الانتخابات البريطانية: تغيّرات محدودة ودلالات مبالغ فيها

الإثنين 12 حزيران 2017

في الساعة السابعة صباحًا، موعد بدء التصويت في الانتخابات المبكرة لمجلس العموم البريطاني، كنت على باب اللجنة الانتخابية التي تبعد أمتارًا عن مكان سكني، وكما توقعت، قليلٌ من الحماس كان باديًا على وجوه المصوّتين القلائل في تلك الساعة المبكرة، فنتائج التصويت في الدائرة كانت شبه محسومة. ذلك لأن حي لويشهام ديبفورد في جنوب شرق لندن، الذي تسكنه نسبة عالية من الأقليات والمهاجرين، لطالما صوت لحزب العمال، وتتمتع نائبته فيكي فوكسكروفت بشعبية معتبرة بين أبناء دائرتها. لكن الحملة الإنتخابية المتواضعة للحزب في الحي، خلال الأسابيع القليلة التي سبقت التصويت، لم تكن راجعة إلى أن مقاعده كانت مضمونة فقط، بل ربما لتوتر العلاقة بين قيادات الحزب وفيكي بسبب الموقف الذي اتخذته الأخيرة من الخلافات داخل حزب العمال، والذي مالت فيه إلى معسكر منافسي زعيمه كوربين في الانتخابات الداخلية الأخيرة.

في صباح اليوم التالي، لم تحمل نتيجة الدائرة أية مفاجآت. احتفظت فيكي بمقعدها كما كان متوقعًا، وبنسبة من الأصوات تجاوزت 70 بالمئة، وهي نسبة استثنائية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكثير من المقاعد في مجلس العموم يتم حسمها لصالح الفائز بنسبة لا تتجاوز 15 بالمئة من الأصوات. لكن ما كان لافتًا في نتيجة لويشهام ديبفورد، أن فيكي التي كانت مهددة من الحزب بفقدان فرصتها للترشح تحت مظلته لو كانت الانتخابات قد تمت في موعدها بعد ثلاثة أعوام – وهي المحسوبة على الجناح الخاسر في حزب العمال – حققت واحدة من أفضل النتائج للحزب في الانتخابات التي ينظر لنتيجتها كتأكيد على شعبية جناح كوربين الأكثر راديكالية، والتي لا تنتمي إليه فيكي بالطبع.

الدلالات المتناقضة لنتيجة دائرة لويشهام ديبفورد ليست استثناءًا، فالنتيجة الإجمالية للانتخابات حملت العديد من الدلالات المتناقضة. أكثر تلك الدلالات وضوحًا يمكن فهمها في ضوء تشابك عوامل تتعلق بالمنافسات الداخلية للأحزاب والسياسات العامة لها بالإضافة إلى مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي واستراتيجيته.

قبل الانتخابات العامة السابقة في عام 2015، وعندما ضمّن رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون في برنامج حزب المحافظين الانتخابي وعدًا بطرح عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي للاستفتاء العام، كانت نتائج استطلاعات الرأي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك على أن الرأي العام البريطاني كان ميّالًا للتصويت لصالح البقاء. دفعت تلك الاستطلاعات، التي ثبت عدم دقتها لاحقًا، كاميرون لمقامرة الاستفتاء بغية تحقيق عدد من الأهداف. عدا عن استخدام الاستفتاء كورقة للضغط أثناء مفاوضات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي حول مزيد من التنازلات لصالح الأولى، فإن كاميرون الذي لطالما أزعجه التيار المعادي للاتحاد الأوروبي داخل حزبه، أراد التخلص من منافسيه الداخليين، وعلى رأسهم بوريس جونسون والذي كان مرشحا بقوة لمنافسة كاميرون على منصب زعامة الحزب ورئاسة الحكومة. كان طرح الاستفتاء والفوز به، سبيلا لهزيمة جونسون ومعسكره، وتوحيد المحافظين، ولكن في الوقت ذاته، فإن التهديد الذي مثّله ارتفاع شعبية حزب الاستقلال البريطاني، والذي قاد الدعوة للخروج من الاتحاد الأوروبي، على حساب حزب المحافظين، كان يمكن ترويضه وعكس نتائجه لصالح المحافظين.

بالفعل نجحت مقامرة كاميرون في تدعيم موقف الحزب في انتخابات عام 2015، بعد تحول نسبة كبيرة من مؤيدي حزب الاستقلال للتصويت لصالح المحافظين، لكن المغامرة التي بدت مضمونة انتهت بنتائج لم يتوقعها كاميرون، وقادت لاستقالته بعد أن أتت نتائج الاستفتاء لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وعلى خطى سلفها، فإن رئيسة الوزراء، تريزا ماي، حينما دعت إلى الانتخابات المبكرة في نيسان/أبريل الماضي، كانت مدفوعة باستطلاعات الرأي التي رجحت ارتفاع شعبية حزبها إلى مستويات قياسية مقارنة بحزب العمال. كانت مقامرة ماي، التي كانت تحظى بالفعل بأغلبية مريحة إلى حد ما في مجلس العموم، تهدف إلى تحقيق ثلاث نتائج لا تختلف كثيرًا عن أهداف مقامرة سلفها. فأولًا، أرادت ماي، والتي تبنت موقفًا متشددًا تجاه مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، تدجين منافسيها داخل الحزب والذين على عكسها كانوا يحبّذون خروجا أقل خشونة. فعبر طرح التصويت في الانتخابات العامة بوصفه تصويتًا على استراتيجيتها الخشنة للخروج، وتفويضها بشكل شخصي لإتمامها، كانت ماي تأمل، بالإضافة إلى هزيمة منافسيها داخل حزبها، أن تستخدم ذلك التفويض كورقة قوة في مفاوضاتها مع الإتحاد الأوروبي. وبلا شك أيضًا، فإن حزب المحافظين وجد في تهاوي شعبية حزب العمال فرصة سانحة للإجهاز عليه تمامًا في انتخابات مبكرة، كان متوقعًا للمحافظين أن يفوزوا فيها بمئة مقعد إضافي.

وعلى الرغم من استطلاعات الرأي، والحملة المنظمة التي شنّتها وسائل الإعلام على حزب العمال وزعيمه كوربين بالأخص، فإن مغامرة ماي لحقت بسابقتها، بعد أن خسر حزبها 13 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، وخسر معها أغلبيته المطلقة. إلا أن تفحصًا للنتائج التي يُنظر لها بوصفها هزيمة مهينة لماي، وانتصارًا كبيرا لكوربين الذي فاز حزبه ب 30 مقعدا إضافيا مقارنة بالانتخابات السابقة، ربما تكشف عن دلالات أكثر تعقيًدا وأقل وزنًا مما يعتقد.

نظرة عابرة على النتائج تكشف أن التغييرات التي طرأت على الميول التصويتية تبدو في معظمها محدودة جدًا، وأن التحولات الجديرة بالاعتبار بينها لا يمكن فهمها بالضرورة كانكسار لموجة الصعود اليميني في أوروبا، أو كدلالة على تزايد شعبية تيار يساري أكثر راديكالية داخل حزب العمال وبين الناخبين في بريطانيا. فمن إجمالي 650 مقعدًا في مجلس العموم، حدث تغيير في 70 مقعدًا فقط، أي أقل من 11 بالمئة من إجمالي مقاعد المجلس. وبالرغم من الحملة الواسعة التي ركز عليها حزب العمال لدعوة الناخبين في التصويت، فإن نسبة المشاركة لم ترتفع سوى بنسبة تزيد عن 2 بالمئة بقليل. فقد المحافظون 33 مقعدًا، لكنهم كسبوا مقابلها 20 مقعدًا (غالبيتها في اسكتلندا وشمال انجلترا)، لتكون حصيلة خسائرهم 13 مقعدًا، ومعها الأغلبية المطلقة.

لكن الحقيقة أن شعبية حزب المحافظين لم تنخفض، بل وعلى العكس، فنصيبه من أصوات الناخبين ارتفع بنسبة تزيد عن 5 بالمئة عن الانتخابات السابقة، وحصل في هذه الانتخابات على مليوني وثلاثمئة وأربعين ألف صوت إضافي عمّا حصل عليه في عام 2015. وكذلك فإن حزب المحافظين لازال يحتفظ بـ 318 مقعدًا، وهو عدد أكبر من المقاعد مقارنة بحكومة كاميرون الأولى التي حصلت على أكثرية بـ308 مقعدًا فقط. إذًا لا شك أن شعبية المحافظين، بحساب عدد الأصوات لا المقاعد، أعلى من انتخابات 2015، وبحسب عدد المقاعد والأصوات فهي أعلى من انتخابات 2010 أيضًا.

الحقيقة أن شعبية حزب المحافظين لم تنخفض، بل وعلى العكس، فنصيبه من أصوات الناخبين ارتفع بنسبة تزيد عن 5 بالمئة عن الانتخابات السابقة

أما فيما يخص حزب العمال، فبالإضافة إلى المقاعد الثلاثين الإضافية التي ربحها، فإن حصته من أصوات الناخبين ارتفعت بنسبة 10 بالمئة مقارنة بانتخابات عام 2015، لكن لا ينبغي أن يغيب عنا أن حصته من نسبة الأصوات في تلك الانتخابات كانت بالأساس متواضعة، حيث لم تتجاوز 30 بالمئة سوى بقليل. الجدير بالملاحظة أيضًا، أن مكاسب الحزب من حيث نسبة الأصوات تركزت في لندن والشمال والساحل الشرقي لإنجلترا. وعلى الرغم من أن البعض يرى في مكاسب العمال دلالة على نجاح أجندة كوربين اليسارية في اجتذاب أصوات الطبقة العاملة، لكن هذا الاستنتاج غير متماسك أمام حقيقة أن مكاسب العمال الأكبر كانت في مناطق من ضمنها الجنوب الشرقي الإنجليزي، أي المنطقة الأكثر ثراءًا في المملكة المتحدة. تصبح تلك النتائج مفهومة لدى ربطها بتصويت الجنوب الشرقي ولندن تحديدًا بنسب عالية لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، ولذا ربما يمكن تفسير مكاسب العمال في الجنوب الشرقي لميل ناخبي المنطقة لصالح خروج أقل خشونة من الاتحاد الأوروبي، لا اجندة العمال اليسارية بالضرورة، وإن كانت قد نجحت جزئيًا في استعادة بعض من شعبية الحزب في مناطق الشمال، التي تشكل الطبقات العمالية نسبًا أعلى من عدد سكانها.

وعلى مستوى الأحزاب الأصغر، فإن الانتخابات الأخيرة شهدت عودة هيمنة الحزبين الكبيرين على الساحة السياسية. فحزب الديمقراطيين الأحرار فشل في تعويض خسائره الفادحة بعد انهياره في انتخابات عام 2015، مكتفيا بالفوز بأربعة مقاعد إضافية، وفقد حزب الاستقلال مقعده الوحيد، فيما كان الخاسر الأكبر هو الحزب القومي الاسكتلندي الذي فقد 21 من إجمالي مقاعده الـ 54، ليذهب أكثر من نصفها إلى حزب المحافظين، الذي ربح منها 12، فيما ربح العمال ستة منها فقط. تعود التغيرات في مقاعد اسكتلندا، والتي تشكل ثلث التغيير الإجمالي في مقاعد مجلس العموم، إلى تراجع شعبية الحزب القومي الاسكتلندي بسبب دعم زعيمته لفكرة إجراء استفتاء ثاني للاستقلال عن المملكة المتحدة. ارتفعت نسبة الأصوات التي نالها المحافظون هناك مقارنة بالانتخابات السابقة بنسبة 13بالمئة بينما فشل حزب العمال في استعادة شعبيته في معقله التاريخي في اسكتلندا، حيث كانت الزيادة في نسبة الأصوات التي حصل عليها هناك 2 بالمئة فقط.

تعود التقديرات الإعلامية المبالغ فيها لدلالات نتائج الانتخابات الأخيرة لمقارنتها باستطلاعات الرأي، التي ثبت عدم دقتها مرة بعد أخرى

تعود التقديرات الإعلامية المبالغ فيها لدلالات نتائج الانتخابات الأخيرة لمقارنتها باستطلاعات الرأي، التي ثبت عدم دقتها مرة بعد أخرى، وعلى خلفية مقارنتها باستفتاء الـ«بريكزت» وكذلك بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وبعدد من الانتخابات الأوروبية والتي اعتبرت مؤشرًا على صعود اليمين والقومية على حساب اليسار والانفتاح عالميًا. لكن بوضع تلك المقارنات غير الدقيقة والمضللة جانبًا، ومعها طموحات ماي المحطمة، فإن مقارنة نتائج تلك الانتخابات بسابقتها، والنظر إلى نتائجها العملية تكشف عن القليل من التغييرات التي يمكن تقريرها. إذ على الرغم من المهانة الأدبية التي لحقت بماي، والتي ربما لن تتعافى منها أبدًا، فهي عمليًا احتفظت بتشكيل الحكومة بدعم من الحزب الأيرلندي الوحدوي، ومع أن يدها لم تعد مطلقة بسبب الأغلبية الهشة التي تملكها في مجلس العموم، فإن «البريكزت الخشن» الذي لن تصبح قادرة على تمريره، لم يكن بالضرورة خيارًا حقيقيًا بأي حال. فالنتائج الكارثية على المملكة المتحدة، والتي ربما ستحتاج عقودًا للتعافي منها، في حالة الخروج دون اتفاق، تدفع الكثيرين للاعتقاد بأنه كان مجرد ورقة تهديد كانت ماي تبغى استخدامها في التفاوض مع الأوروبيين لا الإقدام عليها بشكل حقيقي. ومع أن ماي ربما قد فقدت موقعًا تفاوضيًا قويًا كانت تتمناه، إلا أن هذا ربما يقود لحوار أكثر هدوءًا مع الأوروبيين واستماعًا لأصوات معارضيها من داخل حزبها وخارجه، وهو غالبا ما يمكن أن يقود لتوافق على خروج أكثر اعتدالًا وفي مصلحة الجميع.

أما عن حزب العمال فإن كوربين نجح بالفعل في تدعيم زعامته للحزب، ودفعه أكثر ناحية اليسار، وكذلك إثبات أن أجندته الراديكالية قادرة على اجتذاب الناخبين. لكن تلك المكاسب تظل معنوية، دون استعادة لشعبية الحزب في أسكتلندا، وربما لم يكن لتلك المكاسب أن تتحقق إن لم يكن «البريكزت» محال سؤال. وأخيرًا، ومع عودة الهيمنة القطبية على السياسة البريطانية، والخسائر الفادحة للقوميين في اسكتلندا، فإن فكرة استفتاء ثاني للاستقلال الاسكتلندي أصبحت غير مطروحة، على الأقل في المستقبل القريب.