زيارة ترامب للسعودية: كيف رآها الأمريكيّون؟

الثلاثاء 06 حزيران 2017

بقلم عماد الرواشدة   

كان الترقب يخيم على الوفد السعودي في إحدى غرف البيت الأبيض في واشنطن حين رفع صهر الرئيس الأميركي سماعة الهاتف محاولًا إيجاد سعر أفضل لإرضائهم. حاول جارد كوشنر، زوج ابنة ترامب، أن ينهي سائر التفاصيل المتعلقة بصفقة السلاح مع المملكة، لتكون جزءًا أساسيًا من «إنجازات» زيارة الرئيس المرتقبة للرياض. أكثر ما كان يشغل الجانب السعودي في الصفقة هو منظومة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية التي تمتلكها إيران، لذا شكّل ارتفاع سعر مثل تلك الأنظمة خطرًا على مجمل اتفاقات التسلّح الأخرى. رفع كوشنر سماعة الهاتف محدّثًا المدير التنفيذي لشركة «لوكهيد مارتن» المتعاقد الحكومي الرئيسي المصنّع لمثل تلك الأنظمة. طلب كوشنر إعطاء سعر  للسعوديين، وردّت المديرة بأنها «ستنظر في الأمر».

تلك القصة التي كشفتها صحيفة النيويورك تايمز الأميركية تعطي لمحة عمّا جرى ويجري تداوله من معلومات وراء كواليس زيارة ترامب إلى السعودية، والتي انتهت بتوقيع ثلاثين اتفاقًا تجاريًا قاربت قيمتها، بحسب البيت الأبيض، نصف ترليون دولار شملت مجالات متعددة من السلاح إلى التكنولوجيا والطاقة. ورغم ترويج ترامب للاتفاقات باعتبارها رافعة لسوق العمل في البلاد، والحديث يدور هنا عن «مئات الآلاف»، على الأقل، من فرص العمل، إلا أن غالبية التحليلات في الداخل الأميركي تذهب باتجاه التقليل من شأن تلك الاتفاقات، والتشكيك في قدرتها على خدمة اقتصاد البلاد، بل واعتبارها معيبة من الناحية الأخلاقية.

صحيفة الواشنطن بوست المحسوبة على التيار الليبرالي المعارض لترامب، أشارت إلى أن فرص العمل التي يمكن لصفقات السلاح الضخمة توفيرها ليست واضحة حتى الآن. زاد الأمر غموضًا تضارب تصريحات الإدارة الأميركية عن الآثار المتوقعة على اقتصاد البلاد. فالرئيس نفسه كان تحدث خلال زيارته عن ملايين فرص العمل التي ستوفرها الاتفاقات، ثم قلّص هذا الرقم لمئات الآلآف في خطابه حول الانسحاب من اتفاقية التغيّر المناخي، فيما صرّح الناطق باسم البيت الأبيض عن عشرات الآلآف من فرص العمل.

شركات السلاح التي وقعت مذكرات التفاهم مع الجانب السعودي مثل جينرال داينمك أو لوكهيد مارتن لا يزال بعضها عاجزًا عن إعطاء أرقام واضحة بهذا الصدد. كانت  لوكهيد مارتن هي الشركة الوحيدة التي قدمت رقمًا واضحًا، حين أعلنت في بيان صحفي عن أن مشاريعها مع الجانب السعودي ستوفّر نحو 18 ألف فرصة للعمالة الماهرة داخل الولايات المتحدة وآلاف الفرص الأخرى في الجانب السعودي. إلّا أن تحديد ما يمكن لزيارة ترامب للسعودية أن تعكسه على سوق العمل الأميركي بالدقة التي تطلبها وسائل الإعلام الليبرالية المعارضة للرئيس يبدو مهمة صعبة، أو لعلّها غير ممكنه في الوقت الراهن. فالاتفاقات المعلنة ليست في جوهرها سوى مذكرات تفاهم أو اتفاقات مبدئية عليها أن تمر عبر سلسلة من الإجراءات البيروقراطية المطوّلة داخل أروقة الحكومة الأميركية قبل أن تتم المصادقة عليها بشكل نهائي. لذا يعتقد مراقبون أن القيم المعلنة لاتفاقات التسلح والمقدّرة بنحو 110 مليارات دولار مثلًا، ستنتهي لأقل من ذلك بكثير لدى المصادقة عليها بشكل نهائي. فهذا تماما ما حصل مع اتفاقات السلاح التي أعلنها الرئيس السابق باراك أوباما مع السعودية والتي بلغت قيمتها المعلنة 115 مليار دولار، لتتضاءل إلى نصف هذا الرقم عقب المصادقة عليها بشكل نهائي.

الاتفاقات المعلنة ليست سوى مذكرات تفاهم أو اتفاقات مبدئية عليها أن تمر عبر سلسلة من الإجراءات البيروقراطية المطوّلة داخل أروقة الحكومة الأميركية

حتى على صعيد الاتفاق مع المملكة على الاستثمار في مشاريع تطوير البنية التحتية في الولايات المتحدة، يبدو أن دور ترامب لم يكن محوريًا كما بدا. فالاتفاق مع السعودية على الاستثمار بنحو عشرين مليار دولار في تلك المشاريع التي يصل حجمها لتريليون دولار كان قد بدأ العمل عليه فعليًا في عهد سلفه أوباما، وما جرى فعليا أن الإدارة الحالية عملت على إتمام الاتفاقات، كما تشير صحيفة الواشنطن بوست.

وسائل إعلام ليبرالية أخرى ذهبت إلى حد اعتبار الصفقات بابًا لخلق فرص عمل للسعوديين وليس للأميركيين، بالاستناد إلى أن غالبية المشاريع سيجري تنفيذها على أراضي المملكة، كما أنه من غير المرجّح أن تعمل الشركات الأميركية على استحداث فرص عمل في مصانعها المحلية في وقت تنفذ فيه عمليات تسريح واسعة للعمال هناك بالتزامن مع تنامي أرباحها.

ورغم وعود التشغيل التي أعلنتها الإدارة أثناء وعقب الزيارة للسعودية، تبدو غالبية الأميركيين غير راضية عن سياسة الرئيس في خلق فرص العمل للمواطنين وفق أحدث مسوحات مركز غالوب الأميركي للأبحاث التي تلت الزيارة. أضف إلى ذلك أن صفقات التسلح، المكوّن الأبرز في المشاريع الأميركية-السعودية الموعودة، تواجه تحديا تشريعيًا داخل الكونغرس قد يحبط أجزاءً أساسية فيها ويقلل بالتالي من آثارها الاقتصادية، فقد تقدّم أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري مؤخرًا بمشروع قرار لحظر بيع أسلحة بقيمة نصف مليار من المزمع بيعها للسعودية وفق الاتفاقات. ويتوقع المشرّعون الأمريكيون أن يحظى القرار بمصادقة المجلس هذه المرة عقب فشلهم سابقا بتمرير واحد مشابه في عهد أوباما. يعزز القناعة بذلك تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن التي يهدد خطر المجاعة 17 مليونًا من سكانها، وفق الأمم المتحدة. يعتقد المشرّع الأمريكي أن الحملة السعودية في اليمن ستسهم في زيادة الكراهية للولايات المتحدة في أوساط اليمنيين وتدفعهم لمزيد من التطرف، لذا يحاول استدراك الانخراط الأمريكي في الحملة العسكرية هناك.

كان الرئيس أوباما قد أوقف فعلًا السير في إجراءات بيع كميات من القذائف دقيقة التوجيه للسعودية بعد تزايد التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في «عاصفة الحزم»، لكن المفارقة أن أولى قرارات ترامب فور توليه المنصب كانت مراجعة موقف سلفه من الصفقة، لينتهي إلى رفع الحظر عن الشحنة.

مثل تلك التفاصيل دفعت عشرات المحللين والمراقبين للاقتناع بأن زيارة ترامب وما دار خلالها، تعطي  صورة واضحة لما ستكون عليه سياسة الرئيس حيال منطقة الشرق الأوسط في المستقبل. فتدخل صهر ترامب لدى القطاع الخاص لإقناعه بإتمام صفقة تجارية بسعر أقل، لا يظهر فقط استعداد الإدارة لتجاوز البروتوكولات المعروفة ومبادئ حرية السوق في سبيل إنجاح «البزنس»، بل يكشف أيضا عن تراجع حقوق الإنسان على أجندة الإدارة الحالية وعن غياب «البعد الأخلاقي» كما تفهمه السياسة الأمريكية في إدارة التحالفات في المنطقة.

لكن الرئيس الأمريكي لا يبدو مهتما كثيرًا بمحاولات الإعلام رسمه كرئيس بلا معايير أخلاقية واضحة. فالانقلاب الجذري في خطابه تجاه السعودية، لوحده، يبيّن استعداده تغيير موقفه بشكل حاد متى دعت المصلحة ذلك، وأحيانًا على نحو كاريكتوري. السعودية التي اتهمها ترامب خلال السباق الرئاسي بالوقوف وراء تفجير برجي التجارة العالميين أصبحت مثالا «في الطيبة والدفء». الرئيس الذي خطب في الرياض محاولًا الفصل بين الإسلام والإرهاب، كان قبل ذلك بأشهر قليلة يزاود على منافسيه في الانتخابات باستعداده ربط الإسلام بالراديكالية، ويتحدى سلفه أوباما ومنافسته في السباق هيلاري كلنتون أن يتفوها بمصطلح «الإسلام الراديكالي»، بل إنه لم يتردد خلال إحدى مقابلاته المتلفزة باتهام الإسلام بكراهية الأمريكيين.

ترى غالبية الأمريكيين السعودية بشكل سلبي، إذ تبلغ نسبة «عدم تفضيلها» لدى المواطن الأميركي، وفق أحدث استطلاعات مركز غالوب للأبحاث، 61%

لا عجب بعد ذلك أن يرى بعض الأمريكيين زيارة ترمب للسعودية وما تمخّض عنها بوصفها لا أمريكية ولا أخلاقية، إذ كان لافتًا في الزيارة غياب الإشارة من قريب أو بعيد لملف حقوق الإنسان، وخصوصا حقوق المرأة، في المملكة. حتى أن ابنة الرئيس ومستشارته ايفانكا، لم تشر للأمر مطلقًا لدى لقائها عددًا من النساء الرياديات السعوديات بل اكتفت بالإشادة بمنجزات المرأة السعودية بوصفها «مصدر إلهام»، وغادرت بعد أن تلقت تبرعات سعودية وإماراتية بلغت  قيمتها 100 مليون دولار دعمًا لصندوق تمكين المرأة الذي تترأسه. بدا الامر تناقضًا صارخًا مع الحملة الشرسة التي شنّها ترامب سابقًا على هيلاري كلنتون، عندما اعتبر منظمة كلنتون «مؤسسة جرمية» نتيجة تلقيها أموالا سعودية مشابهة، وطالبها بإعادة الأموال للمملكة بل وتجريدها من حقها بالترشح.

بالمثل، لم يسلم  وزير الخارجية ريك تيليرسون من حملة الانتقادات التي هيمنت على تغطية الإعلام للزيارة، خصوصًا لدى إشارته لأوضاع حقوق الإنسان في إيران أثناء تواجده في السعودية التي تجاهل الإشارة لملفها في هذا الصدد. أضف لذلك توقفه غير مرة عند الدور الإيراني في صناعة التطرف دون المرور على الدور الذي يعتقد الأمريكيون أن الفكر السلفي الوهابي يلعبه في هذا الإطار.

عموما، ترى غالبية الأمريكيين السعودية بشكل سلبي، إذ تبلغ نسبة «عدم تفضيلها» لدى المواطن الأميركي، وفق أحدث استطلاعات مركز غالوب للأبحاث، 61 بالمئة. حتى أن المركز يشير إلى أن هذه النظرة السلبية للمملكة في أوساط الشارع الأمريكي تبدو من التفاصيل القليلة التي يجمع عليها أتباع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

من الحكمة التريث قبل إعطاء استنتاجات فاصلة عما يمكن أن تحققه الاتفاقات للاقتصاد الأمريكي، خصوصًا في ظل تأثر المعلومات والتحليلات المتوفرة حول الملف بحال الانقسام السياسي في البلاد. ما يبقى صحيحًا إلى حد بعيد هو تراجع الخطاب الحقوقي بشكل ملحوظ على أجندة الإدارة الأمريكية الجديدة لدى تعلق الأمر في الشرق الأوسط، تماما كما هو الحال في تراجعه داخل الولايات المتحدة نفسها.