رأي

الجيش المصري والمثلية: «مخالفة الناموس الطبيعي»

الخميس 12 تشرين الأول 2017

نهاية عام 1997، التقيت بالصدفة بزميل الدراسة الثانوية، الذي انقطعت أخباره بعد أن التحق بالكلية الفنية العسكرية قبلها بعام. كان «ألفيس» الذي نال اسم شهرته بفضل وسامته، وقصة شعره التي تشبه قصة شعر ألفيس بريسلي، قد أخبرني في لقائنا العابر أن اسمه كاد أن يزج به في قضية «عبدة الشيطان» الشهيرة، وإن الأمر قد انتهى بتوبيخ لفظي من إدارة الكلية، وبعض الحبس الخفيف في مقرها. مرّت بضعة أعوام قبل أن ألتقي ألفيس ثانيةً، وفي لقاءٍ مرتبٍ هذه المرة، لأكتشف أن الحظ لم يمهله كثيرًا بعد إفلاته الأول، فبعد شهور من صدفة لقائنا، ضبط هو وأحد زملائه في عنبر النوم في الكلية وهما يقترفان ما تنطبق عليه المادة 165 من أحكام القانون العسكرية. أخبرني ألفيس حينها أن مسألة فصله من الكلية لم تكن أمرًا مأساويًا، فهو لم يكن مناسبًا للعسكرية بأي حال، لكن المهانة التي صاحبته كانت الأمر الأكثر مرارة. كان على كلٍ من ألفيس وزميله أن يقفا أمام طلبة الكلية المجتمعين في طابور الصباح، وأن يستمعا لقرار فصلهما، الذي يُقرأ أمام الجميع، والذي يّكلّل بتعريف التهمة بالصوت الجهوري لقارئه: «مخالفة الناموس الطبيعي»، قبل أن يبدأ أحد الضباط بتجريد المفصوليْن من «كتّفاتهم» والشارات العسكرية المعلقة على زيهم، وبعدها يتم تسليم الطلبة المفصولين إلى أولياء أمورهم، المجبرين على الحضور بغية تتميم مهانة طقس التجريد العسكري.

لطالما ارتبطت في ذهني قضية «عبدة الشيطان»، بالجيش، وكلاهما بالهجمات الأمنية الدورية على المثليين، والتي كانت أشهرها قضية «الكوين بوت» عام 2001، حيث داهم ضباط من نيابة آداب القاهرة مع ضباط مباحث أمن الدولة باخرة «كوين بوت» وقاموا باعتقال 36 رجلًا، وقيل إنهم من جماعة عبدة الشيطان، واتهموا بـ«ممارسة الفجور»، ومن بعدها الهجمة الجارية اليوم، على خلفية حفل مشروع ليلى، وهي ربما الأكثر شراسة على الإطلاق.

هزيمة ثورة يناير أتاحت الفرصة مرة أخرى أمام النخب العسكرية للقفز على رأس السلطة، وكذلك العودة مرة أخرى لعمليات تأميم المجال العام وعسكرة المجتمع.

الرواية الإعلامية الرائجة تذهب إلى أن قضية «عبدة الشيطان»، بدأت عند تشكّك أحد الضباط في سلوك ابنه، قبل أن ينتهي الأمر بالقبض على عدد من أبناء الطبقة المتوسطة والعليا، ومحاكمتهم لاحقًا بتهم ازدراء الأديان وغيرها. هل كانت هذه الرواية صحيحة؟ تبدو الإجابة على هذا السؤال الآن غير ذات أهمية. ما يعنينا هنا هو ما يطلق عليه خالد فهمي في كتابه «كل رجال الباشا»، «شعائر السلطة الجسدية الاستعراضية»، في معرض تحليله للعقوبات البدنية في الثكنات العسكرية في جيش محمد علي، والتي حل فيها الزي العسكري وتمزيقه وتجريده، بدلا من الجسد، في حالة العسكريين اليوم، بينما يظل الجسد موضوعًا للانتهاك الاستعراضي الأكثر شراسة وانحطاطًا في الكشف الشرجي، الذي يخضع له المتهمون في قضايا المثلية.

لا يتناول كتاب فهمي المثلية من قريب أو بعيد. ولا تأتي الإشارة إلى هذا الكتاب بغية فهم منطق السلطة العسكرية في الثكنات اليوم، وإنما أشير إليه بدافع مما يوجزه شريف يونس في مقدمة ترجمته للكتاب: «يوافق خالد فهمي على أن الجيش النظامي الحديث الذي أنشأه الباشا لخدمة أطماعه الخاصة يشكل القوة الدافعة خلف إقامة الدولة البيروقراطية الحديثة، واستحداث أدوات السلطة الانضباطية الحديثة». هكذا، وكما يذهب فهمي إلى أن الدولة الحديثة في مصر، وسلطتها الانضباطية تأسست في الثكنات، في سياق عملية لتسخير المجتمع لطموحات الباشا التوسعية العسكرية، فإن منطق الدولة في مصر اليوم ومؤسساتها لايزال يحمل آثارًا غائرة من نواة تأسيسها الأولى. لا يقتصر هذا المنطق على استمرار التجنيد الإجباري فقط، وإنما انتقل من حبس الفلاحين في الثكنات وإخضاعهم لآليات الانضباط الحداثية فيها، إلى ثكننة الفضاء العام إجمالًا، والتوسع في عسكرة المجتمع ككل. ومع أن تيار تأميم النظام العام لصالح الإدارة العسكرية، في الحقبة الناصرية، قد شهد تراجعات متتابعة، بعد معاهدة السلام مع «إسرائيل»، ولاحقًا مع سياسات الخصخصة والسوق الحر المباركية التي صاحبها تراجع لدور المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي والسياسة لصالح نخب رأسمالية صاعدة، فإن هزيمة ثورة يناير أتاحت الفرصة مرة أخرى أمام النخب العسكرية للقفز على رأس السلطة، وكذلك العودة مرة أخرى لعمليات تأميم المجال العام وعسكرة المجتمع. وبين التوسع الهائل للجيش في الأنشطة الاقتصادية، والتصريحات المتتابعة لرئيس الجمهورية عن تعميم الانضباط العسكري على عموم المواطنين، وتولّي الجيش للعديد من ملفات الوزارات المدنية بما فيها الصحة والدواء على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة للعديد من الملفات الخارجية، التي أصبح الجيش ومخابراته تزاحم فيها وزارة الخارجية، فإن عملية عسكرة الإدارة المدنية، صاحبتها رغبة قطاعات واسعة من المواطنين في فرض الانضباط الصارم على المجال العام، بعد بضع سنوات من الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار، التي تمخّضت عنها ثورة يناير.

ما أثار حفيظة السلطة تجاه واقعة رفع العلم، لم يكن مجرد كسر الأفراد لـ«ناموس الطبيعة»، بل لإشهاره في المجال العام، والإعلان عن تمايز له صيغة هوياتية.

يمكن رد بعض أسباب الهجمة الأمنية الحالية على المثليين، بعد واقعة رفع علم قوس قزح في حفلة مشروع ليلى، إلى خلفية النخبة الحاكمة اليوم، التي ينتمي معظمها إلى مؤسسة الجيش، الذكورية والمحافظة بالتعريف. لكن الأهم، من وجهة نظري، أن رد فعل النظام العنيف جاء مدفوعًا بمنطق فرض الانضباط في صيغته العسكرية على المجال العام. وإن كان الانضباط داخل الثكنات معنيًا في جزء منه بالتزام الفرد بـ«الناموس الطبيعي»، وفي نفس الوقت الفصل بين الحياة العسكرية والحياة «الطبيعية» خارجها، فإن ما أثار حفيظة السلطة تجاه واقعة رفع العلم، لم يكن مجرد كسر الأفراد لـ«ناموس الطبيعة»، بل لإشهاره في المجال العام، والإعلان عن تمايز له صيغة هوياتية، وهو ما يعد خرقًا لمفهوم القياسية العسكري، الذي لا يحتمل التمايز سوى بشكل هرمي يخضع لتسلسل السلطة ورتبها، وفي الوقت ذاته تهديدًا لفكرة الانضباط، بما فيه الأخلاقي، الذي تتشبث به قطاعات مجتمعية واسعة.

لكن نسبة ردة الفعل للطبيعة العسكرية للنظام الحالي، أو الأصول العسكرية للدولة الحديثة في مصر إجمالًا، لا يفسّر إلّا جانبًا من الأمر. فأشد معارضي النظام من المنتسبين للتيار الإسلامي، مع الأحزاب السلفية الموالية للنظام، بالإضافة إلى قطاعات واسعة من المصريين المعنيين بالسياسية أو من غير المنخرطين فيها، توحدوا وراء الحملة الأمنية ضد المثليين، وبحماس استثنائي، تراوحت دوافعه بين تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص المجال الخاص كما العام، أو فرض الالتزام بدين الأغلبية أو تقاليدها على الأقل في العلن، وفي بعض الأحيان بحس قومي معني بمقاومة «تغريب» للمجتمع يهدف لتدميره. لكن ومع تنوع مرجعيات ومنطق تلك الدوافع، فإنها جميعًا تنتهي بالتسليم بدور للدولة في فرض الانضباط لصالح الدفاع عن «الناموس الطبيعي»، بتسمياته المختلفة، سواء الدين أو التقليد أو القومية، وتعود بنا رغمًا عنا إلى ثكنات فلاحي محمد علي، ونواة الدولة الحديثة التي أسست هناك.