلسطين وهو لمّا يزل في الواحدة من عمره. ويعرّف بنفسه كفلسطينيّ وأردنيّ في آن. يلخّص نصف قرن من اللجوء في جملٍ قليلة دون أن تندّ عنه أمارة استياء: بنى الفلسطينيون الأردن، اشترى العراقيّون البيوت، وفتح السوريون المحلّات. «كلّه أمر الله»، يقول.

كان النموّ في عمّان نتيجة لأزمات المنطقة. إذ توسّعت المدينة من قاع وسط البلد إلى ما فوق منحدرات الجبال المحيطة، كما ازداد تعداد سكّانها من 250,000 نسمة في 1952 إلى نحو أربعة ملايين الآن.

إن الاستقرار الغريب في الأردن، عند أخذ المنطقة المضطربة التي تقع فيها بالحسبان، عائد إلى التفاوض السياسي الذي انتهجه النظام الحاكم. كافأ القصر ولاء شرق الأردنيين، الذين سكنوا الأرض قبل الاستقلال، بالرعاية ومنحهم وظائف في القطاع العام. في الوقت نفسه، كما يقول شون يوم؛ أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة تمبل (Temple University) في فيلادلفيا، والمختصّ في المَلكيّات العربيّة: قايضت النسبة الأكبر من الفلسطينيين في الأردن المعارضة السياسية مقابل عدم التدخل في شؤونهم الاقتصادية.

وُضع هذا الاتفاق في السنوات الأخيرة تحت محكّ الزيادة السكانية، والتي أثقلت قدرة [الحكومة] الملكيّة على توفير وظائف لطابورٍ لا منتهٍ من الأردنيين الذين يعتبرون الوظيفة الحكومية حقًا مكتسبًا لهم بالولادة.

إنها استراتيجيّة بقاء مكلفة. تمكّنت المملكة من الوقوف على قدميها بفضل مساعدات مالية ضخمة من الدول الغربية، والتي تدفقت بسبب الدور الجيو-سياسي للأردن كحليف للولايات المتحدة وشريكٍ في السلام مع إسرائيل. تدخّلت دول خليجية بضخّ الأموال في بدايات الربيع العربي، حرصًا منها على دعم ملكية عربية شقيقة في ظل سقوط النظام المصري، والتونسي، والليبي. لكنّ أسعار النفط تدهورت سنة 2015، وبعدها بسنة، انتهت صلاحية استخدام منحة مجلس التعاون الخليجي المقدرة بخمسة مليارات دولار ولم يتم تجديدها.

في ظلّ هذا السياق المتبدّل، يُظهر اتفاق الأردن حاجتها الملحّة لمصدر مساعدة جديد. أيًّا يكن، فإنّ يوم يحذّر بأن تعهّد المملكة بإيجاد وظائف للسوريين محفوف سياسيًا بالمخاطر: «إنها لمخاطرة بالنسبة للأردن أن تموضع نفسها أمام المجتمع الدولي كنموذج للتكامل الاقتصادي والإنتاجية بالنسبة للاجئين السوريين خاصّة حين تُواجَه، من قبل جماعات قبليّة، بمشاعر حادّة مناهضة للحكومة يصاحبها عدم شعبية شديدة».

 

وظائف أم تصاريح عمل؟ المعيار يُشكّل فارقًا

في أعقاب مؤتمر لندن، تحوّل التعهّد الفضفاض بتوفير «فرص العمل» ليأخذ صيغة أكثر تماسكًا، وهي إصدار تصاريح العمل. بحسب سوزان الرزاز، الخبيرة الاقتصادية السابقة في البنك الدولي والتي كانت جزءًا من النقاشات [بين الحكومة الأردنية والبنك الدولي]: حين بدأت المفاوضات مع البنك الدولي لهيكلة المردودات المادية لتتماشى مع الأهداف، أرادت الحكومة الأردنية أن يتم تأطير تقدّم (المشروع) من خلال تصاريح العمل بدلًا من الوظائف.

[صورة: لاجئ سوري في إربد، الأردن، يحصّل قوت عائلته عن طريق صنع العطور وبيعها. تصوير: جاريد كولر].

ربط برنامج البنك الدولي لضمان النتائج البالغ 300 مليون دولار، والموقع في أيلول 2016، صرف الأموال بتصاريح العمل الصادرة، وعدد من الالتزامات الأخرى كتحسين مناخ الاستثمار. أُعطيَ الأردن حتى كانون الأول 2019 ليوزّع 130,000 تصريح عمل.

لم يكن الجميع على قناعة بأن التركيز على إصدار التصاريح هو النهج الصحيح. قالت باري شوري، وهي خبيرة توظيف تعمل في لجنة الإنقاذ الدولية، إن اختيار «هدف يمكن تحقيقه»، مع أنه أمر متفهّم، إلا أنه يزيل قدرًا من التركيز على خلق وظائف جديدة. وأضافت إن «المعيار ليس دقيقًا. لا يتعلق الأمر بإصدار تصاريح عمل فحسب، بل بتوافر مصادر دخل».

بدا إصدار التصاريح هدفًا يمكن تحقيقه. قدّرت وزارة العمل بأن هناك نحو مئتي ألف سوري يعملون بالفعل بشكلٍ غير رسمي قبل توقيع الاتفاق. وحاولت أن تضمن انطلاقة قوية بإزالة شرط توفر جواز سفرٍ ضمن إجراءات الطلب، آخذة في الاعتبار أن كثيرًا من اللاجئين فرّوا من سوريا بدون جوازات سفرهم. كما تم إعفاء السوريين من مصاريف إصدار تصاريح العمل، والتي كان يمكن أن تكلّف آنذاك أكثر من 355 دينارًا (500 دولار).

لكن الاندفاع المتوقع على استخراج تصاريح العمل لم يتحقق. بالنسبة لكثير من السوريين، مثّل العمل بشكل غير نظاميّ خيارًا أفضل من الحصول على تصريح عمل. تنحصر التصاريح في قطاعات محددة، في الأغلب للوظائف ذات الحد الأدنى من الأجور، ويرتبط العامل برب عمل واحد فقط بعقد يمتد لعام. في بعض القطاعات المفتوحة أمام السوريين، مثل الإنشاءات، يمكّنهم العمل الحر من تحقيق مستوى معيشة أفضل من العمل بوظيفة بأجر ثابت، ودون دفع رسوم الضمان الاجتماعي الملزم.

ولا يستطيع السوريون الحصول على تصاريح عمل للمهن المغلقة أمام غير الأردنيين، مثل الطب والمحاماة والمحاسبة والتعليم وقيادة السيارات وهندسة الديكور وأعمال صيانة الكهرباء. وجد عمر، وهو حلاق شاب من مدينة حمص السورية، عملًا منذ وفوده إلى الأردن سنة 2014. يحلق الشعر في صالون حلاقة صغير في عمّان ويدفع لصاحب المحلّ نصف يوميّته. يجني أحيانًا ما يقارب دينارًا واحدًا، ما يعادل 1.4 دولار، وأحيانًا بإمكانه أن يجني ما يقارب الـ21 دينارًا (30 دولارًا).

لا يُسمح لغير الأردنيين بالعمل في حلاقة الشعر، لذا فإن من المستحيل أن يحصل عمر على تصريح للعمل، ومع ذلك فإنّه لا يفكّر في الحصول على وظيفة قانونيّة، يقول: «على الأقل أنا أعمل في شيءٍ أحبّه وأعرفه».

واجه أرباب العمل في بعض القطاعات تعقيدات إضافيّة. لدى الأردن نسب صارمة فيما يخصّ نسبة الموظَفين الأردنيين إلى أولئك الأجانب. توظيف مزيد من السوريين في مواقع رسميّة يعني زيادة في توظيف الأردنيين للحفاظ على ثبات النسبة. في كثير من الحالات، يعاني أصحاب العمل أصلًا ليصلوا هذه النسبة في صناعات لا يحبّذها الأردنيون عادة.

بعد أن واجهت تقدمًا بطيئًا إزاء هدفها بإصدار 50,000 تصريح عمل مع نهاية 2016، أزالت الحكومة مزيدًا من العقبات. سهّلت وزارة العمل مسألة الحصول على تصاريح العمل على المزارعين. عمّال المزارع الذين يشتغلون بشكل موسمي لم يكن لديهم عادةً رب عمل دائم يمكنه التقدم لاستخراج تصاريح العمل لهم، لذا سمحت الوزارة للّاجئين بتقديم طلباتهم من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية، وهي جمعيات محلية للمزارعين. ويمكن للسوريين استخدام تلك التصاريح للتنقل بين المزارع، والعمل لصالح أي من المزارعين ضمن الجمعية التعاونية.

وحيثُ حقق قطاع الزراعة نجاحًا، تبعه قطاع الإنشاءات. إذ وقّعت الهيئة العامة لغرفة تجارة الأردن اتفاقًا مع وزارة العمل في حزيران 2017 يقضي بإصدار عشرة آلاف تصريح عمل لقطاع الإنشاءات، للسماح لعمال المياومة بالعمل بشكل قانوني دون الارتباط برب عمل واحد. في البداية، كان مطلوبًا من السوريين إبراز شهادة تدريب، لكن هذا الشرط ألغي لاحقًا. كما طُلب من السوريين، عوضًا عن تسجيلهم في الضمان الاجتماعي، أن يدفعوا حوالي 50 دينارًا (70 دولارًا) سنويًا مقابل تأمينهم صحيًّا.

في جميع القطاعات، ألغت وزارة العمل، مُتطلّب التسجيل في الضمان الاجتماعي من أجل التقديم على تصاريح العمل، كما ألغت طلبها شهادة خلوٍّ من الأمراض للاجئين الذين يحملون هويّات سارية المفعول من وزارة الداخلية.

لكن كثيرًا من السوريين لم يكونوا مقتنعين. قبل [توقيع] الاتفاق، وفقًا للرزّاز، كان بالإمكان إعادة أيّ سوريّ يُضبط وهو يعمل بلا تصريح إلى مخيّمات اللجوء لكنّ البنك الدولي طلب من الأردن التوقّف عن هذه الممارسة. فتقول: «هذا يعني أنّ السوريين ليسوا مستميتين للحصول على تصاريح العمل إذ لا أحد يلحقهم بعصا (…) ليس ثمّة جائزة [في النهاية] فلا العاملون ولا أصحاب العمل يعتبرون تصريح العمل شيئًا جيدًا».

في الوقت الذي أزالت فيه الحكومة عقبة تلو الأخرى، بقيت واحدة غير قابلة للمسّ. لا استثناءات للسماح للسوريين بالعمل على المدى البعيد في المهن المُغلقة [على الأرنيين وحدهم]. الحكومة على علم بالتوتر الناجم عن نسب البطالة العالية بين الخرّيجين الأردنيين، لذا لجأت، بعد توقيع الاتفاق، إلى طمأنة الأردنيين أنّ امتيازاتهم لن تُمسّ.

سيتمّ عاجلًا تذكير كل من يحاول تجاوز هذا الخطّ بأنّه خطٌّ أحمر. تعرّف محامٍ أردنيّ شاب مؤخّرًا على ردّ الفعل المُحتمل حين نشر إعلانًا يدعو فيه المحامين السوريين ليشاركوا في ورشة عمل غير مدفوعة الأجر. تواصل معه زملاء أردنيون خلال ساعات مطالبين إياه بسحب الدعوة وقصر حصص التدريب على حاملي الجنسية الأردنية.

جهود توظيف السوريين «لم تُكلل بالنجاح»

في صحراء الأردن الشمالية الشرقية، تمر الشاحنات بجانب علامات إرشادية للحدود مع سوريا ولافتات تشكر المملكة العربية السعودية لتمويلها عملية إعادة تأهيل الطريق السريع الصحراوي، وهي رسائل تذكير بأنّ الأردن تقع في منطقة مضطربة ما دفعها للاعتماد على المعونات.

يؤدي الطريق إلى منطقة الضليل الاقتصادية الخاصة، وهي عبارة عن شريط من المباني المتهالكة في وسط البلدة، يغمرها الغبار، وتنتج دخانًا رماديًّا، وسترات من ماركة رالف لورين (Ralph Lauren) وبناطيل من ماركة (Perry Ellis)، وطلبيات لعمالقة متاجر التجزئة في الولايات المتحدة مثل ميسيز (Macy’s) ووالمارت (Walmart) ووسيرز (Sears).

بالنسبة لمَن صاغوا «اتفاق الأردن»، بدَت المناطق الاقتصادية الخاصة مثل الضليل مكسبًا سريعًا: مجمّعات صناعية غير مستغلة على مقربة من مخيمات لاجئين تعُج بأيدٍ عاملة فائضة. هنالك سابقة لهذه الفكرة. إذ كافأت الولايات المتحدة الأردن على توقيع معاهدة السلام مع «إسرائيل» في عام 1994 بمنح معاملة تفضيلية للسلع المصنّعة في الأردن في مناطق تعرف بالمناطق الصناعية المؤهلة (Qualified Industrial Zones). دفعت الصفقات الناتجة إلى نمو صناعة الألبسة التي وظّفت تدريجيًا 65 ألف عامل، وباتت تساهم بـ19 بالمئة من صادرات المملكة الأردنية، بما يعادل أكثر من 1.6 مليار دولار.

عندما تم إقناع الاتحاد الأوروبي بتخفيف شروط التبادل التجاري مع الأردن، توقع الجميع نتائج مشابهة. لكن مكوّنًا جديدًا أضيف إلى المشهد -كان على المصانع ضمان أن 15% على الأقل من قوّتها العاملة من اللاجئين السوريين. ومع ذلك، أحيانًا ما تغفل المقارنات المعقودة مع التفضيلات التجارية للولايات المتحدة أن قيمة الحاجز التعرفي (الرسوم الجمركية) للسوق الأميركي كانت 30%، أي ثلاثة أضعاف نظيرتها في الاتحاد الأوروبي، وهو بذلك أعلى قيمة بالنسبة للمصدّرين.

كان «قاضي برويز» واحدًا من هؤلاء الذين اغتنموا الفرصة الجديدة. نشأته في المناطق الحدودية لباكستان ولّدت لديه تعاطفًا تجاه اللاجئين بعد مصادقته للأفغان الذين وفدوا إلى قريته فارّين من السوفييت. يتذكر برويز رؤيته الناس الذين كان لديهم في يوم من الأيام وظائف في الحكومة والصناعة، وباتوا الآن يسكنون في الخيم. ويقول: «أنا أعرف اللاجئين. من الصعب للغاية عليهم العيش في مخيمات».

عندما عمل برويز مديرًا للموارد البشرية في مصنع ملابس أباريل كونسبتس (Apparel Concepts) في منطقة الضليل، شارك في مشروع تجريبي لجلب ألفي سوري للعمل في المصانع. كان المشروع من تنظيم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج «عمل أفضل للأردن» التابع لمنظمة العمل الدولية، وهو برنامج لتحسين أوضاع العمال في مصانع الألبسة.

عُهد للمفوضية مهمة حشد الاهتمام بين اللاجئين السوريين في المخيمات. دينا خياط، وهي نائب رئيس الجمعية الاردنية لمُصدّري الألبسة والمنسوجات، شهدت كيف خفت الحماس المبكر للمشروع. أقبل عدد قليل من السوريين ولم يكن لديهم اهتمام بالعمل في مصانع. في نهاية المطاف، لم يتم توظيف أي سوري.

«لم يمثّل المشروع قصة نجاح»، تقول خياط. كان صعبًا إقناع السوريين بالعمل في المصانع، إذ بإمكانهم جني مالٍ أكثر في قطاعات أخرى كالبناء أو العمل في المطاعم، التي تتطلّب التزامًا أقل وتُوفّر قدرًا أكبر من الحرّيّة.

تستقطب صناعة الألبسة قوى عاملة غالبيتها من النساء. إلّا أن العديد من اللاجئين في الأردن جاؤوا من محافظة درعا في جنوبي سوريا، وهي منطقة زراعية مُحافظة اجتماعيًا لم تكن معظم النساء يعملن خارج بيوتهن فيها. كان لدى سوريا صناعة ألبسة، لكنها تركّزت في مدينة حلب الشمالية ومعظم اللاجئين من تلك المنطقة ذهبوا إلى تركيا، وليس الأردن.


كانت جمانة، ابنة الثامنة والعشرين، من غوطة دمشق، من بين السوريين القلائل الذين حصلوا على وظائف في صناعة الألبسة. جاءت جمانة إلى الأردن مع عائلتها عام 2014 وبحوزتهم مبلغ ضئيل من المال لا يتجاوز 60 دولارًا. لم يكن لديهم أيضًا أصدقاء أو أقارب في مدن الأردن، لذلك استقروا خارج المدن الكبرى.

حاولت جمانة العمل في مزرعة لكن العمل كان مختلفًا عما عهدته في أرض عائلتها، كما واجهت متاعب في الحصول على أجرها. كانت تعيش بجوار منطقة الضليل عندما علمت بالسماح للسوريين بالعمل في المصانع من منشور على صفحة المفوضية على موقع فيسبوك. عندما سألت عن الأمر قام برويز بتوظيفها فورًا. تقوم جمانة اليوم بتخييط أحزمة السراويل من أجل تقويتها.

بعد مرور شهر، جلبت اثنتين من قريباتها للعمل معها في المصنع، لكن إخوتها رفضوا الانضمام لأنهم يكسبون أجرًا أكبر من العمل كحرفيين. تقول جمانة: «العمل هنا جيد، وهم يُعاملوننا معاملة حسنة. لم يأخذوا دينارًا واحدًا من أجري».

خلافًا لوضع جمانة، يعيش غالبية اللاجئين السوريين في الأردن في مدن، والكثير منهم لديهم أسر يعيلونها. بالنسبة لهؤلاء اللاجئين في المدن، سيتطلب العمل في المناطق الاقتصادية الخاصة التنقل لمسافة طويلة من أجل أجور بالحد الأدنى لن تغطي، على الأرجح، تكاليف الإيجار أو المواصلات.

توسّعت حملة التوظيف منذ ذلك الحين لتستقطب اللاجئين السوريين الذين يعيشون في مخيمات، والذين يقدّر عددهم بـ140 ألف. عُقد أول معرض توظيف في الزعتري، أكبر مخيم لاجئين في الأردن، في شهر تشرين أول/أكتوبر، وكان جهدًا مشتركًا بين منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمجلس النرويجي للّاجئين ومديرية شؤون اللاجئين السوريين التابعة للوزارة الداخلية الأردنية. حضر برويز المعرض، آملًا في إيجاد مزيد من النساء السوريات مثل جمانة، لكنه غادر خائب الأمل: «لم أشاهد امرأة واحدة».

تعب برويز في العثور على عمّال سوريين يعكس إلى حد ما صعوبات الالتزام بشرط آخر، وهو أن تكون ربع العمالة في صناعة الألبسة والمنسوجات من الأردنيين. إذ يوظف برويز حوالي 50 أردنيًا كل شهر، لا يبقى منهم سوى اثنان أو ثلاثة فقط في عملهم.

كانت دينا خياط، من جمعية مصدّري الألبسة، جزءًا من وفد حضر فعالية في مدينة لندن هدفت إلى ربط الموردين الأردنيين بالعلامات التجارية البريطانية، وهو جهد مشترك بين وزارة التنمية الدولية البريطانية والبنك الدولي. تقول خياط: «المشترون الذين رأيناهم كانوا متاجر بيع تجزئة صغيرة للغاية وليس الشركات الكبيرة التي نهدف لاجتذابها». فلم يتم تسجيل أي طلبات شراء.

بعد مُضي عام على توقيع اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي، استَقبل برويز من الوفود الأوروبية والمنظمات غير الحكومية الأجنبية أكثر ممّا استقبل من اللاجئين. بالرغم من جهوده، يوظّف برويز اليوم أربعة سوريين فقط. لكنه ما يزال متفائلًا. «نحن على الطريق الصحيح، علينا فقط فتح الأبواب».

القسم الثالث: المشهد في لبنان

طرابلس هي ثاني أكبر مدينة في لبنان والعاصمة الساحلية للشمال اللبناني الفقير. قبل أن تندلع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، كانت تبعد مدينة حمص السورية مسافة رحلة قصيرة في القطار. في محطّة طرابلس المتداعية الآن، يتمدّد قطارٌ بخاريٌّ متفتت فوق مسار سكّة مغطّية بالأعشاب الضارّة، وهو المسار الذي اتجه يومًا إلى سوريا.

حين غدت حمص مركزًا للمعارضة السوريّة في 2011، بدأ سُكّانها بالهرب صوب طرابلس. ومنذ ذلك الحين، صبّ قرابة مليون ونصف من اللاجئين السورين في لبنان، ليزيد عدد سكّانها بما يقارب الرّبع. لم يكن هنالك مخيمات للجوء، لذا قصدت الأغلبية مناطق اعتاد السوريون العيش والعمل فيها لعقود، مثل بيروت، طرابلس، والريف الشمالي وسهل البقاع الشرقي.


عدا العاصمة، تلك هي المناطق الأفقر في لبنان، حيث ضرب الأثر الاقتصادي للحرب السورية في الصميم. عمد السياسيّون في بيروت إلى رمي مشاكل البلد على اللاجئين، وبدت تلك المشاكل أكثر تجذرًا في طرابلس، في تشابكها مع الفساد والحكم الطائفي. ثمّة وجهتان للنظر إلى النسخة اللبنانية من اتفاق الأردن: أنّها فرصة بالغة الأهمّية، وأنّها مستحيلة سياسيًا.

لم يكن الوفد اللبناني الحاضر في مؤتمر سوريا المُنعقد في لندن عام 2016 مستعدًا لمواجهة قضايا بهذا الحجم. بحلول شباط 2016، أكملت البلاد عامين دون رئيس يحكمها، وسبع سنوات دون انتخابات برلمانيّة، وأحد عشر عامًا دون إقرار ميزانيّة وطنيّة.

يقول زياد عبد الصمد، المدير التنفيذي لشبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية (Arab NGO Network for Development): «قدِمت الأردن إلى لندن بمشروع مَلْمُوس»، وأكمل: «وماذا قدّم اللبنانيون؟ وصفًا لكارثة، دون أيّ رؤية لما يمكن فعله».

تعهّد [الوفد] اللبناني بالتزامات واسعة في [مؤتمر] لندن في محاولة لتسهيل تشريعات قد تفتح أمام السوريين مجالًا للعمل في قطاعات مُحدّدة. طالبت الحكومة بتمويلٍ لعددٍ من المشاريع، من ضمنها برنامج توظيف جدلي يهدف إلى تشجيع السوريين على العودة إلى سوريا.

يقول عبد الصمد: «حين وضع الأردنيون خطّتهم كانوا يهدفون من البداية إلى الربط بين أزمة اللجوء وبنيتهم التحتيّة». ويكمل «وبدلًا من أن نطلب مساعدة المجتمع الدولي لحلّ هذه الأزمة، اكتفينا بمطالبتهم بإخراج السوريين من لبنان».

تعكس النُّهُجُ المختلفة للبلدان واقعها السياسي والاقتصادي؛ الاعتماد المتزايد للأردن على المساعدات، والانقسامات السياسيّة التي تمور بها لبنان. تقول سارة لوڤ، المستشارة الاقتصادية لوزارة التنمية الدولية DFID في لبنان: «يتركّز الخطاب اللبنانيّ حول إدارة الصراعات الداخلية أكثر من اهتمامه بتصدير صورة خارجية وقصّة جيّدة عنه أمام المجتمع الدولي».

بالمحصّلة، تعهّد المانحون الدوليّون بتقديم مساعدات وقروض ميسّرة تصل إلى حدود المليار دولار أمريكيّ، متضمّنة أموالا مخصّصة للنسخة اللبنانية من خطة الاستجابة الأردنيّة. وقد تم التوقيع على اتفاق بين الاتحاد الأوروبي ولبنان بقيمة حوالي 470 مليون دولار أمريكي في تشرين الثاني 2016.

طرابلس: مدينة مُرحِّبة لكن مُنهَكة

تواجه التجربة الاقتصاديّة التي تمّ اختبارها في الأردن؛ والتي تتمحور حول المُساعدات الدوليّة والاستثمار مقابل فتح سوق العمل أمام اللاجئين، تحدّيين رئيسين في لبنان: سجلّ الدولة الرديء في خلق فرص العمل، ومقاومة الدولة، سياسيًا وبنيويًا، لدمج اللاجئين. يتوقّف الكثير، في بلد يعاني من انقسامات اقتصاديّة واجتماعية، على الموقع الذي تنظر منه إلى المسألة.

[صورة: ما بين آلاف المخيمات غير النظامية في لبنان، هذا الحشد من الخيام في عكار، شمال لبنان، يمثل موطنًا لثمان عائلات سورية لاجئة. تصوير: إدواردو سوتيراس جليل\DRC].

كان اللاجئون السوريون موضع ترحيب في طرابلس ذات الأغلبيّة السّنيّة، حيث آزر كثيرون في البداية الثوّار السوريين السّنّة الذين خرجوا لمواجهة الرئيس بشّار الأسد. فقد حمل الناس في طرابلس ذكريات مريرة عن الاحتلال السوري لمدينتهم تحت وطأة والد الأسد خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فالتحق اللاجئون بوجود محفوف بالمخاطر في مدينة تعاني عقودًا من التهميش والفساد.

هرب أحمد، ذو الـ33 عامًا والذي يعمل في «تشطيب» المنازل من حمص بعد سنة من بداية الحرب الأهلية السورية. ومنذ ذلك الحين، تقلّص عالمه لينحصر بامتداد طريق غير معبّدٍ بين مبنيين سكنيين على أطراف طرابلس. لا يغامر أبعد من ذلك خوفًا من أن تعيده السلطات اللبنانيّة إلى سوريا. ومثل كثير من السوريين في لبنان، يفتقر أحمد إلى تصريح للعمل أو أوراق إقامة قانونيّة.

لقد اعتادت ابنته البالغة من العمر 6 سنوات وابنه الصغير على العيش في مواقع مشاريع بناء. حين انتهى العمل على بناء العمارة الأولى، انتقل أحمد وعائلته للعيش في عمارة أخرى قيد البناء تبعد بضع مئات من الأقدام على الطريق. يدفع أحمد راتبه الشهري البالغ 400 دولار أمريكي لتتمكّن أمه، وعمّته، وشقيقتيه من العيش في العمارة المُنجزة.

في كلّ مساء، تجتمع العائلة المكونة من 11 فردًا على وجبة طعام بسيطة حضّرتها النِّسوة الأكبر مستخدمات الـ 11 دينارًا (16 دولارًا أمريكيًا) التي يتحصّل عليها أخو أحمد الأكبر يوميًا من عمله في مطعمٍ للحمّص. بعد العشاء، تعود عائلة أحمد الصغيرة أدراجها قاصدة الطرف الآخر من الطريق لتبيت في مرآبٍ نصف مبنيّ له نافذة صغيرة.

لقد وصل اللاجئون السوريون إلى طرابلس وسط تزايد في الضغوط الاقتصاديّة. يمتلك شمال لبنان أساسًا أكبر قوة عاملة في البلاد، وأدنى معدّلات مشاركة في العمل في الوقت نفسه. ثمّة تداخل اقتصاديّ عميق بين سوريا ولبنان، لذا فإنّ الحرب السوريّة ضربت الصادرات اللبنانية، والسياحة، وثقة المستثمرين في مقتل. لقد تقلص النمو الاقتصادي من حوالي 7 في المئة في السنوات التي سبقت الحرب السورية، إلى 1.8 في المئة سنة 2016.

لقد عمل السوريون في لبنان لعقود؛ فحوالي 600,000 سوري عمل في لبنان خلال مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية اللبنانية في التسعينات. لكنّ الاقتصاد اليوم يتيح فرص عملٍ أقلّ لقوى العمل المتزايدة بسرعة كبيرة. عوضًا عن العمل في أعمالٍ موسميّة، بات السوريّون الآن عالقين في البلد ووراءهم عائلاتٍ ليطعموها. وأجور الوظائف التي تتطلّب مهاراتٍ منخفضة هي التي انخفضت إلى أبعد حد. فاتّسع نطاق اللامساواة في الدخل وفي التفاوتات الجغرافيّة.

المدينة الساحلية التاريخية في وضع جيد لتحويل الأزمة إلى فرصة. ثمّة مشروع لجعل طرابلس مركزًا دوليًا لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب، ويشمل ذلك توسعة الميناء الحديث وإعادة افتتاح خطّ السّكّة المتداعي. إلّا أنّ الحلقة المفرغة من بنية تحتيّة رديئة، وعوز في الاستثمار، وإهمالٍ سياسيّ ما زالت تمثّل عقبة في وجه طرابلس. فأول منطقة اقتصادية خاصة (SEZ) فى لبنان، الواقعة بالقرب من ميناء طرابلس، تم التخطيط لها منذ عام 2008 إلّا أنّها لن ترى النور قبل سنة 2020. ثمّة جبلٌ من النفايات في مكبّ قمامة، يفيض منذ سنوات، مُعرّض لأن يسقط على موقع المنطقة الاقتصادية.

وفي هذه الأثناء، تنامي لدى اللبنانيين في طرابلس مشاعر أكثر تعقيدًا حول اللاجئين السوريين الذين يعملون في المدينة.

يقول أسامة سنجر، وهو أب في الـ32 من عمره لثلاثة أبناء، يتنقّل يوميًا لأربع ساعات إلى بيروت للعمل على شاحنات لشركة دهانات: «لم يعد هنالك وظائف لسائقي الشاحنات اللبنانيين في طرابلس». يعمل أسامة في الليل على تاكسي في طرابس. ويضيف بأنّ اللبنانيين لا يستطيعون منافسة الأجور التي يتقاضاها السوريون: «يكتفي السوريون باستئجار غرفة، أمّا اللبنيايون فيريدون منزلًا. يأكل السوريّون أيّ شيء، أما اللبنانيون فيحبّون بطونهم كثيرًا».

بينما يوفّر زملاؤه السوريون في بيروت كلّ ليرة من معاشاتهم عن طريق العمل أثناء استراحة الغداء، يأكل سنجر يوميًا وجبة الغداء التي حضّرتها له زوجته بحرج. إنّه ممزّق بين شعوره بالامتعاض وبالتعاطف: «فالسوريون لديهم عائلات. وهم بحاجة للأكل، أيضًا». ويضيف «إنهم بحاجة للعمل».

بيروت: سياسة الإنكار

في أماكن أخرى في البلد، يلقى السوريون ترحيبًا أقل. يرتكز النظام السياسي في لبنان على توازن القوى بين الشيعة، والسّنّة، والمجتمعات المسيحيّة. لذا فإنّ وفود اللاجئين السوريّين، ومعظمهم من السنّة، يهدّد ببلبلة دولة لم يجرِ أيّ تعدادٍ سكّانيّ فيها منذ عام 1932، خوفًا من تغييرات ديموغرافية.

لقد شكّل وفود الفلسطينيّين سنتي 1948 و1967 آخر موجة لجوء كبيرة شهدتها لبنان. وحيث كان غالبيتهم من السّنّة، فلم يُسمح لهم أبدًا بالاندماج. كما اتُّهِم الفلسطينيّون لاحقًا، من قبل البعض، بكونهم سبب اندلاع الحرب الأهليّة. وخوفًا من أن يصبح السوريون، أيضًا، على المدى البعيد، مقيمين من الدرجة الثانية لفترة طويلة الأمد، رفضت السلطات اللبنانية نصب المخيّمات لهم ورفضت حتّى بمناداتهم «لاجئين»؛ فتمّ استبدال المصطلح في وثائق الأمم المُتّحدة ب«النازحين السوريّين».

في حين حاول الأردن دمج اللاجئين السوريين رسميًا في سوق العمل، التزمت لبنان سياسيًا بخيار الإقصاء على الدّوام. في البداية، استمرّت السلطات اللبنانيّة في غضّ الطرف عن أكبر قوى عاملة غير رسميّة في البلاد. ثم أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عام 2014 أنها سجلت مليون لاجئ سوري. وفي ظرف عام، طالب لبنان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بوقف تسجيل اللاجئين.

وقال عبد الصمد: «عندما رأينا فجأة مليون شخص، وأدركنا أن العدد سيمثّل مشكلة ديموغرافية وسياسية واقتصادية، قررنا التّوقف عن تسجيلهم». وأضاف «إنّ هذه مشكلة لبنانيّة متكررة: نحن نحاول تجنّب الاعتراف بأزمة».

ابتداء من عام 2015، أصبح السوريون مُطالبين بالحصول على تأشيرة (فيزا) للدخول إلى لبنان. وتم تطبيق نظام الكفالة الاستغلالي للعمال المهاجرين على السوريين العاملين بكل وضوح، بينما طُلب من اللاجئين التوقيع على تعهد بعدم العمل. وفقًا لريتشارد عقيقي، ضابط الحماية في المفوّضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR): «هذا ما صدّر فكرة بأنّه ليس بإمكان اللاجئين العمل».

بات على الوافدين السوريّين الجُدد، الذين أرادوا البقاء في البلاد، أن يحصلوا لأنفسهم على كفيل لبنانيّ. بدأ الأمن العام – الذي يشرف على إقامة الأجانب في لبنان – برفض تجديد إقامة اللاجئين المسجلين لدى المفوّضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إذا تمّ اتهامهم بالعمل، مُجبرين مزيدًا من الناس على الخضوع لنظام الكفالة.

يقول ربيع كبارة، مستشار وزير العمل [اللبناني]: «إذا امتلك أحدهم ظروف اللاجئ، فهذا يعني بأنّه ليس عاملًا منتجًا. فإمّا أن تكون في هذه الفئة أو في الأخرى». ويضيف: «ليس عدلًا أن تتحصّل على مساعدة المانحين وتأخذ وظائف اللبنانيّين أيضًا».

تراجعت تقديرات نسب السوريين الحاملين إقامة قانونيّة من حوالي 60% في 2014، إلى حوالي 20% في 2016. لقد جعل التهديد بالاعتقال مسألة الحصول على وظيفة أو الذهاب إلى المدرسة خطرًا يُعتدّ به.

أجندة الترحيل

يشكّل الخطاب الصّاعد والمنادي بترحيل السوريين، لأحمد المُتواجد في منزله الذي هو موقع بناء في طرابلس، تهديدًا حقيقيًا وسببًا كافيًا لتجنّب الاحتكاك بالسلطات بأيّ ثمن.

وحّدت المطالب التي تدعو السوريين إلى الرحيل الطبقة السياسية المنقسمة في لبنان. يطرح الائتلاف السياسي اللبناني المُعارض للنظام السوري فكرة العودة الطوعية لسوريا بوساطة المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي تقول بدورها أنّ الأوضاع لمّا تزل خطرة على عودة السوريين. يقول آخرون، كالرئيس المسيحي ميشال عون وصهره، وزير الخارجية جبران باسيل، وهما جزء من تحالفٍ مؤيد للنظام السوري، أنّهم ليسوا بحاجة لانتظار حلّ سياسيّ في سوريا وأنّ على اللاجئين العودة، طوعًا أم لا.

أدّى إعلان وزارة التنمية الدولية DFID نيتها استثمار 21 مليون دولار أمريكي في برنامج دعم العمالة المؤقتة STEP المدعوم من قبل الحكومة اللبنانية، إلى انزعاج العديد من المنظّمات الإنسانيّة. يسعى البرنامج، إضافة لخلق فرص عمل للبنانيين، إلى توفير فرص عمل مؤقتة للسوريين، لكن بتجميد جزء من الرواتب. بإمكان السوريين أن يحصلوا على الجزء [المجمّد] من رواتبهم فقط حين يغادرون لبنان.

قالت مولي غيرفر من جامعة نيوكاسل، الباحثة في أخلاقيّات ترحيل اللاجئين، إنّها خطّة مثيرة للجدل، تردد أصداء سياسة إسرائيلية حديثة تتعلق بطالبي اللجوء. وتحذّر بأنّ كلا النظامين «قد يشجّعان العودة غير الآمنة إلى الوطن».

عندما وُصِف برنامج دعم العمالة المؤقتة STEP في مؤتمر لندن بأنه برنامج التوظيف الأهمّ في لبنان، كان خبراء الاقتصاد في وزارة التنمية الدولية DFID مع وزارة الخارجية اللبنانية قد عملوا على جعله «مُستساغًا أكثر سياسيًا». فعوضًا عن تجميد الرواتب، سيقومون بإيداع ما يُعادل اشتراكات الضمان الاجتماعي في حسابات توفير تصبح متاحة لللاجئين عند عودتهم إلى سوريا أو عند توطينهم في أيّ مكانٍ آخر.

بالنسبة لوزارة التنمية الدولية DFID، فقد كانت هذه فرصة جيدة للتأثير في الحوار السياسي في لبنان. فبدت موافقة وزير الخارجية اللبناني المتشدد على أي شكل من أشكال عمل السوريين معجزة صغيرة، كما شكّلت مشاركة وزارته المستمرة في البرنامج فرصة لوزارة التنمية الدولية DFID للدفاع عن كيفية ووقت عودة السوريون إلى ديارهم.

قالت سارة لوڤ، من وزارة التنمية الدولية DFID: «ثمّة مخاوف كثيرة أن يكون المجتمع الدولي ضليعًا في مؤامرة دوليّة لإبقاء اللاجئين في لبنان». وأضافت «نريد على الأقل أن نتحدّث ونفكّر في العودة».

قدّمت عشرات من المنظّمات الإنسانيّة عريضة لوزارة التنمية الدولية DFID لإعادة النظر فيما يخصّ حسابات التوفير، محذّرين من أنّ تصرّفًا كهذا قد يشجّع لاجئين معدومين لأن يعرّضوا حياتهم للخطر في سبيل الحصول على المال. وفي اجتماع عُقد في وقتٍ سابق هذا العام، اتّفقت المنظّمات برفعٍ للأيدي على أنّ أيًّا منها لن يقدم على تنفيذ البرنامج. من المقرّر أن يبدأ المشروع التجريبي في مطلع عام 2018.

ما بعد لندن

ومع إزاحة الجمود السياسي في لبنان تدريجيًا خلال العام الماضي، جاءت بعض الإصلاحات التي وعد بها مؤتمر لندن، على الأقل على الورق.

[صورة: لم تسمح لبنان قط بوجود مخيمات لاجئين للسوريين الهاربين من الحرب، لذا يستأجر اللاجئون ما استطاعوا إيجاده من مساحات – من خيم وشقق إلى مساحات مهجورة. تصوير: إدواردو سوتيراس جليل\DRC].

لقد شكّل سعد الحريري، زعيم ائتلاف حزب المستقبل السنّي، حكومة وحدة وطنية للعمل على رأب الخلافات المُتعلّقة بسوريا في كانون الأوّل 2016. وقد أنشأ فيها وزارة الدولة لشؤون النازحين ومهمّتها التنسيق بين مختلف الوزارات اللبنانية – المعروفة بامتثالها لأجندتها الخاصة – من أجل وضع استراتيجية وطنية بشأن اللاجئين السوريين. إلّا أنّ الوزارة افتقرت إلى ميزانيّة حكومية ما عزا المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي UNDP إلى تمويل طاقمها المُمثّل بعشرة أفراد.

في صيف 2016، كانت الحكومة السابقة قد استبدلت «التعهّد بعدم العمل» بالالتزام بالتقيّد بالقوانين اللبنانيّة. وكان ذلك ذا أهمية رمزية؛ إذ لم يعد على اللاجئين التوقيع على أمرٍ يعرفون أنّهم لن يستطيعوا الالتزام به. قال بسّام خواجة من هيومن رايتس ووتش (Humans Rights Watch): «لقد كان انتصارًا سهلًا، لكنّه يظلّ ثانويًّا».

في شباط 2017، ألغت الحكومة اللبنانية رسوم تجديد الإقامة البالغة 200 دولار أمريكي عن السوريين المُسجّلين لدى المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR). وكان لهذا احتمالية تأثير أكبر: فتقدر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن حوالي 320 ألف لاجئ مسجّل فوق سن 15 عامًا مؤهّل للانتفاع من إسقاط الرسوم. لكنّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) تقول أنّ 20% فقط ممّن حاولوا تجديد إقاماتهم دون دفع الرسوم قد تمكّنوا من ذلك. تمّ صرفُ البعض، واستسلم البعض الآخر بعدما حدّد الأمن العام سقفًا يوميًا لعدد من يستطيعون التقدّم بطلبات التجديد في مكاتبه الإقليمية.

قال عقيقي عن مسألة إسقاط الرسوم: «لم يكن الجميع مسرورين بذلك القرار، يعتقد البعض أنّهم إذا زادوا مسألة تجديد الإقامة صعوبة فسيعود السوريون أدراجهم؛ يعتقدون أنّ تجديد الإقامة منحٌ مجانيٌّ للجنسية. لقد ترسّخت هذه الفكرة في المجتمع كما تظهر في بعض مكاتب الأمن».

يُصِرُّ المسؤولون اللبنانيون على أن السوريين مرحب بهم لتقديم طلبات الحصول على تصاريح عمل في ثلاثة قطاعات – الزراعة والبناء والبيئة. بيد أن قلة منهم لديهم المال أو العلاقات التي تمكّنهم من ذلك. في العام الماضي، لم تصدر وزارة العمل سوى 200 تصريح عمل جديد للسوريين.

الشعبويّة تسود على صناعة القرار

في كانون الثاني، أصدر وزير العمل الجديد، محمد كبارة، التعليمات الرسمية للوزارة التي تقيد السوريين في قطاعات الاقتصاد الثلاثة. عادة ما تكون التعليمات مجرد أمرٍ روتيني، لكن هذه المرّة صاحب إعلان الوزير عنها ضجّة كبيرة. إذ أعلن، من مسقط رأسه في طرابلس، عن حملة ضدّ العمّال والمشاريع السورية.

لدى الوزارة عدد قليل من مفتشي العمل – ثلاثة فقط لتغطية شمال لبنان – لذا أُسقطت المهمّة في أيدي المتحمّسين في البلديّات، ونقابات رجال الأعمال، أو المتطوّعين أمثال ليندا بولوس مكاري.

كافحت بولوس مكاري، وهي رياديّة أمريكيّة لبنانية تبلغ من العمر 33 عامًا، لإيجاد عملٍ بعد عقد من العمل في الشحن ومجال اللوجستيات في نيجيريا. من شقّتها الجبلية شمال بيروت، المُطلّة على التلفريك زاهي الألوان الذي ينقل السُّيّاح إلى أشهر الكنيسة في لبنان، أحالت طاقتها الهائلة لكي تصبح ناشطة بدوام كامل.

بدايةً، انضمت إلى حركة الأرض اللبنانية، وهي جماعة من المتطوعين ضغطت ضد المسيحيين الذين يبيعون الأراضي للأجانب وغير المسيحيين. عندما أخبرها صديق يملك متجر حيوانات أليفة عن منافس سوري يخفض أسعاره، بدأت حملة فيسبوك لجمع معلومات عن الشركات السورية غير القانونيّة. وقالت «إننا دولة فقيرة ونمرّ بتغيّرات ديموغرافيّة، لست عنصرية، أنا فقط أقول لك الحقائق».

في أيّار الماضى، أنشأت بولوس مكاري عريضة إلكترونيّة تطالب فيها الولايات المتحدة والأمم المتحدة بمساعدة لبنان في إعادة اللاجئين إلى سوريا. وقد تلقت 20,000 توقيع خلال خمسة أيام. بدأ تتلقّى مكالماتٍ تشجيعيّة من السياسيين المسيحيين كما وصلتها تهديدات بالقتل أحيانًا. آخر مشاريعها كان حملة تمويل جماعي لإعداد وثائق السوريين من أجل ترحيلهم، عنوانها «ساعدوا المهاجرين بالعودة إلى ديارهم». وتقول، «حين يبدأ لبنان بترحيل السوريين، سيقلّده العالم أجمع».

لم تكن بولوس مكاري وحدها المُتظلّمة لدى وزارة العمل. بل أقدمت نقابة الحلاقين على الشكوى من منافسة الحلاقين السوريين لهم، لذا طلبت الوزارة منهم جمع قائمة بالمحالّ المراد إغلاقها. كما أقدمت نقابة الجزّارين على الأمر نفسه. وقد تمكّنت الوزارة هذا العام من إغلاق حوالي 200 مشروعٍ حتّى الآن. من بينها مطعم الكباب «طيبة شمس»، الذي يديره الجزار غانم غرير البالغ من العمر 39 عامًا. بعد أن دُمِّر منزله ومطعمه في حمص أثناء الحرب، تمكّن من دخول لبنان بتأشيرة مستثمر. وسرعان ما بدأ في تحقيق حلمه في فتح سلسلة من المطاعم، بِدءًا من طرابلس.

بعد صدور تعليمات كبارة، وصل غرير إلى العمل صباح أحد الأيّام ليجد أمرًا بإغلاق مطعمه، كما تمّ تشميع مدخله. قام بعدها بتشغيل عمّال لبنانّيين وأعاد افتتاحه، لكنّه سرعان ما أُغلق مجدّدًا. هذه المرة، عثر لنفسه على شريك عمل لبناني وسجّل حسابات المطعم باسمه. لكنّ هذا الشريك هرب مع كثير من أموال غرير، وأُجبر للمرة الثالثة على إغلاق مطعمه.

أُخبر غرير مؤخّرًا أنّ الطريقة الوحيدة التي ستمكّنه من الحصول على إقامة قانونيّة هي حمل عائلته المكوّنة من سبعة أفراد والعودة بهم إلى سوريا أوّلًا. خطر له أن يلجأ إلى حلولٍ أسهل: أن يستخدم علاقاته أو أن يرشو المسؤولين، لكنّه كان مصمّمًا أن يسلك الطريق المستقيم. قال: «لقد دفعتُ أموالًا كثيرة في هذه البلد، ولكني ما زلت لا أستطيع أن أجد وسيلة جيدة للاستثمار فيها».

لقد فسر رؤساء البلديات تعليمات كبارة كتفويضٍ لأن يتصرفوا بأنفسهم دون الرجوع إلى السلطات المعنية. في الأسابيع التالية للتعليمات، علت موجة من الاحتجاجات ضد العمال السوريين في جميع أنحاء البلاد. وبدأت عدة بلديات حملات لإغلاق الشركات السورية. كما طُرد بعض اللاجئين بشكلٍ جماعي.

خلال أول عملية طرد جماعي من العاصمة، تلقى ما لا يقل عن 1,500 سوري يعيشون في ضاحية قرب وزارة العمل أوامر بالإخلاء في أواخر تشرين الأول. وقال رئيس بلديّة الحدث للتلفزيون اللبناني إنه لم ينفذ سوى تعليمات قانون العمل التي تدعمها الوزارة. وأضاف «بإمكانهم الذهاب والعمل في سوريا».

الرجل صاحب الخطّة

أثناء ظهوره مع مضيفات شركة طيران الشرق الأوسط في 1 تشرين الثاني 2017، كشف رئيس الوزراء اللبنانى سعد الحريري عن خطط لمضاعفة سعة مطار بيروت. وبعد أيام قليلة، خرج الحريري فجأة من لبنان، وظهر على شاشة التلفزيون السعودي خطاب استقالته من الرياض.

[صورة: يقوم محمد ذو الستة أعوام بحل واجب الرياضيات حول والديه في غرفتهم المستأجرة في بيروت، لبنان. تصوير: آمي لينج].

في حين عاد الحريري في نهاية المطاف إلى بيروت وألغى استقالته، فإن الدراما السياسية التي شهدتها لبنان مؤخّرًا تهدد بمجيء عدم الاستقرار وإحداث شَلَلٍ سياسيّ، وكلاهما لا يبشّر بالخير لبرنامج الحريري الاستثماري والمقدّر بـ10 مليارات دولار أمريكي والذي أُعلن عنه في كانون الثاني. وقد أثار البرنامج حماس بعض المانحين الدوليّين المستميتين لوجود متكلّم باسم الحكومة لديه خطة اقتصاديّة.

حتّى الآن، ما زال تحرير القروض الدولية المُيسّرة المُخصّصة للبنية التحتية يجري ببطء أكثر في لبنان من الأردن. إذ تواجه القروض عملية موافقات طويلة وجدليّة، فضلًا عن المساومات بين المناطق المختلفة والطوائف على الموقع الأنسب للاستثمار.

هذا الصيف، تم التوقيع على مشروع البنية التحتية الأول في لبنان من قبل قسم التمويل العالمي الميسر بشروط ميسرة في البنك الدولي، والذي يتضمن 200 مليون دولار لتأهيل 300 ميل (500 كم) من الطرق باستخدام العمال السوريين واللبنانيين، ولكن التنفيذ تأخّر بعد أن طلبت الحكومة أن توافق هي أيضًا على الطرق المدرجة.

في الجامعة الأميركية في بيروت مؤخّرًا، رفض الناشر اللبناني ياسر عكّاوي تصوير مستشار الحريري نديم مونلا لبرنامج الاستثمار الرأسمالي بأنه «حلٌّ مربحٌ للجانبين، حيث يمكننا تحويل الأزمة إلى فرصة».

وقال عكاوي «نحن نعلم أنّه سيساء إدارة هذا [المشروع] بسبب الفساد، ونعرف أيضًا أنّ لا لاجئٍ سيحصل على أيٍّ من هذه الأموال». «إنّ الحكومة اللبنانية أكثر انشغالًا برؤية كيف يمكن أن تسرق المال من رؤية كيف يمكن أن تخلق فرص عملٍ للبنانيين أو السوريين».

القسم الرابع: المحاولات مستمرة، لكنّ الوظائف لا تكفي

مكتب توظيف اللاجئين في مخيم الزعتري لا يلفت النظر. تلك الحاوية الزرقاء المتواضعة ذات العتبة الخشبية، ليست أكثر ما يجذب الانتباه في تلك البقعة الصغيرة من الصحراء الأردنية. سوف تجد طابورًا أطول من الناس أمام المكان الذي يحصل منه اللاجئون على تصاريح من أجل مغادرة المخيم، الذي استضاف في ذروته نحو 160 ألف لاجئ.

ومع ذلك، تقع على كاهل مكتب التوظيف ذي الحجرتين، والذي افتُتح في شهر أغسطس 2017، توقعات كبيرة. فهو يهدف لربط جزء من اللاجئين السوريين في الأردن الذين لا يزالون يعيشون في مخيّمات، والذين تبلغ نسبتهم 13 بالمئة من اللاجئين السوريين في الأردن، مع سوق العمل.

مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية على توقيع «اتفاق الأردن»، يمثل مركز التوظيف في المخيم واحدًا من مجموعة التجارب الرامية إلى إطلاق الإمكانات التنموية للقوى العاملة من اللاجئين. تشمل هذه التجارب إقامة معارض توظيف وتوفير خدمات الحضانة ومراجعة التشريعات الوطنية .

في نهارٍ خريفي مُشرق، كان عدد الموظفين في مكتب التوظيف في الزعتري أكبر من مثيله من اللاجئين. يأتي نحو خمسين شخص يوميًا إلى المكتب للتقديم على تصاريح عمل لقطاع الزراعة أو الإنشاءات، أو من أجل البحث عن فرص توظيف أو تلقي نصائح لكتابة سيرهم الذاتية.

على مدى المربّع البديل المؤقت من مكاتب الحكومة وهيئات المعونة، قبضت النساء في طابور طويل على أوراقهن الثبوتية، وانتظرن دورهن لإقناع مسؤولين من الحكومة بضرورة إعطائهن تصاريح للمغادرة. على اللاجئين الموجودين في مخيمات، والراغبين بالمغادرة، حتى لو مؤقتًا، أن يحصلوا على تصريح للمغادرة وتوفير سبب لذلك.

مريم، سورية ممتلئة الجسم وربة أسرة، هي وجه مألوف في الطابور وتعرف الروتين جيدًا. أدارتْ متجرين للملابس قبل أن تفرّ من سوريا. أرملة وأمّ لتسعةِ أطفالٍ، سخّرت عقليتها التجارية في العمل منذ أن وصلت مخيم الزعتري. بدأت بالتجوّل وبيع البطانيات خارج خيمتها قبل أن تفرض ملكيتها لقطعة أرض في «الشانزليزيه»، وهو ممر من الأكشاك غير الرسمية التي تمثل شارعًا رئيسيًا في الزعتري.

سار مشروع مريم بشكل جيد واستثمرت 560 دولارًا من إيراداتها للحصول على خمس حاويات، قامت بضمها لبعضها البعض لتحظى بمنزل أكثر راحة. أثناء أخذها لقسط من الراحة في حجرة ضيوفها المنجّدة بشكل جيد، قالت مريم إنها أصبحت أكبر مورّد للبطانيات في الزعتري.

ليس لديها أي دافع أو رغبة للحصول على عمل خارج المخيم، لكنها مُجهدة من الاصطفاف اللانهائي للحصول على تصريح مغادرة تستمر صلاحيته لأسبوعين فقط. عادة ما يعاملها مسؤولو المكتب بلطف – حتى أن بعضهم ينادونها «أمي» – لكنها شعرت بالمهانة بعد وقوع مشادة كلامية مؤخرًا مع مسؤول من المخيم قال أنه مستاء من رؤيتة وجهها في كل مكان يلتفت إليه. قالت إن ذلك الشجار أشعرها بأنها «كالنملة».

ربما يقدّم مركز الوظائف حلًا لمريم. مع تصريح عمل يمكن لللاجئ داخل المخيم أن يخرج ويعود بحرية لمدة أقصاها عام. وعلى حامليه تسجيل دخولهم مرة واحدة فقط كل شهر، وهو إجراء يهدف إلى تمكين العمال من جلب رواتبهم إلى أسرهم. تسعى مريم للحصول على تصريح عمل في قطاع الزراعة، ولكنّها تريد التصريح لتتمكن من مقابلة الموردين وليس للعمل في مزرعة.

تقول مريم: «يحصل الجميع على تصاريح عمل من أجل أن يخرجوا، ليس لديهم وظائف». حتى اليوم، 9 من كل 10 تصاريح عمل تصدر في الزعتري هي لقطاع الزراعة. فهي الأسهل والأقل ثمنًا، ولا تتطلب عقد عمل أو رب عمل ثابت أو اشتراكًا في الضمان الاجتماعي.

ترى لورا بوفوني، المسؤولة عن سبل عيش اللاجئين في المفوضية السامية أن تصاريح العمل هذه ليست خداعًا، بل تشكل تقدمًا كبيرًا. «إنه تصريح مغادرة يسمح لك بالذهاب للعمل في الزراعة، بكثير من راحة البال والكرامة»، بحسب قولها.

تصاريح العمل تعني حرية التنقل

لطالما استخدمت العمالة المهاجرة تصاريح عمل المَزارع ليستطيعوا التنقل بحرية في الأردن. تقدر الحكومة أن أكثر من ثلثي حامليها يعملون في قطاعات أخرى. استخدمها المهاجرون المصريون ليدخلوا الأردن ومن ثم للعمل بمردود مادي أكبر في مواقع الإنشاء أو المطاعم. في السوق السوداء، يستطيع المزارعون بيع التصاريح مقابل 1400 دولار (995 دينار) للواحد.

[صورة: طابور لاجئين سوريين عند مركز التوظيف في الزعتري. مصدر: AFP/ خليل مزرعاوي]

عطّل الاتفاقُ سوقَ الأردن الزراعي عندما أعلنت الحكومة عن تجميدٍ مدته 16 شهرًا لتصاريح العمل الجديدة للمهاجرين لتحاول أن تشجع المَزارع على تعيين السوريين. تبديل المصريين بالسوريين كان أسهل من حيث المبدأ لا من حيث التطبيق. يقول إبراهيم الشريف، الذي يدير مزرعة عائلته في غور الأردن منذ 20 عاما، أنه خسر مالًا وأن المحاصيل قد تأخرت. وقال: «يمتلك المصريون مهارات ليست عند السوريين». «نستطيع استبدال الأردنيين لا المصريين».

عادة ما يأتي عمال المزارع السوريون كعائلة، ومن المتوقع من المُزارع أن يدفع لكل فرد، بينما العمال المصريون رجالٌ بمفردهم غالبًا ما يعملون خلال النهار قبل حراسة المزرعة ليلًا. يعمل لدى إبراهيم الآن في مزرعته قرابة 16 سوري، «إلا أن العدد يتضمن أطفال، ونساء ورجال مسنّين».

يقول الاتحاد العام للمزارعين الأردنيين أن هذا الخلل ترك ثلث غور الأردن دون حراثة هذا العام. انتهى تجميد تصاريح المصريين في تشرين الأول\أكتوبر من عام 2017 إلا أن تعيينهم الآن أكثر كلفة. على المزارعين أن يودعوا ما يصل، في حدّه الأعلى، إلى 21 ألف دولار (15 ألف دينار تقريبًا) كضمانة مصرفية مقابل أن يعيّنوا عمالة مهاجرة غير سورية، كما ارتفع [ثمن] تجديد التصاريح للمصريين وغيرهم من غير اللاجئين إلى 705 دولار (500 دينار).

كيف نفهم أرقام تصاريح العمل الأردنية

أقر وزير التخطيط عماد فاخوري أن مسيرة الأردن لخلق مئتي ألف وظيفة للّاجئين تقدّمت ببطء، إلا أنّ نجاحها سيحدده جذب الاستثمارات. وقال فاخوري إن وزارة العمل وفّرت «ما يقارب 73 ألف تصريح عمل قانوني للّاجئين السوريين»، ثلثهم تقريبًا في وظائف جديدة.

[صورة: عمال يخيطون النسيج في أحد طوابق مصنع جرش للألبسة والأزياء خارج العاصمة عمان. تصوير: أليزا ريزنك].

بينما يستشهد المدافعون عن «اتفاق الأردن» عادةً بتصاريح العمل التي تجاوز عددها 70 ألف، إلا أن ذلك لا يعطي الصورة كاملة. يتضمن هذا الرقم الذي تعلنه الحكومة تصاريح عمل منتهية المدة وأخرى مجدّدة. في الشهور العشرة الأولى من العام الحالي، تم إصدار حوالي 39 ألف تصريح عمل، شكّلت التصاريح الجديدة منها فقط ما تجاوز النصف بقليل. أما العدد الإجمالي فيشمل سوريين يجددون تصاريحهم أو يغيرون محل عملهم.

وُجهت أهداف البنك الدولي ضمن «برنامج ضمان النتائج» لتصاريح العمل الحالية فقط. ويقول الدبلوماسيون المطّلعون على التطورات الأخيرة إن الأردن متأخر عن تحقيق هدف إصدار 55 ألف تصريح عمل صالح بحلول نهاية 2017، وإن الدفعة القادمة من التمويل سوف تعكس هذا العجز. يمكن للحكومة استرداد الأموال عبر تحقيق أهداف مستقبلية، لكن هذه الأهداف ترتفع إلى 130 ألف تصريح عمل بحلول كانون أول 2019.

تقول بوفوني من المفوضية السامية: «عندما نقول 70 ألف [تصريح] علينا أن نكون حذرين. من المؤسف أن وزارة التخطيط ووزارة العمل متمسكون بالرقم في بلاغاتهم».

لا توجد بيانات شاملة عن دخل الأسرة السورية في الأردن. تقوم دائرة الإحصاءات العامة ومؤسسة بحثية نرويجية بدراسة دخل الأسرة ومصروفها للسوريين، إلا أن النتائج لن تنشر قبل أواخر 2018.

تظهرُ صورة جزئية للموارد المالية للاجئين في تقييمات المفوضية السامية لجوانب الضعف، لكن مخرجاتها تميل نحو الأكثر ضعفًا. إن مصدر البيانات يأتي من زيارات إلى منازل عائلات قد تكون مستحقة للدعم المادي أو حيث هنالك مآخذ على الأمان، مما يستثني أسرًا حالها أفضل. توحي التقييمات أن معدل الدخل الشهري للعامل السوري قد ارتفع من 170 دولارا (125 دينار) في 2016، إلى 245 دولار (174 دينار) بعد عام.

بحث أعدته وكالة العون الدوليّة كير (International CARE) يعطي لمحة أخرى عن رفاه بعض اللاجئين القاطنين في المدن. تشير الأرقام الأخيرة إلى أن معدل الدخل الشهري [للأسرة] انخفض من 295 دولار (210 دينار) إلى 248 دولار (176 دينار) في العامين الأخيرين.

يرى بعض الأردنيين أن للسوريين امتيازات دخل ودعم تفوق امتيازاتهم. وفقًا لبحث CARE الدولي، يدخل للأردنيين ثلاثون دولارًا (22 دينارًا) أكثر من اللاجئين السوريين المدينيين. إلا أن لدى الأردنيين عجزًا أكبر من السوريين ما بين الدخل والإنفاق، وبينما يعتمد الأردنيون على الاقتراض لسد الفجوة، يعتمد 47٪ من السوريين على الدعم الإنساني لتعويض الفرق.

لبنان: وظائف قليلة، تصاريح أقل

في لبنان، اعتُبر إعلان الحكومة في مؤتمر لندن أنها ستخلق 300 ألف وظيفة في غضون خمس سنوات، 60% بالمئة منها ستكون للسوريين، إعلانا طموحًا بشكل مشجّع لكنه دون أساس واقعي. يقدّر البنك الدولي أن لبنان خلقت 3400 وظيفة في العام بين عامي 2004 و2007.

لا توجد هنالك أرقام رسمية، إلا أن الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية جمّعت بعض بيانات العمل. دعمت حوالي ألفي وظيفة للبنانيين والسوريين من قبل مشاريع العون الاقتصادي حتى اللحظة، زيادة بأربع أضعاف على عام 2016، بيد أن 20٪ منها فقط كانت وظائف جديدة.

القليل من السوريين يعملون بشكل نظامي. أخرجت وزارة العمل 200 تصريح جديد وجددت 1300 أخرى في 2016، وقالت أن أرقام العام 2017 ستكون مشابهة. وفقًا للمعلومات المحدودة المتوفرة، فإن دخول اللاجئين السوريين تبدو ثابتة لحد كبير. يُظهر تقييم جوانب الضعف الخاص بالأمم المتحدة أن الدخول الشهرية للعمال السوريين الرجال تقلصت من 215 دولارا في 2016 إلى 206 دولار في 2017، بينما ازدادت دخول العاملات السوريات من 115 دولار إلى 158 دولار.

منذ مؤتمر لندن، بدأت المزيد من أموال المانحين بالتدفق نحو مشاريع دعم تنمية الاقتصاد (والتي تسمي أيضًا مشاريع سبل المعيشة) اللبناني الذي يعاني قلّة التمويل، قرابة الـ42 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من 2017. مكّن ذلك المجموعات الإنسانية من زيادة التدريب المهني بشكل ملحوظ في 2017، بيد أن 10 من أصل 23 ألف متدرب تكللت طريقهم بالحصول على وظائف.

«تستطيع أن تخلق قوة عاملة ماهرة، لكن إن لم ينمُ الاقتصاد (…) لا مكان هنالك ليذهبوا إليه»، يقول غيتا مودغل من المجلس الدنماركي للاجئين، الذي يشرف على اتحاد القادة أو «ليدرز» (LEADERS) الممول من الاتحاد الأوروبي والمكوّن من ست منظمات غير حكومية تعمل على برامج الوظائف في الأردن ولبنان.

بينما تصارع الأردن في فتح سوق عملها للاجئين، جربت مؤسسات في لبنان طرقًا لتغيير البيئة المقيِّدة ضمن جهد يهدف لمنع وقوع المزيد من اللاجئين في الفقر. توصلت المؤسسات لحلول مختلفة. وضع برنامج ليدرز السوريين في فترة تدريب تمتد شهرين إلى ثلاثة، مما لا يتطلب تصريح عمل، بيد أنها، في ثُلث المرات، تؤدي لتوظيف الناس. طلبت ميرسي كوربس (Mercy Corps) من القائمين على التدريب أن يخصصوا نسبة من المتدربين في الوظائف – تتضمن السوريين، واللبنانيين، والفلسطينيين – قبل أن يُدفع لهم مقابل التدريب.

طريقة أخرى تمثّلت في تعزيز إنتاجية قطاعات مثل الزراعة، حيث عمل السوريون منذ البداية. حاولت منظمة العمل العالمية، مثلًا، استيراد البطاطا اللبنانية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي عبر مستورد هولندي. لكن دون وجود مختبر للمصادقة على جودة المعايير في منفذ تصدير طرابلس، بالإضافة لكلفة الشحن المرتفعة جدا، لم تتحقق كوتا الاتحاد الأوروبي لاستيراد ما قيمته 50 ألف دولار من البطاطا اللبنانية.

العمل من أجل البقاء

بينما يبقى السوريون مبعدين عن الوظائف النظامية في لبنان، تقول جمانة كرامي من منظمة العمل الدولية في بيروت أن العمل يمثل «مسألة بقاء» بالنسبة للاجئين. من المقدّر أن 40 إلى 50 بالمئة من السوريين يعملون في لبنان، بالرغم من صعوبة تقدير الوظائف غير المستقرة وغير النظامية بشكل موثوق.

[صورة: قضت أوريانا عوايشة، مديرة مصنع جرش للألبسة، أشهرًا في التنقل جيئة وذهابا ما بين عمان ومخيم الزعتري من أجل توظيف عمال سوريين. تصوير: أليزا ريزنك].

«إن لم تعمل لن تأكل»، تقول منال شقرة، لاجئة فلسطينية عاشت في مخيم اليرموك في دمشق إلى حين اختفى زوجها في منظومة سجون النظام السوري العام الماضي. هربت [منال] إلى وادي البقاع الريفي في لبنان، حيث تعيش في خيمة هي وطفليها، منتظمة في دروس في مجال الأعمال التي تديرها منظمة غير حكومية محلية، ومحاولةً عدم الإمعان في التفكير إن كان زوجها لا يزال حيًا.

يُدار صف الأعمال التي تنتظم فيه [منال] من قبل المنظمة غير الحكومية «بسمة وزيتونة»، والتي تساعد السوريين في أن يعملوا دون خرق القانون عن طريق تقديم تدريب ومنح صغيرة للأعمال البسيطة التي تدار من الخيم والمنازل، مثل الخياطة وبيع الفواكه. في إحدى الصباحات، حاول أساتذة التمويل الإجابة على أسئلة من صف معظمه من النساء حول أخذ تخفيضات المساعدة الغذائية أو انقطاعات الكهرباء في عين الاعتبار في ميزانية عمل.

فكرت شقرة في السفر إلى تركيا بدلًا من لبنان، إلا أنها كانت خائفة من عبور البحر نحو أوروبا. تقول، بصوت كسير: «كل يوم أتمنى لو أنني اتخذت قرارًا مختلفا. في البحر تموت مرة واحدة، لكنك تموت هنا كل يوم».

إضفاء طابع رسمي على الاقتصاد المرتبط بالعمل من المنزل؟

تنحدر نسرين من سلالة ممتدة من صانعي المخلل في شمال سوريا. وصلت شهرتهم لحد أن اسم عائلتهم منذ بضعة أجيال صار «مخللاتي». عندما هربت [منال] إلى الأردن في الأيام الأولى للثورة، تمسكت بما تتقنه فعلا وبدأت بتخليل الباذنجان المحشي. أرسلت أولادها للمدرسة حاملين عينات، وعادوا بطلبيات من أساتذتهم. سرعان ما انتشر الخبر وصار لنسرين عمل في منزلها الجديد.

عمل طيف كبير من الفاعلين، من منظمات غير حكومية صغيرة إلى وكالات حكومية ووزارات وطنية، تحت مظلة اتفاق الأردن لخلق وظائف للاجئين وربطهم بسبل المعيشة. سوّق البعض لاقتصاد الغيغ (Gig Economy) – أي استخدام منصات تبادل المعلومات الرقمية لخلق أعمال صغيرة – كحلٍّ محتمل. يبدو الاقتراح، إن وضعنا في الحسبان الثقافة الرقمية المتدنية في الأردن بالإضافة لافتقارها للبنية الرقمية للمعاملات المالية، غير ناضج بما يكفي. توصلت دراسة حديثة إلى أن 22 عملا فقط تم إنجازه على امتداد البلد كلها عبر أبوورك (Upwork)، إحدى أكثر منصات اقتصاد الغيغ نجاحًا في العالم. تطبيق أوبر لتبادل التوصيلات حاضر في الأردن، إلا أنه من غير المسموح للسوريين بالعمل كسائقين.

إلى الآن، تبقى الأعمال المنجزة في المنازل، كعمل نسرين، محط تركيز الجهود الحالية للإتيان بالنساء إلى الاقتصاد النظامي. بعد مضي ست سنوات، تعمل مع نسرين أمها، وأختها، وزوجها. لقد باعوا قرابة الـ350 كيلوغرام من صلصة فلفل الهالابينو هذا الخريف.

وضع برنامج البنك الدولي لضمان النتائج نصب عينيه هدف إضفاء الطابع الرسمي على 950 عمل ينجز من المنازل، يمتلك سوريون مئة شركة منها، حتى نهاية الـ2019. سهّل الأردن بعض التشريعات عن طريق إزالة متطلب أن تدفع [مقابل] الضمان الاجتماعي. بيد أن النتائج الأولية غير مشجعة، وربما تتطلب إصلاحاتٌ تكنوقراطية، مثل إزالة شرط رخص التدريب، تغييرًا سريعًا لا تستطيع البيروقراطية المحلية التعامل معه.

تعمل نسرين الآن دون تصريح أو رخصة. تقول أنها كسورية، لن يكون بمستطاعها الاقتراض من البنك، ولا تحصيل الربح الكافي لدفع رسوم الحكومة. مع ذلك، ليست [نسرين] مخلصة لاقتصاد الظل. تقول: «لو لم يكن هنالك رسوم، سيكون أمرًا جيدا لنا. سيكون من الممكن أن نصنع اسمًا لنا».

جذب الاستثمارات الضخمة

سيظل النجاح التام لاتفاق الأردن في توفير الوظائف معتمدًا دومًا على استدراج مستثمرين كبار. حتى الآن، وعود النفاذ التفضيلي للسوق الأوروبية لم تكن كافية لوحدها. تم تخفيض حواجز التعرفة الجمركية باتفاقية خاصة بقطاع الألبسة مع الولايات المتحدة مؤخرًا إلى 30٪، في حين تعرفات الاتحاد الأوروبي هي 10٪ فقط. تعتبر تكاليف العمل والبنية التحتية للمواصلات [هنا] ضعيفة مقارنة بمنافسين في جنوب شرق آسيا مثل بنغلادش. وصف أحد المسؤولين في البنك الدولي الأمر قائلًا أن حالة الأردن «معقدة».

[صورة: عاملة مهاجرة سورية في مصنع للألبسة في إحدى المناطق الاقتصادية الخاصة في الأردن. تصوير أليزا ريزنك.]

يقول أحد رواد عالم الأعمال، والذي ترأّس وفودًا إلى الأردن، أن البلد تواجه عقبة كبيرة في اقناع المستثمرين الحذرين أنها الحالة الاستثنائية المستقرّة في منطقة مضطربة.

وقال: «لا تمتلك معظم الشركات أدنى فكرة عن الفرص الموجودة هناك، وتفترض أنها ستكون بلدًا من المستحيل بشكل كبير إقامة الأعمال فيها. بيد أن الحال هو العكس. إن استطعت أن تقنع الشركات بالذهاب هنالك وأن يروا الفرص بأم أعينهم، سوف تكون لهم نظرة مختلفة».

كان تطوير المناخ الاستثماري أحد التزامات الأردن بمقتضى الاتفاق. ارتفعت الأردن 15 منزلةً في التقرير السنوي للبنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال عام 2017، والذي يقيّم مناخات الأعمال لـ190 دولة. وصلت [الأردن] للمركز 103 بفضل الإصلاحات الهادفة لتبسيط القوانين؛ تسهيل الاستيراد والتصدير، والتقليل من البيروقراطية التي تكتنف إنشاء الشركات.

قال وزير التخطيط الفاخوري، مشيرًا إلى هذا التطور، أن البلد «يمشي بالاتجاه الصحيح». كان النمو الاقتصادي المتوقع للمناطق الاقتصادية الخاصة أبطأ من المتوقع، إلّا أن السوق الأوروبي صعب الاختراق. ويقول: «هذه الأمور تبدأ ببطء شديد، ومن ثم تتسارع».

تطويع «المهمة المستحيلة»

كل يوم عند السادسة صباحًا، خارج الأبواب الرئيسية للزعتري، تنتظر فاطمة الحافلة التي تُقلّها مع 18 امرأة أخرى إلى العمل في مصنع، في رحلة تستغرق ساعة من الزمن. إنها الوظيفة الأولى في حياة هذه الأم ذات السابعة والثلاثين، والتي جاءت من دمشق مع أبنائها الخمسة.

[صورة: فاطمة، 37 عامًا، واحدة من 25 عاملة سورية تعمل في مصنع جرش للألبسة والأزياء. تصوير: أليزا ريزنك.]

فاطمة بكماء منذ مولدها، لكنها تستخدم لغة إشارة ارتجالية لتشرح أن زوجها كسول ويقضي أيامه يُدخّن في الكارافان الخاص بهم. أما هي فتفضل الخروج للعمل في شركة جرش لصناعة الملابس والأزياء، وهو مصنع حديث وحيوي في مدينة التجمعات الصناعية.

لا ينتقل العمال مثل فاطمة إلى المصنع مجانًا. إذ تكلف الحافلة المصنع 210 دولار لكل عامل شهريًا، لكن المديرة التنفيذية أوريانا العوايشة قالت إنهم يستحقون التكلفة مقابل الفرصة التي يجلبونها معهم للتصدير إلى السوق الأوروبي.

أقدمت العوايشة على توظيف لاجئين بمجرد إقرار تسهيلات التجارة مع الاتحاد الأوروبي كجزء من «اتفاق الأردن». يشغل المصنع 2800 عاملًا وعاملة، غالبيتهم من بنغلاديش، لذا فإن الالتزام بتخصيص 15 بالمئة من الوظائف للعمال السوريين بدا صعبًا.

تقول العوايشة: «من أين سآتي بـ500 سوري؟ إنهم لم يقبلوا العمل هنا».

في حزيران 2017، صدرت قواعد جديدة وجلبت معها فرصة أخرى. إذ أبلغت منظمة العمل الدولية العوايشة أن مصنعها يمكنه أن يصبح مؤهلًا للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي بدون تعرفة جمركية، إذا حققت نسبة التوظيف المطلوبة للسوريين على خط إنتاج واحد، عوضًا عن المصنع بأكمله. في نفس الوقت، سمحت قواعد جديدة للسوريين في المخيمات بالمغادرة من أجل العمل.

عادت العوايشة، التي عملت كمعلمة قبل أن تتحول إلى العمل الإداري قبل 13 عامًا وتترقّى إلى رأس الشركة، للمحاولة مجددًا. أمضت شهرين تزور مخيم الزعتري، تقابل النساء وتحضر معارض توظيف؛ قامت بدعوة اللاجئين لزيارة المصنع والتجول به، وأنشأت حضانة، ورتّبت أمر المواصلات. بحلول تشرين ثاني، كان لديها خط إنتاج كامل من الإناث من 85 عاملة، من بينهم 19 امرأة من الزعتري، فأصبح المصنع مؤهلًا للتصدير إلى أوروبا.

تقول العوايشة: «كان الأمر أشبه بمهمة مستحيلة. كان صعبًا، لكن حمدًا لله أننا نجحنا». لا تزال أمامها مهمّة التغلب على ما قد يمثل تحديًا أكبر، وهو إيجاد مشترين في الاتحاد الأوروبي لمنتجات المصنع.

هل يمكن تكرار قصة النجاح التي حققتها امرأة مكافحة بطبيعتها مثل العوايشة على نطاقٍ واسع؟ هذا ما لم يتبيّن بعد. لا تغطي الأجور المتدنية لقطاع صناعة الألبسة احتياجات اللاجئين في المدن لدفع الفواتير. كما وجد مسح قامت به المفوضية أن أكثر من ثُلثي اللاجئين من النساء في الزعتري لا يرغبن في مغادرة المخيم للعمل.

كان مصنع جرش تاسع مصنع يتأهل للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي دون تعرفة جمركية. معظم المصانع الأخرى كانت ذات عمليات أصغر، ومملوكة لسوريين، وتصنّع سلعا مثل البلاستيك والأسلاك. في العام الأول من الاتفاق، نجح مصنعان فقط في إيجاد مشترين في أوروبا، مصدّرين من السلع ما يقدر بـ600 ألف دولار (425 ألف دينار).

القسم الأخير: ما بعد الأردن

إن الأثر الأوضح والأسرع لاتفاق الأردن جاء بعد سبعة شهور من مؤتمر المانحين حول سوريا في لندن، عندما وافقت أثيوبيا على اتفاقٍ مماثل. في إعلان على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في شهر أيلول\سبتمبر عام 2016، وافق حلفٌ من نفس المانحين والمؤسسات متعددة الأطراف، تقريبًا، على الاستثمار في مناطق اقتصادية في إثيوبيا في حالة استلام اللاجئين لوظائف وتصاريح عمل.

كان العنوان الرئيسي لاتفاق وظائف إثيوبيا هو أن 30 ألف تصريح عمل داخل منطقتين اقتصاديتين سوف تخلق 100 ألف وظيفة سيتم تطويرها عن طريق مزيج من القروض الميسرة من البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، بالإضافة إلى منحٍ ممولة أوروبيًّا تعادل جميعها 500 مليون دولار. في المقابل، وافقت إثيوبيا على التوسع في سياستها لتسهيل القيود المفروضة على السفر «خارج المخيم» لتشمل 75 ألف لاجئ، وعلى فتح 10 آلاف هكتار من الأراضي القابلة للزراعة أمام عائلات اللاجئين ليزرعوها، بالإضافة إلى تسجيل المزيد من الأطفال اللاجئين في مدارس المرحلة الابتدائية.

بينما سبقت النقاشات حول اتفاق إثيوبيا مؤتمر المانحين حول سوريا في لندن، أشار المسؤولون في أديس أبابا «لنموذج الأردن» والزخم الذي خلقه. لاحظ بير هيغينز، الرئيس التنفيذي لأيكيا فاونديشين، الذراع الخيرية لصانعي الأثاث، تغيرًا تامًّا في موقف الحكومات المستضيفة [للاجئين] على مدى العامين الماضيين.

[صورة: فتاة سورية وأحد أقاربها في حلبا، مخيم للاجئين في لبنان. تصوير: إدواردو سوتيراس، Jalil\DRC]

يقول هيغينز: «رأت الحكومات الذكية مثل [حكومتي] الأردن وإثيوبيا الفرص التي من الممكن أن يمثّلها اللاجئون، وبدأت تراهم كموجودات نافعة لا مجرد مستفيدين».

«إنهم يرون تلازمًا ما بين أوضاع اللاجئين والموارد الدوليّة. إن تم توزيع تلك الموارد من أجل مصلحة المجتمع المضيف واللاجئين سيكون أمرًا جيدًا بالنسبة للبلد، وسترى نموًّا اقتصاديًّا. وهذه قصة جيّدة لتروى للناس في الداخل أيضًا».

لا يزال خطاب ومنطق الفوز المرضي لجميع الأطراف (Win-win) في الاتفاقات يجذب الداعمين، ونسخٌ من الاتفاقات تُناقش الآن في النيجر، وأفغانستان، وماليزيا. بالرغم من الزخم العالي، إلا أن النجاح الفعلي للتجربة الأصلية في الأردن مثير للجدل.

ألكزندر بتس، الذي أثّر بحثه حول الإدماج الاقتصادي للاجئين في أوغندا وتأييده لاتفاق الأردن في انتشار الفكرة، قال أن للاتفاق «نتائج متفاوتة».

«أعتقد أن ما تحقق في الأردن إيجابي برغم أنهم لم يصلوا بعد لأهدافهم الأوليّة»، يقول بتس. «أظن أنها تجربة استثنائية سيخرج عنها كثير من الدروس في كيفية إشراك قطاع الأعمال، وفي كيفية خلق وظائف للاجئين، وهي تُلقي بأثرها على عملية صناعة السياسات حول العالم».

بتس هو من ضمن أولئك الذين يؤيدون أن يأخذ العنصر الفاعل الرئيسي الدولي (international actor) دور الوسيط لدول الاتفاق، ليساعدهم في تبرير الجدوى التجارية للمستثمرين الأجانب. بينما جذبت الاتفاقات صانعي السياسات، لا يعي معظم المستثمرين الأجانب المحتملين التطور في المناخ الاستثماري للتجارة.

الشركات العالمية التي تطلعت للأردن، مثل أيكيا ووولمارت، لم تقم باستثمارات معتبرة بعد. في قطاع الألبسة، حيث الأرباح السريعة متوقعة، كلفة الأيدي العاملة أعلى في المملكة من بعض منافسيها الآسيويين، مثل بنغلادش التي تتمتع بنفس شروط التجارة التفضيلية مع الاتحاد الأوروبي.

كما سلّط نفس القطاع الضوء على ضعف افتراضات تدّعي أن العمالة اللاجئة تستطيع استبدال العمالة المهاجرة على نطاق مجدي. حقق المصدّرون في المناطق الصناعية الخاصة في الأردن، والذين استفادوا من اتفاقيات تجارة سابقة، أرباحا بسبب عمالة معظمها آسيوية ومستعدة لتحمّل ظروف – مثل العيش داخل المصنع والعمل لورديات عمل طويلة – لم يستطع معظم اللاجئين السوريين، وعائلاتهم بالقرب منهم، القبول بها.

في أهداف برنامج البنك الدولي لضمان النتائج، المعيار الأوضح للإنجاز تحت مظلة اتفاق الأردن لن يتحقق، حتى لو كانت النتائج قريبة. من المتوقع أن تفشل نتائج نهاية العام في تحقيق اثنتين، على الأقل، من المعايير الستة، من ضمنها عدد التصاريح، مما يعني أن الدفعات المالية القادمة لحكومة الأردن لن تُقدّم كاملة.

قال جون سبيكمان من البنك الدولي أن سبب الخطوات الخاطئة التي تم اتخاذها كان حداثة نموذج الاتفاق. لقد حدّد [المشكلة في] الافتراض الخاطئ [الذي يقول] أن جعل التصاريح متاحة سوف يؤدي إلى أن يتبناها اللاجئون السوريون فورًا. بينما يقترب الاتفاق من نهاية عامه الثاني، صار الوصول إلى أنظمة أكثر تطورًا في التوفيق بين اللاجئين وفرص العمل يعد أولوية بالنسبة لجميع المعنيين.

قال سبيكمان أن الرسالة للأردن وأي بلدان استضافة مهتمة أخرى هي: «مرحبا يا أصدقاء، إن هذا الأمر لن ينجح إلا إذا دخلتم حقًا في جميع التفاصيل العملية الدقيقة، واستثمرتم حقًا في محاولة إنجاحه».

تضمنت بعض الموالفات الدقيقة التي اقتُرحت فكَّ ارتباط تصاريح العمل بمشغّلين محددين – مثلما حصل مع التصاريح الزراعية – لإفساح المجال للاجئين لأن يقدموا طلبات التصاريح إلى وزارة العمل مباشرة، وسيستخدمونها لاحقًا للبحث عن عمل. يقول الخبراء أن ذلك الأمر سينقل مسؤولية التأكد من أن جميع الموظفين يحملون تصاريح إلى حِجْر المشغّلين، وسيفرّغ مسؤولي الحكومة لضبط نظام ظروف عمل المهاجرين، واللاجئين، والأردنيين بشكل أفضل.

يقول مقترحٌ آخر، قدمته منظمة العمل الدولية، بتوسيع البرامج التي تقدّم التدريب، وشهادات خبرات سابقة، وتوافقٍ بين العمّال والوظائف. في الخفاء، تم تقديم مقترحات أكثر راديكالية، تضمنتْ وضع سقفٍ أعلى لعدد العمال المهاجرين [أي غير السوريين] في قطاعات محددة، وبالتالي لا يعود السباق لتوظيف عمّال بأجورٍ متدنية موجودًا، وبذا يرغم أصحاب الأعمال على الاستثمار في توظيف وتدريب اللاجئين.

إن الفكرة السائدة (والمعقولة) التي تقول بأن النتائج يجب أن تتطور بعد البداية المتخبطة، قد لا تتفق مع الواقع. جزئيًا، كان سبب التركيز الأولي على تصاريح العمل بدلًا عن الوظائف هو الافتراض بأنها ستكون هدفًا تحقيقه أسهل. وبالرغم من غياب وجود أرقام موثوقة لأعداد السوريين العاملين، إلا أن جميع الأطراف اتفقوا على أن استحداث الوظائف الإجمالي لم يتحقق.

يتوقع بعض المراقبين، من ضمنهم سوزان الرزاز، خبيرة في سوق العمل الأردني، أن يكون 2018 عامًا أصعب من حيث تحقيق الأهداف، فوظائف الاقتصاد الخفي (الأسود، غير الرسمي) التي تجعلها الحكومة رسميّة ستنفد. تقول [الرزاز] أن التحدي الحقيقي سيكون في جذب استثمارات جديدة في ظل «حقيقة أن لا وظائف استحِدثَت».

مع ذلك، فإن الإعجاب المستمر بنموذج الاتفاق لم يكن سببه، بشكل كبير، نتائجه المبكرة مقارنةً بقدرته على صياغة سياسةٍ متفقٍ عليها من قبل التقدميين والمحافظين في البلاد المانحة. بينما حاجج مؤيدو الإصلاح في نظام اللجوء، لوقتٍ طويل، أن رفاه اللاجئين سيكون مصلحة عالمية عامة، ويجب أن يتشارك كلفتها المجتمع الدولي، بقيتْ تلك الحجة اقتراحًا أكاديميا لغاية صيف عام 2015.

شكّل شبح وصول موجات كبيرة أخرى [من اللاجئين] إلى أوروبا تحالفات جديدة عابرة للتيارات الأيدولوجيّة، وحرّر الموارد، وخلق الإرادة السياسية.

تصريحٌ من بنك الاستثمار الأوروبي صاحب اتفاق الوظائف الأثيوبي جعل هذا الأمر واضحًا. فيحذّر التصريح أن إثيوبيا تستضيف 730 ألف لاجئ، «والكثير منهم، بالتحديد من الرجال صغار السن من أريتيريا، يستخدمون إثيوبيا كنقطة توقّف قبل الذهاب لوجهاتهم في أوروبا».

ركّز فيرنر هوير، رئيس البنك، على نقطة أن الاتفاقات قد تكون أداةً لثني اللاجئين عن متابعة السفر. يقول: «المبادرات والمشاريع كهذه تعطي الناس فرصةً للبقاء بالقرب من بلدانهم بالإضافة لإمكانية النمو الاقتصادي أيضًا».

إن الفرصة التي رآها هوير لا تزال بانتظار التحقيق في الأردن. من المفارقة أن الآمال في تحولٍ في اقتصاد المملكة، وبالتالي سوق العمل للأردنيين، والعمال المهاجرين، واللاجئين، معلّقة الآن على إعادة إعمار سوريا، بينما للبنان نفس التطلعات.

نفس المنطقة المضطربة التي ضربت اقتصاد الأردن بشكل متكرر وأرغمت مجتمعها على تقبّل أجيال من اللاجئين، يتم الحديث عنها الآن كميزتها التنافسية.

ــــــــــــــــــــــــــ

دانيال هاودن هو المحرر المسؤول في «ريفيوجيز ديلي» (Refugees Deeply). وهو كاتب في صحف الإيكونومست والغارديان، وكان مراسلًا في إفريقيا ونائب محرر الشؤون الأجنبية في صحيفة الإندبندنت.

هانا باتشت صحفيّة تعيش في الأردن. عملت في الشرق الأوسط كمراسلة، ومحررة، ومنتجة لوسائل إعلامية من ضمنها بي بي سي العربية، والغارديان، ووكالة معًا الإخبارية.

تشارلوت ألفريد هي مديرة التحرير في ريفيوجيز ديبلي. كتبت عن الشرق الأوسط وإفريقيا، وعملت سابقًا في الهافنغتون بوست وأنتجت وثائقيات لبرنامج فرونتلاين (Frontline، خط الجبهة) على شبكة PBS.

مصادر الصور: أليزا ريزنك، جاريد كولر، علي الشيخ خضر (Syrian Eyes)، إدواردو سوتيراس جليل، وآمي ليانج ووكالات.  

__________________________________________________________

*تمت الاستعانة بترجمة أيمن الحسيني في ترجمة المقاطع التي تكرر ذكرها في التقرير المختصر عن هذا التقرير المطوّل.