بعد أحداث باريس: الخصوصية ضحية للإرهاب أيضًا

الخميس 17 كانون الأول 2015

انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة تصريح للروائي الإيطالي إمبرتو إيكو يقول فيه: «إن وسائل التواصل الاجتماعي تعطي مجموعات من الحمقى حق التعبير، في حين أنهم كانوا يتحدثون في الحانات بعد كأس من النبيذ دون إيذاء المجتمع، ثم بعدها يُخرَسون. لكنهم الآن يمتلكون الحق في التعبير نفسه الذي يمتلكه حامل لجائزة نوبل. إنه غزو الحمقى».

لا يبدو هذا التصريح غريبًا. منذ بدايات الإنترنت، أداة المساواة التي جعلت لمختلف البشر صوتًا، نجد أن السلطوية والنخبة الثقافية، أمثال إيكو، تحارب هذا الفضاء، وتسعى لتقليص دوره.

استهداف الخصوصية

كانت خصوصية المستخدمين على الشبكة، واحدة من أبرز ضحايا الهجمات المتكررة على حرية الإنترنت، وخصوصًا بعد الهجمات الإرهابية التي طالت مدنًا غربية مؤخرًا، حيث تصاعدت الأصوات المنادية بمراقبة الإعلام الرقمي والمواد المنشورة والمتداولة على الشبكة. وكان من بين هؤلاء الداعين لرقابة أكثر على الإنترنت والمحتوى الرقمي النائب السابق لمدير وكالة المخابرات المركزية CIA، والذي صرّح بأن الجماعات الإرهابية تستخدم التطبيقات المُشفِّرة للتواصل والتخطيط.

ويمكن الرد على هذا النوع من المزاعم بنتائج الدراسة التي أجراها شركاء شركة فلاشبوينت للأمن عام 2014، والتي تبيّن أن سلوك الجهاديين، حسب الاستخدام الغربي للمصطلح، لم يتغيّر بعد الفضيحة التي فجّرها إدوارد سنودن بتسريباته. وبحسب العديد من التقارير الصحفية، فإنه لا يوجد دليل قاطع على أن منفذي هجمات باريس الأخيرة قد استعملوا تطبيقات إلكترونية، مشفرة أو غير مشفرة. ورغم المراقبة المستمرة، لم يتم إيقاف العديد من العمليات التي استهدفت أماكن مختلفة في العالم. وهو الأمر الذي يقودنا إلى استنتاج أن الرقابة على الإنترنت غير مجدية في محاربة «الإرهاب»، ولا تهدد في معظم الوقت إلّا خصوصية المواطن العادي.

يقول الناشط في مجال الحفاظ على الخصوصية عبر الإنترنت رامي رؤوف في حديثه لحبر:«إذا استخدمت مجموعة مجرمين سيارات تويوتا لتفجير ساحة عامة، وخطوط فوداون للتواصل بينهم، هذا لا يعني أنه يجب على شركة تويوتا تتبّع عملائها أو التوقف عن بيع السيارات ونفس الأمر ينطبق على شركة فودافون».

يتابع رؤوف أن أدوات التواصل يتم استخدامها من قِبل كل الأطراف، سواء كانوا موظفي إنفاذ القانون، أو مجرمين أو صحفيين أو غيرهم من أفراد المجتمع. «لا يجب أن يكون إخفاق الدولة في حماية المواطنين والتصدي للجريمة مبررًا للهجمة على وسائل الاتصالات. ويجب إدراك أن التوسع في الحلول الأمنية والقمعية في مواجهة مشكلات مجتمعية مثل الأعمال التي تصنّف على أنها إرهابية ليس هو الحل. مصر شهدت أعمال إجرامية عديدة مؤخرًا في أماكن مختلفة تشهد أشكال مختلفة من المراقبة باستخدام الكاميرات وتقنيات أخرى ومع ذلك وقعت الأعمال الإجرامية».

لا أخلاقية الدولة الحديثة

يمكن فهم إصرار الدولة على مراقبة محتوى الشبكة من خلال فهم طبيعة الدولة الحديثة. تميل الدولة الحديثة، حسب تعريف وائل حلاق في كتاب الدولة المستحيلة، للمحافظة على نفسها بشتّى الطرق، وحتى إن عنى هذا، أحيانًا، الخروج على النطاق الذي حدّدته لنفسها مسبقًا، وهو الديمقراطية في حالة الدول الأوروبية.

إذا استخدمت مجموعة مجرمين سيارات تويوتا لتفجير ساحة عامة، وخطوط فوداون للتواصل بينهم، هذا لا يعني أنه يجب على شركة تويوتا تتبّع عملائها أو التوقف عن بيع السيارات ونفس الأمر ينطبق على شركة فودافون

ويعبّر هذا عن «إرادة السيادة» لدى الدولة، التي تعبّر بدورها عن غاية الدولة التي هي نفسها. الدولة توجد من أجل أن تظلّ موجودة، حسب حلاق، وبسبب طابع التماسك العضويّ للمجتمعات الحديثة، الميّال للنظام، حسب إميل دوركهايم. ولذا تفضّل الدولة مجتمعًا ذا تصرّفات سهلة التوقّع (predictable)، حتى تمارس عليه سيادتها واقتصادها الذي يُحبّذ بدوره مستهلكين يسهُل توقع رغباتهم. والتكنولوجيا وسيلة ممتازة لجعل المجتمع كذلك.

ولدى جمع ملاحظتي حلاق ودوركهايم، نستطيع فهم رغبة الدول في مراقبة الإنترنت بشكل أوسع؛ إن التطور التقني الهائل فتحَ فضاءً جديدًا تمامًا. حياة أخرى جديدة، رقمية، لها سياستها الناظمة، وحتى اقتصادها الخاص. والدولة، بحكم طبيعتها، ولأنها تهدف لخدمة نفسها أولًا، تريد فرض سيادتها في ذلك الفضاء الذي يهددها، اعتمادًا على التطوّر التقني نفسه. أي من داخله.

إن تلك المعرفة، أو سلطة المعرفة، التي تنشأ لدى الدولة من خلال المراقبة، ستساعدها في ممارسة وظيفة أخرى هي «إنتاج رعيّة» يؤمنون بشرعية الدولة وبأنها الحق ويطبقون هذا الإيمان على أرض الواقع، وعلى الإنترنت كفضاء ممارسة آخر. إن الدولة التي تسيّر المجتمع وتشكّله بأدوات مثل السياسات الاقتصادية، والتعليم، والتغييرات في قوانين الأحوال الشخصية، والأسرة، والرعاية الصحية، تنتج رعاياها الخاصين بها، الذين يسيرون وفق ما تريده هي، لتنتج المواطن الذي يشبه الدولة. والدولة هنا مبدأ ناظم للجماعة، وطريقة حكم.

 إذًا، لن يكون منطقيًّا أن تفوّت الدولة حدثًا مثل العمليات الإرهابية لأنها تشعر المواطنين بحاجتهم الماسة للدولة، ولذا تقوم الدولة بهضم الإرهاب وإعادة تدويره عن طريق إرهاب المجتمع وتخويفه من أن القادم سيكون صعبًا وأكثر دمويّة دون قبضة أمنية ورقابية أقسى. كل هذا يتم من أجل تمرير قوانين يعارضها المجتمع، قوانين ستساعد الدولة على ممارسة ما تنطوي عليه بنيويًّا. ومن بين هذه القوانين تلك التي يقترحها بين الحين والآخر مسؤولون أمريكيّون وبريطانيّون قوانين تتيح مراقبة محتوى الشبكة بأكمله.

التشفير كخط دفاع أخير

إن النقاش حول التطبيقات التي تستخدم تقنيات تشفير متطوّرة على أشدّه، بالأخص بعد العمليات الإرهابية التي حصلت مؤخرًا. ويدّعي كثيرون أن الجماعات الإرهابية تستخدم وسائل تواصل مشفّرة للتخطيط لعملياتها، مما أدى لاقتراحهم عدة وسائل للمراقبة مثل إلزام الشركات التكنولوجية بحفظ الرسائل التي يرسلها عملاؤها من خلال شبكاتها، مما يعني توفّر المادة التي سيعمل عليها موظفو فك الشيفرات الحكوميون، وإلزام الشركات أن تفكّ الشيفرة التي تستخدمها عندما يتم إخطارها بمذكّرة قضائية. وعلى هذه الشركات أن تمتنع عن بيع تطبيقات تشفّر الرسائل بطريقة لا يمكن فكّها من قبل الشركة نفسها. وأخيرًا، أن على الشركات التي تروّج للتشفير، تصميم برامجها بثغرات ضمنية تمكّن الشرطة من فك الشيفرات بأنفسهم.

التشفير اليوم جزء لا يتجزأ من مستقبل الشبكة. إنه ضمانتنا لاستخدام آمن، وبيانات محميّة من أعين الآخرين

التشفير اليوم جزء لا يتجزأ من مستقبل الشبكة. إنه ضمانتنا لاستخدام آمن، وبيانات محميّة من أعين الآخرين؛ الشركات والحكومات وغيرهم. الشركات حول العالم مستمرة في نهج استخدام نظم التشفير في معاملاتها رغم توصيات الحكومات بتجنبه. ولو قررت الشركات التي تتاجر بتطبيقات التشفير الانصياع لتلك التوصيات فإنها تغامر بمستقبلها، ومستقبل الملايين حول العالم.

أخيرًا، يقول ألكسندر هوارد: «إنني أغلق نوافذ منزلي عندما أريد أن أحتفظ بخصوصيتي خارج الشبكة، ولا أعطي كلمة مرور حسابي على فيسبوك لأحد حتى أحافظ على خصوصيتي داخل الشبكة».