علاج مرضى السرطان: هل حلّ التأمينُ الصحي المشكلة؟‎

مركز الحسين للسرطان. تصوير: مايا عامر.

علاج مرضى السرطان: هل حلّ التأمينُ الصحي المشكلة؟‎

الأربعاء 11 تموز 2018

ستة أشهر مضت على تفعيل القرار الحكومي بشمول المواطنين فوق سن الـ60 عامًا بمظلة التأمين الصحي، وهو قرار رأى فيه العديد من مرضى السرطان حرمانًا لهم من الإعفاءات الطبية التي تفتح لهم الطريق للعلاج في مستشفى الحسين للسرطان.

خلال الأشهر الستة، تصاعدت احتجاجات المرضى، فتراجعت حكومة هاني الملقي على إثر ذلك عن بعض قراراتها، إلا أنّ ذلك لم يكن كافيًا للمرضى وذويهم، الذين وجدوا في اعتصامات الدوّار الرابع مساحة جديدة للاحتجاج، فشاركوا فيها حاملين اليافطات التي تطالب بآليات ثابتة ومستقرة تراعي «كرامة» المرضى.

أُقيلت حكومة الملقي، وكلّفت حكومة جديدة أعلنت في اليوم التالي لتكليفها عن قرارات جديدة قالت إنها تلبي المطالب.

يستعرض هذا التقرير الإجراءات الجديدة ويقارنها بالآليات السابقة في علاج مرضى السرطان، كما يعرض الوضع المالي بين مركز الحسين للسرطان والحكومة.

كيف اختلفت إجراءات علاج السرطان؟

في مؤتمره الصحفي الأول بعد تكليفه برئاسة الوزراء، أعلن عمر الرزاز، في التاسع عشر من حزيران الفائت، عن إجراءات جديدة للتعامل مع مرضى السرطان.

بعد أيام قررت الحكومة شمول جميع مرضى السرطان تحت مظلّة التأمين الصحي. وبموجب ذلك سيحصل كل مريض سرطان في الأردن على بطاقة خاصة تمكّنه من مراجعة أقرب مستشفى حكومي، لإجراء الفحوصات اللازمة، وبناء على نتيجة الفحوص سيتم تحديد جهة العلاج «بما يضمن كرامة المريض» بحسب الرزّاز.

أمّا جهات العلاج فهي: مركز الحسين للسرطان ومستشفى الجامعة الأردنية والخدمات الطبية الملكية ومستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي، وباقي المستشفيات الحكومية التي تتوفر فيها وحدات لعلاج السرطان.

قبل هذا القرار كان مرضى السرطان، من الأردنيين غير المؤمّنين صحيًا، يتوجهون إلى الديوان الملكي أو إلى رئاسة الوزراء من أجل الحصول على إعفاء طبي، ومن ثم تقرّر لجنة طبية متخصّصة جهة العلاج للمريض حسب الحالة المرضية ومكان توفر علاجها. أما المرضى المؤمّنون، فإنهم يتوجهون للمستشفيات الحكومية التي تقرر علاجهم سواء في القطاع الحكومي أو القطاعات الأخرى في حال عدم توفر العلاج في المستشفيات الحكومية.

ومع بداية العام 2018، وسّعت الحكومة مظلة التأمين الصحي (الحكومي) لتشمل المواطنين الذين فوق الـ60 عامًا أو الأصغر من ست سنوات. عنى هذا التوسيع تلقائيًا زيادة أعداد مرضى السرطان الذين سيعالجون في المستشفيات الحكومية، وبالتالي لن يحصلوا، نظاميًا، على إعفاءات طبية تمكنهم من تلقي العلاج في مركز الحسين للسرطان، إلّا في حال عدم وجود علاج لهم في تلك المستشفيات الحكومية، وهو ما دفعهم للاحتجاج.

خطوة إلى الوراء: ما الذي دفع مرضى السرطان لرفض القرار الحكومي بتوسيع مظلة المؤمّنين؟

في العام 2017، احتاجت أماني* ابنة السيدة السبعينية المصابة بسرطان في الكلى، إلى البحث عن «دفشة» كي تتمكن من الحصول على إعفاء طبي لوالدتها التي تحمل تأمينًا صحيًا يمكنها من العلاج في المستشفيات الحكومية.

تبرر أماني لجوءها للواسطة برغبتها في ضمان علاج والدتها في مركز الحسين للسرطان «فقط»، وليس في أيٍّ من المستشفيات الحكومية، لما يوّفره المركز من رعاية نفسية ومعنوية للمريض وعائلته برأيها، وهو ما لا تجده في القطاع الحكومي.

تدافع النائبة في مجلس النواب، ومقرّرة اللجنة الصحية فيه، حياة المسيمي، عن رغبة مرضى السرطان وذويهم في العلاج في مركز الحسين، وترى أن على الحكومة أن تسائل نفسها عن السبب الذي يدفع المرضى نحو هذا. وبرأيها، فإن عدم توفر إمكانية علاج تحفظ للمريض كرامته في القطاع الحكومي يجعل الناس يسارعون للهرب نحو المركز.

وقبل عام تقريبًا، كان وزير الصحة محمود الشيّاب، قد صرّح لصحيفة الرأي، إن الحاصلين على إعفاءات طبية يحصلون على «ميزة إضافية» عبر علاجهم مباشرة في مركز الحسين بدلًا من إحالتهم لمستشفيات القطاع الحكومي.

الإعفاءات الطبية: حمل ثقيل عابر للحكومات

خلال احتجاجاتهم على قرارات الحكومة السابقة رفع المتضرّرون من قضية شمولهم بالتأمين الصحي يافطات كتب على بعض منها: «الإعفاءات الطبية هدية من ملك لشعبه، ولا يجوز لأي مسؤول أيًا كان أن يوقف العمل بهذه الهدية».
على مدار السنوات السابقة، وُصفَت الإعفاءات الطبية الممنوحة من الديوان الملكي بـ«المكرمة الملكية»، وهو الانطباع الذي تعززه آلية الحصول على الإعفاء من خلال التوجه نحو وحدة شؤون المرضى في الديوان. رغم أن لتلك الإعفاءات مخصصات ضمن النفقات العامة للدولة، بحسب أرقام الموازنة العامة.

في المقابل شهدت الإعفاءات الممنوحة من قبل رئاسة الوزراء حالة من عدم الانضباط بحسب المسيمي، التي توضّح أن العديد من النواب أو المتنفذين استخدموا إمكانية تحصيل الإعفاءات الطبية للمرضى  لكسب التأييد والشعبية.

يقول نائب مدير  مستشفى الحسين للسرطان، منذر الحوارات، إن المستشفى استقبل العديد من المرضى الذين كانوا يحملون أكثر من إعفاء طبي من أكثر من جهة، للعلاج من المرض ذاته، بعضهم كان يحمل التأمين الصحي الحكومي، وهو ما ضخّم النفقات التي تدفعها الحكومة على الإعفاءات بحسب الناطق باسم وزارة الصحة حاتم الأزرعي.

بحسب بيانات موازنة الصحة وتوضيحات دائرة الموازنة العامة ووزارة المالية لحبر، فقد بلغت قيمة الإعفاءات الطبية الممنوحة من قبل الديوان الملكي العام الماضي 88 مليون دينار لكل الأمراض، بما فيها السرطان. ويتعالج حاليًا 16 ألف مريض في مستشفى الحسين للسرطان، 13 ألفًا منهم حاصلون على إعفاءات طبية، بحسب تصريحات لوزير الصحة.

سبق أن تحدثت حكومات سابقة عن كون قضية الإعفاءات الطبية سببًا رئيسًا في زيادة  نفقات الحكومية. وبحسب دليل الموازنة العامة لعام 2017، فإن النفقات الحكومية التي كانت مقدرة لعام 2016 ارتفعت  بسبب ارتفاع المستحقات والمبالغ المتأخرة على الحكومة، منها 185 مليون دينار لتسديد الالتزامات والمتأخرات السابقة الناجمة عن المعالجات الطبية، وفي عام 2018 ارتفع مبلغ المتأخرات المستحقة على المعالجات الطبية إلى 280 مليون دينار، بحسب دليل الموازنة لعام 2018.

اعتراضات على الإجراءات الجديدة

لا يقدم قرار حكومة الرزاز حلًّا لمشاكل مرضى السرطان، بحسب رئيس جمعية أصدقاء مرضى السرطان موسى الرياشات، الذي يصف القرار بأنه إعلامي وضبابي. وذلك لأن البطاقة التي تحدث عنها الرزاز على أنها ستجنب المرضى إجراءات بيروقراطية طويلة، ما هي، بحسب الرياشات، إلا بطاقة تعريفية ولا تحلّ مشكلة مكان العلاج.

بموجب القرار، توقفت عملية الحصول على الإعفاء الطبي من رئاسة الوزراء أو الديوان الملكي، لكن انتقلت المشاكل التي ترافقت مع تلك الإعفاءات إلى إدارات المستشفيات الحكومية. يقول الرياشات: «كيف بدنا نوثق إنه المحتاج للتحويل سيحوّل على الحسين للسرطان؟ لسة ممكن يصير ضغوطات وواسطات»، بينما عبرت المسيمي عن تخوّفها من أن تكون قرارات إدارات المستشفيات «مزاجية» في تحويلها للمرضى.

الاعتراض الآخر على القرارات الجديدة جاء من مركز الحسين للسرطان، والذي وجد فيها فتحًا لباب إحالة المرضى عليه دون أسس وضوابط، ما سيرتّب عليه أعباء إضافية، بحسب نائب مدير المركز منذر الحوارات: «إذا كنت بقدر أستقبل 100 مريض وإجاني 200 رح يكون على حساب المريض ونوعية الخدمة».

يقول الحوارات إنه كان يمكن لمركز الحسين، بحسب الإجراءات السابقة، التدخل في أسس قبول ورفض المرضى من خلال اللجان الطبية المشكّلة لتقييم حالة المريض، وبالتالي «نضبط الحالات، ونحوّل [لمركز الحسين] اللي ما إله علاج إلا بالحسين للسرطان».

يتفق الرياشات مع مخاوف الحوارات بأن مركز الحسين لن يستوعب كل المرضى الجدد، وعليه لا بد من تأهيل مراكز علاج في مستشفيات ومرافق صحية أخرى، وتأهيل قسم الأورام في مستشفى البشير حسب الأصول، كي يحصل المرضى على علاج كامل يحفظ كرامتهم.

يأتي ذلك رغم تأكيدات وزير الصحة، في لقائه مع النواب، على أن عملية التحويل ستتم بموافقة الجهة المحوّل لها والطبيب المعالج، ولذا تطالب المسيمي بمنح الإجراءات الجديدة مهلة: «على أرض الواقع ممكن تظهر عيوب، لكن وزير الصحة وعد إنه أي مشاكل تظهر خلال التطبيق سيتم التعاون لتجاوزها مباشرة».

ماليًا، يطالب مركز الحسين الحكومة بدفع الذمم المالية السابقة قبل البدء في تنفيذ الإجراءات الجديدة. ويقول الحوارات إن مركز الحسين  بحاجة لسداد المبالغ السابقة كي يتمكن من استقبال الأعداد القادمة وتقديم الخدمات الطبية لهم.

تدفع الحكومة سنويًا للمركز خمسة ملايين دينار، تُقتطع من ضرائب التبغ والدخان، معونة له مُقرة بموجب قانون مؤسسة الحسين للسرطان. وتدفع للمركز 17 مليون دينار أخرى سنويًا لسداد الالتزامات والمتأخرات السابقة، والتي بلغت 69 مليون دينار حتى نهاية عام 2017. كما تدفع الحكومة الفاتورة العلاجية السنوية للمؤمنين وغير المؤمنين.

وقد حاولنا في حبر الحصول على ميزانية مركز الحسين للسرطان،  إلّا أن المركز لم يوافق على منحنا إيّاها، واكتفى بالقول إن مؤسستين دوليتين تدققان ميزانية المؤسسة ونفقاتها.

ختامًا، تتفق جمعية أصدقاء مرضى السرطان مع مركز الحسين على مجموعة من المقترحات التي يعتقدون أن الأخذ بها سيحسّن الوضع العام؛ بداية من دعوة الحكومة لفتح الباب للتشاور واتخاذ القرارات بتشاركية مع جميع الأطراف، حتى تأهيل مؤسسات أخرى في علاج السرطان.

وفي الوقت الذي تطلب به جمعية أصدقاء مرضى السرطان إنشاءَ صندوق وطني لدعم مرضى السرطان، يقترح الحوارات أن يتم تغذية ذلك الصندوق من الجهات المنتجة لمسببات المرض.