رأي

«الأوصياء» الحقيقيون على القدس في الأردن

الجمعة 21 تموز 2017
من مسيرة لدعم الأقصى انطلقت من أمام المسجد الحسيني وسط البلد في عمان، 21 تموز. تصوير أسامة المغربي.

من عدة مناطق، خرج آلاف الأردنيين والأردنيات اليوم دعمًا للمقدسيين والفلسطينيين عمومًا في المواجهة التي تشهدها القدس ضد فرض شروط إسرائيلية جديدة على دخول المسجد الأقصى في أعقاب العملية الفدائية التي وقعت داخله الجمعة الماضية، على رأسها نصب البوابات الإلكترونية على مداخل الحرم.

تعبير أهل الأردن عن هذا الدعم ليس استثناءً بالطبع، لكنه مرة أخرى يعيد طرح السؤال حول كيف يتم التعبير عن «الوصاية الهاشمية» على المقدسات في القدس، ومن الذي يمارس هذه الوصاية وكيف.

مع اشتداد المواجهات في القدس في الأيام الأخيرة، تعالت أصوات تهلل للدبلوماسية الأردنية التي تحاول «إدارة ملفات بحجم المسجد الأقصى» وتواجه الاحتلال وحيدة؛ أصوات تطالب بـ«مساعدة الملك بحماية الأقصى»، والابتعاد عن «المزاودة واللعب على العواطف».

لا مفاجآت هنا، فحين تكون نقطة الانطلاق في هذه المواقف هي الثقة غير المشروطة بالحكمة الهاشمية في إدارة هذا الملف وكل الملفات، فلا سبيل لاستنتاجات غير تلك. لكن أن يطالَب الجميع بتقديم هذا المستوى من الثقة المجانية، وأن تصوّر الأشكال الشعبية للدعم والمساندة من أجل حماية الأقصى على أنها «جعجعة» لا تسمن ولا تغني من جوع، ففي ذلك ما يستحق التعليق عليه.

تحديد مرجعية تحديد الفعل المناسب في النظام يتناسى تمامًا الهوة التي تفصله عن الشعب في مسألة الصراع مع «إسرائيل».

الأمر ليس رفض أي جهود رسمية يمكن أن تقدم تجاه القدس من باب المناكفة، بل إعادة النقاش إلى مرجعيته الصحيحة، وإدراك سقف تلك الجهود وحدود الخطاب السياسي الذي يحملها، دون أوهام عظمة. المطالبة بأن يكون النظام ورأسه هو من يحدد كيف ومتى وإلى أي حد يعبر الأردنيون عن وقوفهم مع المقدسيين والفلسطينيين عمومًا، هي تسليم مزدوج بصواب قرارات النظام كلها، وبقصور أهل الأردن عن إدراك حجم مسؤولياتهم تجاه القدس وفلسطين، واستعدادهم لتحملها. الأهم من ذلك، هو أن تحديد مرجعية تحديد الفعل المناسب في النظام يتناسى تمامًا الهوة التي تفصله عن الشعب في مسألة الصراع مع «إسرائيل».

لا ما عبر عنه أهل الأردن في العقدين الأخيرين من تاريخ «السلام» مع «إسرائيل»، ولا ما يعبرون عنه اليوم في شوارع عمّان وإربد والكرك والزرقاء وغيرها، يؤشر بأنهم بحاجة لـ«وصاية» تخبرهم كيف يكون الشكل الأمثل للدفاع عن القدس. وإذا كان الملك مصانًا من المساءلة دستوريًا، فهذا لا يعني أن المساءلة لم ولن تمارس شعبيًا.

ما من سبب بأي حال من الأحوال لإعطاء القرار الرسمي الأردني موقع المرجعية في تحديد شكل التعامل مع هذا الموضوع، فأي جهود رسمية يمكن أي تُبذل عبر التواصل مع مسؤولين إسرائيليين محكومة بعدة عوامل. أولًا، لا يوجد الكثير في تاريخ ممارسة النظام الأردني لوصايته على القدس مما يبشر بقدرته على فرض أي تنازل على «إسرائيل»، فهذا التواصل الرسمي عند «الأزمات» في القدس لا يمكن بأي حال أن يخرج عن حدود ما توفره معاهدة وادي عربة من أدوات، وهي شحيحة، باعتراف الموحّدين بالجهد الرسمي أنفسهم. وفي كثير من الأحيان، تبدو الوصاية الهاشمية على القدس أقرب إلى شكل من أشكال الوجاهة منها إلى صلاحية سياسية قابلة للممارسة، ولا يعبَّر عنها بأكثر من دفع رواتب حراس المسجد الأقصى وتبديله سجّاده. وإن كان لهذه الوجاهة من توظيف سياسي، فهو داخلي بالدرجة الأولى، كامتداد لخطاب الشرعية الدينية الذي لطالما صدّره الهاشميون.

وثانيًا، لا سبب لكي نتوقع من النظام الأردني نفسه أن يحاول الخروج عن هذه الحدود، طالما ظل هو نفسه متمسكًا بما تفرضه المعاهدة، وماضيًا فيه إلى مداه، بتعميق الارتهان لـ«إسرائيل» أكثر فأكثر، سياسيًا واقتصاديًا، باتفاقيات وُقّعت تحت الضغوط، لتنقل مفتاح كهرباء عمّان إلى تل أبيب، وتدخل مع العدو في شراكات متعلقة بالمستقبل المائي للبلد، على حساسيته. وسبق أن عبّر أكثر من حدث عن أن سقف الشارع في خيارات الصراع مع «إسرائيل» يفوق سقف النظام بمراحل، بما يضع النظام في مواجهة الشارع أحيانًا، سواء جاء ذلك في رفض المعاهدة نفسها والاتفاقيات التي لحقتها، أو في التعبيرات الشعبية السابقة عن الوقوف مع القدس والمقدسات فيها بالتحديد، والتي قابلها النظام في كثير من الأحيان بالقمع والترهيب.

إذا كان النظام يرى نفسه «وحيدًا» أمام «إسرائيل» بلا أشقاء عرب، فالأحرى به ألا يتخذ من تخاذل غيره ذريعة لتخاذله، وأن يلتفت إلى أن شعبه سبقه وتعداه في التزامه تجاه الصراع مع العدو -الالتزام الذي بلغ حد الدم– إن كان هذا النظام يرى وظيفته في خدمة هذا الشعب، كما ينبغي لها أن تكون.

أما طرح المسألة في سياق سؤال «العنب أم مقاتلة الناطور» فلا يفيد سوى الاستخفاف بالموضوع وتسطيحه. أهل الأردن يريدون العنب ويريدون مقاتلة الناطور، وتناسي أن الناطور سطا على الكرم بأكمله وفرضَ شروطه على دخوله لا يفيد إلا من يتعامل مع ما يحدث اليوم في القدس بصفته «وجع راس» يتأمل أن ينتهي في أسرع وقت، لا كمعركة جديدة في صراع ممتد، ما زال المقدسيون والفلسطينيون عمومًا يثبتون فيه أن لديهم الكثير مما يعوّل عليه.