رفض عشائري واسع لقرار المحكمة: تداعيات قضية أبو تايه مستمرة في الجفر

تصوير دانة جبريل

رفض عشائري واسع لقرار المحكمة: تداعيات قضية أبو تايه مستمرة في الجفر

الأحد 23 تموز 2017

تسير نحو مئتي كيلومترًا من عمّان على الخط الصحراوي كي تصل إلى مثلث الجفر، الذي يتفرّع إلى طريق يمتد 50 كيلو مترًا أخرى، وسط صحراء خاوية، سوى من عدد قليل من الشواخص التي تخبرك بالمسافة المتبقية للجفر، وبقايا إطارات مشتعلة منذ أيام، وقاعدة الملك فيصل العسكرية الجوية، المعروفة بقاعدة الجفر.

على مدخل قضاء الجفر، نصبت عشيرة الحويطات بيوت الشعر يوم الجمعة 21 تمّوز، لاستقبال الوفود القادمة دعمًا للقبيلة في قضية ابنها العسكري معارك أبو تايه، الذي أصدرت محكمة عسكرية خاصة قبل أسبوع حكمًا عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة «مدى الحياة»، بعد تجريمه بقتل ثلاثة مدربين أمريكيين على مدخل قاعدة الجفر في تشرين ثاني 2016، وهو الحكم الذي رفضته عائلة معارك، واعتبرته «سياسيًا»، وطالبت بالإفراج الفوري عنه، بحسب البيان الختامي للمؤتمر،  ممهلةً الحكومة أسبوعًا قبل أن تلجأ إلى إجراءات تصعيدية.

بعد يومين من الحكم، نظمّت قبيلة الحويطات مسيرة بالسيارات إلى عمّان، لكنّ الأجهزة الأمنية منعتها من الوصول إلى الديوان الملكي، حيث كانت تنوي لقاء عدد من الشخصيات والمسؤولين، بحسب لافي أبو تايه، أحد أقارب معارك.

دفع ذلك القبيلة لدعوة القبائل والعشائر الأردنية والأحزاب السياسية والمركز الوطني لحقوق الإنسان ووسائل الإعلام لما وصفوه بـ«مؤتمر عام» في الجفر يوم الجمعة. «ردة المسيرة يوم الثلاثاء كانت نتيجتها هذا المؤتمر، دعوة لجميع القبائل لمساندتنا في مطلبنا العادل وهو إخراج معارك»، يقول غازي أبو تايه شقيق معارك.

على مدخل الساحة التي نصبت فيها بيوت الشعر لإقامة المؤتمر، استقبل أبناء قبيلة الحويطات الوفود المؤازرة، مقسمّين إلى لجان متنوعة، لتنظيم حركة السير واستقبال الوفود وتوزيع الماء والقهوة والشاي على الحاضرين.

تستقبلك اليافطة الأولى على مدخل المؤتمر باللغة الإنجليزية «الموت لأمريكا»، وبجانبها صورة لعودة أبو تايه، شيخ قبيلة الحويطات وأحد أبرز الوجوه التي لعبت دورًا تاريخيًا أثناء الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، تحديدًا في معركة العقبة. الهتاف ضد أمريكا واستذكار دور عودة أبو تايه كانتا ثيمتين متكررتين في كلمات المؤتمر الذي استمر أكثر من ساعتين.

«القرار سياسي»: ثقة غائبة بالمحكمة وإحساس بالظلم

جلس أكثر من خمسة آلاف حاضر قدموا من مناطق مختلفة في الأردن للاستماع لعشرات الكلمات ضمن المؤتمر، توحدت في مطلب الإفراج عن معارك أبو تايه وإعادة محاكمته، كونه التزم بما تقتضيه قواعد الاشتباك، بحسب قناعتهم.

بدأ صايل أبو تايه، مستشار شؤون البادية في الديوان الملكي، كلمات المؤتمر مستعرضًا مجموعة مما اعتبرها أدلة براءة معارك. «معارك هو نفسه أي جندي من جنود القوات المسلحة الأردنية، أي باسل من بواسل القوات المسلحة الأردنية، والأجهزة الأمنية، يعمل نفس عمله ونفس شجاعته. لذلك معارك وبشهادة زملاؤه تصدى لهجوم تعرضت له القاعدة وأصيب بطلقتين إحداهما في الرقبة». [فيديو كلمة صايل أبو تايه]

«هو يدافع عن حدود المؤسسة العسكرية، وهي جزء من حدود الوطن الذي يتطلب الدفاع عنه»، قال المتحدث سالم النعيمات في كلمته، مؤكدًا رفض «الإملاءات القانونية الأجنبية التي تخالف قانون الدولة الأردنية».

من جهته حثّ أحمد عويدي العبادي، الذي تحدث في بداية ونهاية المؤتمر، أقارب معارك وأبناء قبيلته على التمسك بمطالبهم ورفض التفاوض مع أي جهة أو شخص إلا في الجفر.

توزعّت الخطابات بين التذكير بالتهميش الذي يعاني منه أبناء الجنوب، والتحذير من التصعيد إذا ثبت الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على معارك الذي ما زالت قضيته تتابع أمام محكمة الاستئناف، والسؤال عن تأثير مثل هذا الحكم على أبناء القوات المسلحة في المستقبل في حال التعرض لمواقف شبيهة، إضافة إلى التعبير عن فقدان الثقة بالقضاء، بحسبهم.

خلال المؤتمر، نوّه عريف المهرجان، لافي أبو تايه، بأن الخطابات المقدّمة تعبّر عن وجهة نظر أصحابها فقط، مفسّرًا اختلاف سقوف ومضامين الخطابات.

رفض غازي أبو تايه، شقيق معارك، في حديثه لحبر، تقديم رد الفعل على القضية في إطار عشائري. «ليس كحويطي ابن قبيلة [أتحدث]، نعم أعتز بالحويطات كقبيلة لها ركزها ولها ثقلها في الأردن وهم عزوتي، لكن لا، الذي حركنا هو الظلم»، يقول غازي.

هذا الخطاب أكّد عليه المحامي علي البريزات في كلمته في المؤتمر: «لم نجتمع لقبلية ولا لعشائرية، اجتمعنا للحفاظ على الدولة، كي لا يتم التجاوز من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية».

الإشارة لعدم استقلالية قرار الحكم والسلطة القضائية تكررت في العديد من الخطابات، التي حذّرت من «تغول السلطة التنفيذية على مؤسسة القضاء عمود الدولة وعماد الوطن» بحسب الشيخ فلاح الصخري.

النائب السابق محمد المراغية كرر الفكرة التي رددها الكثير من الحويطات بعد صدور الحكم، وهي أن القانون الأردني لا يوجد به لفظة «مدى الحياة» التي وردت خلال النطق بالحكم على أبو تايه، وقال إن «الجميع يعرف أن هذا القرار ليس قرارًا قضائيًا وإنما قرار سياسي».

أشار المراغية في مداخلته إلى فيديو نشره موقع أمريكي لدى بدء محاكمة معارك في حزيران، يظهر فيه لقاء للسفيرة الأردنية في الولايات المتحدة دينا قعوار مع والد أحد الجنود المقتولين، وقال إن اللقاء «قمّة العار وقمة المهزلة، عندما تستجدي أحد والدي المقتولين الأمريكان، فهو موقف لا يمثلنا، ولا يمثل الأحرار».

وكان براين مكنرو، والد الجندي الأمريكي الذي قتل في حادثة الجفر، كيفن مكنرو، قال لقعوار عندما زارته لتسلّمه رسالة اعتذار من الملك عبدالله الثاني، إن «أول ما فعلته حكومتكم في اليوم الذي قتل فيه [ابني] هو إطلاق تصريح كاذب بإنه لم يلتزم بأصول دخول القاعدة».

ووصف مكنرو ما قال إنه فيديو المراقبة الذي تظهر فيه تفاصيل الحادثة، والذي قالت وسائل إعلام أمريكية إن أهالي الجنود الأمريكيين المقتولين شاهدوه لدى مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية (الإف بي آي). وقال إن الفيديو يظهر أن ثلاثة سيارات فيها جنود أمريكيين وصلت القاعدة، وتعرّف عليها حرس البوابة، الذين سمحوا لها بالدخول. مرّت السيارة الأولى ببطء، بحسب قوله، ثم قبل أن تمر الثانية، بدأ معارك أبو تايه بإطلاق النار عليها من داخل غرفة الحرس، قبل أن يخرج ويواصل إطلاق النار على الجنديين اللذين خرجا من السيارة الثالثة.

لم يقدّم المدعي العام العسكري الفيديو المذكور ضمن بينات المحاكمة، بحسب صايل أبو تايه، مستشار شؤون البادية في الديوان الملكي، الذي حضر الجلسات، ولم تتم الإشارة إلى محتواه في أي من الشهادات أو الجلسات. كما أن الفيديو لم ينتشر علنًا، واستند ذكره في الإعلام الأمريكي على شهادات عائلات الجنود الأمريكيين الذين عقدوا مؤتمرًا صحفيًا في واشنطن في آذار الماضي طالبوا فيه البيت الأبيض باتخاذ إجراءات ضد الحكومة الأردنية التي قالت إن معارك أبو تايه كان يتبع قواعد الاشتباك، بحسب قول الأهالي.

وكان الجنود الأردنيون الذين قدّموا شهاداتهم في المحكمة قالوا بأنهم سمعوا صوتًا يمكن أن يكون لطلقة مسدس آتٍ من اتجاه سيّارات الأمريكيين على البوابة، وهو ما قاله معارك أبو تايه الذي أضاف إنه كان يعتقد أن القاعدة تتعرّض لهجوم، بحسب عائلته.

وقال والد أحد الجنود الأمريكيين المقتولين إن الحكم على معارك أبو تايه «خطوة أولى جيدة، لكنّها الخطوة الأولى فقط»، وذلك في رسالة وجّهها إلى السفيرة الأردنية في واشنطن بتاريخ ١٧ تمّوز بالنيابة عن العائلات الثلاثة. وعدد في رسالته مجموعة مطالب أولها تسليم أحلام التميمي، الأسيرة المحررة التي قضت عشر سنوات في السجون الإسرائيلية بعد مشاركتها في عملية استشهادية في القدس قتل فيها أمريكيون، إلى الولايات المتحدة للمحاكمة، ومحاكمة بقية الجنود الأردنيين الذين كانوا على بوابة القاعدة العسكرية، والسماح لمكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية بالتحقيق مع معارك أبو تايه لمعرفة دوافع قتله للجنود الأمريكيين، وطالبوا أيضًا بتعويضات للأسر الثلاث «على أن تناقش في أعقاب جميع الشروط المسبقة المذكورة أعلاه»، بحسب الرسالة.

اعتبر لافي أبو تايه قرار الحكم «مسرحية هزلية» مطالبًا بإعادة محاكمته والإفراج عنه، بحسب ما قال لحبر. «معارك ابن القوات المسلحة وعشمنا على القوات المسلحة تقف إلى جانبه. علمًا إنه في البداية الكل زار معارك، وقالوا له إنت ما عليك حق. الصحافة الأردنية كتبت. قالت إنه طبّق قواعد الاشتباك الصحيحة. كيف بين عشية وضحاها يحدث هذا اللي صار؟ بدنا إقناع، بدنا ناس يفهّمنا».

عبّر المتحدثون عن غضبهم من «الإملاءات الأمريكية» ورفض بعضهم التواجد العسكري الأمريكي في الأردن.

«نرفض التواجد لقوات أجنبية على الأرض الأردنية، وهي تعدٍ صارخ على سيادة الأردن»، قال النعيمات.

إلى جانب التساؤل عن استقلالية قرار الحكم على معارك وأثر الضغوطات الأمريكية عليه، ذكّر العديد من المتحدثين بما يشعر به أبناء الجنوب من تهميش وفقر. «أبناء الحويطات عانوا من التهميش الممنهج ومن لجم الأفواه ومن الفقر المدقع»، قال المتحدث نوّاف البدول.

«اليوم نجلس هنا تحت الشمس في الصحراء، بعيدًا عن التنمية، بعيدًا عن فرص العمل، قريبًا من الظلم، قريبًا من الفقر، قريبًا من التمييز  نجلس لنقول، لا لظلم أخينا معارك»، قالت رنا الحجايا، المرشحة لانتخابات البلديات واللامركزية عن لواء الحسا.

بعض المتحدثين ناشدوا الملك عبدالله الثاني بالتدخل في قضية معارك والإفراج عنه، بينما اعترض آخرون، وقال أحد المتحدثين: «هذا حقنا، نحن لا نطلب مكرمة ملكية».

وقال المحامي علي بريزات خلال كلمته «لا أقول لكم كونوا معارضين وعارضوا النظام وإلى آخره، ليوالي من يوالي وحبوا من تحبوا ولكن ليكن الحب والولاء بكرامة، علينا أن نحافظ على كرامتنا لا أن نكون طراطير».

خلال كلمات المؤتمر بدا واضحًا التأييد والاقتناع التامّين بأن ما قام به معارك كان تطبيقًا لتعليمات «قواعد الاشتباك». الشيخ صالح الحسنات قال في كلمته: «هذا الحكم يدعونا للتساؤل ما مصير أبنائنا وأبناء هذا الوطن العزيز من أولئك الذين يحرسون بوابات القواعد والوحدات العسكرية إن تكرر ما حصل؟ هل سيلقون المصير الذي لقيه معارك ابو تايه؟».

بحسب سليمان العمارين، أحد المتحدثين في المؤتمر، فإن ابن شقيقه، الرقيب أول هارون الحساسين، لا يزال موقوفًا على خلفية قضية معارك، دون أن تتمكن حبر من تبين التهمة التي يُحاكم على أساسها، وطالب بإعادة محاكمة معارك «وجميع زملائه اللي كانوا على الباب».

وكان مصدر عسكري مسؤول أكد يوم الحادثة أن التحقيق قد بدأ لمعرفة تفاصيل ما حدث.

يقول أحد أبناء قبيلة الحويطات من منتسبي الأمن العام -رفض نشر اسمه- إن ما حدث مع معارك يدفعه للتساؤل عن مصير من يطبّق قواعد الاشتباك التي تنص بحسب قوله على مبدأ أن «النار بالنار، ومصدر النار ترد عليه بالمثل».

قال المتحدثون في كلماتهم إنهم سيقومون بخطوات تصعيدية في حال عدم الإفراج عن معارك وإعادته للقوات المسلحة، كما لوّح بعضهم بمقاطعة الانتخابات البلدية القادمة. ولم يوضح شقيق معارك أو ابن عمه شكل الخطوات التصعيدية المتوقع اتخاذها إذا لم يتم الاستجابة للمطالب خلال مهلة أسبوع.

«لسنا دعاة تخريب»، يقول غازي أبو تايه، شقيق معارك. «لكن الظلم الذي وقع علينا هو الذي حرّكنا».