«من جنس وسائل المبشرين»: أثر الإرساليات التبشيرية على العمل الاجتماعي الإخواني

الإمام حسن البنّا، تصميم مايا عامر

«من جنس وسائل المبشرين»: أثر الإرساليات التبشيرية على العمل الاجتماعي الإخواني

الإثنين 26 آذار 2018

هذا المقال هو الأول ضمن ملف، تنشره حبر بمناسبة مرور تسعين عامًا على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. ستنشر المقالات كل يوم إثنين على مدار الشهرين القادمين. 

لطالما انطلقت النصوص المؤرّخة لجماعة الإخوان المسلمين من بداياتها الاجتماعية، أي نشأتها ونشاطها الأول بوصفها حركة اجتماعية في الجوهر، قبل أن تكون حركة سياسية. فقد انطلقت الجماعة بفكرة تأسيسية مفادها أن إصلاح النظام السياسي مرهون بإصلاح المجتمع وتطوير النظام الاجتماعي1. وإلى جانب ذلك، فقد كرّست الجماعة في نظامها الداخلي فكرة الخدمة المجتمعية التي حضّت أعضاءها عليها، كواجب ديني وسبيل لتربية الشخصية2.

وحين يدور الحديث عن «إصلاح المجتمع» بوصفه غاية سعت الجماعة نحوها وكوّنت من أجلها شبكة من المؤسسات الاجتماعية، كثيرًا ما تكون نقطة البدء هي وصف حالة «الفساد» التي عمّت المجتمع المصري في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والتي اتسمت بـ«الطبقية الصارخة» التي «أنشأت نوعًا من الظلم الاجتماعي والإحساس بالقهر والذل»، وبـ«موجة انحلال أخلاقي» عمّت مختلف الشرائح، ولم تقتصر على «الشباب اللاهي الثري»، بحسب بعض مؤرخي الإخوان3.

لكن تصوير انطلاق الإخوان نحو العمل الاجتماعي على أنه مجرّد ردة فعل على «موجة انحلال أخلاقي» من جماعة غيورة على الدين يشوبه من التبسيط ما يمنع من فهم تأثير تلك المرحلة على الطريقة التي يمارس فيها الإخوان نشاطهم الاجتماعي منذ ذلك الحين، في مصر ولاحقًا في غيرها. فرغم أن أعضاء الإخوان وخصومهم متفقون على السمة «الدعوية» التي طبعت الجماعة منذ تأسيسها، إلّا أن ممارسة الجماعة للدعوة دُرست في الغالب فقط في سياق مقاصدها الدينية، لا في سياق تاريخي يتتبع آثار تلك المرحلة الاستعمارية على نهج الجماعة الاجتماعي.

في هذا الإطار، سيحاول هذا المقال دراسة العمل الاجتماعي الإخواني، وعلى نحو أخص، سيتناول كيف كانت سنوات الجماعة الأولى منذ تأسيسها عام 1928 في مدينة الإسماعيلية حاسمة في تشكيل منهجية الإخوان في العمل الاجتماعي من خلال اشتباكهم مع الإرساليات التبشيرية في مصر، وكيف تمتد بعض آثار تلك المرحلة حتى اليوم.

«كسب الأرواح من أجل المسيح»

في كتابها الصادر عام 2014 بعنوان «فضيحة اليتيمة: الإرساليات المسيحية وصعود الإخوان المسلمين»، تدرس الباحثة بيث بارون هذا التأثير بتتبع احتكاك الإخوان بالإرساليات التبشيرية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. في مقدمة تلك الإرساليات إرساليتان أمريكيتان وإرساليتان بريطانيتان وواحدة من كل من كندا وهولندا والسويد. وكانت هذه الإرساليات تعمل بنوع من التكاملية، وإن لم تكن مقصودة بالضرورة، فحين تأسس إحداهن محطة في منطقة معينة، فإن الأخريات «تحترمن» هذا التوزيع ولا تنشطن في المنطقة ذاتها4.

دار الصراع الأساسي بين الإخوان والتبشيريين، بحسب بارون، على «أجساد الأطفال المصريين وأرواحهم على قاعدة الرعاية الاجتماعية». فقد كان على هذه الإرساليات أن تفعل ما هو أكثر من التعريف بالدين من أجل التقرب من الناس، ورأت في رعاية الأطفال اليتامى فراغًا يمكنها ملؤه، وفرصة لـ«كسب الأرواح من أجل المسيح»، نظرًا إلى أن هؤلاء الأطفال كانوا «صفحات بيضاء يمكن إنقاذها»، إلى جانب أن محاولة «كسب أرواحهم» لم تتضمن صراعًا مع عائلات مترابطة. وكان هذا الفراغ أشد حضورًا في ما يخص اليتيمات، نظرًا إلى كون معظم الدور الحكومية أو التي تشرف عليها الدولة حوت من البنين أكثر من البنات، لذا كانت غالبية الدور التي أسستها الإرساليات خاصة بالبنات. وساعد في ذلك أن الإرساليات كانت مخولة قانونًا بتأسيس مؤسساتها الخاصة5.

جاءت المؤسسات الاجتماعية الأولى التي أسسها الأخوان كرد مباشر على النشاط التبشيري، في محاولة لمزاحمة الإرساليات على المساحات التي تحاول احتلالها

كانت هذه الدور في كثير من الحالات أكثر من مجرد مهاجع، فقد كانت مساحات متعددة الغايات بما يتسق مع الأدوار المختلفة التي لعبها التبشيريون الإنجيليون بوصفهم «نظراء في الدور، ومعلمين في المدارس، وممرضين وأطباء في العيادات والمستشفيات». في هذا الإطار، كما تظهر سجلات الدور التي كانت توثق الزيارات التي يقوم بها أقرباء اليتامى والزيارات التي كان يقوم بها الأطفال لهم في العطل المدرسية، كفّ الأقرباء عن الشعور بالحاجة للاستمرار في تفقدهم ورعايتهم، مطمئنين إلى أن الدار ستوفر لهم ليس فقط الرعاية الأساسية، بل التعليم والتدريب وربما فرصة مستقبلية للعمل6.

وإلى جانب الدُور، أسست الإرساليات كذلك مدارس عدة، كان كثير منها في مدن وبلدات صغيرة لم تكن فيها مدارس حكومية. ويذكر محمود عساف، وهو أحد الإخوان المقربين من البنا، أنه التحق بمدرسة «الأمريكان» كما يسميها، في بلدة أبو حماد في محافظة الشرقية، وكانت آنذاك المدرسة الوحيدة فيها. كما أنها كانت تهتم بتعليم اللغة الإنجليزية، وهو سبب التحاقه بها7. ويقول إن المدرسة كانت تمولها إرسالية في أسيوط، هي على الأغلب الإرسالية الأمريكية المشيخية المتحدة، التي كان مقرها في أسيوط، وكانت قد أسست فيها كذلك دارًا للأيتام8. ويروي عساف ذكرياته في المدرسة قائلًا: «التحقت بهذه المدرسة في إجازة الصيف وعمري 6 سنوات. (..) في الصباح، كان الناظر فريد أفندي يصلي بنا صلاة المسيحيين -ونحن لا نفقه شيئًا مما يقول- ثم يوزع علينا صورًا ملونة للقديسين أو للعذراء تحمل المسيح، وكنا نلعب بهذه الصور». وعمل في المدرسة بحسبه بعض المدرسات الأجنبيات، لكن معظم المدرسين كانوا مصريين من أقباط أسيوط حيث مقر الإرسالية، وكانوا يجيئون إلى أبو حماد من هناك «ويتميزون باللهجة الصعيدية التي كانت تجعلنا نتندر عليهم»9.

المبشرة ليليان تراشر في دار أسيوط للأيتام، عشرينيات القرن الماضي

فتيات في ملجأ فاولر للأيتام، القاهرة، ١٩٠٧

ورغم أن احتكاك الإرساليات بالمسلمين نال النصيب الأكبر من التوثيق والضجة، إلا أنه من المهم هنا الإشارة إلى أن بعض الإرساليات البروتستانتية استهدفت الأقباط الأرثذوكس أكثر من المسلمين، فالإرسالية الأمريكية سابقة الذكر ركزت على الأقباط وحدهم تقريبًا في أسيوط، رغم أنها كانت تتأمل أن يفتح هؤلاء الباب لها لاحقًا للتركيز على المسلمين. ونجحت الإرسالية في تحويل عدد صغير لكن مؤثر من أبناء نخبة أسيوط القبطية إلى البروتستانتية الإنجيلية، ليؤسسوا فيها كنيسة إنجيلية عام 1870. 10 وكانت الإرساليات بشكل عام أشد نجاحًا في تحويل ديانة بعض الأقباط مما كانت مع المسلمين. فرغم أن بعض مؤرخي الإخوان تحدثوا بحمية شديدة عن محاولات المبشرين تحويل بعض الأطفال -تحديدًا الفتيات- للمسيحية، وعن أن الناس «كادوا يفقدون إيمانهم»، إلا أنهم أكدوا في الوقت نفسه أن الإرساليات «لم تكن ذات أثر يذكر في نتائجها من ناحية تكفير المسلمين»11.

المحمودية والنواة الأولى

في هذا السياق ولدت التجمعات الأولى للإخوان في منطقة قناة السويس التي كانت موقع القاعدة العسكرية للجيش البريطاني، وكان نشاط الإرساليات فيها مكثفًا منذ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 وحظيت فيها بحرية كبيرة في ممارسة التبشير، وإن كانت قد بدأته قبل ذلك. ففي قرية المحمودية، مسقط رأس حسن البنا مؤسس الجماعة، أسست «إرسالية مصر العامة» البريطانية فرعًا لها عام 1923، ومارست لسنوات ما أسماه رئيسها جورج سوان «الإنجيلية الشرسة» كجزء من «مخطط لتحويل وادي النيل سريعًا للإنجيلية»12.

في المحمودية أيضًا أسس البنا مع صديقه أحمد أفندي السكري «جمعية الحصافية الخيرية» التي شكلت النواة الأولى لـ«جمعية الإخوان المسلمين». وعملت جمعية الحصافية في ميدانين أساسيين هما «نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المنكرات والمحرمات الفاشية كالخمر والقمار وبدع المآتم»، و«مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلى المحمودية واستقرت فيها وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات»13.

جاءت المؤسسات الاجتماعية الأولى التي أسسها الإخوان كرد مباشر على النشاط التبشيري، في محاولة لمزاحمة الإرساليات على المساحات التي تحاول احتلالها. هذا التفاعل لا يمكن اختزاله في استخدام الإخوان للنشاط التبشيري كمادة للحشد والتعبئة، فقد وفرت الإرساليات للإخوان نموذجًا ممتازًا للتنظيم والعمل استعاروا منه الكثير من التكتيكات والأساليب، معيدين تشكيلها في إطار إسلامي. فردوا على المدرسة الإنجيلية بمدرسة إسلامية، وعلى الورشة بمشغل، وعلى العيادة بعيادة مقابلة، مكونين بذلك شبكة الرعاية الاجتماعية الخاصة بهم، مؤسسة تلو الأخرى14.

لم يكن هذا التأثر أمرًا أخفاه الإخوان في أدبياتهم، إذ يقول حسن البنا في مذكراته: «لا ندري أمن حسن الحظ أو سوئه أن كان بجوار مراكز جمعيات الإخوان المسلمين في القطر المصري مراكز للتبشير (..) وكان طبيعيًا أن يحدث الاحتكاك بين الهيئتين باعتبار إحداهما تدافع عن الإسلام، والثانية تعتدي عليه، إلا أن حضرات القائمين بالشؤون الإدارية في جمعيات الإخوان المسلمين اعتصموا بالحلم، واستمسكوا بالحكمة، وناضلوا بالتي هي أحسن، والتزموا دائمًا موقف المدافع لا المهاجم، واعتمدوا في خطتهم دعامتين صامدتين: أولاهما إفهام الشعب ما يستهدف له من الخطر بالاتصال بالإرساليات التبشيرية، وثانيتهما: الوسائل العملية من جنس وسائل المبشرين»15. وعلى ذلك يشهد العديد من نشاطات الإخوان في سنواتهم الأولى.

مدرسة مقابل المدرسة، مشغل مقابل الورشة

تتحدث بيث بارون عن أسلوب الدعوة في المقاهي والنوادي والأسواق، الذي كثيرًا ما تذكره أدبيات الإخوان بوصفه مؤشرًا على فهم الجماعة لضرورة الذهاب إلى الناس حيث هم، لا انتظار مجيئهم إلى الدعاة، متتبعةً تأثر الإخوان فيه بالإرسالية البريطانية. ففي قرية أبو صوير قرب الإسماعيلية، نشطت إرسالية مصر العامة التي حاولت إعادة خلق أجواء «لقاءات التجديد» (Revival Meetings)، وهي لقاءات وعظية إنجيلية عادة ما تُلقى ضمن فعاليات أشبه بالمخيمات تمتد على عدة أيام، تستهدف استقطاب أبناء الكنيسة للتدين أو تحويل غيرهم إليها، وكثيرًا ما يتخللها مشاهد تفسر على أنها «نزول وحي» ما يلهم التابعين للهداية. كانت الكنيسة الإنجيلية تقيم هذه اللقاءات في الهواء الطلق في بريطانيا ولاقت نجاحًا في جذب الحشود، لكن نظرًا إلى أن مثل هذه النشاطات كانت ممنوعة في مصر، فقد توجه الإنجيليون إلى الوعظ في الشوارع والأسواق والقاعات العامة12. متبنين هذا الأسلوب، شكل الإخوان فرقًا جوالة تنقلت بين القرى لتعريف الناس بالإخوان ودعوتهم إلى التدين وتحذيرهم من التعامل مع المبشرين، ولعل «رحلات الدعوة» التي وثقها البنا في مذكراتها أحد أبرز الأمثلة على ذلك17.

وفرت الإرساليات للإخوان نموذجًا ممتازًا للتنظيم والعمل استعاروا منه الكثير من التكتيكات والأساليب، معيدين تشكيلها في إطار إسلامي

كانت المدارس الإسلامية مثالًا واضحًا على محاكاة الإخوان للأساليب التي وظّفتها الإرساليات وعلى منافستهم لها على المساحة ذاتها. فقد أسس الإخوان في الإسماعيلية عام 1931 «معهد حراء الإسلامي» للبنين الذي تطور لاحقًا إلى مدرسة ابتدائية. ويتحدث حسن البنا في مذكراته عن تأثير مفكرين تربويين أوروبيين على الخطة التي وُضعت لمعهد حراء، فيقول: «تم بناء المدرسة فوق بناء مسجد الإخوان، وكنت إذ ذاك حديث عهد بما درسناه من المثل العليا في التربية والمربين. ولا زالت صورة بستالوتزي 18 في مدارسه (..) وصورة فروبل19 في مدرسة جريشم وكيلهو (..) وطرق هربارت20 ومنتسوري21 في صناعة التعليم لا تزال تتراءى في الذهن غضة طرية، لكن في وضع جديد يتناسب مع الميول الإسلامية والآمال الإسلامية التي ركزتها النشأة وغذّتها الدعوة»22. ويعزو البنا إقبال الناس على المعهد إلى «طرائق التعليم المبتكرة» التي اعتمدها، إذ كان كثير من الدروس «يلقى في الهواء الطلق وبين خمائل الإسماعيلية»، و«كان للتلاميذ حرية واسعة في أن يصارحوا المدرسين بكل ما يدور في أنفسهم من تعب أو إرهاق أو خواطر»23.

تلت المعهد «مدرسة أمهات المؤمنين» للبنات التي أسست في الإسماعيلية عام 1932 والتي وضع الإخوان لها منهجًا «يجمع بين آداب الإسلام ومفاهيم العصر»، وألحقوا بها قسمًا للأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان ونساء أقربائهم24. هدفت المدرسة، كما تنقل بارون عن أحد الإخوان، إلى توفير ملجأ بديل للفتيات اللاتي كن مقيمات في دور الإرساليات ويذهبن إلى مدارسها. كما هدف قسم الأخوات المسلمات في المدرسة إلى محاربة تأثير نساء الإرساليات عبر زيارة المنازل بانتظام لتحذير الناس من خطرهن، وبالأخص من سمّين «نساء الإنجيل» التابعات لإرسالية مصر العامة البريطانية، اللاتي كانت وظيفتهن، كما جاء على لسان إحداهن، تتمثل في «زيارة منازل الناس بإخلاص، حاملاتٍ البشارة»25.

في عام 1933، تتالت عدة فضائح حول محاولات دور الإرساليات، وبالأخص إرسالية السلام البروتستانتية السويدية، تحويل ديانة عدد من بنات إحدى المدارس التابعة للإرسالية في بلدة المنزلة في محافظة الدقهلية، كانت بعضهن قد أُدخلن إليها سرًا وأخفين فيها26. كانت تلك الحالات حاسمة في تكريس موقع الإخوان كأشد مناهضي التبشير كفاءةً وحماسة. ففي شباط من ذلك العام، رفع فرع جمعية الإخوان المسلمين في المنزلة تقريرًا إلى مكتب الإرشاد العام، حول «إنقاذ فتاة حاولت مدرسة السلام تنصيرها»، ويذكر التقرير أن الفتاة ليست يتيمة، وأن عائلتها أرسلتها إلى تلك المدرسة الداخلية لأنها لم تكن تقدر على إعالتها، كما أن الفتاة كانت قد حازت على شهادة الدراسة الابتدائية واشتغلت معلمة داخل المدرسة، وأشاعت رئيسة المدرسة أنها «قررت [منح] جنيهين للفتاة مرتبًا شهريًا يدفع لأهلها بينما هي داخل المدرسة لا تكلف أبويها شيئًا من نفقات معيشتها». كما يذكر التقرير أن وفدًا من الإخوان ذهب إلى أهل الفتاة لإقناعهم بسحبها من المدرسة، لكنهم لم يقتنعوا في البداية «لشدة ما أصابهم من تغاضي المسلمين عن حالهم»، ليجمع فرع الجمعية المال لأهل الفتاة ويسحبها والدها من المدرسة27.

كان الإخوان مدركين لضرورة توفير مخارج عملية للناس قبل مطالبتهم بالتخلي عمّا تقدمه الإرساليات أو بالالتزام بالديني.

لحقت بهذه الفتاة فتاة أخرى من بورسعيد اسمها أفكار منصور، أُخرجت من المدرسة بمعونة الإخوان، لتدلهم بعدها على أربع فتيات أخريات «تم تهريبهن» سرًا من بورسعيد إلى مدرسة السلام في المنزلة، وإبقاؤهن في مخبأ فيها. وفي الشهر ذاته تم تأسيس «مشغل الإخوان المسلمين» الذي أدخلت إليه هذه الفتيات ثم ازداد عدد التلميذات فيه ليصل المئة، وكان نائب فرع الجمعية في المنزلة يخصص لهن دروسًا دينية كل يوم بعد انتهاء الحصص28.

بعد ثمانية أعوام على هذه الحادثة، أقام الإخوان «تجربة» تعكس مدى تأثرهم ببعض تلك التكتيكات. ففي قرية ميت خاقان في محافظة المنوفية عام 1941، باشر فرج النجار بتنفيذ فكرة «تقوم على تربية الأطفال على الفكرة الإسلامية منذ الصغر والتواصل مع أهلهم»، بعدما كان رافق البنا في إحدى رحلاته عندما كان يقيم في الإسماعيلية، وشاهد «كيف يعامل الإمام الشهيد الأطفال ويبث فيهم الروح والآداب الإسلامية». تواصل النجار مع صرّاف القرية طالبًا منه كشفًا بأسماء مواليد القرية لتلك السنة وعناوينهم، مقابل مبلغ مالي، ليحصل على كشف بأسماء ٤٣٠ طفلًا، ويقسمّه على أعضاء فرع الإخوان في القرية حسب الأحياء التي يوجد فيها المواليد، ويزودهم بتعليمات للتواصل مع أهل المولود: «تذهب إلى عنوان المولود وتطرق الباب وعندما يخرج إليك أحد تخبره بأن الإخوان المسلمين حضروا ليسألوا عن المولود. إذا كانت أسرة المولود في حاجة ما، يجب إخبار الإخوان ليقوموا بواجبهم نحوهم، سواء كانت هذه الحاجة صحية أو مرضية مع إعطائهم عنوان دار الإخوان المسلمين بميت خاقان، شعبة الشيخ بكري»29.

تجاوب الأهالي بشكل كبير مع هذه الزيارات، التي دفعتهم للسؤال والتعرف على الإخوان المسلمين، إذ كان بعضهم يظن أن الإخوان مصلحة حكومية. ودفع ذلك الإخوان إلى عمل نشرة شهرية فيها مبادئ الإخوان المسلمين وغاياتهم، يوزعونها مع بعض الهدايا إلى كل مولود. وتوسع هذا النشاط لدرجة أن الجماعة أنشأت في القرية قسمًا للخياطين لحياكة الملابس التي كان يحتاجها المواليد تطوعًا. وبعد سنوات، حين صار هؤلاء المواليد صبيانًا أشركهم الإخوان في الأنشطة الرياضية حسب أعمارهم ودرّبوهم على أعمال الكشافة، فضلًا عن التعليم والتربية الدينية30.

مدرسة إرسالية السلام السويدية في بورسعيد، عشرينيات القرن الماضي

مدرسة إرسالية السلام السويدية في بورسعيد، في عشرينيات القرن الماضي

«دعاية طيبة»

كان الإخوان، كما تشهد هذه الأمثلة، مدركين لضرورة توفير مخارج عملية للناس قبل مطالبتهم بالتخلي عمّا تقدمه الإرساليات أو بالالتزام بالديني. ولعل «بيت التائبات» الذي فتحه الإخوان في الإسماعيلية دليل أوضح على مدى تجاوبهم مع هذه الضرورة، بعيدًا عن المحاكمة الأخلاقية، في تلك المرحلة على الأقل. فبُعيد تأسيس جمعية الإخوان المسلمين رسميًا في المدينة، بحث الإخوان عن قطعة أرض لشرائها لتكون مقر أول مسجد للإخوان (ومقرًا لمعهد حراء الإسلامي بعد ذلك). وحين وجدوا قطعة مناسبة، اعترض أحد الأعضاء على شرائها نظرًا لكونها قريبة من منطقة تنتشر فيها الدعارة التي كانت مرخصة في ذلك الحين، لكن البنا أصرّ عليها قائلًا «إن هذا البلد بلد إسلامي لا يستطيع أي إنسان أن يبعدنا عن أي جزء منه وإننا بعون الله سنقضي على هذه البؤرة من الفساد»، ووضع الإخوان حجر الأساس لبناء المسجد في ذلك الحي 31عام 1929.

وكما يروي جمعة أمين عبد العزيز، «المؤرخ الرسمي» للجماعة وأحد مفكريها، بعد أن افتُتح المسجد، نشر الإخوان فيه التعاليم الدينية وابتعد الكثيرون عن بيوت الدعارة، مما دفع النساء العاملات في تلك البيوت إلى تكوين وفد منهن، «وذهبن إلى الأستاذ البنا يتشكين له وقف الحال وضيق الرزق، حيث قل الطلب عليهن بعد تدين أهل الحي والتزامهم بالإسلام، فاقترح عليهن الإمام الشهيد أن يتبن، ويمتهن مهنًا شريفة، على أن يستأجر لهن مبنى مستقلًا تلتحق به كل من تتوب إلى الله تعالى وليس لها عائل، فتوافد عليه كثيرات ممن تاب الله عليهن. وقد وفق الله الكثيرات منهن فتزوجن وأصبحت ربات بيوت صالحات، ومن لم تتزوج تعلمت الخياطة والتفصيل أو فن الطهي أو تربية الأولاد»32.

وقد أكد البنا على هذا النهج في رسالة وجهها إلى محمد شاهين باشا، رئيس اللجنة الحكومية التي وُضعت لبحث مسألة الدعارة المرخصة، ونشرت في مجلة الفتح عام 1932. إذ طالب البنا بقوة بإلغائها، مقترحًا في حال تم ذلك أن يحاط قرار الإلغاء «بجوّ من الدعاية الطيبة تجعل الشعب ينظر إلى هؤلاء البغايا كبائسات أوقعهن الحظ السيء في هذا الإثم، لا فاجرات يتاجرن بأعراضهن ويأكلن بثديهن، ليكون ذلك مدعاة إلى عطف الشعب عليهن رحمةً لهن»، وأن «تقوم الحكومة بعمل ملاجئ لهن» وأن تؤلَّف «لجان من أهل الخير في كل منطقة بغاء لمعاونة البغايا بعد التوبة والنظر في شأنهن»33.

تجدر الإشارة إلى أن كل هذه الخدمات التي تطلبت بلا شك مبالغ طائلة من المال تم تمويلها بمساهمات الإخوان أنفسهم. فإلى جانب نظام الاشتراكات الذي كان مطبقًا على جميع الأعضاء وإلى الزكاة الواجبة على الجميع، تبنى الإخوان عام 1938 نظامًا اقترحه الأمين العام للجماعة في ذلك الوقت، عبد الحكيم عابدين، وأقره البنا، تعين بموجبه نسبة من الدخل تسمى «سهم الدعوة»، لا تقل عن الثلث في حالة المرشد العام وعن الخُمس في حالة باقي الأعضاء، ويتم إخراجها بشكل منتظم من دخل العضو، ليكتسب بذلك حق التسجيل في «قوائم الرعيل الأول» للجماعة. ويقول عابدين في معرض دفاعه عن هذا النظام: «على هذه الأركان يجب أن نبني السياسة المالية للإخوان، وبهذا الميزان ينبغي أن نحدد درجات الإيمان»34.

ما لا تفرزه العقيدة وحدها

ختامًا، لعل من الواجب هنا القول إن هذا العرض التاريخي يسعى لفهم الظروف التي تشكلت فيها أساليب العمل الاجتماعي للإخوان المسلمين، ولا ينبغي فهمه بأي حال بوصفه إدانةً لهذا العمل. فالخدمات والرعاية التي قدمها الإخوان منذ تلك المرحلة وحتى اليوم كانت بلا شك خدمات احتاجها الناس في وقت امتنعت الدولة فيه عن تقديمها، أو فشلت في ذلك، أو قدمت خدمات موازية لها لم تساوها في الجودة والكفاءة في كثير من الأحيان35، إضافة إلى أن توفير الجماعة للخدمات الاجتماعية كان في معظم الحالات يتم دون تمييز، ودون حاجة إلى اجتياز اختبار أيديولوجي أو إظهار الولاء، حتى وإن كانت الجماعة ترى في شبكتها من المؤسسات الاجتماعية قاعدة لاستقطاب المؤيدين وبث تصوراتها الاجتماعية36.

ما هو مهم في دراسة هذه الظروف هو تأكيد أن الطريقة التي يمارَس بها هذا العمل ليست مجرد انعكاس تلقائي لقيم دينية أو أجندة سياسية يحملها الإخوان. فهذه العناصر قد تفسر النية من وراء تقديم هذه الخدمات، ودافعية الأعضاء في المشاركة في ذلك، لكنها غير كافية وحدها لتفسير التكتيكات والطرق التي تقدم من خلالها. فهذه تنشأ بالتفاعل الحي مع مجتمع ذي تركيب محدد في مرحلة تاريخية ذات خواص محددة، لا كتحصيل حاصل لجوهر عقيدي ثابت يفرز أدواته ووسائله بشكل طبيعي.

ولا شك أن ذلك يمتد أيضًا إلى ما استعرضه هذا المقال. فأساليب العمل الاجتماعي المذكورة، التي حاكى فيها الإخوان الإرساليات التي حاربوها، هي ابنة تلك المرحلة الاستعمارية. ورغم أن العديد منها ظل حاضرًا بوضوح، إلا أن تحولات هذا العمل خلال الحقبة الناصرية التي قُمع الإخوان فيها، ثم عصر «الانفتاح» الاقتصادي و«التأسيس الثاني» للجماعة، ثم توسع شبكتها الاجتماعية في عهد مبارك، وصولًا إلى الثورة وحكومة الإخوان، ثم انقلاب السيسي والانقضاض على مؤسسات الإخوان الاجتماعية وغيرها؛ كل ذلك يتطلب تتبعًا حثيثًا يحتاج دراسات أخرى تبدو الحاجة لها ملحة اليوم، في ظل أسئلة ما بعد الانقلاب عن مدى استدامة أي شبكات من هذا النوع طالما بقيت على هامش النظام، ودون تحقيق تغيير في بنى السلطة القادرة على الانقضاض عليها في أية لحظة، وعن الفراغ الذي خلفته بالنسبة للآلاف ممن اعتمدوا على خدماتها، ومدى قدرتهم على الاستمرار وإيجاد البدائل.

  • المراجع

    1- عمّار فايد، «هل القضاء على أنشطة الإخوان الاجتماعية في مصر يدفع الجماعة إلى العنف؟»، معهد بروكنجز، ٢٠١٦. http://brook.gs/2bKdw6v

    2- عمرو دراج، «الإخوان المسلمون والخدمات الاجتماعية: سياسة أم تدين؟»، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، ٢٠١٦. https://eipss-eg.org/?p=7529

    3- جمعة أمين عبد العزيز، «أوراق من تاريخ الاخوان المسلمين، الكتاب الأول: ظروف النشأة وشخصية الامام المؤسس»، دار النشر الإسلامية، القاهرة، ٢٠٠٣، ص ٦٦، ٨٢.

    4- Beth Baron. «The Orphan Scandal: Christian Missionaries and the Rise of the Muslim Brotherhood.» Stanford University Press, Stanford, California, 2014, chapter 1.

    5- Ibid, chapter 1 and 2.

    6- Ibid.

    7- محمود عساف، «مع الإمام الشهيد حسن البنا»، مكتبة عين شمس، القاهرة، ١٩٩٣، ص ٣١٥.

    8- Baron, chapter 3.

    9- عساف، مرجع سابق، ٣١٦.

    10- Baron, chapter 3.

    11- عبد العزيز، مرجع سابق، ص ٧٤.

    12- Ibid, chapter 5.

    13- عبد العزيز، مرجع سابق، ص ٧٦.

    14- Baron, chapter 5.

    15- حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، مكتبة آفاق، الكويت، ٢٠١٢. ص ١٨٦.

    16- Baron, chapter 5.

    17- البنا، مرجع سابق، ص ٢٩٨.

    18- يوهان هاينريش بستالوتزي (١٧٤٦ – ١٨٢٧)، تربوي سويسري ومصلح تعليمي.

    19- فريديريك فروبل (١٧٨٢ – ١٨٥٢)، تربوي ألماني، أوجد فكرة رياض الأطفال. الاسم في النص الأصلي يرد «فرويل»، وأغلب الظن أنه خطأ مطبعي.

    20- يوهان فريدريك هربارت (١٧٧٦ – ١٨٤١) فيلسوف وعالم نفس ألماني، ومؤسس علم التربية كفرع أكاديمي.

    21- ماريا منتيسوري (١٨٧٠ – ١٩٥٢)، مربية وفيلسوفة وطبيبة وعالمة إيطالية. الاسم في النص الأصلي يرد «ينتسوري» وأغلب الظن أنه خطأ مطبعي.

    22- البنا، مرجع سابق، ص ١٠٩.

    23- المرجع السابق، ١١٠.

    24- علي عبد الحليم محمود، «وسائل التربية عند الإخوان المسلمين: دراسة تحليلية تاريخية»، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، الطبعة الرابعة، ١٩٩٠، ص ٥١.

    25- Baron, chapter 5.

    26- Baron, chapter 5.

    27- البنا، مرجع سابق، ص ١٨٨.

    28- البنا، مرجع سابق، ص ١٩١.

    29- جمعة أمين عبد العزيز، «أوراق من تاريخ الاخوان المسلمين، الكتاب الرابع: مرحلة التكوين، البناء الداخلي، ١٩٣٨ – ١٩٤٣»، دار النشر الإسلامية، القاهرة، ٢٠٠٣، ص ٤٠١ – ٤٠٢.

    30- المرجع السابق، ص ٤٠٢ – ٤٠٣.

    31- جمعة أمين عبد العزيز، «أوراق من تاريخ الاخوان المسلمين، الكتاب الثاني: بدايات التأسيس والتعريف، البناء الداخلي، ١٩٢٨ – ١٩٣٨»، دار النشر الإسلامية، القاهرة، ٢٠٠٣، ص ٥٢.

    32- المرجع السابق، ص ٥٣.

    33- حسن البنا، «البغاء الرسمي، مذكرة جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية»، مجلة الفتح، العدد ٣٠٤، السنة السابعة، ٢ ربيع الثاني ١٣٥١هـ  الموافق ٤ أغسطس ١٩٣٢م. مؤرشف في موقع «إخوان ويكي»، https://goo.gl/cJmZe6

    34- عبد العزيز، «أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الرابع»، مرجع سابق، ص ١٠٦ – ١٢١.

    35-  Steven Brooke, «The Muslim Brotherhood’s social outreach after the Egyptian coup,» Brookings Institution, August 2015, https://goo.gl/ZbQcR9

    36- دراج، مرجع سابق.