رأي

ما الذي يعنيه «النقاش حول تعريف التطبيع»؟

الأربعاء 25 تشرين الأول 2017

تفاعلت في الأيام الأخيرة مسألة العدول عن عرض فيلم «القضية 23» للمخرج اللبناني زياد دويري في رام الله، بعد اعتراضات على تطبيع المخرج أثناء إنتاج فيلمه السابق، «الصدمة»، الذي صوّره في تل أبيب، حيث أمضى هناك ستة أشهر خلال إنتاجه.

كان عرض الفيلم مقررًا في ختام مهرجان «أيام سينمائية» الذي نُظّم بالتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية وبلدية رام الله، قبل أن تتعالى أصوات ناشطين للمطالبة بمنعه، فتعلن البلدية إلغاء العرض داعية في الوقت نفسه «المؤسسات والفعاليات الثقافية الشروع في حوار جاد ومسؤول لنقاش معايير المقاطعة الثقافية والأكاديمية، وبما يضمن تحديد معايير واضحة حول الموقف من التطبيع، والتي من شأنها أن تشكل مرجعية بهذا الشأن».

كما في الكثير من النقاشات المتكررة حول مسألة التطبيع والمقاطعة، عادت للواجهة مسألة عدم حسم تعريف التطبيع، والحاجة للإبقاء على باب النقاش مفتوحًا. هذا المطلب كان حاضرًا في بيان حركة المقاطعة (BDS)، كما كان حاضرًا في بيان البلدية والوزارة، وكذلك في مواقف المدافعين عن عرض الفيلم، سواء من باب الدفاع عن الحريات الفنية والفكرية أو من باب رفض المنع من حيث المبدأ أو من باب عدم الاكتراث بالمجمل. بالطبع، في الكثير من ردود الفعل ما يمكن اعتباره امتدادًا لديناميكيات الشهرة والإشهار الطاغية على السوشال ميديا، التي تتمظهر في البحث المستمر عمّا هو «مختلف» أو أشد حدة أو أكثر شجاعة، بغض النظر عن فحوى الرد نفسه. من السهل الوقوف عند هذه النقطة والقول إن الأمر تحول إلى مجرد مباراة أخلاقية ممجوجة، لكن من المضلل -وغير البريء أحيانًا- أن يتم اختزال النقاش في هذا الجانب، وتصويره على أنه مجرد شجار بين مزاودين ومتخاذلين.

تثير هذه القضية مسألة المسؤولية الفنية -سواء في الصراع أو في المجتمع عمومًا- وتهافت أسطورة القدرة على إنتاج الفن في مجال معقّم من السياسة (راجع/ي مثلًا تعليق الممثل في الفيلم، كامل الباشا)، كما تثير هشاشة الفصل الذي أقامته الجهة المنظمة بين شخص المخرج وتاريخه وما يدافع عنه وبين فيلمه الثاني الذي لم يصنف «تقنيًا» على أنه واجب المقاطعة. لكن بعيدًا عن هاتين النقطتين، فإن الردود تثير سؤالين: ما الذي يعنيه فعلًا أن يُفتح نقاش عام حول معايير المقاطعة وتعريف التطبيع؟ ولماذا هذا التركيز على «المعايير» و«التعريف» أساسًا؟

ما الذي يعنيه فعلًا أن يُفتح نقاش عام حول معايير المقاطعة وتعريف التطبيع؟ ولماذا هذا التركيز على «المعايير» و«التعريف» أساسًا؟

محاذير العمل السياسي، في محيط يخلو من الاتفاق على مبادئ أساسية، كبيرةٌ بالفعل. ومسألة استمرار النقاش حول التطبيع والمقاطعة وغير ذلك من جوانب الصراع مع «إسرائيل» ليس أمرًا هامشيًا أبدًا. لكن هل يتم تصور هذا النقاش بشكل واقعي؟ لقد تحولت فكرة «النقاش» سعيًا للوصول إلى إجماع شعبي ما إلى ما يشبه الأسطورة التي ينتظر الجميع تحققها في المستقبل، مانعين بذلك تحققها في الحاضر. أصبح الوصول إلى «تعريف» متفق عليه للتطبيع هدفًا منزوعًا من أي بعد سياسي عملي، بل أشبه بحالة متقدمة من الوئام المجتمعي المنشود. ومن المفهوم أن يظهر النقاش على السطح حين تطرأ قضية متعلقة بالتطبيع، لكن من غير المبرر أن تتحول الحاجة إلى النقاش إلى إعاقة للفعل السياسي المناهض للتطبيع.

بداية، إن وجود حاجة للنقاش لا تعني أننا نتحرك في حيز فارغ من أي توافقات مجتمعية حول ما هو التطبيع وكيف تجب محاربته. لا أعتقد مثلًا أن الكثيرين لا يرون في إقامة المُخرج في تل أبيب من أجل إنتاج فيلمه تطبيعًا، فحتى من دافعوا عن دخول فرق فنية عربية إلى الأراضي المحتلة لإقامة حفلة في حيفا أو مجدل شمس كانوا يبنون دفاعهم على قاعدة التواصل مع العرب في تلك المناطق، لا استكشافها والعمل فيها بصفتها مجرد وجهة سياحية أو عملية أخرى. غياب «تعريف» محدد للتطبيع لا يعني أنه ما من شيء اسمه تطبيع، وأنه لا يوجد اتفاقات عامة على أشكال التطبيع الأوضح على الأقل. لذلك، فإن البدء من الصفر في كل مرة يعود النقاش للطاولة لا يجانب الدقة فحسب، بل يدخل في إطار التضليل، ويدفع بالنقاش إلى منطقة تزداد عدمية، ويسهل توظيفه فيها من أجل تمييع المواقف أو التهرب من ضرورة تكوينها واتخاذ أي فعل بشأن المسألة المطروحة.

من جهة أخرى، فإن السعي نحو الوصول إلى «إجماع» ما حول معايير المقاطعة -وهو أمر طالب به المدافعون والمعترضون على الفيلم على حد سواء- يختلف كثيرًا عن السعي نحو إبقاء النقاش مفتوحًا والعمل بشكل مستمر على تجذيره وخلق تحالفات حوله، وقد يكون لهذا «الإجماع» نتائج معاكسة لما يراد منه. فنحن لن نجلس جميعنا يومًا ما على طاولة واحدة ونوقع على تعريف واضح للتطبيع نلزم الأجيال القادمة به. وإن فعلنا، فلعل ذلك هو بالضبط ما سيجعل مناهضة التطبيع تأخذ منحى قمعيًا. فالقمع ليس بأي حال أمرًا تخلو منه غرف الحوار الهادئة، كما أنه ليس بالضرورة مرتبطًا بالغضب أو المبادرة للمنع. وتصوير الاعتراض على الفيلم أو منعه بأنه فعل أهوج انفعالي لا يساهم في تشكيل وعي مجتمعي حول المقاطعة، ويشي بتصوّرات مثالية عن «الوعي» نفسه وتشكله في بيئات مَخبَرية بمعزل عن الفعل السياسي المستمر.

المهم هو ما الذي يُمنع أو يُسمح به ومن الذي يتحدث ولماذا، لا جوهر فكرة المنع نفسها، تحديدًا وأن الاعتراض على الفيلم لم يأتِ في سياق الاستنجاد بمؤسسات السلطة الفلسطينية التي أتت لتفرض نفسها كمنقذ للمقاطعة، بل إن الاعتراضات طالت السلطة نفسها كونها جزءًا من تنظيم المهرجان ودعاة الفيلم. لذا فمقارنة الاعتراض على الفيلم مع ما تمارسه السلطة الفلسطينية وغيرها من السلطات العربية من وصاية على المجال الثقافي وغيره باطلة هنا، ولا أدلّ على ذلك من أن السلطة التي تدافع عن التطبيع من منطلق حرية التعبير والإبداع تمنع روايات وتلاحق أصحابها وتسجن الناس على خلفية بوستات فيسبوك. هذه الحريات تصبح ذات قيمة مركزية لدى هذه السلطة حين يتعلق الأمر بالمقاطعة، لكنها تصبح على الهامش تمامًا حين يشار إلى دور السلطة الوظيفي كوكيل للاحتلال، ولو في سياق إبداعي.

من المفهوم أن يظهر النقاش على السطح حين تطرأ قضية متعلقة بالتطبيع، لكن من غير المبرر أن تتحول الحاجة إلى النقاش إلى إعاقة للفعل السياسي المناهض للتطبيع.

حين نبحث عن الإجماع فإننا نسعى نحو الاتفاق على «ماهية» التطبيع ومعايير المقاطعة، غالبًا بنصوص واضحة تخلق مسطرة تقاس عليها الأحداث. وهذا التوجه التقني سيظل ينتج اصطفافات من النوع الذي شهدناه وسيظل يلقى اتهامات بالانتقائية، طالما ظل منصبًّا على البحث عن جوهر ثابت نرسو عليه ويخلّصنا من الحاجة المستمرة للنقاش. وفي هذا الإطار، تُفقد الكثير من إمكانات تركيب الأفعال أو المواقف أو وزنها عمليًا أو وضعها في سياقاتها المحددة التي يتغير معناها دونها بالضرورة.

قد يكون من الأفيد والأكثر عملية أن نتناقش حول كوْن سين أو صاد تطبيعًا بما يتصل بجوهر الفعل نفسه وأثره السياسي والرسالة التي يرسلها والباب الذي قد يفتحه والإرث الخاص بفاعله وما يجره ذلك للفعل نفسه، دون أن يكون النقاش منصبًا دومًا على إعادة تعريف التطبيع ومعايير المقاطعة بشكل يبرر وصف الفعل بالتطبيعي، بحيث يظل التعريف يتسع ويضيق ليشمل هذا ويقصي ذاك. ولعل حالة فيلم دويري تقدم مثالًا واضحًا على محدودية قدرة التعريف التقني على التجاوب مع الواقع باستمرار، فعلى الرغم من أن الفيلم نفسه لم تنطبق عليه معايير المقاطعة، كما قالت حركة المقاطعة في بيانها الأول في هذا الشأن، إلا أن ذلك لا يغير من أن الرسالة التي يرسلها عرض فيلم لمخرج مارس التطبيع ودافع عنه هي بالنتيجة مطبّعة لفعله.

ما يمكن أن تقدمه فكرة إبقاء النقاش مفتوحًا هو فرصة لإبقاء مساعي مناهضة التطبيع متصلة بشكل مباشر بالواقع المتغير ومتجاوبة معه، تستمد أولوياتها من قضاياه الأشد إلحاحًا وتدفع في الوقت نفسه للأمام بقضايا قد تكون أقل بروزًا لكن ليست أقل خطرًا.