رأي

كيف مر مشروع الموازنة من بين يدي نواب الشعب؟

الأربعاء 10 كانون الثاني 2018

مر مشروع قانون الموازنة العامة للدولة من تحت قبة النواب على عجل، لم يرافق ذلك حراكٌ شعبيٌ يرفض الموازنة في الشارع، رغم ما تحمله هذه الموازنة من تبعات مالية تلقي بظلالها على كاهل المواطن. سيلمس الأردنيون أثر تمرير الموازنة بدءًا من شهر شباط القادم، بارتفاع سعر كيلو الخبز إلى الضعف تقريبًا، وإخضاع نحو 70 سلعة جديدة لضريبة المبيعات، على رأسها المعلبات والبقوليات، إضافة إلى تعديل تعرفة الكهرباء.

تحاول الدولة إقناع المواطن بأن ربع موازنة الدولة تُدفع «لضيوف الأردن» من اللاجئين، وأن المجتمع الدولي تخلى عن مسؤولياته تجاه الأردن. ولا تخجل الحكومة من استخدم هذه السيمفونية لتسويق حلّها القائم على شعار (الدعم للمواطن وليس للسلع)، ويبدو هنا أنها تستسهل استخراج إبرة التخدير القديمة من جعبتها «الدعم لمستحقيه»، الذي قد يستمر لفترة ثم ينقطع ويغيب كما حصل إبان حكومة النسور، والكباريتي من قبلها.

في هذه الموازنة اتكأت الحكومة بشكل كبير على كلام الملك عن انتهاج سياسة الاعتماد على الذات، عندما قال في مقابلة مع وكالة الأنباء «بترا» في أيلول المنصرم: «لا بد أن يدرك الجميع أنه لن يقوم أحد بمساعدتنا إن لم نساعد أنفسنا أولًا».

وفي ضوء ذلك، صممت الحكومة موازنتها لجمع إيرادات بقيمة ثمانية مليارات و496 مليون دينار تقريبًا. سيدفع الناس 92% منها كإيرادات ضريبية وغير ضريبية، وسيبقى اعتماد الموازنة للعام الحالي على المنح الخارجية بقيمة 700 مليون دينار فقط، وبالتالي سيقل اعتماد الدولة على المنح الخارجية بقيمة 70 مليون دينار مقارنة بموازنة العام الماضي. فهل يعقل أن ترفع الحكومة الدعم عن الخبز، وتزيد الضريبة على السلع والخدمات لعدم قدرتها على تأمين 70 مليون دينار فقط؟

سيلمس الأردنيون أثر تمرير الموازنة بدءًا من شهر شباط القادم، بارتفاع سعر كيلو الخبز إلى الضعف تقريبًا

المفارقة في موازنة هذا العام أن مجموع نفقات الدولة زادت بنحو 445 مليون دينار عن موازنة العام الماضي، والسبب الرئيسي لهذا الارتفاع هو زيادة مخصصات الأجهزة العسكرية والأمنية -التي تصعب الرقابة عليها- بقيمة 209 مليون دينار، وهذا يناقض كلام الملك في إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية وتقليص الكلف بعد أن تغيرت عقيدتها إلى الحرب على الإرهاب. ما يهمني كمواطن هو صرف مخصصات الجهاز «للدفاع عن الوطن وأرضه» وحقوق ساكنيه في العيش بأمان، وليس للمشاركة في تحالفات عسكرية خارج حدود الوطن سواء في اليمن، أو سوريا، فعدا عن كلفها المالية غير المعلنة، تلاحقها وصمات انتهاك حقوق الإنسان، «قد ترقى بعضها إلى جرائم حرب».

إذا كانت الدولة حقًا تريد «حماية الطبقة الوسطى وفئات الدخل المحدودة، أثناء تطبيقها سياسة الاعتماد على الذات»، فعليها أن تضبط نفقات جهازها البيروقراطي المترهل، بدلًا من اللجوء إلى جيوب المواطنين المهترئة وتقليص النفقات الرأسمالية (مثل بناء المستشفيات والمدارس والشوارع) بقيمة 64 مليون دينار مقارنة بموازنة العام المنصرم.

لن نخوض هنا في تحليل أرقام الموازنة، فبعض أرقامها ألغام، ربما تدفع الدولة كلفتها، اجتماعيًا وسياسيًا، لكن السؤال هو كيف مرّر نواب الشعب مشروع الموازنة بعد بياتها لأكثر من شهر في أروقة مجلسهم؟ وكيف انفرط عقد العريضة التي وقع عليها 105 نواب بربط مناقشة الموازنة بتراجع الحكومة عن قراراتها برفع تعرفة الكهرباء، وزيادة أسعار الغاز؟

لم يعد سرًّا أنه بعد يوم واحد فقط من توقيع العريضة، جمع وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء ممدوح العبادي رئيس الحكومة هاني الملقي وبعض النواب على وليمة غداء في بيته، وبدأت مواقف النواب بالتغيّر، وِفق ما ألمح إليه عضو اللجنة المالية النائب موسى الوحش في مقابلة تلفزيونية معه: «بعد المنسف بدأت الأمور بالحلحلة».

ورغم مناقشة اللجنة المالية في المجلس لمشروع الموازنة في 67 لقاء مع مؤسسات الدولة، إلا أنها لم تكتب تقريرها بنفسها، ولم يسبق لأعضائها الاطلاع المسبق عليه، وخلافا للمنطق ومؤسسية العمل الديمقراطي، طلب رئيس اللجنة النائب أحمد الصفدي إقرار التقرير الواقع في 62 صفحة لحظة توزيعه على أعضاء اللجنة.

ومن هنا بدأ مسلسل تمرير الموازنة، حيث اجتمعت اللجنة في مكتب رئيس المجلس عاطف الطراونة، الذي حضر جزءًا من الاجتماع قال فيه «أنه أبلغ الإعلام والملك أن تقرير اللجنة المالية سيعرض يوم الثلاثاء» على المجلس، بحسب ما  نقل عنه النائب الوحش، الذي اتهم الطراونة في مداخلته تحت القبة بالضغط لتمرير الموازنة، قبل أن يقاطعه، ويحرمه من إتمام قراءة مخالفته على تقرير اللجنة المالية. ويبدو أن الطراونة فقد أدواته في إقناع النواب، إلا عبر «تخجيلهم» بذكر الملك أو الاختباء خلفه؛ وهذا الأسلوب يضرب محاولات بناء الديمقراطية تحت القبة وحق المعارضة بالتعبير في مقتل.

مشروع الموازنة ما كان له أن يمر لصالح الحكومة بسلام، دون إدارة رئيس المجلس لجلستي الموازنة بطريقة «شاذة»

وفي مشهد سريالي، سحب نائب رئيس اللجنة معتز أبو رمان مخالفته على تقريرها، عازيًا ذلك إلى «الوقوف في خندق واحد من أجل القدس». وخيّم موضوع القدس -الذي حظي بتوافق «علني» بين الشعب والنظام- على مناقشات النواب للموازنة، وأصبح مبررًا لدى بعضهم في الموافقة عليها بحجة ظرف القدس الاستثنائي وتبعاته على الأردن، خاصة بعد أن لوّحت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، بوقف أمريكا مساعدتها للدول التي صوتت ضد نقل سفارة بلادها إلى القدس المحتلة، ويبدو أن هذا ما وفر أرضية سهلة تماهى فيها خطاب 87% من الكتل النيابية مع القصر والحكومة للمطالبة بتبني سياسة الاعتماد على الذات، التي سيدفع المواطن كلفتها في النهاية.

ولا يمكن أن تبقى حجة الظروف الاستثنائية، سببًا في تأجيل آمال الشعب وأحلامه في حياة كريمة، وتمنع مناقشة جادة ومسؤولة للموازنة. الأردن الحديث منذ تأسيسه يعيش حالة استثنائية معقدة. فيما الظروف الاستثنائية تحتاج إلى حكومة ومؤسسة برلمانية استثنائيتين، مبدعتين في خلق الفرص وتجاوز التحديات، بعيدًا عن اللجوء إلى جيب المواطن كحل مستدام.

مشروع الموازنة ما كان له أن يمر لصالح الحكومة بسلام، دون إدارة رئيس المجلس لجلستي الموازنة بطريقة «شاذة»، فغض الطرف عن النصاب الذي تسرب من تحت القبة إلى أن وصل عدد النواب الحضور إلى 60 نائبا في تمام الساعة 12.30، كما بدأت الجلسة المسائية دون نصاب قانوني بحضور 47 نائبًا، وفقا لبيان راصد. ألا يعرف الرئيس أن الجلسة لا تعتبر قانونية إلا إذا حضرتها الأغلبية المطلقة من النواب وفقا لنص الدستور؟ وأستغرب، كيف يُنتهك الدستور في المؤسسة التي يجب أن تحميه وتصونه؟

وفي سابقة خطيرة في العمل النيابي الأردني، كرست إدارة الطراونة للجلسة سياسة إقصاء المخالفين لتوجهات الحكومة، إذ شكا النائب نبيل غيشان في مقابلة تلفزيونية معه، من أن الرئيس رفض تسجيل طلب نواب للكلام، وقال «كان لا يريد أن يعطيني الكلام»، وأظهر البث المباشرة للجلسة عزم الطراونة على  مناقشة الموازنة والتصويت عليها في الجلسة المسائية، على غير ما جرت العادة في استمرار مناقشتها لأيام.

يبدو أن لا أمل في مناقشة حقيقية للموازنة في الأردن؛ مادام المجلس بغرفتيه يُحرم من مناقشة «الثقوب السوداء» في بنود الموازنة، أو السؤال عنها أو الرقابة عليها، والدستور يمنع المجلس من زيادة النفقات وتعديلها أو اقتراح بنود جديدة، ومصنع القرار وأدواته يمسكان بخيوط اللعبة داخل البرلمان الضعيف.